بقلم: لوريك نغويمبي Lauric NGOUEMBE
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– تشخيص صندوق النقد الدولي (أفريك إنتليجنس، 2 أبريل 2026م): مؤشرات خطيرة تهدد استقرار منطقة CEMAC.
– إخفاق في الضبط المالي: عدم تنفيذ التزامات عام 2024م، واستمرار ارتفاع الإنفاق العام، مما يفاقم عجز الميزان التجاري والموازنة ويُنهك احتياطيات النقد الأجنبي.
– اشتراط ضمانات: يطالب الصندوق بضمانات ملموسة قبل أي دعم جديد أو تمديد للبرامج القائمة.
– ضغوط متعددة: تزايد العجز العام، خدمة الدين، الاختلالات الداخلية والخارجية، إلى جانب الضغوط الفرنسية وصندوق النقد الدولي.
– تغطية خارجية وهمية: نسبة التغطية 67%، لكنها تتجاوز بكثير عتبة الطوارئ البالغة 20% (المصدر نفسه، 24 فبراير 2026م).
– تراجع الاحتياطيات: عدم الالتزام بسياسة التأمين على الأصول (2016) أدى إلى انخفاض الاحتياطيات إلى 4.5 أشهر فقط (أقل من عتبة الأمان: 6 أشهر).
– إنفاق بلا نمو: الإنفاق المفرط لم يحقق نمواً مستداماً، مع تباطؤ النمو إلى 2.6% (2025) وركوده عند 3.5% (2026).
– تراجع القدرة التنافسية: بين 2020م و2024م، تراجعت القدرة التنافسية السعرية لاقتصادات CEMAC بسبب ارتفاع اليورو وفارق التضخم.
– قفزة في الديون: قيمة سندات الخزانة تجاوزت 9.4 مليارات فرنك إفريقي، بزيادة 300% عن مستويات 2020م (بيانات BEAC).
* * *
كشفت وثيقة تشخيصية صادرة عن صندوق النقد الدولي، ونشرتها مجلة «أفريك إنتليجنس» في عددها الصادر بتاريخ 2 أبريل 2026م، عن مؤشرات خطيرة تهدد الاستقرار المالي والنقدي لدول المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC. ويستند هذا التقييم إلى إخفاق قادة الدول في تنفيذ التزاماتهم بضبط الأوضاع المالية، التي تعهدوا بها عام 2024م، واستمرار تصاعد الإنفاق العام، مما يفاقم عجز الميزان التجاري والموازنة العامة، ويؤدي إلى تراجع احتياطيات النقد الأجنبي، الأمر الذي يهدد استدامة نظام ربط سعر الصرف.
ويشترط الصندوق، وفقاً للمعطيات المتاحة، تقديم ضمانات ملموسة قبل الشروع في أي برنامج دعم جديد أو تمديد للبرامج القائمة لدول المنطقة. وتتصاعد الضغوط على رؤساء الدول نتيجة تزايد العجز العام، وارتفاع أقساط خدمة الدين، واختلال التوازنات الاقتصادية الكلية الداخلية (كنسبة العجز إلى الناتج المحلي) والخارجية (كميزان الحساب الجاري)، بالإضافة إلى الضغوط الفرنسية وتلك الصادرة عن صندوق النقد الدولي نفسه. وتُحكم هذه العوامل قبضتها على صناع القرار، مطالبين بتحمل مسؤولياتهم بفعالية، وإلا فإن خيار تخفيض قيمة العملات سيصبح حتمياً.
أولاً: تشخيص حاسم وحقائق صارمة:
تشير المعطيات إلى أن نسبة التغطية الخارجية لعملة الفرنك الإفريقي لا تزال مرتفعة ظاهرياً عند 67%، لكنها تتجاوز بكثير عتبة الطوارئ المعتمدة البالغة 20% (حسب المصدر نفسه، 24 فبراير 2026م). كما أن سياسة التأمين على الأصول الإقليمية، المطبقة منذ عام 2016م، لم يتم الالتزام بها، مما أدى إلى انخفاض الاحتياطيات الأجنبية إلى مستوى 4.5 أشهر فقط من الواردات، أي أقل من عتبة الأمان المعيارية البالغة ستة أشهر.
