فيما يترقَّب العالم تداعيات المناوشات الجارية في مضيق هرمز، واحتمالات تجدُّد الحرب الأمريكية هناك؛ تمضي إفريقيا في مسار رهن مستقبلها كله بمثل هذه التداعيات وتقلّبات السياسات الدولية، مع ما يُلحَظ من تعمُّق تهميش القارة -وليس صعودها كما كان يُروّج منذ سنوات-، ودفعها نحو أطراف ديناميات السياسة الدولية.
ومن الجهة الأخرى، يظل اهتمام العالم بإفريقيا من نافذة الاقتصاد هو الأبرز، أو توظيف القارة؛ سواء كسوق كبيرة أم مصدر رئيس للمواد الخام بأسعار تنافسية أم ساحة لمواجهات بالوكالة.
ويتناول المقال الأول واحدة من أهم جوانب هذه المقاربة الدولية لإفريقية بتتبُّعه لبند مُهِمّ في قانون النمو والفرص الأمريكي يسمح/ يتطلب (عمليًّا) من الدول الإفريقية شراء المواد الخام اللازمة لصناعة النسيج (مثل الغزل والملحقات المكملة) من دولة ثالثة تكون في الغالب الصين أو الهند أو كوريا الجنوبية لرفع جودة المنتجات الإفريقية التي تدخل السوق الأمريكية دون جمارك، وما يُلاحظه المقال من تراجُع الاستثمارات في الدول الإفريقية لتعويض هذا الخلل عبر التوسع في مثل هذه الصناعات الأولية upstream industries.
أما المقال الثاني فيمثل حفاوة صينية بارتفاع حجم التجارة مع إفريقيا في النصف الأول من العام الجاري إلى ما يقرب من مائتي بليون دولار، دون الكشف عن تفاصيل توزيع هذه التجارة، وطبيعة الميزان التجاري الحالي بعد تصفير الصين الجمارك على السلع والمنتجات المستوردة من إفريقيا، فيما يمثل رواية ضبابية مألوفة من بكين عند تناول علاقاتها بإفريقيا.
ويأتي المقال الثالث، الذي كتبه سفير كيني سابق في كوريا الجنوبية، ليُعيد ترويج مثل هذه المسألة بالاحتفاء بإقامة كوريا الجنوبية قنصلية دائمة لها في نيروبي، وما تمثله تلك القنصلية –بحسب رؤية السفير- من قاعدة مهمة لتوسُّع النفوذ التجاري الكوري في شرق إفريقيا ووسطها انطلاقًا من نيروبي.
هل تدمّر قاعدة الدولة الثالثة في “أجوا” إنتاج النسيج الإفريقي؟([1])
يسمح برنامج التجارة الأمريكية المعفى من الجمارك للدول الإفريقية باستخدام المنسوجات الصينية والهندية في صادرات تلك الدول للولايات المتحدة. ويعتبر نجاح صناعة المنسوجات والملابس في إفريقيا في ظل قانون النمو والفرص الإفريقي African Growth and Opportunity Act (AGOA) الذي تطبّقه الولايات المتحدة سلاحًا ذا حدين. ومنذ بدء تطبيق القانون في العام 2000 فإن الوصول المعفي من الجمارك للسوق الأمريكية الكبيرة بفضل “أجوا” قد جذب استثمارات أجنبية كبيرة، وأغلبها من المُصنّعين الآسيويين، إلى دول القارة المختلفة. وبناء على ذلك تأسست مصانع جديدة، وازدهرت صناعات التصدير واستجدّت مئات الآلاف من فرص العمل، والكثير منها للنساء. وتُقدّم مرافق الإنتاج الحديثة الآن قسمًا من أهمّ منتجات وماركات تجزئة الملابس العالمية، مما حوَّل العديد من الاقتصادات الإفريقية إلى مصدر مهمّ للملابس الجاهزة.
وفيما سهّل “أجوا” تدفق الاستثمارات على دول إفريقية، وعزّز فرص العمل والتصدير بها، فإنه فشل إلى حد كبير في بناء صناعات نسيج متكاملة رأسيًّا كما كانت تأمل كثير من الدول الإفريقية.
