اهتمّت الصحافة الإسرائيلية خلال الأيام الأخيرة بملف الصراع الإقليمي في إثيوبيا والقرن الإفريقي، وبدا جليًّا أن هناك اتجاهًا لتبنّي “السردية” الرسمية لأديس أبابا، وفي الوقت ذاته، قد يعكس هذا النهج مأزقًا وتخبُّطًا حادًّا في دهاليز المؤسسة الإعلامية العبرية، بشأن كيفية تغطية الأوضاع الراهنة لدى الحليفة الإثيوبية؛ التي لطالما عوَّلت عليها تل أبيب لتغيير خريطة القرن الإفريقي وإعادة تشكيل تحالفاته، بما في ذلك عقب الاعتراف بصوماليلاند.
وقد تجلّى تبنّي السردية الإثيوبية في التغطيات الصحفية للتحركات الدبلوماسية والعسكرية الأخيرة؛ إذ سارعت الأقلام العبرية إلى إلقاء اللوم بشأن تجدُّد الصراع بجهة الشمال، والتصعيد مع إريتريا على أطراف خارجية وخصوم إقليميين، دون تسليط الضوء على منطق واضح أو نماذج معلومة لوجود دور مُحدَّد لهذه الأطراف ولا سيما مصر والسودان، بينما جرى تغليب المُبرّرات الإثيوبية بشأن قرار إغلاق السفارات وطرد الدبلوماسيين دون إعطاء وزن لردود الأفعال الرسمية لتلك الدول، وعلى رأسها مصر وإريتريا.
وتكشف هذه النزعة الصحفية، بشكل محتمل، عُمْق الارتباك في التعاطي الإسرائيلي الإعلامي مع ملف شائك يخصّ الحليف الإثيوبي؛ فبينما تحرص تل أبيب على دعم تطلُّعات أديس أبابا لتأمين منفذ بحري دائم، -ولم تَعُد تُخْفي نواياها تلك-؛ تجد نفسها بعد فترة وجيزة من إعلان نواياها أمام عائق من اتفاقات السلام الهشّة في الداخل الإثيوبي، وتصاعُد حدة المواجهات المسلحة بين الحكومة الفيدرالية الحليفة لها، وبين قوى المعارضة التي تهدّد باستنزاف حكومة آبي أحمد، أهم حليف لتل أبيب في المنطقة.
كما أماطت التحليلات اللثام عن حجم القلق الإسرائيلي المتزايد من تداعيات الأزمة على أمن الملاحة بالبحر الأحمر وحرية المرور عبر مضيق باب المندب، وهو ما دفَع بعض الكُتاب والخبراء الإسرائيليين إلى طرح حلول، تطالب حكومة تل أبيب بضرورة بلورة “إستراتيجية إفريقية” جديدة، منتقدة السياسات القائمة حتى الآن، وناشدتها بضرورة اتخاذ خطوات عملية لدعم المطالب الإثيوبية بالنفاذ البحري، وتوظيف المكونات الدبلوماسية الإسرائيلية ذات الأصول الإفريقية، ولا سيما الإثيوبية، لبلورة إستراتيجية إفريقية شاملة.
في المقال الأول للكاتب بنحاس بن زيف، عبر منصة “إيميس” العبرية، والمنشور بتاريخ 5 أكتوبر 2026م، ثمة مخاوف إسرائيلية من تحوُّل جيوسياسي يمسّ أمنها القومي جراء تجدُّد الصراع في شمال إثيوبيا وتدهور علاقات أديس أبابا مع جوارها الإقليمي، مشددًا على دعم تل أبيب لما ترى أنه حق أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري، دون أن يُوضّح كيف لدولة حبيسة أن تحصل على مثل هذا المنفذ في أراضٍ سيادية لدولة أخرى، من دون اتفاق رسمي قابل للتطبيق، ما يُوضّح مدى هشاشة الرهان الإسرائيلي على حليف محاصَر جغرافيًّا.
في المقال الثاني للكاتب عاميت أفيتان المنشور بموقع “واللا” العبري، بتاريخ 2 أكتوبر 2026م، ثمة تجسيد كامل للانحياز الإسرائيلي للسردية الإثيوبية الرسمية، عبر ترديد اتهامات إثيوبيا لجوارها الإقليمي، دون التثبت من الردود الرسمية للدول التي زُجّ باسمها، معتبرًا أن تجدُّد المعارك في تيغراي، وتوتر العلاقات مع مصر وإريتريا يمثلان إعادة تشكيل للصراع كأزمة إقليمية شاملة.
