يتسم مشهد إنتاج الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء بتفاوت إقليمي حاد، إذ تهيمن دولة جنوب إفريقيا على معظم الإنتاج، بينما لا تُنتج بعض البلدان إلا نسبةً ضئيلة، وذلك مع ضآلة نصيب القارة من إنتاجه عالمياً. وفوق ذلك، تحدّ محدودية الاحتياطات، والتزامات المناخ، وضعف البنى التحتية لإنتاجه، من زيادة الإنتاج.
وعلى الجانب الآخر، يعتمد مئات الملايين من الأفارقة على الوقود الحيوي في الطهي والإنارة، في ظل النقص الحاد في إمدادات الطاقة، أو ضعف بُناها التحتية.
وقد دفعت بعض صدمات الطاقة بلدان الإقليم إلى البحث عن مصادر بديلة للطاقة، ومنها الفحم، كما حدث خلال الحرب العراقية-الإيرانية، غير أن الأزمات التي تلت تلك الحرب، كأزمة جائحة كوفيد-19 أو الحرب الإيرانية الأخيرة، لم تُحدث التأثير نفسه في اتجاه زيادة الاعتماد على الفحم.
وعليه؛ سنتتبع في هذه المقالة مستقبل الفحم الغامض في القارة، وإلى أي مدى تدفع أزمات الطاقة المتتالية نحو اعتماده كمصدر بديل للطاقة، أم أن المحاولات المحدودة لزيادة الإنتاج منه لا تعود إلى تلك الأزمات، وإنما هي نتيجة مشكلات داخلية في توفير الطاقة في بلدان الإقليم.
وستتناول المقالة ذلك من خلال ثلاثة محاور:
أولاً: الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء.. الاحتياطيات والإنتاج والاستهلاك.
ثانياً: تأثير أزمات الطاقة على استخدام الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء.
ثالثاً: غموض مستقبل الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء والسيناريو المتوقع.
أولاً: الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء.. الاحتياطيات والإنتاج والاستهلاك:
يُقدّر احتياطي الفحم في إفريقيا، استناداً إلى بيانات 53 دولة، في عام 2022م بنحو 554.77 مليون طن. وسُجّلت أعلى قيمة في جنوب إفريقيا: 10905.15 مليون طن[1].
وتُعدّ القارة أكبر مستهلك في العالم لمصادر الطاقة الحيوية التقليدية (الحطب، والفحم، ومخلفات المحاصيل الزراعية)، وتُسجّل أعلى نسبة استخدام للوقود الصلب (الفحم والحطب) على مستوى العالم. ومع وجود ما يُقدّر بنحو 900 مليون نسمة يفتقرون إلى مرافق طهي نظيفة، وأكثر من 600 مليون نسمة لا يحصلون على الكهرباء، يعتمد ثلثا الدول الإفريقية على الكتلة الحيوية لتلبية أكثر من 50% من إجمالي استهلاكها النهائي للطاقة. ويُقدّر أن ثلث الدول يعتمد على هذا المورد لتلبية أكثر من 80% من احتياجاتها، بينما تعتمد عليه بعض الدول بنسبة تتجاوز 90%.
وتُمثّل الكتلة الحيوية ما يصل إلى ثلثي إجمالي استهلاك الطاقة النهائي في جنوب الصحراء الكبرى. بحسب قاعدة بيانات إحصائيات الطاقة التابعة للهيئة الإفريقية للطاقة، بلغ استهلاك القارة الإفريقية 269 مليون طن من مكافئ النفط من الكتلة الحيوية، و295 مليون طن من مكافئ النفط من الطاقة التقليدية في عام 2019م. وتستحوذ منطقة جنوب الصحراء على 91.38% من إجمالي الاستهلاك في إفريقيا، بينما تبلغ حصة شمال إفريقيا 0.22%، وإقليم الجنوب 8.40%. ويُعدّ حطب الوقود، بما في ذلك الفحم النباتي، المصدر الأكثر شيوعاً والأكثر ضرراً بالبيئة من بين مصادر طاقة الكتلة الحيوية، إذ يُمثّل حوالي 45% من استهلاك طاقة الكتلة الحيوية في القارة، بينما يُمثّل الفحم النباتي حوالي 3%.
