بقلم/ د. جيريت كورتس
عرض وترجمة/ شيرين ماهر – ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
نشرت مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية SWP دراسة تحليلية مطولة بعنوان «السلام في ظل الأزمات.. حل النزاعات في القرن الإفريقي» بقلم دكتور «جيريت كورتس» Gerrit Kurtz، خبير شؤون الشرق الأوسط وأبحاث إفريقيا بالمؤسسة، تطرق خلالها إلى الأسباب الهيكلية وراء الأزمة العميقة التي يعانيها نظام حل النزاعات الدولية في مناطق الصراع، لافتاً إلى مجموعة من المستجدات مثل انسحاب «بعثات حفظ السلام» التابعة للأمم المتحدة، وغياب المعايير المُنظّمة لاتفاقيات السلام المُبرمة، مع الإشارة إلى أنه كثيراً ما أدت الاتفاقيات السابقة إلى ترسيخ الأنظمة الاستبدادية بدلاً من تغييرها.
واعتبر «كورتس» منطقة القرن الإفريقي مثالاً جلياً على تلك الإشكالية؛ مُستعرضاً حالات «جنوب السودان»، و«السودان»، و«إثيوبيا» كنماذج.
ونظراً لضعف آليات تنفيذ الاتفاقيات وتواضع الدعم السياسي المُقدَّم، لا تتمخض هذه الاتفاقيات عن عملية سياسية شاملة عقب وقف إطلاق النار لمعالجة أسباب النزاع الجذرية. ومن ثَمّ، يُشكِّل ارتداد الأعمال العدائية نتيجة حتمية.
وبالنظر إلى هذه الدائرة المفرغة، ينبغي استخلاص الدروس لإعادة ضبط وتوجيه المساهمات الأوروبية من أجل حلّ نزاعات منطقة القرن الإفريقي.
فمن الضروري التخلي عن آليات مُتقادِمة، وكذلك عدم اتباع أساليب أمنية بحتة بدافع الإحباطات. بل يتعين على أوروبا دعم مبادرات السلام المدنية، والمساعدة في تفكيك اقتصادات العنف، وإعادة النظر في تعاونها مع الحكومات التي تُصعّد وتيرة الصراع.
تتكون الدراسة من ملخص تنفيذي، وثلاثة محاور رئيسية ذات محاور فرعية، ومجموعة من التوصيات:
▪ ملخص تنفيذي.
▪ المحور الأول: نظام حل النزاعات الدولية:
– نمطية آليات حل النزاعات.
– المعايير الحالية التي استندت إليها جهود حل النزاعات.
– التغيرات في الظروف الهيكلية.
– كثير من الحروب، قليل من السلام: تصعيد يعج بالأزمات.
▪ المحور الثاني: النزاعات المسلحة وعمليات السلام في القرن الإفريقي:
– اتفاق السلام الشامل (2005) في السودان: نموذج ذو إشكالية.
– جنوب السودان: اتفاق تحت الضغط، ومرحلة انتقالية لا نهائية.
– السودان وجنوب السودان: تراجع تكلفة الدخول إلى ساحة التنافس السياسي.
– إثيوبيا: وقف إطلاق النار من دون عملية سياسية.
▪ المحور الثالث: التداعيات: كيفية تشرذم الوساطة وعمليات السلام:
– الوساطة التنافسية.
– توظيف الاتفاقيات السلمية لأغراض سلطوية.
– ضعف الرصد وآليات دعم التنفيذ.
– مزيد من هشاشة هياكل السلطة.
▪ الاستنتاجات والتوصيات.
ملخص تنفيذي:
تتناول الدراسة أزمة حل النزاعات الدولية متعددة الأوجه، مع التركيز على منطقة القرن الإفريقي التي تشهد تصاعداً في العنف والنزاعات المسلحة، حيث شهدت المنطقة نزاعات مدمرة في جنوب السودان، شمال إثيوبيا، والسودان.
كما تُشير الدراسة إلى أن نظام حل النزاعات الدولية، الذي تقوده الأمم المتحدة والمنظمات الإقليمية، يتعرض لضغوط شديدة. وعقب الحرب الباردة، تطور «نهج معياري» لحل النزاعات المسلحة- خاصةً الحروب الأهلية- يعتمد على وساطة منسقة، اتفاقيات تقاسم السلطة، وهياكل تنفيذ دولية.
وقد طُبقت هذه المقاربات في جنوب السودان (بعثة الأمم المتحدة، إيجاد، الاتحاد الإفريقي)، وفي السودان (يوناميد، ومشاركة خمس منظمات دولية بالإضافة إلى دول أخرى لإنهاء حرب 2023)، وفي إثيوبيا (اتفاقية بريتوريا وبعثة مراقبة صغيرة للاتحاد الإفريقي). وقد لعبت الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون والأفارقة دوراً مركزياً في هذه الجهود.
تتبع الدراسة تطور أزمة إقرار السلام بمستوياتها المتعددة في ظل تنامي النزاعات الدولية، مع التركيز على نماذج (جنوب السودان، السودان، وإثيوبيا).
كما تناقش نشأة هذا الوضع على المستويين العالمي والإقليمي. علاوةً على تسليط الضوء على مناهج حل النزاعات المطبقة منذ اتفاقية السلام الشامل في السودان عام 2005م، وتداعيات الأزمة على ممارسة الوساطة وعمليات السلام في المنطقة. وأخيراً، تخلصُ الدراسة إلى اهتمام ألمانيا بحل النزاعات الدولية، واستثمارها مالياً وسياسياً في إقامة نظام متعدد الأطراف، فضلاً عن حرصها على دعم المبادرات المحلية الرامية إلى التماسك الاجتماعي ووقف إطلاق النار والمصالحة، لتحليل تشابكاتها العابرة للحدود مع أطراف النزاع، والدعوة إلى مزيد من المساءلة.
المحور الأول: نظام حل النزاعات الدولية:
1) نمطية آليات حل النزاعات:
تستعرض الدراسة نظرة القوى العظمى إلى الحروب الأهلية من منظورها الأيديولوجي خلال الحرب الباردة، حيث استفادت أطراف النزاع من الدعم السياسي والعسكري عندما توافقت أهدافها مع الرؤى الاشتراكية أو الرأسمالية للاتحاد السوفييتي أو الولايات المتحدة الأمريكية. فعادةً ما كانت الحروب الأهلية تنتهي بانتصار عسكري لأحد الأطراف. ومن آخر الأمثلة على ذلك الإطاحة بنظام «ديرج» الشيوعي في إثيوبيا، والذي تحقق عام ١٩٩١م على يد متمردي جبهة تحرير شعب تيجراي TPLF بالسيطرة على أديس أبابا. ومع ظهور الهيمنة الأحادية في مطلع التسعينيات، تغيرت الممارسات الدولية. فقد أرست الولايات المتحدة، ولا سيما داخل الأمم المتحدة، معياراً دولياً لحل الحروب الأهلية. وقد اتسمت هذه العملية بثلاثة عناصر رئيسية:
▪ وساطة دولية بين أطراف النزاع العسكري والسياسي، تستند إلى آلية وساطة (منسقة نسبياً)، تضم منظمات دولية وعدداً محدوداً من الدول المؤثرة.