جدل الدولة الثالثة:
ويكمن السبب الرئيس لهذا الجدل في واحد من أهم بنود “أجوا”، والذي ينص على: بند منسوجات دولة ثالثة. ويسمح ذلك البند للدول المُؤهّلة بتصدير المنسوجات للولايات المتحدة دون رسوم جمركية عندما يتم استيراد خام النسيج من خارج إفريقيا. ولقد كان هذا البند فاعلًا هامًّا في نجاح الصناعة؛ إذ ان السماح للمصنعين باستيراد مستلزمات إنتاج بأسعار تنافسية من آسيا –ولا سيما من الصين وتايوان وكوريا الجنوبية والهند-، قد خفَّض بشكل ملموس تكاليف بدء الأعمال، وخفَّض من سلاسل التوريد ومكَّن المنتجين الأفارقة من التنافس في سوق منسوجات عالمي حساس بشكل مرتفع في مسألة الأسعار.
لكن بسبب تمكّن المنتجين من الاعتماد على مدخلات مستوردة، فيما لا يزالون مُؤهّلين للاستفادة من امتيازات قانون النمو والفرص، فإنه ثمة حافز تجاري محدود للاستثمار في صناعات أولية في سلسلة القيمة داخل إفريقيا. ونتيجة لذلك طوّرت العديد من الدول صناعات تجميع ملابس قوية، لكنها لا تزال تعتمد بقوة على النسيج والملحقات المستوردة، ولا تستحوذ بالتالي إلا على قسم من القيمة الناتجة في سلسلة الإمداد العالمية. كما قاد هذا الاعتماد القطاع في إفريقيا لكي يكون أكثر هشاشة. كما كشفت حالة عدم اليقين بخصوص مستقبل تطبيق “أجوا” مدى اعتماد مصدّري الملابس الأفارقة على قطاع لا يتحكمون فيه إلا بالنذر اليسير.
ويثير ذلك أسئلة عن الاستدامة بعيدة الأجل لهذه الصناعات، ولا سيما السؤال المتعلق بمدى استمرار العمل بـ”أجوا” من عدمه. وتُمثّل جنوب إفريقيا حالة لأهمية بند الدولة الثالثة من وجهة نظر مقابلة. وبالرغم من أن جنوب إفريقيا كانت واحدة من أكبر المستفيدين الأفارقة بشكل عام، كونها مسؤولة وحدها عن أكثر من نصف صادرات إفريقيا غير البترولية للولايات المتحدة، فقد تم استبعادها من بند الدولة الثالثة بسبب مستواها الأعلى من التنمية الاقتصادية. ونتيجة لذلك لم تُطوّر جنوب إفريقيا صناعة تصدير قوية للغزل وفق “أجوا”، ولم يتعافَ قطاع النسيج بها على نحو سليم بالمرة من الضرر الذي أصابه عندما انفتحت الصناعة التي كانت تتمتع بحماية مرتفعة أمام المنافسة الدولية بعد نهاية الأبارتهيد.
بناء اقتصادات التصدير:
كانت كل من كينيا وليسوتو ومدغشقر وإثيوبيا وموريشيوس وإيسواتيني من أكبر المستفيدين الأفارقة من تفضيلات “أجوا” لصناعة النسيج. وقد شيّدت هذه الدول معًا صناعات تصدير غزل ذات قدرة تنافسية عالمية، وجذبت بلايين الدولارات من الاستثمارات، وخلقت مئات الآلاف من فرص العمل.
وكانت أُسس هذه الاستثمارات قد أُرسيت بشكل جيد قبل “أجوا”. وكانت أولى موجات الاستثمار مدفوعة بترتيب النسيج المتعدد Multi-Fibre Arrangement (MFA)والذي فرض حصص صادرات على المنتجين الآسيويين المتحولين للتصنيع بشكل سريع من أجل حماية مصنعي النسيج في الدول المتقدمة من سبعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته.
ونظرًا لأن الكثير من الدول الإفريقية كانت ذات حصص منخفضة أو دون أيّ حصص تمامًا؛ فإنها باتت قواعد إنتاج جذابة للمصنّعين الآسيويين الساعين للوصول إلى الأسواق الغربية الغنية. وكانت الشركات التايوانية من بين أول الشركات الآسيوية التي انتهزت الفرصة، وأسَّست مصانع في دول إفريقية كثيرة من بينها ليسوتو وإيسواتيني وكينيا. وعندما أصبح “أجوا” ساريًا في العام 2000، كانت لهذه الدول بصمات تصنيع في إفريقيا، وحوّلت الإنتاج على نحو سريع للاستفادة من الوصول المعفى من الجمارك لسوق الولايات المتحدة.