ولإنتاج واستهلاك الطاقة الحيوية آثار مباشرة على التنوع البيولوجي وجودة المياه والتربة، فضلاً عن عدد من الجوانب الاجتماعية والاقتصادية[2].
وفقاً لتقرير وكالة الطاقة الدولية «الفحم 2025»، فإنه باستثناء جنوب إفريقيا التي تشهد استهلاكاً هائلاً للفحم، من المتوقع أن تحافظ المغرب على مستوى ثابت من استهلاكه، بينما من المرجح أن تسجل أرقام زيمبابوي لعام 2025م ارتفاعاً طفيفاً انطلاقاً من قاعدة منخفضة.
في جنوب إفريقيا، سيستمر دعم توليد الطاقة بالفحم لبعض الوقت، وذلك من خلال إعادة تشغيل الوحدات الرئيسية في محطتي كوسيل وميدوبي لتوليد الطاقة، بالإضافة إلى إعادة تشغيل مؤقتة لقدرات إضافية وتمديد عمر محطات أخرى. وكان من المتوقع أن يصل استهلاك الدولة من الفحم إلى حوالي 164 مليون طن في عام 2025م، وأن يستقر عند هذا المستوى بحلول عام 2030م.
يُقدّر إنتاج الفحم في جنوب إفريقيا بنحو 234 مليون طن في عام 2025م، وتشير التوقعات إلى أن إنتاج الفحم في جنوب إفريقيا سيبلغ 228 مليون طن في عام 2030م.
وتُقدّر وكالة الطاقة الدولية أن إنتاج الفحم في دول أخرى سيبلغ حوالي 30 مليون طن في عام 2025م، ويتركز النمو في المناطق التي تشهد مشاريع تعدين جديدة وطلباً متزايداً على صناعة الصلب[3].
يُعدّ المغرب ثاني أكبر مستهلك للفحم في إفريقيا، ورغم أنه يسير بخطى ثابتة نحو خفض الانبعاثات الكربونية؛ فمن المتوقع أن يظل الطلب على الفحم في هذا البلد مستقراً بشكلٍ عام حتى عام 2030م. تستهدف الخطة الوطنية المُحدثة للمناخ التخلص التدريجي من الفحم لتوليد الطاقة. ومن المتوقع أن يرتفع إنتاج الطاقة من الفحم بحلول عام 2040م، بينما من المتوقع أن توفر مصادر الطاقة المتجددة أكثر من 50% من الكهرباء في عام 2030م مقارنةً بعام 2025م. لذلك، من المتوقع أن يظل الطلب على الفحم عند حوالي 10 ملايين طن في عام 2025م، وأن يبقى عند هذا المستوى في عام 2030م، حتى مع الارتفاع الكبير في حصة مصادر الطاقة المتجددة.
تشير توقعات الطلب على الفحم في زيمبابوي إلى زيادة طفيفة فقط. ويُعزى ذلك إلى النقص المستمر في الكهرباء والطموحات الصناعية التي تدعم العديد من مشاريع الفحم الجديدة والاستثمارات في قطاع التعدين. ومن المتوقع أن يؤدي تجديد محطة هوانج، ومقترحات زيادة قدرة توليد الطاقة بالفحم، والمشاريع المدعومة من الصين – بما في ذلك مصنع كبير للصلب ووحدات توليد جديدة- إلى زيادة استهلاك الفحم. ويُقدّر أن يرتفع الطلب على الفحم في زيمبابوي بأكثر من مليوني طن بحلول عام 2030م، بافتراض أن المشاريع المعلنة تسير وفقاً للخطة الموضوعة.
وفي زامبيا، يجري حالياً إنشاء محطة واحدة لتوليد الطاقة بالفحم بقدرة 300 ميغاواط. في حال اكتماله، قد يستهلك المشروع حوالي مليون طن من الفحم سنوياً.