في المقال الثالث للكاتب شموئيل ليجيس المنشور بصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، بتاريخ 27 سبتمبر 2026م، ثمة توظيف لهواجس “مفاجأة السابع من أكتوبر”، لتحذير حكومة الاحتلال الإسرائيلي من غياب إستراتيجية إفريقية شاملة، ويرى أن حماية شريان الملاحة بالبحر الأحمر لن تتأتَّى بالتفوق العسكري وحده، مطالبًا بشراكة أمنية واقتصادية إقليمية تقودها إسرائيل بالتعاون مع إفريقيا، فيما يبحث الكاتب الإسرائيلي-الأمريكي، إثيوبي الأصل، عن دور لنفسه ولجاليته داخل إسرائيل في هذه الشراكة التي يتحدَّث عنها (اضغط هنا لاستعراض الخريطة التفاعلية للمقال)
محتويات المقال
السلام ينهار: الحرب التي تشتعل من جديد
وراء البحر الأحمر([1])
“في الوقت الذي تتَّجه فيه أنظار إسرائيل صوب الحوثيين، والمعارك الدائرة حول مضيق باب المندب، هناك على الجانب الآخر من البحر الأحمر تُستأنف الحرب التي كانت حتى وقت قريب قصة منتهية؛ إذ تجدد القتال شمالي إثيوبيا، وتدهورت علاقات الأخيرة مع إريتريا تدهورًا كاملًا، ودخلت مصر بقوة إلى المشهد، وسط مخاوف من تحوُّل الصراع المحلي إلى حرب إقليمية”.
بهذه المقدمة استهل الكاتب الإسرائيلي بنحاس بن زيف مقالته بمنصة “إيميس” العبرية، معترفًا أن الحديث يجري عن تطورات تُشكّل أهمية استثنائية بالنسبة لتل أبيب، وبعد أسابيع معدودة من تصريح سفير إسرائيل لدى إثيوبيا، أبراهام نيغوسا، بأن تل أبيب تدعم مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر، واستطرد: “هذا لا يعني دعمًا لاحتلال أراضٍ من إريتريا، أو الانحياز لطرف ما في الحرب، ولكن في ظل الأزمة الراهنة، يكتسب التصريح الإسرائيلي دلالةً جديدة”؛ على حدّ زعمه.
انهيار السلام بين الجارتين:
وتابع أن إثيوبيا أعلنت يوم الخميس (1-10-2026) إغلاق سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، مُعلِّلةً ذلك بأنشطة تُهدِّد أمنها، ليأتي الرد في غضون ساعات؛ إذ ردّت إريتريا بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا وإغلاق سفارتها في أديس أبابا.
ومضى قائلًا: إن تجدد الحرب في تيغراي يقف في خلفية هذه الأزمة، ففي الأسابيع الأخيرة، عادت الاشتباكات بين القوات الموالية للحكومة الفيدرالية وتحالف تقوده جبهة تحرير شعب تيغراي، وبات اتفاق السلام المُوقَّع عام 2022 أكثر هشاشة من أيّ وقتٍ مضى.
وأشار إلى أنه خلال عطلة نهاية الأسبوع، انسحبت قوات جبهة تحرير شعب تيغراي من ميكيلي، عاصمة تيغراي، ودخلت القوات الموالية للحكومة المدينة، فيما بررت المعارضة هذه الخطوة على أنها انسحاب مُؤقَّت يهدف إلى منع الدمار، وأوضحت أن القتال سيستمر، الأمر الذي وصفه الكاتب بـ “التصعيد الأكثر خطورة في المنطقة منذ نهاية الحرب السابقة”.
قبل سنوات قليلة فقط كان الطرفان يتقاتلان:
وفق الكاتب، فإن التوتر في العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا يكاد يكون غير مسبوق؛ إذ خاض البلدان حربًا حدودية دامية في أواخر التسعينيات، وبعدها عاشا لسنوات في حالة من عدم الاستقرار، فيما كان عام 2018 نقطة تحوُّل حاسمة؛ إذ وقَّع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي اتفاقية سلام تاريخية، ففُتحت الحدود، وحصل آبي أحمد على جائزة نوبل للسلام؛ تقديرًا لهذه الخطوة.
وحين اندلعت حرب تيغراي عام 2020، تحوّل التقارب إلى تحالف عسكري، فعبر الجنود الإريتريون الحدود وقاتلوا إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، إلا أن “اتفاقية بريتوريا” التي أنهت الحرب عام 2022 استبعدت إريتريا، لتتدهور العلاقات بين البلدين منذ ذلك الحين.