▪ اتفاقية سلام مكفولة دولياً تضمن تقاسم السلطة بين أطراف النزاع، وتسريح الجهات الفاعلة غير الحكومية، والالتزام بمعالجة أسباب النزاع المحددة بشكل مشترك.
▪ هيكل دولي للرصد وتنفيذ التزامات الاتفاقية، يرتبط غالباً ببعثات حفظ سلام متعددة الأطراف، وموارد إعادة الإعمار، والدعم الدبلوماسي.
وعلى الرغم من منطقية هذا النهج، وتوافقه مع النتائج العلمية حول كيفية حل النزاعات المسلحة بفعالية، فإن معدل النزاعات التي شهدت وساطة قد تراجع منذ عام 2015م بعد أن تجاوز 40% في أوائل التسعينيات ومنتصف العقد الأول من الألفية الثانية. وتختلف النزاعات الداخلية عن النزاعات بين الدول، إذ يصعب فيها الفصل السياسي بين الأطراف المتنازعة، رغم إمكانية الفصل الجغرافي في بعض حالات الحكم الذاتي. لكن الاستجابة الدولية لبعض الحروب بين الدول، خصوصاً النزاعات الحدودية، قد تشابهت كما حدث في الحرب الإثيوبية الإريترية (1998–2000م)، التي انتهت باتفاقية الجزائر للسلام بوساطة منظمة الوحدة الإفريقية والأمم المتحدة، وتولت بعثة الأمم المتحدة لاحقاً مراقبة وقف إطلاق النار حتى عام 2008م. ويتركز النقاش، في هذه الدراسة، حول النزاعات التي تشمل دولة واحدة على الأقل، بما فيها الحروب الأهلية الدولية التي تتدخل فيها حكومات أجنبية دعماً لأحد أطراف النزاع، وهي ظاهرة ازدادت أهميتها منذ عام 2015م، مع تداخل الحدود والصراعات والهويات، خاصةً في مناطق مثل القرن الإفريقي.
2) المعايير الحالية التي استندت إليها جهود حل النزاعات:
استند نهج حل النزاعات المسلحة الذي ساد منذ نهاية الحرب الباردة إلى ثلاثة افتراضات رئيسية تتعلق بتوزيع القوة دولياً، وتأثير المعايير الليبرالية، وتوافر حد أدنى من الشرعية لدى أطراف النزاع. واستند هذا النهج إلى مجموعة من المعايير التي أعطت الأولوية للتفاوض بدلاً من الحسم العسكري، ومساءلة الحكومات القمعية، وتوفير الدعم السياسي والمالي لعمليات السلام، إلى جانب معالجة الأسباب الجذرية للصراع والاختلالات الهيكلية وقضايا توزيع السلطة خلال مرحلة ما بعد النزاع. وفي الوقت ذاته، برزت معضلة تتمثل في أن الأطراف المسلحة تمتلك القدرة على إنهاء الحرب، بينما تتطلب عملية إرساء السلام توسيع المشاركة السياسية وتمكين القوى المدنية والفئات المهمشة، وهو ما دفع عمليات السلام إلى محاولة بناء مؤسسات أكثر شمولاً، رغم ميل الأطراف المسلحة إلى حصر المفاوضات أو إشراك شخصيات مدنية موالية لها. غير أن النهج الليبرالي واجه تناقضات عملية وسياسية، إذ أدى في بعض الحالات إلى إبرام تسويات بين النُّخب بدلاً من تحقيق مشاركة مجتمعية واسعة. كذلك اتسمت بعض سياسات الدول الغربية تجاه بناء السلام بالتناقض، مع استعدادها للتراجع عن بعض أهدافها الليبرالية عندما تتعارض مع مصالحها الإستراتيجية، مثل الحد من الهجرة، ومكافحة الإرهاب، والحفاظ على علاقاتها مع الحلفاء. وبذلك، يكشف هذا النهج عن ثغرات بين مبادئه المعلنة والمصالح السياسية والإستراتيجية للدول الداعمة له.
3) التغيرات في الظروف الهيكلية:
يواجه النهج النمطي/التقليدي في التعامل مع النزاعات أزمة حقيقية جراء تراجع صلاحية المعايير التي بُني عليها، في ظل تحولات هيكلية في النظام الدولي وتغير موازين القوة المادية والمعايير والمؤسسات الدولية، خاصةً في مناطق مثل القرن الإفريقي. لقد أصبح توزيع القوة أكثر تشتتاً واختلافاً من إقليم إلى آخر، مع تنامي أدوار قوى خارجية جديدة. وقد أدى ذلك إلى اتساع خيارات الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية في اختيار شركائها، وإلى تراجع قدرة الولايات المتحدة على فرض تحالفاتها، كما ظهر في محاولتها الحد من النفوذ الصيني في إثيوبيا، والتي لم تحقق أهدافها في ظل توجه «آبي أحمد» نحو تعزيز التعاون مع الإمارات. وأدى هذا التنافس بين القوى الإقليمية والدولية إلى زيادة فرص تأجيج النزاعات، مما أضعف تأثير المؤسسات الإقليمية، خاصةً الاتحاد الإفريقي وإيجاد، في وقتٍ لم تتمكن فيه الدول الإفريقية من توفير الموارد الكافية أو تحقيق الوحدة السياسية. كما أدى تشتت السلطة وتعدد القوى المتنافسة إلى إضعاف قدرة الوسطاء الدوليين على التأثير، إذ أصبحت أطراف النزاعات أكثر قدرة على خلق بدائل للدعم والشرعية. وبالتوازي مع ذلك، تراجع المعيار الدولي الذي كان يشجع على إنهاء النزاعات عبر التفاوض، نتيجة صعود النزعة القومية والانعزالية والاستقطاب الداخلي في بعض الدول المؤثرة. وانعكست هذه التحولات أيضاً على الاقتصاد السياسي للنزاعات المسلحة في ظل تدفقات سوق الأسلحة، مما يسمح للأطراف بالاستمرار في القتال لفترات أطول ويقلل اعتمادها على قواعدها المحلية. كما يتيح تعدد الداعمين الخارجيين للأطراف المتنازعة استخدام بعضهم ضد بعض، مما يزيد خطر الانقسام والتشرذم وظهور جماعات فرعية جديدة.
4) كثير من الحروب، قليل من السلام: تصعيدٌ يعج بالأزمات:
مما سبق عرضه، خلص الباحث إلى أن المناهج النمطية لإدارة وحل النزاعات لم تخفق في مجملها، بل حققت نجاحاتٍ ملموسة، لكنها لم تعد تناسب التطورات الراهنة. ففي العقد الأول من الألفية الثانية، انخفض عدد النزاعات المسلحة التي تشمل دولةً واحدةً انخفاضاً ملحوظاً. وقد انتهى عددٌ أكبر من هذه النزاعات مقارنةً بالنزاعات الجديدة التي ظهرت لاحقاً (انظر: الشكل 1).