وتدعم بوتسوانا إنتاج الفحم من خلال مشاريع جديدة لتوليد الطاقة الأساسية بالفحم في موروبول ومامابولا، الأمر الذي سيتطلب طاقة تعدينية إضافية.
في موزمبيق، من المتوقع أن يزيد إنتاج منجم بنغا للفحم الكوك بأكثر من ثلاثة أضعاف خلال العامين المقبلين، مدعوماً بإنتاج الصلب وخطط توسيع المواني في ماتولا وماكوس. ومن الجدير بالذكر، أن مصادر الطاقة المتجددة تواجه تحديات في استبدال الوقود الأحفوري في قطاع التعدين.
ترى وكالة الطاقة الدولية أن خطط إثيوبيا لفرض رسوم استيراد على الفحم قد تحفز التعدين المحلي، لكنها تُحذّر من أن التقدم يعتمد على توافر طاقة الغسل ومدى ملاءمة المستهلكين الصناعيين المحتملين. لذا، تتوقع الوكالة أن يظل إجمالي إنتاج الفحم خارج إفريقيا في عام 2030م عند حوالي 30 مليون طن، وهو مستوى مستقر مقارنةً بمستوى عام 2025م[4].
لم تُدرج مشاريع أخرى في توقعات وكالة الطاقة الدولية نظراً لقلة احتمالية تنفيذها. ومن بينها:
▪ توسعة محطة موروبول ب في بوتسوانا؛
▪ مشروع ساكادامنا في النيجر؛
▪ ومشاريع أخرى في زيمبابوي ونيجيريا؛
▪ في كينيا، أيدت محكمة البيئة والأراضي إلغاء محطة لامو لتوليد الطاقة بالفحم.
تشير هذه التطورات مجتمعةً إلى نمو معتدل في الطلب على الفحم في إفريقيا على المدى القريب، وصل إلى حوالي 196 مليون طن في عام 2025م، ويستمر في الارتفاع بشكل طفيف إلى حوالي 202 مليون طن بحلول عام 2030م.
ثانياً: تأثير أزمات الطاقة على استخدام الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء:
على الرغم من وجود أهداف عالمية لإبطاء وتيرة تغير المناخ؛ لا يزال الفحم أحد أكثر أنواع الوقود استخداماً، إذ يُمثّل أكثر من 25% من إمدادات الطاقة واستهلاكها العالميين. وتُعزى أسباب استمرار استخدامه على نطاق واسع إلى عدة عوامل، منها: أسعاره المنخفضة نسبياً، وتوافره في الدول النامية، وانخفاض تكاليف نقله، واعتماده على البنية التحتية القائمة للطاقة. وقد ازداد استهلاك الفحم في الدول النامية (غير الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية) بفضل التطورات في الهند والصين، إلا أنه في عام 2021م، ازداد أيضاً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وقد أدى التعافي غير المتكافئ وغير المعتاد في كثيرٍ من الأحيان بعد جائحة كوفيد-19، والذي حفزه قطاع التصنيع، إلى اضطرابات في أسواق الطاقة، مع ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي- البديل الرئيسي للفحم- وتقلبها. وقد ساهم التباطؤ غير المتوقع، وهو الأول من نوعه في التاريخ، في إمدادات مصادر الطاقة المتجددة عام 2021م في انعكاس هذه الاتجاهات[5].
كان للحرب الإيرانية العراقية (1980-1988م) أثر إيجابي عام في إنتاج الفحم في إفريقيا، حيث مثّلت حافزاً رئيسياً لنمو قطاع تعدين الفحم في جنوب إفريقيا. وتسببت الحرب في اضطرابات كبيرة في إمدادات النفط من الخليج، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة العالمية، ودفع العديد من الدول إلى البحث عن مصادر طاقة بديلة[6].