وهذا الخلل المزدوج، الداخلي الذي بلغ 2.7% عام 2025م مقابل 1.3% عام 2024م، والخارجي المتفاقم، يهدد بشكل مباشر استدامة واستقرار نظام سعر الصرف، الذي دخل في حلقة مفرغة تلوح في أفقها مخاطر تخفيض العملة. ويتطلب تجنب هذا السيناريو تدابير فورية وعاجلة لإعادة التوازن الاقتصادي الكلي وتحقيق نمو قوي. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن الإنفاق العام المفرط لم يؤدِّ إلى نمو مستدام، خلافاً للتوقعات، في ظل تباطؤ النمو إلى 2.6% عام 2025م وركوده عند 3.5% فقط عام 2026م.
يضيف التقرير أن الاستقرار الاسمي للفرنك الإفريقي مقابل اليورو يُخفي تقلبات كبيرة في سعر الصرف الفعلي الحقيقي، وهو المؤشر الأكثر دقة لقياس القدرة التنافسية السعرية للاقتصادات الوطنية مقارنةً بشركائها التجاريين الرئيسيين. ويُحتسب هذا المؤشر بضرب سعر الصرف الاسمي في شروط التبادل التجاري (نسبة مؤشر أسعار الصادرات إلى مؤشر أسعار الواردات). فارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي يعني تراجع القدرة التنافسية، والعكس صحيح.
وبين عامي 2020م و2024م، شهدت اقتصادات منطقة CEMAC تراجعاً تدريجياً في قدرتها التنافسية السعرية، نتيجة ارتفاع قيمة اليورو مقابل عملات الشركاء التجاريين الرئيسيين، إلى جانب فارق تضخم مناسب مقارنةً بهؤلاء الشركاء. وقد تسارعت هذه الظاهرة بشكل ملحوظ خلال عام 2025م، مما يعمق التحديات الهيكلية التي تواجه المنطقة.
ثانياً: الحلقة المفرغة للديون:
على صعيد المديونية، لم تعد المؤشرات تحتمل التأويل، إذ دخلت الأزمة فعلياً حيز التنفيذ. تجد الدول نفسها أسيرة دوامة اقتراضية تهدف إلى تسوية ديون مستحقة، في وقتٍ يُهدد فيه نظام إدارة الديون السيادية الحالي استقرار البنوك الإقليمية. ووفقاً لبيانات بنك دول وسط إفريقيا BEAC، فإن القيمة الإجمالية لسندات الخزانة المتداولة في السوق الإقليمية الفرعية تتجاوز 9.4 مليارات فرنك إفريقي، مسجلةً زيادة ثلاثية (300%) مقارنةً بمستويات عام 2020م.
وبحلول مطلع عام 2026م، كشفت خطط الدول الست الأعضاء في المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC، استناداً إلى وثائق البنك المركزي، عن عزمها جمع نحو 3,906.5 مليار فرنك إفريقي (ما يعادل حوالي 7 مليارات دولار أمريكي) من سوق الأوراق المالية الحكومية التابع للبنك. وتُستخدم هذه التمويلات الجديدة جزئياً في سد العجز، وإعادة تمويل الديون القديمة المستحقة، مما يجعل الرصيد القائم مؤشراً على إجمالي الدين غير المسدد. ويُحذّر الخبراء من أن ارتفاع نسبة هذا الرصيد إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تتجاوز 70%، يُنذر بضغوط هيكلية كبيرة.
ثالثاً: عبء الديون المؤسسية والسندات الحكومية:
رغم أن المبلغ المذكور يقل عن 5,272.8 مليار فرنك إفريقي التي تمت تعبئتها خلال الفترة من يناير إلى أكتوبر 2025م، إلا أنه يشير إلى سيناريو بالغ الخطورة: في حال حدوث أي تخلف عن السداد، فقد يتجاوز إجمالي الرصيد القائم للسندات الحكومية عتبة 10 تريليونات فرنك إفريقي بحلول 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026م.
