بقلم: بامبا غاي Bamba Gaye[1]
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– ازدواجية الطب الحديث: يتميّز بكونه علماً كونياً يقوم على أدلة من تجارب سريرية صارمة، غير أن أبحاثه لا تخلو من تحيزات خطيرة.
– مفارقة التمثيل: رغم أن إفريقيا تمثل 25% من عبء الأمراض العالمي و19% من سكان العالم؛ فإن سكانها يظلون غائبين إلى حد كبير عن العديد من التجارب السريرية.
– خلل هيكلي عميق: في أعرق خمس مجلات طبية عامة، لم تُجرَ سوى 3.9% من التجارب حصرياً في إفريقيا.
– تهميش أمراض القلب: من بين كبريات التجارب في المجلات القلبية المرجعية، أُجريت دراستان فقط (0.6%) بالكامل في القارة الإفريقية.
– غياب الصلاحية الخارجية: استبعاد السكان الأفارقة يُفقد البيانات القدرة على تعميم النتائج على مجموعات سكانية أخرى.
– إشكالية التطبيق: هل تظل نتائج التجارب صالحة عند تطبيقها على سكان آخرين، أو في سياقات مختلفة، أو ظروف واقعية مغايرة؟
– فجوة التمويل والاحتياجات: الدراسة تسلط الضوء على وجود فجوة مثيرة للقلق بين التمويل العالمي للبحوث والاحتياجات الصحية في إفريقيا.
– تحوُّل وبائي عميق: تشير البيانات إلى أن 76% من التجارب الحصرية في إفريقيا تخص الأمراض المعدية، بينما تمثل الأمراض غير السارية (كالقلب والسكتة والسكري) نحو 38% من إجمالي الوفيات في العديد من البلدان الإفريقية.
* * *
يتميّز الطب الحديث بكونه عِلماً كونياً، يقوم على أدلة مستمدة من تجارب سريرية صارمة، غير أن الأبحاث الطبية لا تخلو من تحيزات خطيرة. فعلى الرغم من أن إفريقيا تمثل نحو 25% من عبء الأمراض العالمي و19% من سكان العالم؛ فإن سكان القارة يظلون غائبين إلى حد كبير عن العديد من التجارب السريرية.
تكشف دراسةٌ بارزة حجم هذا التهميش، إذ شملت 2,472 تجربة سريرية عشوائية مضبوطة نُشرت على مستوى العالم بين عامي 2019 و2024م.
قمت بقيادة هذا الفريق من الباحثين، الذي حلّل المنشورات الطبية الأكثر تأثيراً في العالم لقياس مدى تمثيل الأفارقة، وتضمنت: مجلة نيو إنغلاند الطبية، ذي لانسيت، مجلة الجمعية الطبية الأمريكية، نيتشر ميديسن، والمجلة الطبية البريطانية. كما شملت الدراسة ثلاث مجلات مرجعية في أمراض القلب والأوعية الدموية: Circulation، المجلة الأوروبية لأمراض القلب، ومجلة الكلية الأمريكية لأمراض القلب.
تُعتبر التجارب العشوائية المضبوطة حجر الزاوية في الطب المبني على البراهين. ظهرت في منتصف القرن العشرين، وتقوم بتقييم سلامة وفعالية العلاجات بدقة عبر توزيع المشاركين عشوائياً على مجموعات مختلفة للحد من التحيز.
وقد أدت هذه التجارب دوراً محورياً في كبرى الإنجازات الطبية، من علاجات القلب والأوعية الدموية إلى اللقاحات، وما زالت تواصل توجيه القرارات السريرية وتطوير العلاجات الجديدة في جميع أنحاء العالم.
ما اكتشفناه:
كشفت النتائج التي توصلنا إليها عن خلل هيكلي عميق في المشهد العالمي للبحوث السريرية. ففي أعرق خمس مجلات طبية عامة، لم تُجرَ سوى 3.9% من التجارب حصرياً في إفريقيا. أما في مجال أمراض القلب، فالنسبة أكثر إثارةً للقلق: من بين كبريات التجارب المنشورة في المجلات القلبية المرجعية، أُجريت دراستان فقط (0.6%) بالكامل في القارة الإفريقية.
هذه ليست مجرد فجوة تمثيلية، بل أزمة في الصرامة العلمية ذاتها. فعندما تستبعد التجارب السريرية السكان الأفارقة؛ فإن البيانات الناتجة تفتقر إلى ما يُعرف بالصلاحية الخارجية، أي القدرة على تعميم نتائج الدراسة على مجموعات سكانية أخرى غير تلك المشمولة في التجربة. والمشكلة الجوهرية هي: هل تظل نتائج التجربة السريرية صالحة عند تطبيقها على سكان آخرين، أو في سياقات مختلفة، أو في ظروف واقعية مغايرة؟
وغياب هذا التحقق يعني أن الأطباء يمارسون عملياً تجارب غير خاضعة للرقابة على ملايين المرضى يومياً.
لا يمكن للطب الحديث أن يدعي العالمية ما دامت مجموعات سكانية بأكملها تظل غائبة عن الأدلة. فالبيولوجيا، والأنظمة الصحية، وأنماط الأمراض، ليست متطابقة في جميع أنحاء العالم.
ما دلالة الفجوة القائمة؟:
تعتمد العديد من العلاجات المستخدمة في القارة الإفريقية على بيانات جُمعت من مجموعات سكانية غير إفريقية، مما يثير مخاوف جدية حول مدى قابليتها للتطبيق على السكان المحليين.
وعلاوةً على ذلك، لا تزال معظم التجارب السريرية في إفريقيا تركز على الأمراض المعدية، رغم تزايد عبء الأمراض غير السارية كأمراض القلب والأوعية الدموية.