ارتفع إنتاج الفحم العالمي بنحو 3.8 مليارات طن (91%) خلال الفترة من 1980م إلى 2010م. وقادت الصين هذا النمو، مسجلةً زيادة قدرها 415% خلال تلك الفترة. أما في إفريقيا، فقد كان إنتاج الفحم ضئيلاً مقارنةً بمعظم القارات الأخرى، على الرغم من تضاعف إنتاجه بين عامي 1980 و2010م. وشكّلت إفريقيا أقل من 4% من الإنتاج العالمي للفحم؛ بينما تستحوذ جنوب إفريقيا على 98% من إنتاجه في القارة[7]. ومع ذلك، فقد انخفضت احتياطيات الفحم في الدولة بشكل ملحوظ منذ عام 2003م، وأشارت التقديرات إلى أن الاحتياطي المتبقي حالياً فيها لا يتجاوز 15 مليار طن. وقد أظهر التحليل التاريخي لجنوب إفريقيا حدوث قفزة هائلة في إنتاج الفحم بين عامي 1975 و1985م، من حوالي 69 مليون طن سنوياً إلى 179 مليون طن سنوياً. وبحلول عام 1989م، بلغ الإنتاج التراكمي 4 جيجا طن. وعلى الرغم من مضاعفة هذا الإنتاج منذ ذلك الحين إلى ما يزيد قليلاً عن 8 جيجا طن؛ فإن النمط السائد كان نمواً متعثراً[8].
تاريخياً، اعتمدت العديد من الدول الإفريقية على الفحم كمصدر أساسي وموثوق لتوليد الكهرباء نظراً لتوفر احتياطيات محلية في دول مثل جنوب إفريقيا، ومع ذلك، فإن التوجهات العالمية تشير إلى أن أزمات الطاقة الكبرى لا تؤدي بالضرورة إلى «عودة للفحم»، بل قد تُسرّع من وتيرة الاعتماد على البدائل المستدامة.
تشير التقارير الحديثة إلى أن المخاوف من عودة قوية للفحم نتيجة أزمة الطاقة المرتبطة بحرب إيران لم تتحقق على أرض الواقع، حيث أظهرت البيانات أن توليد الكهرباء من الفحم ظل مستقراً عالمياً، بل تراجع في العديد من المناطق خارج الصين.
في السياق الإفريقي، تواجه الدول تحدياً مزدوجاً، فبينما يظل الفحم خياراً متاحاً لتلبية الطلب المتزايد على الطاقة؛ فإن الضغوط الدولية والالتزامات المناخية تدفع نحو الاستثمار في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح. إن إغلاق مضيق هرمز أدى إلى اضطراب في الإمدادات وارتفاع حاد في الأسعار، مما جعل الاعتماد على الوقود المستورد أكثر تكلفةً ومخاطرة، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة تقييم إستراتيجياتها للطاقة لتعزيز الاكتفاء الذاتي عبر المصادر المتجددة[9].
مع محدودية إمدادات الغاز وبقاء الأسعار أعلى بكثير من مستويات ما قبل الصراع، أعلنت ثماني دول على الأقل في آسيا وأوروبا عن خطط لزيادة إنتاج الكهرباء بالفحم، أو مراجعة أو تأجيل خطط التخلص التدريجي من الطاقة المولدة بالفحم. وتشمل هذه الدول: اليابان، وكوريا الجنوبية، وبنغلاديش، والفلبين، وتايلاند، وباكستان، وألمانيا، وإيطاليا. وتُعدّ العديد من هذه الدول من كبار مستهلكي الطاقة المولدة بالفحم. يعكس هذا اتجاهاً لوحظ بعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022م، والذي توقع العديد من المحللين أن يؤدي إلى زيادة كبيرة في استخدام الفحم في أوروبا، نتيجةً لانقطاع إمدادات الغاز من روسيا.