ويكشف تحليل هيكل هذا الدين حسب الأداة المالية عن تباين واضح في إستراتيجيات التمويل الحكومية. تهيمن سندات الخزانة (كأدوات دين طويلة الأجل) على المشهد، بقيمة 7,835.2 مليار فرنك إفريقي، أي ما نسبته 82.9% من إجمالي الرصيد القائم. وتُعتبر آجال الاستحقاق الممتدة بين سنتين وخمس سنوات الأكثر تداولاً، إذ تستأثر بأكثر من 5,900 مليار فرنك إفريقي (ما نسبته 62.5% من إجمالي الدين). في المقابل؛ لا تمثل أذونات الخزانة (الديون قصيرة الأجل) سوى 1,616.2 مليار فرنك إفريقي، أي 17.1% فقط من المبلغ القائم.
أما أبرز ما يثير القلق، فهو التركيز المؤسسي الكبير للأوراق المالية الحكومية، الذي يُشكّل خطراً جسيماً على متانة النظام المالي الإقليمي. فالبنوك التجارية (المتخصصة في سندات الخزانة SVT) تستحوذ على 63% من الإجمالي، بقيمة 5,973.6 مليار فرنك إفريقي، وتعمل كصانعي سوق، بينما تمتلك بنوك أخرى (غير مصنفة ضمن SVT) نسبة 13.7% (ما قيمته 1,297.3 مليار فرنك إفريقي)، في حين تتوزع الحصة المتبقية على المستثمرين المؤسسيين من شركات تأمين وصناديق تقاعد.
رابعاً: ثلاثة أبطال مثقلون بالديون.. غير مسلحين بآليات النمو:
يكشف الواقع المقلق للديون المؤسسية والأوراق المالية الحكومية عن هيمنة ثلاثة بلدان على السوق المالية دون الإقليمية، تستأثر وحدها بحوالي 80% من إجمالي الديون الإقليمية، وهي: الغابون، والكونغو، والكاميرون. وقد جاءت الزيادة المذهلة التي بلغت 300% في أوراق مالية الخزانة العامة مدفوعةً بشكل أساسي بالغابون (+75% في عام 2025م) بنسبة 30.5% من إجمالي الرصيد في المنطقة، تليها الكونغو بنسبة 29.5%، ثم الكاميرون بنسبة 19.4%، في حين لا تتجاوز حصة الدول الأخرى (غينيا الاستوائية، تشاد، جمهورية إفريقيا الوسطى) 20.6% من الإجمالي.
ومن بين الدول الثلاث الأكثر مديونية، سجلت الكونغو أدنى معدل نمو (+2.6% إلى +2.8%)، تليها الغابون (+3%)، ثم الكاميرون (+3.7% إلى 3.9%). وفي مواجهة هذا المستوى المرتفع من المديونية ومعدلات النمو الضعيفة نسبياً، يُرجَّح أن تجد هذه الدول، التي لا تزال تلجأ بلا هوادة إلى الاقتراض السيادي والتمويل الخارجي في ظروف كارثية، صعوبةً بالغة في الوفاء بالتزاماتها دون أن تنزلق إلى فخ نظام بونزي الهرمي.
خامساً: تحييد التأثير المضاعف للدين:
في هذا السياق، يكاد الأثر المرجو للدَّين على الاستثمارات، الذي يُفترض أن تفوق عوائده (النمو الاقتصادي) تكلفة الاقتراض (أسعار الفائدة)، أن يُمحى تماماً تحت وطأة حقائق بنيوية معقدة.
أولاً: تُظهر دراسات القياس الاقتصادي ضعف المضاعفات المالية، إذ تقل عن الوحدة (أقل من 1)، مما يعكس تأثيرات كينزية محدودة للسياسة المالية. والخلاصة أن كل فرنك إفريقي يُقترض لا يولّد أكثر من فرنك إضافي من النمو، مما يفضح رافعةً مالية غير فعّالة.
ثانياً: يعكس التباين في تأثير الصدمات الضريبية بين الدول تنوع الظروف الوطنية. فصدمات الإيرادات الضريبية (المرتبطة بشكل غير مباشر بالدين) تُحدِث آثاراً متباينة للغاية على النمو: فبينما تسجل الكاميرون والكونغو آثاراً إيجابية؛ تشهد الغابون وغينيا الاستوائية وجمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد آثاراً سلبية.