وأردف الكاتب أن الصورة الآن انقلبت رأسًا على عقب؛ إذ تتّهم أديس أبابا إريتريا بدعم قوات تيغراي، التي خاض البلدان ضدّها معارك مشتركة قبل سنوات قليلة، في المقابل، تتّهم أسمرة إثيوبيا بممارسة أعمال عدائية ضدّها.
المعركة الكبرى من أجل البحر:
وفي خِضَمّ كل هذا، تبرز قضية أخرى بالغة الحساسية: البحر الأحمر، ليَعْرض الكاتب خلفية الأزمة، وهي أن إثيوبيا، البلد الذي يزيد عدد سكانه عن 130 مليون نسمة، ظل حبيسًا منذ استقلال إريتريا عام 1993، وأن معظم تجارة إثيوبيا تعتمد على ميناء جيبوتي، وفي السنوات الأخيرة، وضع آبي أحمد خطة للحصول على منفذ دائم إلى البحر واعتبر ذلك هدفًا وطنيًّا.
ومن وجهة نظر الكاتب الإسرائيلي، يُعدّ المنفذ البحري بالنسبة لإثيوبيا ضرورة اقتصادية وإستراتيجية لقوة إقليمية عظمى، على حدّ وصفه، أما بالنسبة لجيرانها، وخاصةً إريتريا، فيقول الكاتب: إن خطاب إثيوبيا بشأن البحر يُثير مخاوف جدية إريترية بشأن انتهاك سيادتها.
وأوضح أن إريتريا تمتلك أكثر من ألف كيلو متر من السواحل على طول البحر الأحمر وموانئ كانت تستخدمها إثيوبيا سابقًا، وأن الاضطرابات في الشرق الأوسط والتهديدات التي تُواجه خطوط الملاحة حوّلت هذه الدولة المعزولة إلى رصيد إستراتيجي تسعى الدول والقوى مجددًا إلى الاستفادة منه.
إسرائيل تدعم إثيوبيا في الوصول البحري:
وهنا يبرز دور إسرائيل في هذه القضية، وفق ما أشار إليه الكاتب، ففي العاشر من سبتمبر 2026م، أدلى السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نيغوسا، بتصريح لوكالة الأنباء الإثيوبية، تناول فيه صراحةً رغبة أديس أبابا في الوصول إلى البحر، وقال نيغوسا: “إسرائيل تدعم إثيوبيا في هذا المسعى… هذه سياسة إسرائيلية واضحة”.
ورأى الكاتب بن زيف أن هذا التصريح يُعدّ بالغ الأهمية، وأنه من المُهِمّ أيضًا تأطيره؛ إذ لم تُعلن إسرائيل دعمها لاحتلال أراضٍ من إريتريا، ولم تُشِر إلى ميناء أو منطقة مُحدَّدة يجب أن تُضمّها إثيوبيا، وقال: إن الدعم الذي تحدَّث عنه السفير هو في الواقع “دعم لحصول إثيوبيا على منفذ بحري وحلّ هذه المسألة سلميًّا”.
وربط بين التصريح وبين التطورات الأخيرة بشكل واضح حيث قال: “مع ذلك، بعد شهر واحد فقط من هذه التصريحات، وصلت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا إلى أدنى مستوياتها”.
الرواية الإسرائيلية تزجّ باسم مصر:
ومن منظور كاتب المقال، تزداد الأزمة تعقيدًا بسبب مصر، وعلّل ذلك بأنه في اليوم نفسه الذي أُغلقت فيه السفارة الإثيوبية في إريتريا، طردت أديس أبابا دبلوماسيًّا مصريًّا، وردّت القاهرة بخطوة مماثلة، ومِن ثَم من غير المعروف ماذا يقصد الكاتب بإشارته إلى مصر؛ إذ بدا واضحًا أن أديس أبابا هي التي بادرت بالخطوة الدبلوماسية المُشار إليها.
ولكنّ السطور التالية توضح طبيعة الاتهامات المُغلّفة والجاهزة التي تُشكّل الخطاب الإسرائيلي بشأن ملف إثيوبيا؛ إذ كتب بن زيف عبر المنصة الإسرائيلية قائلًا: “تشهد العلاقات بين مصر وإثيوبيا توترًا منذ سنوات بسبب سد النهضة الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وتخشى القاهرة من تضرُّر إمداداتها المائية، كما تعارض أيّ تغيير أُحادي الجانب في موازين القوى حول البحر الأحمر. في الوقت نفسه، عزَّزت مصر علاقاتها مع إريتريا والصومال في السنوات الأخيرة. ومن وجهة نظر إثيوبيا، يبدو هذا التقارب محاولة متزايدةً لمحاصرتها بدول معادية لطموحاتها”.