شكل (1): عدد النزاعات المسلحة التي شاركت فيها دول وعدد حالات النزاع المنتهية خلال الفترة (1989-2023):

المصدر: برنامج بيانات النزاعات في أوبسالا UCDP، «مجموعة بيانات النزاعات المسلحة» UCDP/PRIO.
ولكن، منذ عام 2015، شهد العالم تصاعداً متسارعاً في عدد النزاعات المسلحة- خاصةً النزاعات مع الجماعات المسلحة التي تم إقصاؤها من عمليات التفاوض- والحروب الأهلية ذات الطابع الدولي التي تتدخل فيها دول خارجية عسكرياً، في الوقت الذي تراجعت فيه النزاعات المنتهية باتفاقيات سلام أو بانتصار أحد الأطراف.
كما بدأت الحروب بين الدول في الازدياد مجدداً، فيما ازدادت ضراوة هذه الحروب، مع تصاعد العنف ضد المدنيين والبنية التحتية وانتهاكات القانون الدولي وحقوق الإنسان. وفي المقابل، أصبحت أدوات إدارة النزاعات التقليدية أقل استخداماً وكفاءة؛ فتراجع دور مجلس الأمن الدولي بسبب صعوبة تحقيق التوافق السياسي بين أعضائه، كما تقلصت بعثات حفظ السلام والقوات المنتشرة فيها إلى نحو النصف بين عامي 2015م و2025م.
وتزامن ذلك مع انخفاض تمويل إقرار السلام والوساطة متعددة الأطراف، نتيجة التقشف وارتفاع الإنفاق الدفاعي، وخيبة الأمل من التدخلات الدولية السابقة، وتنامي التيارات القومية واليمينية المناهضة لجهود السلام، الأمر الذي ألحق ضرراً ملحوظاً بالدول الأشد فقراً وتأثراً بالنزاعات.
ولم يقتصر التراجع على حجم التدخل الدولي وتمويله، بل امتد إلى جودة عمليات حل النزاعات نفسها؛ إذ أصبحت اتفاقيات إنهاء الحروب تقتصر غالباً على وقف إطلاق النار دون مواصلة جهود معالجة أسباب النزاع الجذرية. وبذلك ظهرت أزمة في نظام حل النزاعات الدولية، وفي المعيار الذي كان سائداً في التعامل مع الحروب الأهلية، مُتخذةً أربعة أبعاد رئيسية:
▪ تراجع الآليات الرئيسية (الوساطة المتعددة، اتفاقيات تقاسم السلطة، بعثات السلام متعددة الأوجه).
▪ انخفاض المخصصات المالية في مجال إرساء السلام الأوسع نطاقاً، بما في ذلك التعاون الإنمائي والمساعدات الإنسانية.
▪ تقلص الوحدة السياسية بين الدول الرائدة في المنظمات الدولية (مثل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي).
▪ تراجع جاذبية مناهج حل النزاعات السابقة (عبر اتفاقيات النُخب) نتيجة فشل التحول الليبرالي المتوقع، وتكرار اندلاع أعمال العنف أو ترسيخ السلطة الاستبدادية.
المحور الثاني: النزاعات المسلحة وعمليات السلام في القرن الإفريقي:
في العقود الأخيرة، شكّل القرن الإفريقي بؤرةً للصراعات العالمية. ونتيجةً لذلك، استُخدمت آليات الإجراءات القياسية للتعامل مع النزاعات المسلحة فيه بصفة متكررة. وقد شهدت جميع الدول الأعضاء في الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد) أعمال عنف محلية في تاريخها ما بعد الاستعمار، وغالباً ما شهدت أيضاً حروباً أهلية على المستوى الوطني أو نزاعات مع جيرانها. وكان للإجراءات القياسية أثرها البالغ في السودان وجنوب السودان، وإلى حدٍّ أقل في إثيوبيا (انظر: الشكل 2).
شكل (2): نزاعات مختارة في السودان وجنوب السودان وإثيوبيا:

المصدر: مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية SWP.
بالنسبة للأنظمة السياسية في القرن الإفريقي، يكمن التحدي الرئيسي في مواجهة العنف المسلح في إدارة عمليات التحول الهيكلي بطريقة تضمن عدم انهيار الدول تحت وطأة أعمال العنف والنزوح والاضطرابات الاقتصادية.
وتشمل هذه العمليات تحول النخبة الحاكمة في إثيوبيا (من جبهة تحرير شعب تيجراي إلى حزب الازدهار بزعامة رئيس الوزراء آبي أحمد)، وتحول القطاع الأمني في البلدان الثلاثة (من الاستعانة بمصادر خارجية إلى مركزية احتكار القوة)، والتغير في الاقتصاد السياسي (من استغلال الموارد الطبيعية كالنفط والذهب إلى اقتصاد كلي متنوع القطاعات وموجه نحو توفير فرص العمل).
في حالة النزاعات المسلحة، لا تُعدّ استعادة الوضع السابق أو الحفاظ عليه خياراً مطروحاً عموماً، لأن هذا الوضع لن يكون مستقراً (على المدى الطويل). بينما يشير حل النزاعات الدولية، ضمنياً أو صراحةً، إلى حالة أولية يُفترض أنها مستقرة. كما تفترض أن الأطراف المتنازعة تمتلك حدّاً أدنى من الشرعية، وهو ما يتضاءل بقوة في السودان وجنوب السودان وإثيوبيا- نظراً لتفكك الجماعات المسلحة، ودعمها من الخارج، وفساد النُّخب.
1) اتفاق السلام الشامل (2005) في السودان: نموذجٌ ذو إشكالية:
حتى يومنا هذا، لم يحقق أي اتفاق سلام في القرن الإفريقي أثراً مماثلاً لاتفاق السلام الشامل CPA، الذي وُقِّعَ في يناير 2005م بين حكومة الخرطوم التي يسيطر عليها حزب المؤتمر الوطني NCP، ومتمردي الحركة/الجيش الشعبي لتحرير السودان SPLM/A، حيث أنهت الحرب الأهلية السودانية الثانية، وأصبحت نموذجاً لعمليات السلام اللاحقة في القرن الإفريقي. قادت «إيجاد» المفاوضات منذ عام 1994م، بدعم من الولايات المتحدة وبريطانيا والنرويج، واستندت العملية إلى اتفاق الأطراف على مبادئ سياسية أساسية، مع وقف إطلاق النار ومراقبة دولية محدودة، إلى جانب الضغوط والموارد التي وفرتها الترويكا. وبعد توقيع الاتفاق، أنشأ مجلس الأمن بعثة متعددة الأوجه للإشراف على تنفيذه. وقد أنهت الاتفاقية الحرب فعلياً، ثم أفضت إلى استفتاء سلمي نسبياً على استقلال جنوب السودان عام 2011م وقبول الخرطوم بالنتيجة.