تشير البيانات الحديثة إلى أن العوامل الوراثية والبيئية والغذائية يمكنها أن تُغير بشكل كبير طريقة استجابة الكائن الحي للدواء. لذا، من غير المنطقي طبياً استبعاد قارة بأكملها من التجارب السريرية.
هناك أيضاً أدلة على أن بعض العلاجات تُظهر ملامح أمان مختلفة لدى المرضى السود. فمرض السكري والنقرس مثالان على ذلك، وكذلك الحال مع بعض الأدوية الخافضة للضغط الشائعة، مثل مثبطات الإنزيم المحول للأنجيوتنسين ACE inhibitors. تشير الأبحاث إلى أن خطر الإصابة بآثار جانبية خطيرة أو حتى مميتة، لدى الأشخاص المنحدرين من أصل إفريقي، أعلى بثلاث إلى أربع مرات منه لدى غيرهم من السكان.
وعندما تستبعد التجارب السريرية مجموعات سكانية معينة؛ يضطر الأطباء إلى استقراء النتائج المستخلصة من مجموعة واحدة وتطبيقها على أخرى.
كما تسلط الدراسة الضوء على فجوة مثيرة للقلق بين التمويل العالمي للبحوث والاحتياجات الصحية في إفريقيا. تشير البيانات الجديدة إلى أن ما يقرب من 76% من التجارب السريرية التي أُجريت حصرياً في إفريقيا كانت متعلقة بالأمراض المعدية. غير أن القارة تشهد تحولاً وبائياً عميقاً: إذ تمثل الأمراض غير السارية، كأمراض القلب والأوعية الدموية والسكتة الدماغية والسكري، نحو 38% من إجمالي الوفيات في العديد من البلدان الإفريقية.
فقد تضاعفت الطبقة الوسطى في إفريقيا ثلاث مرات، من نحو 100 مليون نسمة في أوائل العقد الأول من الألفية، إلى 300 مليون نسمة اليوم. ويرافق ارتفاع متوسط العمر أنماط حياة تعزز ظهور أمراض مزمنة كأمراض القلب والأوعية الدموية والسكري وارتفاع ضغط الدم. وبالتالي؛ تتصاعد الحاجة والسوق للعلاجات طويلة الأجل لإدارة هذه الأمراض، بدلاً من العلاجات قصيرة الأجل للعدوى. ومع ذلك، لا تزال التجارب السريرية في مجال القلب والأوعية الدموية محدودةً للغاية.
حتى داخل القارة، تكشف البيانات عن ثغرات كبيرة في التوزيع الجغرافي للمعلومات. فجنوب إفريقيا تستأثر بأكثر من 62% من جميع التجارب السريرية في القارة. في المقابل؛ تكاد منطقة وسط إفريقيا، التي يقطنها أكثر من 180 مليون نسمة، تكون غائبة عن إحصائيات البحوث العالمية، حيث تسهم بأقل من 3% من الإنتاج المحدود أصلاً للتجارب السريرية في القارة.
يمكن تفسير ذلك بعقود من الاستثمارات التراكمية في جنوب إفريقيا، والتي تترجم إلى مراكز أكاديمية أقوى، وحوكمة بحثية فعّالة، ووحدات تجارب سريرية متمرسة، وعلاقات أكثر رسوخاً مع المطورين. بينما تواجه مناطق أخرى عقبات متعددة، منها مؤسسات بحثية أقل تمويلاً، ووصول محدود إلى منصات التجارب السريرية، وأحياناً مشكلات لغوية ونشرية تقلل من ظهورها في المجلات العلمية المرموقة.
وهذا التفاوت موجود داخل التسلسل الهرمي العلمي نفسه. فحتى عندما تُضمَن مواقع إفريقية في تجارب واسعة متعددة القارات؛ فإنها غالباً ما تُختزل إلى دور «مراكز تجنيد» بدلاً من أن تكون شركاء علميين حقيقيين. وقد أظهرت دراستنا أن العلماء الأفارقة أداروا 3.6% فقط من التجارب التي شملت قارات متعددة وضمّت موقعاً إفريقياً.
نحو حقبة جديدة من العلوم الإفريقية:
لا ينبغي لإفريقيا أن تظل مجرد موقع تُجرى فيه الدراسات السريرية، بل يجب أن تصبح فضاءً تُصمّم فيه البحوث وتُنفّذ وتُفسّر. فالنموذج الحالي يُكرّس تبعية خارجية، حيث تدير المؤسسات الدولية التمويل والبيانات، مما يُضعف النظم البحثية المحلية ويُعيق قدرتها على تحويل النتائج إلى سياسات وطنية.
ثمّة حاجةٌ ماسة إلى تمويل مخصص للبحوث التي يقودها أفارقة، وتطوير شبكات إقليمية للتجارب السريرية، وإلزام المجلات الطبية بالإبلاغ عن تنوع السكان المشاركين في تلك التجارب.
وتتزايد مؤشرات الزخم المطلوب نظراً لقيام منظمات مثل «التحالف من أجل البحوث الطبية في إفريقيا» بالعمل على تدريب جيل جديد من الباحثين الأفارقة. وعلى القارة أن تبني نظاماً بيئياً بحثياً قوياً، يصبح أكبر من أن يتمكن المجتمع الدولي من تجاهله.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
[1] (بامبا غاي) طبيب باحث، يعمل لدى ملتقى علم الأوبئة القلبية الأيضية وعلوم البيانات الطبية الحيوية. يهتم بالدراسات السكانية واسعة النطاق في إفريقيا، والوقاية من أمراض القلب والأوعية الدموية القائمة على تحليل البيانات.









