في الواقع، على الرغم من الارتفاع الملحوظ في عام 2022م، عاد استخدام الفحم في الاتحاد الأوروبي إلى مساره التنازلي النهائي، ووصل إلى أدنى مستوى تاريخي له عام 2025م. للوقوف على حجم هذا التأثير، قيّمت شركة إمبر تأثير تغييرات سياسات الفحم واستجابات السوق في 16 دولة، بالإضافة إلى الدول الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي، والتي تُمثل مجتمعةً 95% من إجمالي توليد الطاقة بالفحم في عام 2025م. بالنسبة لكل دولة، يأخذ التحليل في الاعتبار أسوأ سيناريو مُحتمل للتحول من الغاز إلى الفحم في ظل ارتفاع أسعار الغاز. كما يأخذ التقرير في الاعتبار احتمالية عودة محطات توليد الطاقة بالفحم المتوقفة عن العمل، واحتمالية حدوث تأخيرات في عمليات الإغلاق المتوقعة سابقاً نتيجةً للاستجابة لأزمة الطاقة. وخلصت شركة إمبر إلى أن هذه العوامل قد تزيد من استخدام الفحم بمقدار 175 تيراواط ساعة، أو 1.8% في عام 2026م مقارنةً بعام 2025م.
ويُعزى ما يقرب من ثلاثة أرباع التأثير العالمي في تحليل إمبر إلى التحول المحتمل من الغاز إلى الفحم في الصين والاتحاد الأوروبي. وقد تأتي زيادات ملحوظة أخرى من التحول في الهند وإندونيسيا، وبدرجة أقل، من تغييرات سياسات الفحم في كوريا الجنوبية وبنغلاديش وباكستان. ومع ذلك، تشير التقديرات إلى أن التغييرات السياسية التي تم الإبلاغ عنها من قِبل اليابان وتايلاند والفلبين سيكون لها تأثير ضئيل للغاية، إن وجد، على توليد الطاقة بالفحم في عام 2026م[10].
ثالثاً: غموض مستقبل الفحم في إفريقيا جنوب الصحراء والسيناريو المتوقع:
على جانب الطلب والاستهلاك؛ يُعدّ الفحم وقوداً أساسياً للطهي في المناطق الحضرية في إفريقيا. غالباً ما لا يخضع إنتاج الفحم لتنظيم فعّال، مما يُساهم في تدهور الغابات. علاوةً على ذلك، يُسبب آثاراً صحية سلبية لمستخدميه. في الوقت نفسه، يُشكّل مصدر دخل مهم في المناطق الريفية المُهمّشة، بينما يُعدّ الغاز، البديل الحالي، وقوداً أحفورياً مُستورداً في الغالب. هناك 195 مليون شخص في إفريقيا جنوب الصحراء يعتمدون على الفحم كوقود أساسي للطهي، ويُقدّر أن 200 مليون آخرين يستخدمونه كوقود ثانوي.
تُشير السيناريوهات إلى أن مبادرات الطهي النظيف لا تُعوّض النمو السكاني الحضري الكبير، وبالتالي من المتوقع أن يظل استخدام الفحم مرتفعاً خلال العقود القادمة. لذلك، ينبغي أن تستهدف السياسات المستخدمين النهائيين، وإدارة الغابات، وتنظيم إنتاج الفحم، لتمكين إنتاجه واستخدامه بشكل مُستدام[11].
على جانب العرض والإنتاج؛ تُوفّر 40 محطة لتوليد الطاقة تعمل بالفحم، بإجمالي قدرة مركّبة تبلغ حوالي 52 جيجاواط، ما يُعادل 26% من إجمالي الكهرباء المُنتجة في القارة الإفريقية، أي بانخفاض قدره أربع نقاط مئوية مقارنةً بأكتوبر 2023م. وهذا يُعادل حوالي 2.4% من الإجمالي العالمي. تتركز معظم قدرة توليد الطاقة بالفحم في إفريقيا في دولة واحدة، وهي جنوب إفريقيا، بينما تُساهم عشر دول أخرى مجتمعة بنسبة 0.36% من الإجمالي العالمي. ولا تمتلك معظم الدول الإفريقية أي طاقة تعمل بالفحم على الإطلاق[12].

على الرغم من أن قدرة إفريقيا الحالية على إنتاج الفحم ضئيلة؛ فإن الكثيرين يخشون طفرة محتملة، ولا سيما في الدول التي تمتلك موارد فحم محلية. تُشير أحدث البيانات المتاحة من «متتبع محطات الفحم العالمية» إلى وجود 28 محطة فحم جديدة محتملة (باستثناء عمليات التجديد) في جميع أنحاء إفريقيا، بقدرة إجمالية تبلغ حوالي 14.4 جيجاواط، ولكن من غير المرجح أن يكتمل العديد من هذه المشاريع.