وقد استند هذا النجاح إلى مجموعة من الظروف المواتية، كالمصالحة المحلية بين قبيلتي «الدينكا» و«النوير»، والوحدة النسبية للأطراف المتفاوضة، فضلاً عن ارتفاع عائدات النفط التي وفرت حوافز مالية للنخب والجماعات المسلحة لتنفيذ الاتفاق. إلا أن هذه الظروف لم تتكرر في النزاعات اللاحقة (انظر: الشكل 3)، كما في أزمة دارفور.
فعلى الرغم من تضمن الاتفاق القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية، فإنه لم يكن جامعاً لمختلف القوى السودانية؛ وأُعيد اختزال أزمات النظام السياسي في الصراع بين الشمال والجنوب. كما عزز الاتفاق هيمنة المؤتمر الوطني والحركة الشعبية لتحرير السودان، وجرى تنظيم انتخابات 2010 بطريقة همّشت الأحزاب الصغيرة.
ومن ثَمّ، يكشف نموذج اتفاق السلام الشامل أن مفهوم «السلام الليبرالي» في التطبيق العملي لم يؤدِّ بالضرورة إلى معالجة المشكلات السياسية والاجتماعية بشمولية، بل انصرف في كثير من الأحيان إلى تأمين مصالح النخب والقوى المهيمنة.
شكل (3): نزاعات مختارة واتفاقيات سلام في القرن الإفريقي:

المصدر: مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية SWP.
2) جنوب السودان: اتفاق تحت الضغط، ومرحلة انتقالية لا نهائية:
لم يتغير نهج الوساطة في النزاعات في السودان بشكل كبير عند اندلاع الحرب الأهلية في جنوب السودان في ديسمبر 2013م. إلا أن الوساطة تعثرت بسبب سعي الدول الأعضاء في «إيجاد» لتحقيق أهداف متباينة. بل إن أوغندا والسودان قدمتا من جانب واحد دعماً عسكرياً للأطراف المتحاربة المتنافسة. في المقابل، شاركت حكومة جنوب السودان في العديد من قمم «إيجاد» لحل النزاع، على عكس خصمها، الجيش/الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة SPLM/A-IO بزعامة نائب الرئيس السابق «رياك مشار».
لم يتم التوصل إلى اتفاق تسوية النزاع في جمهورية جنوب السودان ARCSS إلا بعد ضغوط كبيرة من الولايات المتحدة.
وفي يوليو 2016م، انهارت حكومة الوحدة الوطنية التي كان يرأسها «كير» و«مشار»، واندلعت أعمال عنف واسعة النطاق في جوبا ومناطق أخرى من البلاد. وقد قادت إيجاد عملية السلام المُنشّطة في عامي 2017م و2018م في البداية، بدعم من الترويكا. إلا أنها لم تُختتم إلا بعد انتقال المفاوضات من أديس أبابا إلى الخرطوم، حيث تولت السودان وأوغندا زمام المبادرة. لقد تفاوض الرئيس السوداني «عمر البشير» ونظيره الأوغندي «يويري موسيفيني» شخصياً مع «كير» و«مشار» في الخرطوم.
وبذلك، تم التوصل إلى اتفاقَي السلام الأساسيين في جنوب السودان – اتفاق ARCSS لعام 2015م والاتفاق المُجدَّد R-ARCSS لعام 2018م- نتيجة ضغوط سياسية قوية من جانب الولايات المتحدة في الحالة الأولى، ومن جانب الدولتين المجاورتين الرئيسيتين في الحالة الثانية. إلا أن هذه الأطراف لم تحافظ على نفوذها بعد توقيع الاتفاقين. ولم يكن لدى الأطراف المتنازعة حافز يُذكر لتحمل مسؤولية التنفيذ الكامل للاتفاقيات. وبعد تشكيل حكومة وحدة وطنية في جوبا عام 2020م، تم تمديد الفترة الانتقالية، التي كان من المفترض أن تنتهي بإجراء انتخابات، مرتين، مدة كل منهما عامان (كان آخر تمديد حتى نهاية عام 2026م).
3) السودان وجنوب السودان: تراجع تكلفة الدخول إلى ساحة التنافس السياسي:
لقد ظهر نهج مختلف في جهود الوساطة في السودان وجنوب السودان، التي لم تتحقق تحت ضغوط خارجية. فقد عكست هذه الجهود مفهوم الاقتصاد السياسي العسكري في البلدين، أي «السوق السياسية»، حيث يتبادل الفاعلون السياسيون والعسكريون- بوصفهم أصحاب مشاريع سياسية وعسكرية- الولاءات.
وتتمثل عملة هذا السوق في المال، من ناحية، وأي مآرب مادية تنشأ عن الوصول إلى المناصب أو التراخيص أو الامتيازات، من ناحية أخرى. ورغم أن العنف يضر بالمصالح، فإنه غالباً ما يكون أداةً لفرض المصالح الخاصة وتأكيد العزم وتوحيد الصفوف. ولهذا السلوك تبعات على تعريف الحرب والسلام من منظور هذه النخب. بالنسبة للقوى الفاعلة الرئيسية على الساحة السياسية، لا يُمثل «السلام» نهايةً للعنف السياسي ولا خلق بيئة آمنة يعيش فيها المواطنون دون خوف. بل ينطوي على تحولات محددة في العنف، بحيث لا يعود الأداة الرئيسية للممارسات السياسية فيما بينهم، وعلى اتفاق سياسي يمنحهم شرعية خارجية، ويضمن عدم اعتبار أي عنف لاحق «نزاعاً مسلحاً» ولا يُهدّد هذه الشرعية.
لم تشارك سوى الفصائل المنشقة الأضعف من الجماعات المسلحة في الاتفاقات التي تم التوصل إليها، مثل اتفاق دارفور للسلام DPA لعام 2006م، لأنها توقعت الحصول على بعض المزايا. كما استخدمت الجماعات المسلحة العنف كأداة تفاوض لتحسين وصولها إلى هذه المزايا. ساعدت الاتفاقات القادة على تأمين مناصب سياسية من ناحية، وأفراد الجماعات على الحصول على رواتب، من ناحيةٍ أخرى، الأمر الذي عزز الولاء للقيادة العليا.
وفي جنوب السودان، أبرمت الحكومة اتفاقيات مع فصائل منشقة من الجماعات المسلحة بهدف زيادة تفتيتها وإضعافها. وعقب الإطاحة بالرئيس عمر البشير، الذي حكم السودان لفترة طويلة، في أبريل 2019م، توصلت الحكومة إلى اتفاق جوبا للسلام JPA مع عدة جماعات مسلحة خلال الفترة الانتقالية في أكتوبر 2020م. وبفضل نطاقها الإقليمي الواسع، بدا أن اتفاق جوبا يتغلب على نقطة ضعف في الاتفاقيات السابقة، والتي تمثلت في أن الاتفاقيات مع الجماعات المسلحة في منطقةٍ ما كانت تزيد من دوافع العنف في منطقة أخرى.