باختصار، ليس للاقتراض من أجل الاستثمار الأثر نفسه في جميع الحالات، بل يتوقف على الهيكل الاقتصادي وجودة الإنفاق العام في كل بلد. وأخيراً، يكشف تحليل التوازن العام القابل للحساب (2023-2030م) أن تشاد والغابون فقط هما المستفيدان من التأثير الإيجابي لضريبة دخل رأس المال، وإن كان كلاهما يعاني عجزاً عاماً يتطلب تعويضاً عبر زيادة هذه الضريبة. غير أن هذه الضريبة، التي تُعتبر رافعةً لسداد الدين، ليست دائماً فعّالة في تحفيز النمو.
على النقيض من ذلك؛ كان صندوق النقد الدولي قد حدد في عام 2017م وجود علاقة عكسية، إلى جانب مخاطر رئيسية ناجمة عن الارتباط الوثيق بين الدول ذات السيادة والبنوك في منطقة CEMAC، وذلك عبر آلية إشكالية تتمثل في احتفاظ البنوك المحلية بكميات كبيرة من الأوراق المالية الحكومية. وفي حال تعرّض أي بلد لضغوط سيادية (أي صعوبات في السداد)؛ فإن الجهاز المصرفي يصبح مباشرةً في قلب حلقة مفرغة: فالصعوبات التي تواجهها الدول ستؤدي بحكم الأمر الواقع إلى أزمة مصرفية، تتسبب بدورها في انكماش الائتمان الخاص، ومن ثَمّ ركود متصاعد، ومزيد من الصعوبات المالية للدول. وهكذا، لم يعد الدين يمول النمو، بل أصبح يُضعف النظام المالي بأكمله.
سادساً: هل رؤساء دول CEMAC عاجزون أمام الضغوط المتراكمة؟:
للخروج من هذه الحلقة المفرغة من المديونية؛ يقترح صندوق النقد الدولي اتخاذ تدابير فورية وحازمة تستهدف معالجة الاختلالات الداخلية والخارجية معاً، وذلك بغرض التأهل للحصول على الدعم المالي والتمويلي من المؤسسة المالية الدولية. ومن جانبه، يُحذّر البنك المركزي لدول وسط إفريقيا BEAC من استمرار المسار الحالي لمديونيات دول المنطقة، مشيراً إلى أن الاستدامة المالية قد تتعرض للخطر نتيجة عوامل خطر إضافية، أبرزها: تقلب أسعار المواد الأولية (النفط والغاز والخشب والقطن)، والاعتماد المتزايد على الديون الخارجية الذي أثبتته تحليلات القياس الاقتصادي (2010-2022م)، فضلاً عن الإصلاحات الضريبية المحدودة الأثر في الأجل القصير، ومنها الإعفاء الأخير (الذي دخل حيز التنفيذ عام 2026م) من ضريبة رأس المال العقاري على الأوراق المالية العامة، والذي يهدف إلى توسيع قاعدة المستثمرين وجعل السوق أكثر سلاسة.
سابعاً: بين الإصلاح والوضع الراهن والصمود: قراءة في المسارات المتباينة:
في أفق تجاوز الأزمة، يُلزِم إصلاح المالية العامة المنبثق عن التشريع رقم 02/11-CEMAC-UMAC الصادر في 19 ديسمبر 2011م، والمتعلق بقوانين المالية للدول الأعضاء، هذه الدول بتغيير نموذجها الاقتصادي وتنفيذ إستراتيجيات صارمة لخفض الديون والتحول إلى موازنة البرامج (المواد 4، 9-11، 17، 18، 24، 25)، بما يكفل انضباطاً مالياً مضموناً.