وبالتالي زجّ الكاتب باسم أحد الأطراف إلى المعادلة إلا أنه لم يُبرهن على طبيعة هذا التدخل، ليتعاطى مع الخطوات المعلنة والطبيعية التي تُباشرها القاهرة نحو منطقة القرن الإفريقي على أنها تدخل في المعادلة، ومِن ثَم تبنّى الخطاب الإثيوبي بشكلٍ فجّ.
إحدى الجبهتين مشتعلة بالفعل:
ويعود الكاتب الإسرائيلي للحرب، ويقول: إنه من المهم التمييز بين الجبهتين؛ فقد استؤنفت الحرب في تيغراي، أما ما لم يحدث بعد فهو حرب مباشرة بين الجيشين الإثيوبي والإريتري، والمخاوف الكبرى هي أن يجرّ الصراع القائم أسمرة ودولًا أخرى إليه.
بالنسبة لإسرائيل، يقول بن زيف: “إن الصراع لم يَعُد صراعًا إفريقيًّا بعيدًا، فالساحل الإريتري يقع على البحر الأحمر مقابل اليمن وبالقرب من الطريق المؤدّي إلى باب المندب وإيلات وقناة السويس، وبعد ثلاث سنوات أثبت خلالها الحوثيون مدى هشاشة هذا الطريق، ومِن ثَم فإنّ أيّ اضطرابات أخرى حوله تكتسب أهمية إستراتيجية بالغة”.
وختم بالقول: إنه قبل ثماني سنوات، وقف آبي أحمد وأسياس أفورقي جنبًا إلى جنب، يحتفلان بسلام تاريخي، وفي هذا الأسبوع، أُغلقت السفارات، وطُرد الدبلوماسيون، وانقطعت الاتصالات، لقد عادت الحرب بالفعل إلى تيغراي؛ والسؤال الذي يُقلق المنطقة بأسرها الآن هو: هل ستتوقف عند هذا الحد؟
إثيوبيا وإريتريا تقطعان العلاقات:
تيغراي تُنذر باشتعال القرن الإفريقي مجددًا([2])
تعكس مقالة الكاتب الإسرائيلي عاميت أفيتان، حول الأزمة الراهنة بالقرن الإفريقي، والمنشورة بموقع “واللا” العبري، بتاريخ 2 أكتوبر 2026م، تبنّي تل أبيب للرواية الإثيوبية بشكل ملحوظ، وهو ما يظهر في غالبية فقرات المقالة، والتي تُغلّف مواقف أطراف معادلة الصراع الدائر بسردية إثيوبية لا لبس فيها.
فبداية يستعرض الكاتب الملف من زاوية انزلاق إثيوبيا وإريتريا إلى أشد أزمة دبلوماسية بينهما منذ سنوات؛ وصولًا إلى القطع الكامل للعلاقات، وتدهور العلاقات بين إثيوبيا ومصر، وطرد البلدين للدبلوماسيين، وتجدُّد القتال في شمال إثيوبيا، “في ظل الاتهامات الصادرة عن أديس أبابا والتي مفادها أن إريتريا ومصر تساعدان القوات المعارضة للحكومة الفيدرالية”.
ومن دون أن يتطرق إلى منطوق الرد المصري أو الإريتري، يكتفي الكاتب بنقل السردية الإثيوبية كما هي، ويلفت إلى سلسلة القرارات التي اتخذتها الحكومة الإثيوبية، والتي أعلنت عن إغلاق سفارتها في أسمرة، وأعلنت عشرة دبلوماسيين إريتريين موجودين في أديس أبابا “شخصيات غير مرغوب فيها”، مع مطالبتهم بمغادرة البلاد خلال 48 ساعة “لوجود أعمال مباشرة وغير مباشرة من العداء والعدوان من جانب إريتريا”.
وبعد أن صرحت أديس أبابا بأن نشاط الدبلوماسيين الإرتريين يُشكّل تهديدًا لأمنها القومي، ردّت الأخيرة بشكل أكثر حدة، وأعلنت قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع إثيوبيا. وهنا يستخدم الكاتب الفعل “زعمت” ليصف مبررات إريتريا، ويقول: “زعمت وزارة الخارجية الإريترية أن خطوات إثيوبيا غير مُبرّرة، واتهمت حكومة أديس أبابا بإدارة سياسة عدائية تجاهها، مشيرةً إلى أنه لم يتبقَّ لها خيار سوى الرد بالمثل وقطع الروابط”.