وقد صوّر المشاركون هذا التحول باعتباره نجاحاً، لكنه أخفى حقيقة أن الأطراف الموقعة من شمال البلاد ووسطها لم تكن قد لعبت، عملياً، أي دور يُذكر قبل بدء المفاوضات. أما الجماعات الموقعة من دارفور وولاية النيل الأزرق، فلم يكن لدى بعضها سوى قوات موجودة في المنفى بليبيا، بينما لم يكن لدى البعض الآخر سوى بضع مئات من المقاتلين داخل الأراضي السودانية.
في المقابل، رفضت الجماعتان اللتان كانتا تسيطران فعلياً على مناطق واسعة ذات أهمية، إحداهما في وسط دارفور والأخرى في جبال النوبة، الانضمام إلى العملية. ويتعلق الأمر، في الحالة الأولى، بفصيل جيش تحرير السودان SLA بقيادة عبد الواحد محمد نور، وفي الحالة الثانية، بفصيل الحركة الشعبية لتحرير السودان/الجيش الشعبي لتحرير السودان- شمال SPLM/A- North الخاضع لسيطرة «عبد العزيز الحلو».
4) إثيوبيا: وقف إطلاق النار من دون عملية سياسية:
هناك نهج مختلف في اتفاقية بريتوريا، التي أبرمتها الحكومة الإثيوبية مع جبهة تحرير شعب تيجراي في نوفمبر 2022م لإنهاء الحرب في شمال البلاد. لقد كان اتفاق بريتوريا في الأساس اتفاقاً لوقف إطلاق النار مع بنود أمنية، ولذلك لم يكن اتفاقاً «شاملاً»، إذ افتقر إلى أي إشارة إلى الأسباب الجذرية للنزاع، ولم تُذكر العناصر الليبرالية، مثل معالجة جرائم الحرب، إلا بإيجاز دون تفصيل. ضمن الاتفاق استعادة السيطرة الفيدرالية على إقليم تيجراي، ونزع سلاح قوات دفاع تيجراي وتسريحها وإعادة دمجها تدريجياً.
وبينما كان من المقرر تمثيل تيجراي في البرلمان في أديس أبابا، الأمر الذي استلزم إجراء انتخابات فرعية، لم يكن من المتوقع مشاركة قوات دفاع تيجراي في حكومة وطنية. ويعكس ذلك أيضاً ضعف الموقف العسكري لقوات دفاع تيجراي، التي كانت، وقت مفاوضات بريتوريا، على وشك فقدان السيطرة على العاصمة الإقليمية، ميكيلي، لصالح القوات المسلحة الإثيوبية.
أنهى اتفاق بريتوريا الأعمال العدائية في تيجراي بسرعة وفعالية. ومارست الحكومة الإثيوبية وقوات دفاع تيجراي سيطرة مباشرة على قواتهما النظامية. رفعت الحكومة العزلة الجغرافية عن إقليم تيجراي وأعادت الخدمات الأساسية.
إلا أن العملية السياسية التي نص عليها الاتفاق بين جبهة تحرير شعب تيجراي والحكومة الوطنية لم تُنفذ بالشكل المأمول. كما لم تتخذ الحكومة أي إجراء لمنع القوات الإريترية من البقاء متمركزة على الأراضي الإثيوبية قرب الحدود. وظل الجزء الغربي من تيجراي، الذي احتلته ميليشيات أمهرة في الأسابيع الأولى من الحرب، محل نزاع بين إقليمي تيجراي وأمهرة. وبقي العديد من النازحين في مخيمات لسنوات عديدة بعد الاتفاق، مما أدى إلى ضغط مستمر على المجتمع التيجرايي.
المحور الثالث: التداعيات: كيفية تشرذم الوساطة وعمليات السلام:
لقد عكست منهجية حل النزاعات في السودان وجنوب السودان وإثيوبيا التغيرات المذكورة في البيئة الدولية (تراجع الهيمنة الأمريكية، وتزايد أنشطة القوى المنافسة، وتآكل المعايير الدولية)، فضلاً عن تفاقم الاقتصاد السياسي للنزاعات المسلحة (زيادة التشرذم، وتراجع الشرعية).
ويتجلى هذا التحول في العناصر الثلاثة للممارسة المعتادة: الوساطة، والاتفاقيات، ودعم التنفيذ. ونتيجةً لذلك، أصبحت الأسواق السياسية على المستويين الإقليمي والوطني أقل إلزاماً وأكثر تعقيداً، الأمر الذي يُلزِم الحكومات في القرن الإفريقي ببذل المزيد لضمان بقائها.
1) الوساطة التنافسية:
تتزايد صعوبة تسوية النزاعات كلما تعددت الجهات الخارجية المنخرطة فيها. وفي ظل تراجع الاهتمام الأمريكي والأوروبي بالقرن الإفريقي نتيجة التركيز على مواجهة الصين وروسيا، ظهر توجه نحو تعزيز أدوار الدول الإقليمية والمنظمات الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الإفريقي، غير أن هذا التوجه لم يلقَ سوى نجاح محدود بسبب تنافس القوى الخارجية على نفوذ الوساطة، إلى جانب تنافس المنظمات الدولية على الموارد والشرعية والدعم. وقد تجلى ذلك في نزاعات السودان وجنوب السودان وإثيوبيا، حيث أسهمت مصالح الدول المجاورة والقوى الشرق أوسطية وعلاقاتها بالأطراف المتنازعة في توجيه مسارات الوساطة، بل أدى تدخلها العسكري أحياناً إلى ترجيح كفة أحد أطراف النزاع.
ففي جنوب السودان ساعد التعاون السوداني-الأوغندي في إحياء اتفاق 2018، بينما تعثرت الوساطة في السودان نتيجة تغلب المصالح والعلاقات الخاصة على الاستعداد لتقديم التنازلات، ثم تصاعد الدعم العسكري للأطراف المتحاربة. أما في إثيوبيا، فقد اختلفت مواقف الصين والإمارات وتركيا عن الموقفين الأمريكي والأوروبي بشأن الحرب بين الحكومة وقوات تيجراي، وأسهم الدعم العسكري الخارجي، خصوصاً الطائرات المسيرة، في تعزيز موقف الحكومة خلال الحرب والمفاوضات اللاحقة. كما عكست الحرب السودانية منذ عام 2023م تحديات تنسيق جهود الوساطة بصورة أكثر وضوحاً، إذ عجز الاتحاد الإفريقي عن تحقيق وساطة مستقلة وفعّالة، فضلاً عن تنافس مبادراته مع جهود الولايات المتحدة والسعودية والأمم المتحدة. وفي نهاية عام 2025م، أفضى هذا التنافس إلى توحيد الجهود ضمن إطار «الخماسية» التي ضمت الاتحاد الأوروبي والاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وإيجاد وجامعة الدول العربية، بما أظهر إمكانية التعاون بين المنظمات الإقليمية والدولية رغم اختلاف ولاياتها وقدراتها ومصالح أعضائها.