وتُعدّ جمهورية الكونغو مثالاً حياً في هذا المجال. ففي إطار إستراتيجية خفض المديونية، قرر الوزراء المتعاقبون المكلفون بالمالية بين عامي 2017 و2024م (كاليكست نغانونغو 2016-2021م، وريغوبرت روجر أنديلي 2021-2022م، وجان باتيست أونداي 2022-2024م) احتواء وحش الدين العام، حيث انتقلت نسبة المديونية من 111% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2017م (وفقاً لصندوق النقد الدولي) إلى 116% عام 2021م، قبل أن تنخفض إلى 97.97% عام 2023م، ثم إلى 94.74% عام 2024م، مما حد بشكل كبير من مخاطر الإعسار وزعزعة الاستقرار الاقتصادي. وتُعزى الزيادة المسجلة في المرحلة الأولى إلى استمرار آثار الصدمة النفطية (2014-2016م)، بالإضافة إلى التداعيات المرتبطة بجائحة كوفيد-19.
لكن هذه الزيادة ظلّت محدودةً بفضل الجهود المبذولة لتأمين وزيادة الإيرادات المحلية غير النفطية، من خلال تحديث نظم المعلومات الضريبية والجمركية والخزانة العامة، ونشر تطبيقات «الضرائب الإلكترونية»، و«الشباك الوحيد للتخليص الجمركي» GUD في بنك الكونغو البريدي، و«النظام المتكامل لإدارة المالية العامة» SIGFIP. ويعود الانخفاض اللاحق إلى تنفيذ إصلاحات لتحسين إدارة المالية العامة، رغم أن النسبة لا تزال تتجاوز عتبة الاتحاد الأوروبي البالغة 70% من الناتج المحلي الإجمالي. ومن الملاحظ أن الاتجاه التنازلي لديون الكونغو كان مشجعاً.
أما في عام 2025م، وللوفاء بالتزاماتها قصيرة الأجل، لجأت كلٌّ من الكاميرون والكونغو والغابون إلى إصدار سندات اليورو في الأسواق المالية الدولية، معرّضةً نفسها لتكاليف ديون باهظة ومخاطر مضاربة عالية.
ثامناً: إصلاحات تتعثر: التحول إلى موازنة البرامج بين النص والتطبيق:
تجدر الإشارة إلى أنه لم تتحول أيٌّ من دول المنطقة الست تقريباً بشكل كامل من الميزانية التقليدية (الوسائل) إلى الميزانية البرنامجية، وذلك منذ نشر لائحة المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC المتعلقة بقوانين المالية لعام 2011م. وقد بدت المحاولات الغابونية بين عامي 2022 و2024م محايدةً أو غير حاسمة. وفي الفترة ذاتها، أعدت جمهورية الكونغو، بناءً على طلب صندوق النقد الدولي (الذي شهد إصدار 6 مراجعات متتالية ناجحة لبرنامج تسهيل التمويل الموسع FEC للفترة 2019-2024م)، خطةً إستراتيجية صارمة متوسطة الأجل. ولتفعيلها؛ وُضع مخطط متعدد السنوات للإجراءات ذات الأولوية PPAP، بالارتكاز على البرنامج الوطني للتنمية (2022-2026م)، ووثائق التخطيط وتدبير الميزانية التي يهدف تنفيذها أساساً إلى تحقيق الانضباط والصرامة في الإدارة المالية القائمة على النتائج، والبحث عن الأداء العام، بهدف تفعيل جميع رافعات النمو ومعالجة الاختلال المزدوج للاقتصاد الكلي المشار إليه آنفاً.
إلا أن واقع تنفيذ هذا الإصلاح الهيكلي لحوكمة المالية العامة في جمهورية الكونغو، الصادر بموجب القانون العضوي رقم 36-2017 المؤرخ 3 أكتوبر/تشرين الأول 2017، والمتعلق بقوانين المالية (المنبثق عن لائحة CEMAC)، يكشف عن حالة من الركود، مع اتباع أسلوب مختلط في إدارة الميزانية يتأرجح بين الميزانية التقليدية (الوسائل) والميزانية البرنامجية.
تاسعاً: ما وراء الإصلاح الإداري في الميزانية البرنامجية:
يواجه قادة المجموعة الاقتصادية والنقدية لوسط إفريقيا CEMAC لحظةً حاسمة تستوجب تأكيد السيادة الوطنية والتحرر من الضغوط الخارجية، بدلاً من الموقف السلبي الدفاعي، بل والمتباطئ، الذي يسود اليوم. ولا يملك هؤلاء القادة سوى خيارين جوهريين لإصلاح سياستهم النقدية:
الخيار الأول: الإبقاء على السياسة النقدية الحالية، مع إعادة النظر في بعض الآليات الجامدة ضمن نظام شبه مرن أو مرن بالكامل، مع وضع هدف الاستقرار تحت إشراف دقيق.