وبعد أن وضع الكاتب الموقف في حدود الرواية الإثيوبية، ينتقل للحديث عن البُعْد الميداني والإقليمي للصراع؛ إذ يشير إلى أن الأزمة الدبلوماسية تأتي على خلفية تجدُّد القتال في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، وعقب تجدد المعارك بين القوات الحكومية والقوات المحسوبة على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي خلال الأسابيع الأخيرة، وذلك بعد بضع سنوات من الهدوء النسبي في أعقاب اتفاق السلام الذي وُقِّع في بريتوريا عام 2022، وأنهى حربًا دموية استمرت نحو عامين.
ويعود الكاتب إلى تبنّي الرواية الإثيوبية، لكنّه يزيد هذه المرة عليها ترديد الاتهامات التي تستخدمها أديس أبابا ضد إريتريا ومصر، كأنها مُسلَّم بها وأمر واقع، من دون أن يُوضِّح الردود الرسمية لأطراف هذه المعادلة.
ومن ذلك على سبيل المثال قوله: تتّهم إثيوبيا كلًّا من إريتريا ومصر والسودان بمساعدة تحالف من منظمات المعارضة بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، يعمل ضد الحكومة الفيدرالية”.
ومع أن أسمرة وباقي العواصم التي تضعها الأقلام الإثيوبية والإسرائيلية في دائرة الاتهام أوضحت موقفها، فإن الكاتب الإسرائيلي لا يزال يرى أن الصراع يكتسب في تيغراي بُعدًا إقليميًّا جديدًا؛ إذ إنه خلال حرب تيغراي السابقة، قاتلت القوات الإريترية إلى جانب الجيش الإثيوبي ضد الجبهة، إلا أن العلاقات بين البلدين تدهورت بشدة منذ ذلك الحين.
ويزعم الكاتب الإسرائيلي أن مصر انجرّت هي الأخرى إلى المواجهة؛ حيث أمرت إثيوبيا دبلوماسيًّا مصريًّا بمغادرة البلاد، ورَدّت القاهرة بطرد دبلوماسي من السفارة الإثيوبية في مصر، وأضاف أن الخطوة تأتي في فترة تشهد بالأساس توترًا في العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا بسبب الخلاف الممتد منذ سنوات حول سد النهضة الإثيوبي على النيل.
وفي وقتٍ يحاول فيه الكاتب الربط بين أزمة النيل وحرب تيغراي بشكل يثير الدهشة، من المعلوم أن القاهرة أكدت رفض المزاعم الإثيوبية بشأن تقديم دعم لأيّ عناصر تعمل ضد الحكومة في أديس أبابا، كما استغربت بيان الاتحاد الإفريقي الداعي للتهدئة والذي زجّ باسمها في الصراع، وردَّت بأنها ليست طرفًا بالأساس.
ومن هنا يبني الكاتب مقالته وحججه على روايات أُحادية من بنات أفكار الجانب الإثيوبي، في وقتٍ أعلنت بلاده صراحةً أنها تدعم وصول إثيوبيا إلى البحر الأحمر، وكل ذلك يُفسِّر السطور التالية. فالكاتب يبرز المخاوف الإسرائيلية من التصعيد، ولا سيما في ظل الوضع الميداني، مثل سماع دوي انفجارات في العاصمة أديس أبابا (مراعاة تاريخ النشر)، وإمكانية أن تكون هذه الانفجارات ناجمة عن استخدام طائرات مُسيَّرة من جانب معارضين، الأمر الذي أثار مخاوف تل أبيب كما هو واضح من بدء استخدام أسلحة نوعية يمكنها حسم المعارك ضد نظام آبي أحمد.
وفي الوقت نفسه، يرى الكاتب أن الوضع الميداني في شمال البلاد مستمر في التدهور، مع سيطرة قوات الجبهة على المطار الرئيسي في تيغراي، مما أدّى إلى توقف الرحلات الجوية إلى المنطقة (مراعاة تغير الوضع الميداني بعد ذلك لصالح القوات الحكومية)، وفي ظل شهادات حول اضطراب في خدمات الكهرباء، والاتصالات، ونقص في الوقود والسيولة النقدية، بينما نزح آلاف الأشخاص بالفعل من منازلهم بسبب القتال.
وبحسب الكاتب “هناك بؤرة احتكاك إضافية تتمثل في طموح إثيوبيا لتأمين وصولها إلى البحر الأحمر، في وقتٍ تنظر إريتريا إلى حكومة آبي أحمد بأنها تُهدّد عمليًّا سيادتها في إطار مُطالبتها بوصول سيادي إلى البحر، وادَّعت أن أديس أبابا تضع عينها على الموانئ الواقعة في أراضيها، فيما تتّهم إثيوبيا أسمرة بمحاولة زعزعة استقرارها من الداخل”.