وبتقييم المحطات التي ستُنفذ فعلياً وُجد الآتي[13]:
▪ في عام 2024م، دخلت محطتان حيز التشغيل: محطة كوسيل (الوحدة 5) بقدرة 800 ميجاواط في جنوب إفريقيا، ومحطة هوانج (الوحدة 8) بقدرة 335 ميجاواط في زيمبابوي.
▪ يبدو أن ثلاث محطات فحم فقط، بقدرة إجمالية تبلغ 1.4 جيجاواط، يُرجّح تشغيلها قريباً: الوحدة السادسة الأخيرة بقدرة 800 ميجاواط في كوسيل بجنوب إفريقيا، ومحطة مولونغوا بقدرة 300 ميجاواط، ووحدتا مامبا 3 و4 بقدرة 300 ميجاواط في زامبيا.
▪ من غير المرجح تشغيل تسع محطات أخرى. وهناك 16 مشروعاً آخر بقدرة 9.8 جيجاواط لا يزال مصيرها غير واضح؛ فالتقدم ممكن، لكن معظمها في مراحله الأولى.
▪ شهدت زيمبابوي إعلانات جديدة، لكن التقدم الفعلي يكتنفه الغموض والمعلومات المضللة.
▪ أعلنت زامبيا عن محطتي فحم جديدتين للمساعدة في تلبية الطلب المتزايد من قطاع التعدين، وللتعويض عن النقص الناتج عن تأثر الطاقة الكهرومائية بالجفاف.
وعلى الجانب الآخر، يكتسب الفحم الحيوي، الذي يُطلق عليه غالباً اسم «الفحم الأخضر»، اهتماماً متزايداً كأداة فعّالة في مكافحة تغير المناخ وتدهور التربة. فتحويل النفايات العضوية إلى شكل مستقر من الكربون يُقدّم فوائد جمّة، بدءاً من تحسين خصوبة التربة وصولاً إلى تخزين الكربون لقرون. والفحم الأخضر مادة غنية بالكربون تُنتَج عن طريق تسخين المواد العضوية- مثل المخلفات الزراعية، أو نشارة الخشب، أو السماد- في بيئة منخفضة الأكسجين من خلال عملية تُسمّى التحلل الحراري. وعلى عكس الفحم العادي، الذي يُستخدم في المقام الأول كمصدر للوقود، صُمّم الفحم الحيوي لتقديم فوائد بيئية وزراعية. فبنيته الفريدة تسمح له بالاحتفاظ بالعناصر الغذائية، وتحسين صحة التربة، وتخزين الكربون، مما يجعله أداةً قيّمة في الزراعة المستدامة والتخفيف من آثار تغير المناخ. وقد اكتسب هذا اللقب نظراً لخصائصه الصديقة للبيئة، فهو يُحاكي دورة الكربون الطبيعية من خلال تثبيت الكربون الذي كان سيعود إلى الغلاف الجوي على شكل ثاني أكسيد الكربون. عند إضافته إلى التربة، يمكن أن يبقى الفحم الحيوي فيها لمئات أو حتى آلاف السنين، ليعمل كمستودع طويل الأمد للكربون. ولا تقتصر فوائد الفحم الحيوي على الزراعة فحسب، فبنيته المسامية تجعله مفيداً في أنظمة ترشيح المياه، بينما يُتيح محتواه من الكربون استخدامه في تطبيقات الطاقة المتجددة والبناء. مع تزايد التحديات الناجمة عن تغير المناخ واستنزاف الموارد، قد يُوفر الفحم الحيوي طريقة مستدامة لإعادة تدوير النفايات العضوية مع الحفاظ على البيئة[14].