الخيار الثاني: إنشاء عملة جديدة مضمونة بسَلّة من الموارد الطبيعية الإستراتيجية، على أن يُشكّل تجميع وتوحيد السياسات الوطنية لإدارة هذه الموارد، مع التحول المحلي الكامل والتحكم في معدلات التبادل التجاري، الركيزة الأساسية لهذا الخيار.
وللاقتناع بذلك؛ تُقدّم نظرية التوازن العام العشوائي الديناميكي (نماذج DSGE)، استناداً إلى الأبحاث الحديثة، أدوات تحليلية متقدمة تسمح بتجاوز النقاشات النظرية من خلال التحديد الكمي الدقيق لآثار أنظمة أسعار الصرف على استقرار الاقتصاد الكلي والرفاهية.
الميزة الرئيسية لنظام سعر الصرف المرن (العائم) تكمن في كونه بمثابة ممتص صدمات تلقائي في مواجهة الصدمات الخارجية. ففي ظل هذا النظام، فإن تخفيض قيمة الفرنك الإفريقي سيخفف تلقائياً من حدة الصدمة من خلال دعم الصادرات. ويمكن للسياسة النقدية، التي تستهدف التضخم المحلي، أن تركز على استقرار الاقتصاد. ونتيجةً لذلك؛ يمكن التخفيف إلى حدٍّ كبير من خسائر الرفاهية الاقتصادية عبر إعادة توجيه عائدات التصدير إلى الداخل.
أما نظام سعر الصرف الثابت، فإن الاقتصاد، الذي يبدو مستقراً ظاهرياً، قد يكون أكثر عرضة للمفارقات. فلن يكون التعديل ممكناً إلا من خلال انكماش الناتج ومعدلات التوظيف، وقد تكون مسارات العودة إلى التوازن أكثر تقلباً، وهذا قد يسفر عن خسائر في الرفاهية أعلى بكثير مقارنةً بالنظام العائم، وذلك نتيجة القصور في التكيف مع الظروف المختلفة وارتفاع سعر الصرف الفعلي الحقيقي، وهو ما قد يتفاقم بسبب تراجع عائدات التصدير.
والواقع أن أهمية النظام العائم بالنسبة للاقتصادات المفتوحة المعرضة للصدمات الخارجية تُعتبر، من الناحية الكمية، بالغة الأهمية، ولا سيما أن بلدان المنطقة تطمح إلى التصنيع والتحول المحلي لسلعها الأساسية. وبالنسبة لدول CEMAC، يُعتبر النظام الوسيط (شبه العائم أو العائم المدار) الأكثر ملاءمة. فالكثير من البلدان حول العالم لا تطبق نظاماً عائماً نقياً ولا تثبيتاً كاملاً، ومع ذلك تحقق أداءً اقتصادياً رائعاً. ومن المؤكد أنه بغض النظر عن النظام المتبع (ثابت أو عائم/شبه عائم)، فإن السياسة النقدية تطبق تعديلات وانخفاضات ضمنية أو غير ضمنية في قيمة العملة. بيد أن طريقة وأدوات التكيف التي يستخدمها البنك المركزي ليست متطابقة، ولا تُظهر النتائج نفسها.