كما بدأت مدغشقر، التي أنشأت صناعة نسيج في التسعينيات -للاستفادة من الامتيازات التجارية مع أوروبا-، بتطويرها بشكل كبير بفضل قانون النمو والفرص في إفريقيا. إلا أن هذه الصناعة تضرَّرت بشدة جراء سحب (واشنطن) أهلية الاستفادة من “أجوا” في العام 2010 عقب انقلاب عسكري، مما أدّى إلى خسائر فادحة في الوظائف وإغلاق المصانع، قبل أن تتمكّن مدغشقر من إعادة بناء صناعتها بدءًا من عام 2015 عندما استعادت أهليتها للاستفادة من القانون.
ومثّلت إثيوبيا جيلاً ثانيًا من الاستثمارات المدفوعة بامتيازات “أجوا”؛ ففي إطار إستراتيجية تصنيع طموحة، أنشأت الحكومة مجمعات صناعية متخصصة في النسيج والملابس، أبرزها مجمع هواسا الصناعي، الذي طوّر (بالشراكة مع شركة PVH Corp عملاق صناعة الملابس العالمي، المالكة لعلامتي كالفن كلاين وتومي هيلفيغر) قطاع صناعة الملابس هناك.
ولم تقتصر الإستراتيجية على تجميع الملابس فحسب، بل هدفت أيضًا إلى تطوير إنتاج القطن المحلي وسلاسل توريد المنسوجات. إلا أن هذه الطموحات توقَّفت فجأة عندما فقدت إثيوبيا –كما في حالة مدغشقر- أهليتها للاستفادة من “أجوا” في العام 2022 في أعقاب النزاع في إقليم التيجراي.
تجارة الصين مع إفريقيا تُسجّل رقمًا قياسيًّا في النصف الأول من العام 2026([2]) :
أعلنت الصين يوم 27 يوليو الجاري أن تجارتها مع إفريقيا قد وصلت إلى رقم قياسي جديد في النصف الأول من العام 2026، وأرجعت ذلك إلى سياسة تصفير الجمارك التي طبقتها في تجارتها مع جميع الدول الإفريقية التي تقيم علاقات دبلوماسية مع بكين.
وقال لين جيان Lin Jian، الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية، خلال مؤتمر إعلامي مجدول سابقًا: إن التجارة البينية بين الصين وإفريقيا بلغت 1.41 تريليون يوان (196.6 بليون دولار) في الشهور الستة الأولى من العام الجاري، مما مثَّل رقمًا قياسيًّا جديدًا عن هذه الفترة. وأكَّد مستدركًا أن “حجم التجارة الإجمالي قد حقَّق نموًّا أسرع، ويتوقع أن يصل إلى مستوى أعلى مع نهاية هذا العام”، وجاء ذلك في سياق إجابته عن سؤال عن أثر سياسة تصفير الجمارك الصينية مع الدول الإفريقية.
وقال: إن السلع الرأسمالية والسلع الوسيطة مثّلت نحو 75% من صادرات الصين لإفريقيا، وإن هذه الصادرات دعّمت التحول الصناعي والتحديث الزراعي في القارة بشكل أكبر من خدمة السلع الاستهلاكية فقط. وفي رفضه للنقد المُوجّه للصين بسبب اختلالات الميزان التجاري (لصالح الصين) قال جيان: إن مثل هذه الروايات مجرد “فخاخ يُردّدها من لديهم دوافع لتخريب التعاون الودي بين الصين وإفريقيا”.
وقال: إن الصين تظل ملتزمة بتوسيع الانفتاح رفيع المستوى بالرغم من التحديات العالمية، بما فيها الصراعات الإقليمية وصعود الأُحادية والنزعة الحمائية.
أما فيما يتعلق بالمستقبل، بحسب لين جيان، فإن الصين تتطلع لمزيد من تيسير التجارة الثنائية (مع إفريقيا)، وتوسيع الوصول للسوق أمام المنتجات الإفريقية مرتفعة الجودة وضخّ دفعة جديدة في بناء ما تصفه بكين “بالجماعة الصينية الإفريقية التي تملك مستقبلًا مشتركًا لعهد جديد”.
قنصلية كوريا الجنوبية الجديدة في كينيا تُعزّز نفوذ سيول في إفريقيا([3]) :
يظل تاريخ 2 يوليو 2026 عَلَمًا بارزًا في تاريخ العلاقات الدبلوماسية بين كينيا وكوريا الجنوبية على مدار الأعوام الـ62 الماضية. فقد قاد السفير الكوري في كينيا كانج هيونج-شك Kang Hyung-shik وفدًا كبيرًا لحضور احتفال مُهِمّ بغرض بناء قنصلية كورية دائمة في العاصمة الكينية نيروبي.