2) توظيف الاتفاقيات السلمية لأغراض سلطوية:
اتسمت اتفاقيات السلام التي أبرمتها حكومات السودان وجنوب السودان وإثيوبيا مع خصومها المسلحين بطابع تكتيكي في جانب كبير منها، إذ وفرت للحكومات وحلفائها حوافز لتعزيز النفوذ وموازين القوى، وأحياناً مهّدت لإعادة تشكيل التحالفات بما يسمح بتحول الخصوم السابقين إلى حلفاء ضد أطراف أخرى.
في إثيوبيا، أدى التقارب بين حكومة «آبي أحمد» وإريتريا منذ عام 2018م إلى تسوية مؤقتة للخلافات الحدودية، لكنه سرعان ما تراجع مع إعادة إغلاق الحدود. وأسهمت مشاركة القوات الإريترية وتدريب الميليشيات الأمهرية، إلى جانب تصعيد جبهة تحرير شعب تيجراي، في اتساع نطاق الحرب. وبعد اتفاق بريتوريا، تدهورت العلاقات بين إريتريا وإثيوبيا، كما أدى تأخر تنفيذ بنود الاتفاق إلى تفاقم الانقسامات داخل جبهة تحرير شعب تيجراي، وعودة التقارب بين بعض فصائلها وإريتريا، بما أعاد توتر العلاقات مع الحكومة الإثيوبية.
وفي السودان، أسهم اتفاق جوبا للسلام لعام 2020م في تعزيز نفوذ الأجهزة الأمنية داخل الحكومة الانتقالية، وأدى انضمام الفصائل الموقعة إلى تغيير موازين القوى، بما سهّل إقصاء المكون المدني خلال انقلاب أكتوبر 2021م. كما عمّق الاتفاق التنافس داخل القطاع الأمني، وصولاً إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023م، حيث انقسم الموقعون عليه بين التحالف مع الجيش والتحالف مع قوات الدعم السريع، مستندين إلى قوى جرى تجنيدها خلال المرحلة الانتقالية.
أما في جنوب السودان، ساهم اتفاق السلام المُنشَّط لعام 2018م في ترسيخ نظام المحسوبية السياسية، في ظل عدم تنفيذ العديد من بنوده. وأصبح العنف وسيلة لبعض الفاعلين السياسيين والعسكريين لتعزيز مواقعهم، بينما تمسكت المعارضة بالاتفاق نظراً لما وفره لها من حصة سياسية ثابتة. كما اعتمدت الحكومة على استقطاب قادة من حركات المعارضة ودمجهم في صراعاتها ضد رفاقهم السابقين، بما أتاح لها تقديم بعض المواجهات المسلحة باعتبارها انقسامات داخلية، والحفاظ ظاهرياً على الالتزام باتفاق السلام.
وبالنظر إلى الاتفاقيات الثلاث في (إثيوبيا، والسودان، وجنوب السودان) نجد أن هناك سمة مشتركة، وهي الهزيمة العسكرية الفعلية للجهات الفاعلة غير الحكومية المشاركة، وهو ما دفع المراقبين إلى الحديث عن إخضاعها بحكم الأمر الواقع، ولا سيما في حالتي إثيوبيا وجنوب السودان. وقد أدى دمج الفصائل المتحاربة سابقاً في الحكومات الوطنية (في السودان وجنوب السودان) أو الحكومات الإقليمية (في تيجراي) إلى تقليص قدرتها على المعارضة، وذلك بإجبارها على تولي مناصب تنفيذية. في الوقت نفسه، أضعفت هذه الاتفاقيات الدعم الذي حظيت به هذه الجماعات بين السكان، إذ لم تتحسن ظروفها المعيشية بالقدر الكافي. وكان تقاسم السلطة عموماً أداةً تُستخدم لتفتيت الأطراف المعنية أو لتشكيل تحالفات ضد أطراف ثالثة، كما هو الحال في السودان. وبينما تُسهم ترتيبات تقاسم السلطة في مناطق أخرى في تعزيز الأمن وسيادة القانون، فقد استُخدمت في القرن الإفريقي في كثير من الأحيان لترسيخ الاستبداد، مما لم يُحقق استقراراً مُستداماً.
3) ضعف الرصد وآليات دعم التنفيذ:
تختلف آليات تنفيذ اتفاقيات السلام الثلاث من حيث نطاق ولايتها ومواردها ومدتها، إلا أنها تعكس جميعاً تراجع قدرة النظام الدولي على إدارة النزاعات، ولا سيما في مجالات مراقبة تنفيذ الالتزامات، ورصد الانتهاكات. ويُعدّ توافر الموارد والقدرات المؤسسية عاملاً أساسياً لفاعلية الدعم الدولي؛ فقد امتلكت بعثة الأمم المتحدة في جنوب السودان موارد أكبر مقارنة بالبعثة السياسية في السودان وآلية الرصد والتحقق والامتثال التابعة للاتحاد الإفريقي في إثيوبيا، التي اقتصرت على عدد محدود من الأفراد. كما تميز جنوب السودان بتعدد جهات الرصد والتقييم وإعداد التقارير، فضلاً عن إمكانية الاستناد إلى تقارير فريق الخبراء التابع لآلية العقوبات الأممية، في حين افتقرت إثيوبيا إلى آليات مماثلة، واقتصرت تقارير آلية الرصد فيها على الاتحاد الإفريقي ولم تكن متاحة بصورة علنية.
وفي ظل الطابع التكتيكي لبعض اتفاقيات السلام، يصبح التأخر في تنفيذ الالتزامات والانتهاكات أمراً محتملاً. ويرتبط ضعف التنفيذ كذلك بغياب الإرادة السياسية والقدرة المؤسسية على فرض الالتزامات أو معاقبة الأطراف المنتهكة، إذ لم تتوافر داخل الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي أو إيجاد موازين سياسية كافية لفرض عقوبات إضافية. كما عجز الاتحاد الإفريقي في إثيوبيا عن معالجة قضايا جوهرية، مثل عودة النازحين وانسحاب القوات الأجنبية، نتيجة محدودية صلاحياته مقارنةً بالجهات الدولية الضامنة. وتتفاقم هذه التحديات مع تراجع أولوية آليات تنفيذ اتفاقيات السلام في الدبلوماسية الأمريكية المعاصرة، التي تميل بصورة أكبر إلى الحصول على التزامات علنية من أطراف النزاع، مقابل تراجع الاهتمام بآليات دعم التنفيذ وتسوية القضايا السياسية العالقة. وعليه، يقلص ضعف قدرات الرصد والتنفيذ وغياب أدوات فعّالة لمعالجة القضايا المتبقية قدرة اتفاقيات السلام على الاستمرار، ويزيدان من مخاطر تجدد العنف وانهيار عمليات السلام.
4) مزيد من هشاشة هياكل السلطة:
تؤدي الاتفاقيات القائمة على الوساطة التنافسية والضعيفة من حيث آليات التنفيذ إلى تحولها من أدوات تحقيق السلام إلى جزء من صراعات القوة بين الأطراف المتنازعة بهدف البقاء السياسي. ورغم أن ترسيخ سلطة طرف معين قد يحقق سلاماً سلبياً مؤقتاً من خلال الحد من العنف، فإنه لا يضمن الاستقرار، لأن النخب الحاكمة غالباً ما تسعى إلى الحفاظ على تفوق نسبي على منافسيها بدلاً من إنهاء الصراع.