عاشراً: إصلاح الفرنك الإفريقي أو إنشاء عملة جديدة في منطقة CEMAC:
أ) تفضيل النظام الوسيط (شبه العائم):
في هذا السياق، تُظهر نماذج السياسة النقدية وسعر الصرف أن تدخلات البنوك المركزية غير الخطية تسمح بحدوث تقلبات ضمن «منطقة تسامح» معينة، إلا أن هذه التقلبات تصبح نشطة عندما ينحرف سعر الصرف بشكل كبير عن اتجاهه طويل الأجل. ويمكن لهذه الإدارة الاستباقية، إلى جانب تدابير مراقبة رأس المال، أن تكون ذات فائدة كبيرة. ففي مواجهة صدمة سلبية على أسعار الفائدة العالمية؛ فإن تدخل البنك المركزي لدول وسط إفريقيا BEAC في سوق النقد الأجنبي، على سبيل المثال، من شأنه أن يدعم الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي ويضبط التضخم، مقارنةً بسيناريو النظام العائم النقي. وبالنسبة للاقتصادات التي تعاني من أسواق مالية أقل عمقاً، مثل اقتصادات دول CEMAC، فإن النظام شبه العائم يمكن أن يقدم أفضل ما في العالمين: المرونة اللازمة لامتصاص الصدمات، والاستقرار المطلوب لتجنب التقلبات المفرطة والمزعزعة.
ب) القدرة التنافسية السعرية كمحدد للرفاهية الاجتماعية والاقتصادية:
لا يمكن إنهاء هذا التحليل دون معالجة إشكالية تسعير السلع بالعملة المحلية أو الأجنبية في الأسواق الدولية، فدور فرضيات التسعير حاسم. فمن ناحيةٍ، تبرز الأهمية التي ينبغي أن توليها السياسة النقدية لسعر الصرف (أي سعر العملة الوطنية مقابل العملة الأجنبية). فإذا كانت شركات CEMAC تحدد أسعارها بعملتها الخاصة (الفرنك الإفريقي شبه العائم)؛ فإن انخفاض قيمة العملة يجعل منتجاتها أرخص فوراً في الخارج (انتقال مثالي). وفي هذا الإطار، يجوز للسياسة النقدية أن تركز على التضخم المحلي وأن تتجاهل سعر الصرف.
أما إذا كانت الشركات تحدد أسعارها بعملة السوق المحلية؛ فإن انخفاض القيمة لا يؤثر فوراً على أسعار الواردات، مما يكسر الرابط المباشر. وفي هذه الحالة، تُظهر العديد من نماذج DSGE أنه يصبح من الأمثل إعطاء دور كبير جداً، إن لم يكن حصرياً، لسعر الصرف في قاعدة السياسة النقدية. وهذا قد يبرر وجود نظام ثابت أو إدارة قوية للنقد الأجنبي، مع ما يرتبط بذلك من تقييد لاحتياطيات النقد الأجنبي وتعديل أسعار الفائدة الرئيسية، مما يؤثر سلباً في النمو الاقتصادي.
باختصار، إن التحول من نظام سعر الصرف الثابت الحالي إلى نظام سعر صرف عائم، أو بالأحرى نظام شبه عائم، في منطقة CEMAC، يكشف أن النظام الثابت الحالي، المدعوم باحتياطيات النقد الأجنبي، لا يعمل في الواقع إلا كآلية «شبه عائمة مقيدة بالاحتياطيات».
ج) نظام ربط الفرنك الإفريقي FCFA باليورو: الأدوات والآليات المُدمّرة لاقتصادات الريع في المنطقة:
على عكس النظام العائم النقي، لا يُشكّل ربط الفرنك الإفريقي باليورو بسعر صرف ثابت نظاماً للتكيف التلقائي يتيح «منطقة تسامح». بل يقوم هذا النظام على قيود «ملزمة» مرتبطة بالاحتياطيات من النقد الأجنبي، تستند إلى قاعدة احترازية (تُطبَّق أحياناً بشكل إلزامي). وبشكلٍ دقيق، فعندما تهبط احتياطيات البنك المركزي لدول وسط إفريقيا BEAC من النقد الأجنبي إلى ما دون عتبة معينة (على سبيل المثال، تغطية 20% من الالتزامات)، تتغير السياسة النقدية بشكلٍ حاد. في البداية، يعمل النظام كنظام ثابت كلاسيكي.