وشملت قائمة الضيوف نجوروجي موتشيري Njoroge Muchiri نائب حاكم مدينة نيروبي، والسفير جوزفانت ك. مايكارا Josphant K. Maikara المدير العام للشؤون السياسية والدبلوماسية في وزارة الشؤون الخارجية والشتات؛ وسفير إريتريا في كينيا ورؤساء البعثات الدبلوماسية، وآخرين.
ويأتي قرار تشييد قنصلية كورية دائمة في نيروبي حكيمًا وفي وقته؛ إذ يتصادف مع تطبيق اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية. إذ تحتاج كوريا الجنوبية إلى قاعدة دائمة في بلد نَشِط ومستقر للاستفادة من اتفاق منطقة التجارة الحرة.
ثانيًا: تُمثّل قنصلية دائمة في نيروبي، وهي بوابة لشرق القارة ووسطها، فرصة لمنح كوريا وصولًا لإقليم يبلغ عدد سكان دوله مجتمعة 300 مليون نسمة، وكذلك يبني الثقة والاطمئنان في مستقبل كينيا وإفريقيا.
وبذلك تنضم كوريا الآن لمجموعة الاقتصادات الآسيوية الكبيرة الأخرى التي تملك سفارات دائمة في كينيا، والتي تحوز بدورها نصيب الأسد في التجارة والاستثمار الأجنبي في كينيا وإقليم شرق إفريقيا ككل. وتشمل تلك الاقتصادات الصين، التي تدير شؤونها من سفارة ضخمة في نيروبي، واليابان التي لديها واحدة من أكبر السفارات في نيروبي. كما للهند حضور دبلوماسي ممتد في نيروبي وتملك مجمعًا دبلوماسيًّا دائمًا بها.
وبينما لكوريا سفارات كبيرة دائمة في جنوب إفريقيا (بريتوريا)، ونيجيريا (أبوجا)، ومصر (القاهرة)، وإثيوبيا (أديس أبابا)، فإنها لا تملك أيّ سفارة تغطي شرق إفريقيا ووسطها. وتكمل قنصلية كوريا الجنوربية في نيروبي رحلة كوريا في إفريقيا.
وقد يتساءل بعض الكوريين حتى هذه اللحظة: لماذا ينفّذ مشروع باهظ التكلفة كهذا في كينيا تحديدًا، وليس في الدول المجاورة؟
بدايةً، تُعدّ نيروبي (دون جدال تقريبًا) بوابةً لأسواق إقليمية واسعة ومتنامية في شرق ووسط إفريقيا. كما أن كينيا هي أكبر اقتصاد وعاصمة المنطقة بحكم الأمر الواقع.
كما ستوفر السفارة الموسّعة، من جهة أخرى، منصة آمنة ومستقرة للشركات الكورية الصغيرة والمتوسطة الراغبة في دخول أسواق جديدة في إفريقيا، وتعزّز قدرتها على منافسة الشركات الصينية والهندية واليابانية الموجودة في الإقليم منذ سنوات بعيدة. ويُسهّل هذا الدعم الإضافي توسُّع الشركات الكورية الصغيرة والمتوسطة في الخارج، ويجعله أكثر جدوى وأقل مخاطرة.
أخيرًا، تُعدّ نيروبي أهم مدينة دبلوماسية في إفريقيا؛ إذ تضم مكتب الأمم المتحدة في نيروبي، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، والعديد من المنظمات غير الحكومية الدولية، ومئات المقرات الإقليمية للشركات متعددة الجنسيات والعابرة للحدود. إنها المركز المالي والتكنولوجي لإفريقيا. وهكذا فإنه لا يُمكن لكوريا أن تُغامر بمستقبلها في إفريقيا، أو أن تُخاطر بالتخلف عن الركب. وكما يُقال: “إن لم تكن على طاولة المفاوضات، فأنت في لائحة الطعام بتلك الطاولة”.
………………………………………………………………..
[1] Dianna Games, Does AGOA’s third country rule damage African textile production?, African Business, July 27, 2026 https://african.business/2026/07/trade-investment/does-agoas-third-country-rule-damage-african-textile-production
[2] China Says its trade with Africa reaches record high in 1st half of 2026, Anadolou Ajansi, July 27, 2026 https://www.aa.com.tr/en/asia-pacific/china-says-its-trade-with-africa-reaches-record-high-in-1st-half-of-2026/4010272











