واختتم الكاتب بالإشارة إلى أن الاتحاد الإفريقي دعا إثيوبيا وإريتريا ومصر إلى إظهار “أقصى درجات ضبط النفس” والامتناع عن الخطوات أو التصريحات التي قد تُفاقم الأزمة، ودعا الدول الثلاث إلى حلّ الخلافات بينها عبر الحوار والقنوات الدبلوماسية، في ظل التخوُّف من أن النزاع في شمال إثيوبيا قد يتحول من أزمة داخلية إلى مواجهة إقليمية أوسع في القرن الإفريقي.
إثيوبيا والقرن الإفريقي..
استراتيجية إسرائيلية لأمن البحر الأحمر
([3])
يحاول الكاتب شموئيل ليجيس عبر مقالته بصحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية، إسقاط ما تعرضت له إسرائيل من مفاجئة نجمت عن إهمال شديد في السابع من أكتوبر، على الموقف الراهن المتعلق بسياساتها إزاء أمن البحر الأحمر.
فالثمن الباهظ الذي دفعته تل أبيب إبّان السابع من أكتوبر، وكونها لم تكن مستعدةً لمواجهة هجوم حماس، قد يتكرر حاليًّا في ظل افتقارها إلى إستراتيجية إفريقية للممر المائي الأهم، الذي يربط إيلات بالعالم، وفي وقتٍ تراقب فيه الساحة اليمنية، وتعترض صواريخ الحوثيين، وتنشر قوتها البحرية، لكن كل ذلك بلا إستراتيجية إفريقية واضحة.
ويُنوّه الكاتب الذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والإسرائيلية، وينحدر من أصول إثيوبية، إلى أن إسرائيل “هي الوطن الذي صلى من أجله اليهود الإثيوبيون لقرون”، بينما علمته أمريكا “كيف يمكن للمؤسسات والتحالفات والمساءلة العامة أن تُحوّل القوة إلى نفوذ دائم”. ومن هذا المنظور يؤكد أن “نهج إسرائيل ناقص بشكل خطير”.
فشل إقليمي شامل:
ولا تقتصر مشكلة إسرائيل من وجهة نظر الكاتب على الحوثيين، بل إنها أكبر منهم، فإيران تُهدّد السفن قرب مضيق باب المندب، وتتزايد القرصنة الصومالية مجددًا في خليج عدن، ولا تزال إريتريا ديكتاتورية مغلقة وعسكرية، تُوصَف غالبًا بأنها كوريا الشمالية الإفريقية، وفي الوقت نفسه، تعتمد إثيوبيا -ثاني أكبر دولة في إفريقيا من حيث عدد السكان ومقر الاتحاد الإفريقي- على جيبوتي للوصول إلى التجارة البحرية.
وسط هذا الموقف المأزوم، الذي يرى الكاتب أنه ليس مجرد “مجموعة من حالات الطوارئ المنفصلة”، ويعده فشلًا إقليميًّا شاملًا، لم تَعُد مؤشرات الخطر مجردة، فقد سجّلت السلطات البحرية نحو عشرين محاولة أو حادثة قرصنة وسطو مسلح في البحر الأحمر وخليج عدن خلال ثلاثة أشهر فقط من هذا العام.
كما أدَّى تجدُّد تقدُّم الحوثيين على طول الساحل اليمني إلى تفاقم المخاوف حول مضيق باب المندب، بينما تسبَّب الصراع في نزوح عائلات باتجاه جيبوتي، وكلّ ذلك دفَع الكاتب لدعوة الحكومات المعنية بحُرية الملاحة أن تُدرك حجم المخاطر.
وأشار الكاتب إلى أن البحر الأحمر يُعدّ شريانًا حيويًّا للتجارة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وأنه حين يُطلق مَن وَصَفهم بـ”الإرهابيين” الصواريخ، أو يختطف القراصنة الطواقم، أو تُسلّح الحكومات الموانئ، فإن الخسائر تطال المستهلكين الأمريكيين، والصناعات الأوروبية، والعائلات الإفريقية، والشركات الإسرائيلية.
وقال: إنه بإمكان السفن الحربية مرافقة السفن، وبإمكان الطائرات تدمير منصات الإطلاق، لكن الصواريخ عاجزة عن بناء مؤسسات شرعية، أو خلق فرص عمل، أو تسوية النزاعات بين الدول والمجتمعات.