في المرحلة الثانية، وحين تندلع الأزمات (أي عند انخفاض الاحتياطيات)، يُجبر البنك المركزي لدول وسط إفريقيا BEAC على التصرف تماماً كما لو كان ضمن نموذج سعر صرف مرن أو شبه عائم للدفاع عن عملته، لكن دون الاستفادة من أداة سعر الصرف (لأنه ثابت). فعلى سبيل المثال، عندما تكون الاحتياطيات منخفضة إثر صدمة نفطية (مع اعتماد المنطقة بنسبة 84% على النفط)، لا يستطيع البنك المركزي تخفيض قيمة العملة بسهولة، فيضطر إلى توظيف الأدوات المحلية لتوليد الآثار النقدية نفسها التي يُحدثها تخفيض سعر الصرف، ولكنه في هذه العملية يُدمِر الاقتصاد. بعبارةٍ أخرى: يقوم البنك برفع أسعار الفائدة الرئيسية لجعل الائتمان أكثر تكلفة، وخفض الطلب على العملات الأجنبية (وكبح تدفقات رأس المال إلى الخارج). كما يعمل على إبطاء خلق عرض النقود، مما يؤدي إلى ندرة العملة المحلية (فرنك وسط إفريقيا XAF) بهدف رفع قيمتها النسبية. وهكذا، فهو يُجري تعديلاً يُعتبر بمثابة تخفيض داخلي للقيمة، حيث ينخفض الإنتاج والاستهلاك والاستثمار من أجل خفض الواردات وإعادة بناء الاحتياطيات.
الخلاصة: إن النظام «العائم» أو «شبه العائم» هو نظام يتكيف مع التقلبات الدورية، ويتمتع بمزايا أكبر من نظام سعر الصرف الثابت. ففي الاقتصاد المتقدم، يعمل النظام العائم على تخفيف حدة الصدمات. أما في منطقة CEMAC، ونظراً لقيود الاحتياطيات، فإن سياسة سعر الصرف تبدو متكيفة مع التقلبات الدورية، لكنها مدمرة. فمن أجل إنقاذ الاحتياطيات، يُضطر البنك المركزي إلى خنق الاقتصاد في الوقت الذي يكون فيه أصلاً ضعيفاً بسبب انخفاض أسعار النفط. وثانياً، على عكس النظام شبه العائم الكلاسيكي حيث يسمح البنك المركزي للعملة بالتقلب ضمن نطاق معين، فإن العملة هنا لا تتقلب؛ بل إن التقلبات تنعكس على الناتج المحلي الإجمالي والعمالة. وكلما زاد خطر انهيار الاحتياطيات كان الانخفاض في الإنتاج أكثر عنفاً. وبالتالي، فإن التكيف يتحقق من خلال الإنتاج والعمالة.
وأخيراً، في ظل نظام سعر الصرف الثابت، يظل السعي الدؤوب لزيادة الاحتياطيات هو القاعدة النقدية الأساسية، حيث لا يستجيب سعر الفائدة الرسمي للتضخم فحسب، بل وأيضاً، وبشكلٍ خاص، لانحرافات الاحتياطيات واتجاهاتها. وهذا يشكل «نصف سيطرة» تُستخدم فيها تكلفة الائتمان لمحاكاة تخفيض غير معلن لقيمة العملة.
ما سبق يؤكد: أنه ما لم يصبح التنويع الاقتصادي في منطقة CEMAC فعّالاً؛ فإن النظام النقدي الحالي، رغم كونه ثابتاً اسمياً، سيعاني من «أزمات سيولة» تجبره على تبنّي سياسات تُحاكي النظام شبه العائم في أوقات التوتر، ولكن بتكاليف اجتماعية أعلى وتأثير سلبي على النمو ومستويات التوظيف.
إن الالتزام بسياسة نقدية جديدة في منطقة CEMAC يمكن أن يشكل رافعة للتكيف المنتظم والإنقاذ المنهجي، بهدف تحسين مستوى احتياطيات النقد الأجنبي في الأجل الطويل، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الوطنية، وتحفيز النمو والعمالة، وتهيئة ظروف القدرة على تحمّل الديون. وهذا يعني أن الانخفاض الكبير في هذه المديونية من شأنه أن يُمكّن بلدان المنطقة من تجاوز الضغوط الخارجية ومطالب صندوق النقد الدولي، وتأكيد سيادتها الاقتصادية والنقدية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