ويتضح ذلك في السودان، حيث ساهمت الجماعات المسلحة الموقعة على اتفاقية السلام في تعزيز نفوذ دقلو وإضعاف المكوّن المدني، قبل أن يدفع الانقلاب العسكري عام 2021م إلى تعميق الصراع داخل القطاع الأمني، ثم تنقلب هذه الجماعات لاحقاً على قوات الدعم السريع وتنضم إلى الجيش. وفي إثيوبيا، أدى اتفاق بريتوريا إلى تعميق الانقسامات داخل الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، كما أدى الصراع على إدارة الإقليم وعودة النازحين والعلاقة مع ميليشيات الأمهرة إلى استمرار التنافس السياسي والعسكري، وصولاً إلى تقارب ظرفي بين الجبهة وإريتريا.
وتكشف هذه الحالات أن الاتفاقيات لا تؤدي بالضرورة إلى مصالحة مستدامة بين النخب، بل تعيد ترتيب مواقفها وتحالفاتها، التي غالباً ما تكون انتهازية ومتغيرة تبعاً للمصالح والقضايا، مما يجعل الاستقرار السياسي أكثر صعوبةً كلما ازداد تشتت القوى وتوازنها.
وتزيد التحولات في النظامين الإقليمي والدولي من خطورة هذه الديناميات، إذ يؤدي ضعف الشرعية السياسية والمؤسسية إلى صعوبة حشد التأييد الشعبي، بينما تتيح المنافسات الإقليمية والدولية للفاعلين المحليين استغلال الدعم الخارجي لتحقيق أهدافهم.
كما أصبح الحصول على الأسلحة والمرتزقة والتمويل والموارد العسكرية أكثر سهولة مقارنةً بفترة اتفاقية السلام الشامل عام 2005م، في ظل تراجع القيود والعقوبات الفعّالة، إلى جانب انتشار تقنيات جديدة كالطائرات المسيّرة المسلحة التي تخفض تكلفة استخدام القوة وتزيد مخاطر سوء التقدير. ونتيجةً لذلك، أصبحت الشراكات السياسية والأمنية أكثر هشاشةً وتقلباً، بينما يجد الفاعلون السياسيون أنفسهم مضطرين إلى التكيف المستمر مع تغير موازين القوى على المستويين الوطني والإقليمي. الأمر الذي يعرقل فرص تحقيق التنمية والاستقرار على المدى الطويل.
الاستنتاجات والتوصيات:
ختاماً، وفي ضوء ما سبق عرضه، خلصت الدراسة إلى مجموعة من الاستنتاجات والتوصيات، جاءت كالتالي:
▪ معاناة نظام حل النزاعات الدولية من ضغوط عالمية، تتمثل في تعددية النظام العالمي وتآكل المعايير الدولية، وغلبة الانقسام وشح الموارد بين المؤسسات متعددة الأطراف، كالأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي؛ بينما تسعى قوى خارجية إلى تحقيق مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والأيديولوجية المتنافسة، وتُؤجج الصراعات بوسائل سياسية أو عسكرية أو مالية. ومن ثَمّ، تصبح لدى أطراف النزاع دوافع أقل للانخراط في تسويات وسطية عندما تتمكن من الاعتماد على دعم خارجي. وحتى عندما يتم التوصل إلى اتفاقات لإنهاء النزاعات، فإنها تكون في الغالب سطحية وقصيرة الأمد.
▪ تأثُّر منطقة القرن الإفريقي، التي تمر بمرحلة انتقالية، بهذه التطورات العالمية، إذ تحولت إثيوبيا من ركيزة للاستقرار إلى مصدر لزعزعته، وأصبحت غير فعّالة كوسيط، مما يُضعف أيضاً دور الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيجاد)، وهي منظمة إقليمية لطالما تأثرت بشدة بأديس أبابا. أما كينيا، فلا تستطيع أن تتولى الدور الذي شغر والمتمثل في دور الوسيط المحايد أو حَسَن النية سوى في نطاق محدود، إذ تواجه تحديات داخلية، كما أنها منخرطة بدورها في تشابكات إقليمية. كما لا يسعى الفاعلون في نزاعات إلى بلورة رؤية مستدامة، وإنما التصرُّف من منطلق اغتنام الفرص. وفي هذا السياق، يتعين على الحكومات والجهات الفاعلة غير الحكومية، على حدٍّ سواء، تكييف تكتيكاتها واختيار شركائها، بسرعة شديدة، بما يضمن بقاءها واستمرارها.
▪ ديمومة هذه الأوضاع، التي أدت إلى فشل النهج التقليدي في حل النزاعات الدولية، من المرجح أن يترتب عليها مزيدٌ من التدهور على المدى القريب والمتوسط. وستصبح الولايات المتحدة وشركاؤها الأوروبيون والإقليميون الحاليون أقل استعداداً وقدرةً على تنسيق عمليات وساطة موحدة. وبالمثل، سيزداد الافتقار إلى جاهزية وتمكين هياكل التنفيذ لضمان إنفاذ الاتفاقيات. وخاصةً أن إدارة ترامب تتبنّى نهجاً في الوساطة يعتمد بدرجة كبيرة على الشبكات الشخصية، والمصالح التجارية للوسطاء. وبذلك، ستتحول الوساطة بدرجة أكبر مما كانت عليه في السابق إلى وظيفة من وظائف الدبلوماسية الإقليمية بين الوسطاء من الدول المعنية؛ في حين سيتراجع إلى الخلفية جوهر النزاع نفسه، والسكان المتضررون منه، ومدى فعالية هذه الجهود على أرض الواقع.
▪ غياب نموذج جديد ومتماسك لحل النزاعات الدولية. بل أظهرت تجارب السنوات الأخيرة في القرن الإفريقي أن المبادرات تُنفَّذ بشكل عشوائي، مع وسطاء متغيرين، وشراكات متقلبة، وضمانات مؤسسية غير مؤكدة، وطموحات محدودة. ومع ذلك، تظل النجاحات المؤقتة ممكنة، كما يتضح من «إعلان أنقرة» الذي توصلت إليه تركيا في ديسمبر 2024م بين إثيوبيا والصومال. وقد حال الإعلان دون تصعيد مسلح محتمل بين الدولتين. غير أن إثيوبيا واصلت إصرارها على الحصول على منفذ بحري إقليمي خاص بها، وبعد صدور الإعلان غيّرت مسار سعيها إلى تحقيق هذا الهدف؛ وبدلاً من السعي إليه عبر أرض الصومال (وهو ما أثار غضب مقديشو)، اتجهت إلى السعي لتحقيقه في مواجهة إريتريا، مع تصاعد التهديدات في هذا السياق.