إثيوبيا في قلب المعادلة:
وذهب إلى أن الموقف الراهن يحتّم إعادة تحليل تاريخ إثيوبيا بشكل عميق، ولا سيما وأن النتائج قد تكون مُقلقة، فقد برزت قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي وجبهة تحرير شعب إريتريا كحركتي حرب عصابات متحالفتين، وسيطرتا لاحقًا على أديس أبابا وأسمرة؛ على حد قوله.
وأردف أن قيادتهم أحدثت احتكارًا سياسيًّا ثوريًّا يتّسم بالسرية، والانقسام العرقي، والأنانية، وأنه شخصيًّا وكذلك والداه، شهدوا التداعيات الإنسانية لتلك الحرب، مضيفًا أن سياسات هؤلاء القادة لم تُفْضِ إلى سلام ديمقراطي، بل خلَّفت وراءَها استبدادًا وحدودًا متنازعًا عليها، وتبعية اقتصادية، وحربًا قَبَلية لم تُحْسَم، وتطهيرًا عِرقيًّا للأمهرة.
وذهب إلى أن علاقة إثيوبيا بالبحر الأحمر ليست وليدة اللحظة، فقد وصلت مملكة أكسوم القديمة إلى الساحل عبر أدوليس، الميناء الذي ربط إفريقيا بالتجارة الدولية، مضيفًا أنه من غير الممكن لاستفتاء استقلال إريتريا عام 1993 أن يمحو هذه الحقيقة، وأنه لا ينبغي للمجتمع الدولي أيضًا أن يتظاهر بأن اقتراعًا واحدًا قد حسم جميع القضايا بشكل عادل لجميع السكان المتضررين.
وتابع أن العملية لم تحلّ بشكلٍ كافٍ مسألة أمن مجتمعات العفر، التي يمتدّ موطنها التاريخي عبر إثيوبيا وإريتريا وجيبوتي، ولا مستقبل إثيوبيا البحري، ولا حقوقها طويلة الأمد، وأن هناك اعتقادًا لدى كثير من الإثيوبيين أن قيادة جبهة تحرير شعب تيغراي قَبِلت بخسارة “عصب”، والوصول المباشر إلى البحر الأحمر، دون التوصل إلى اتفاق وطني دائم، فيما جادلت قبائل العفر وغيرها من الأصوات المُعارِضَة بأن القرارات التي تَفْرضها الحركات المسلحة لا تعكس التعقيد الكامل للولاءات المحلية، وأنه ينبغي التحقيق في هذه المظالم والاستماع إليها، لا تحويلها إلى دعاية لحرب أخرى.
على خلفية هذا التأطير، يكشف الكاتب الهدف الرئيسي؛ إذ يجادل بأن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري موثوق ومتنوع وبأسعار معقولة أمر واقعي، ولكنّ هذه الحاجة لا تُبرّر غزو إريتريا أو طمس الحدود المعترَف بها دوليًّا، وأنه لا ينبغي أن تُحاصَر دولة يزيد تعداد سكانها عن 130 مليون نسمة اقتصاديًّا، كما لا ينبغي أن تعيش الدول الأصغر تحت التهديد، ويرى أن الحلّ يكمن في التفاوض على الوصول إلى الموانئ وتقديم ضمانات إقليمية قابلة للتنفيذ.

إسرائيل في لعبة الأمن بالبحر الأحمر:
ومن لهجة قد تبدو للبعض برجماتية، يشهد المقال تحولًّا حادًّا؛ إذ يظهر اسم إسرائيل في المعادلة بوضوح، ليكشف جانبًا من الأهداف الحقيقة للكاتب، فقد دعا صراحةً تل أبيب إلى المبادرة باقتراح شراكة في البحر الأحمر بقيادة مشتركة مع الدول الإفريقية، تقود لتنسيق الاستخبارات البحرية وعمليات مكافحة القرصنة وأمن الموانئ والاستجابة للطوارئ، داعيًا الاتحاد الإفريقي والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والحكومات العربية “المسؤولة” إلى دعم هذه الشراكة، أضف إلى كل ذلك مناقشة ما أسماه “الدور العملي لصوماليلاند في الأمن الإقليمي دون تجاهل سيادة الصومال”.
كما يذهب الكاتب أبعد من ذلك، ويطالب بأن تُشكَّل أمانة إقليمية دائمة لهذه الشراكة، وأن تُجرِي مناورات بحرية مشتركة، ووضع إطار عمل لمقاضاة القرصنة، وإنشاء صندوق للبنية التحتية يربط الاقتصادات الداخلية بموانئ متعددة، وكذا تضمن الوصول التجاري دون التنازل عن السيادة، كما تشترط عقودًا شفافة حتى لا تصبح الموانئ غنيمة للقوى الأجنبية.
وطالب أيضًا بأن يكون لممثلي منطقة العفر والمناطق الساحلية مقاعد على طاولة المفاوضات؛ لأن السلام الذي يتم التفاوض عليه فقط مِن قِبَل الرؤساء والجنرالات والمموّلين سيبقى هشًّا من وجهة نظره، مضيفًا أنه يتعين أن تعالج الشراكة الأوضاع على الأرض، فالقرصنة والتطرف يزدهران حيث لا يجد الشباب فرص عمل، ولا توفر الحكومات العدالة، ولا تصل القوى الخارجية إلا بالأسلحة، ورأى أن الاستثمار في الموانئ والسكك الحديدية والتعليم والمياه والزراعة وفرص العمل الساحلية هو سياسة أمنية، وليس صدقة.

الإسرائيليون من أصل إثيوبي لديهم الحل!
الكاتب الذي يبدو أنه يُعوّل على إسرائيل كثيرًا تطرَّق لما لديها من مورد إستراتيجي مُهِمّ، ألَا وهو “الإسرائيليون من أصل إثيوبي”، وعلّل ذلك بأنه شخصيًّا ومَن هم على شاكلته من يهود إثيوبيا “لديهم فَهْم للثقافة السياسية الإفريقية والتاريخ اليهودي ومخاوف إسرائيل الأمنية”، ومِن ثَمَّ عدَّ كل ذلك المرجع الرئيسي الذي يتعيَّن أن يُستند إليه لكي “يخدم الإسرائيليون من أصل إثيوبي المُؤهّلون في السلك الدبلوماسي والأمن القومي والاستخبارات والبعثات الإفريقية”، وألّا يبقون مجرد دليل (إسرائيلي) على التنوع بينما تُتَّخذ القرارات في أماكن أخرى.
ويواصل الكاتب روايته التي يبدو أنها تحمل مآرب خاصة أيضًا ولا تَخْلو من التملق؛ إذ يقول: إن “الصهيونية ليست مشروعًا استعماريًّا أبيض، فقد حمل اليهود الإثيوبيون القدس في صلواتهم عبر الأجيال. نحن رأس مال اجتماعي ودليل حيّ على أن الشعب اليهودي ليس من لون واحد، وأن الرابط بين إفريقيا وصهيون قديم، ومع ذلك، فإن قيمتنا أكبر من مجرد علاقات عامة، فبإمكاننا مساعدة إسرائيل على بناء علاقات قائمة على الكرامة لا على المعاملات الطارئة”؛ على حد قوله.
ويستمر الكاتب في محاولات تقديم النصائح والبحث عن دور شخصي، ويقول: “إن تجديد القيادة يبدأ بالتخلي عن غطرسة الاعتقاد بأن التفوق العسكري وحده كفيلٌ بتحقيق الأمن، يجب على إسرائيل الإصغاء قبل أن تتحوَّل الأزمة إلى كارثة، والانخراط مع إفريقيا كشريك، وإشراك مَن يعرفون المنطقة معرفةً دقيقة”.
ويختم بأن البحر الأحمر يمكن أن يتحوّل إلى ممر للرخاء المشترك، أو على النقيض ساحة معركة تسيطر عليها الجماعات الإرهابية والقراصنة والطغاة، وأن إسرائيل قد تربح بعض المواجهات دون إستراتيجية إفريقية، لكنّها ستخسر مع ذلك المعركة الأكبر من أجل التجارة الآمِنة والشرعية الإقليمية والسلام الدائم.
الهوامش
([1]) بنحاس بن زيف، “السلام ينهار: الحرب التي تشتعل من جديد وراء البحر الأحمر”، منصة إيميس/ مجموعة “كول حاي” للإعلام (بني باراك، الأراضي المحتلة)، 5 أكتوبر 2026م، على الرابط (بالعبرية): https://www.emess.co.il/radio/1937301
([2]) عاميت أفيتان، “إثيوبيا وإريتريا تقطعان العلاقات: الأزمة في تيغراي تُنذر باشتعال القرن الإفريقي مجددًا”، موقع واللا (اتل أبيب، لأراضي المحتلة)، 2 أكتوبر 2026م، على الرابط (بالعبرية): https://www.walla.co.il/news/world/383956047
([3]) انظر: Shmuel Legesse, “Israel cannot secure the Red Sea without an African strategy – opinion”, The Jerusalem Post (Occupied Jerusalem), September 27, 2026:











