▪ ضرورة تحمُّل دولة مثل ألمانيا، تمتلك باعاً طويلاً في الاستثمار في النظام القائم لحل النزاعات متعدد الأطراف، مسؤوليتها، وأن تأخذ بزمام المبادرة لإحداث انفراجة. ومحاولة الوصول إلى أحد أشكال فض النزاعات الذي يُقرّ بهياكل السلطة القائمة، وفي الوقت نفسه يُهيئ بيئةً تفقد فيها النخب الاستبدادية نفوذها تدريجياً. فإذا ظلت العوامل المحركة للنزاع قائمة، أي القضايا الخلافية الأساسية، مثل توزيع السلطة ووسائل العنف والموارد المالية، لن يكون وقف إطلاق النار وحده كافياً. كما أن اتفاقاً محدوداً لتقاسم السلطة بين النخب السياسية والعسكرية المتنازعة سابقاً لا يكفي بدوره؛ ما لم يكن بالإمكان الحد من اللجوء إلى العنف المسلح بوصفه وسيلةً أساسية لحسم الخلافات.
▪ امتلاك ألمانيا، ولا سيما من خلال الاتحاد الأوروبي، القدرة على تقديم إسهامات بنّاءة في إدارة النزاعات في القرن الإفريقي وغيره من بؤر الأزمات. ولكن يتعين على الحكومة الألمانية أن توازن بين طموحاتها وأهدافها لحل النزاعات الدولية خارج أوروبا بما لا يتعارض مع ممارساتها الفعلية، مثل قراراتها بإجراء تخفيضات كبيرة في تمويل ميزانيات التعاون، والإغراق في التركيز على الحد من تدفق الهجرة والتنافس الجيوسياسي. ومن شأن مثل هذه التوجهات أن تهز مكانة ألمانيا كدولة رائدة في هذا المجال، وتسهم بدورها في تفاقم أزمة النظام الدولي لإدارة النزاعات.
▪ في حال كانت الحكومة الألمانية ترغب في تقديم إسهامات بنّاءة في منطقة القرن الإفريقي، بهدف منع أعمال العنف ضد السكان المدنيين، وإنهاء النزاعات، وتعزيز السلام، فعليها أن تتبنّى مجموعة الخطوات الآتية:
1- دعم المبادرات المحلية: التي تعزز التماسك الاجتماعي، وتحمي السكان من الهجمات المسلحة، وتدعم الحوار المحلي مع الجهات المسلحة، خاصةً في السودان، حيث تؤدي غرف الاستجابة للطوارئ وشبكات الإغاثة التي تقودها النساء دوراً مهماً في تقديم الخدمات الأساسية وتعزيز قدرة المجتمع على الصمود، كما تساهم المبادرات المحلية في التفاوض على وقف إطلاق النار. ويتطلب ذلك إيجاد قنوات تمويل دولية أكثر فاعلية وكفاءة لهذه المبادرات.
2- تعزيز المساءلة واحتواء مصادر تمويل النزاعات سياسياً واقتصادياً وقانونياً وعسكرياً: خاصةً شبكات الفساد وغسل الأموال والتدفقات المالية غير النظامية. الأمر الذي يتطلب تعزيز القدرات الرقابية داخل الاتحاد الأوروبي لتوفير أدلة العقوبات، وتوسيع العقوبات الفردية، واستخدام الأدوات التنظيمية للحد من دعم الدول لأطراف النزاع.
3- أن تحث ألمانيا الاتحاد الأوروبي على تنظيم عمليات سياسية شاملة: تتجاوز نطاق التركيز على وقف إطلاق النار فحسب، بالتعاون مع الأمم المتحدة، والاتحاد الإفريقي، وإيجاد. علاوةً على توفير الخبرات والقدرات السياسية والتفاوضية اللازمة.
4- الدعوة إلى موقف أوروبي منسق تجاه النزاعات المسلحة في القرن الإفريقي، دون السعي إلى تولي دور الوسيط الرئيسي: مع وضع شروط واضحة للدعم المالي والسياسي للعمليات التي تقودها أطراف أخرى، وتطوير آليات لبناء الثقة وتنفيذ اتفاقيات وقف إطلاق النار. ويمكن للاتحاد الأوروبي توظيف علاقاته مع أطراف النزاع والسكان المتضررين لدعم هذه الآليات. ففي السودان، تؤدي مبادرة الاتحاد الأوروبي لحماية البنية التحتية المدنية الحيوية بالفعل وظيفة من هذا النوع، لأن الرباعية Quad التي تقودها الولايات المتحدة لا ترغب في إنشاء آلية خاصة لتنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار.
5- زيادة استثمارات ألمانيا في مجال التعاون الدولي: وإعادة النظر في إجراءات التقشف التي طالت التعاون الإنمائي والمساعدات الإنسانية وجهود تحقيق الاستقرار، مع السعي إلى تحقيق قدر أكبر من التكامل والتنسيق بين هذه المجالات الثلاثة، بما يعزز فاعلية الموارد المتاحة. وفي الوقت نفسه، ينبغي للوزارات المختصة أن تبذل جهوداً أكبر لتحقيق أوجه تآزر فعلية بين هذه المقاربات الثلاثة، في إطار ما يُعرف بـ«الترابط الثلاثي» Triple Nexus، أي الربط بين التنمية والعمل الإنساني وتحقيق الاستقرار والسلام.
6- تحسين تنسيق الحكومة الألمانية بين أهدافها السياسية المختلفة: وتقييم التكاليف الجيوسياسية لمشاركتها، من خلال اتباع رؤية شاملة للسياسة الخارجية والأمنية والاقتصادية تجاه جميع الدول المطلة على البحر الأحمر، وليس القرن الإفريقي وحده. ويُعدّ مجلس الأمن القومي في برلين جهة مؤهلة بصورة خاصة للقيام بهذا الدور، إلا أنه يحتاج أيضاً إلى الاستناد إلى خبرات واسعة ومتخصصة في هذا المجال. كما يمكن للاجتماعات الإقليمية التي تجمع بين ممثلي ألمانيا الدبلوماسيين في دول القرن الإفريقي ونظرائهم في أهم الدول الواقعة خارج المنطقة، والتي عُقدت مثلها بالفعل، أن تسهم أيضاً في تحقيق هذا الهدف.
7- وأخيراً، يتعين على الحكومة الألمانية أن تواصل التنسيق مع الجهات الفاعلة في حل النزاعات وبناء السلام بالمعنى الأوسع حول جهود السلام: وأن تعمل أيضاً على المستوى العام من أجل التشجيع على استثمار الرصيد السياسي والمالي في تحقيق هذه الأهداف، مع الحفاظ على سرية المبادرات الدبلوماسية التي تتطلب ذلك. لكن من المهم، حيثما أمكن، أن يكون الحديث عن الانخراط الألماني شفافاً وقابلاً للتتبع وموجهاً نحو تحقيق نتائج ملموسة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
رابط الدراسة:











