غزا هذا الفحم أسواق نجامينا في تشاد، ويُنتج مصنع جمعية رايكينا للتنمية الاجتماعية والاقتصادية (أدسر) حوالي 10 أطنان من قوالب الفحم المضغوط يومياً. تستغرق عملية تصنيع هذه القوالب وقتاً، كما أن استخدامها محدود. لكن استخدام كيلوجرام واحد من الفحم الأخضر يوفر حوالي ستة كيلوجرامات من الخشب، وهو تحولٌ مهم في بلدٍ يواجه تصحراً متسارعاً، حيث فقدت تشاد أكثر من 90% من غطائها الحرجي منذ سبعينيات القرن الماضي، نتيجةً لتغير المناخ والاستغلال المفرط. وفي ظل سعي البلاد الحثيث للحفاظ على ما تبقى، تُراهن الحكومة على الفحم الأخضر كمصدر طاقة حيوي للمستقبل[15].
خاتمة:
على الرغم من نصيبها المتواضع في إنتاج الفحم العالمي- البديل الأبرز للغاز-؛ فإن القارة تُعدّ أكبر مستهلك في العالم لمصادر الطاقة الحيوية التقليدية، لأغراض الطهي والإنارة، وذلك لأسباب تتعلق بغياب المصادر البديلة نتيجة مشكلات في الإمدادات والبنى التحتية والأسعار.
وعلى الرغم من هذه الضغوط على جانب المعروض منه؛ لم تدفع صدمات الطاقة إلى زيادة الاعتماد عليه، باستثناء الحرب العراقية-الإيرانية التي دفعت كبار منتجي النفط إلى زيادة الإنتاج. وقد حذت جنوب إفريقيا حذو هذا النهج في ذلك الوقت، وهي تنتج 98% من فحم القارة. أما خلال جائحة كورونا، فلم نشهد تغيراً ملحوظاً في إنتاجه.
واستناداً إلى بيانات أوائل عام 2026م، أدت الحرب في إيران، وما نتج عنها من حصار لمضيق هرمز، إلى اضطراب كبير في إمدادات الغاز الطبيعي المسال والنفط العالمية، مما تسبب في أزمة طاقة حادة. ورغم أن ذلك أدى إلى زيادة محدودة ومؤقتة في استخدام الفحم عالمياً كإجراء مؤقت؛ فإنه لا يُسبب عودة كبيرة ودائمة إلى استخدام الفحم في إفريقيا.
غير أننا شهدنا اتجاه بعض بلدان إفريقيا جنوب الصحراء نحو صيانة وإنشاء محطات جديدة لإنتاج الفحم، وهو توجه سبق اندلاع الحرب الأخيرة، وعليه يمكن القول إن هذا التوجه نحو صيانة وإنشاء محطات جديدة لإنتاج الفحم لم يكن بسبب الحرب، وإنما يعود لأزمات الطاقة التي تعانيها تلك البلدان بشكلٍ مستمر.
ـــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] https://www.theglobaleconomy.com/rankings/coal_reserves/Africa/
[2] https://au-afrec.org/bioenergy-programme
[3] https://www.iea.org/reports/coal-2025
[4] https://www.iea.org/reports/coal-2025
[5] Medzhidova, D (2022) Return of Coal: just a Visit or a long Stay. BRICS Journal of Economics 3(4): 209-229. At:
https://doi.org/10.3897/brics-econ.3.e94712
[6] the world Bank, The Impact of the Iran-Iraq Conflict on the Short-Term Market Prospects for Petroleum. at: https://documents1.worldbank.org/curated/en/575071493320910281/pdf/The-impact-of-the-Iran-Iraq-conflict-on-the-short-term-market-and-prospects-for-petroleum.pdf
[7] https://www.eia.gov/todayinenergy/detail.php?id=4210
[8] Christopher J. H. Hartnady, South Africa’s diminishing coal reserves.2010. at: https://www.researchgate.net/publication/260764757_South_Africa’s_diminishing_coal_reserves
[9] https://arabic.euronews.com/2026/04/20/solar-and-wind-outpace-coal-as-iran-war-energy-crisis-fails-to-spark-fossil-fuel-revival
[10] Josh Gabbatiss, World ‘will not see significant return to coal’ in 2026 – despite Iran crisis.28/4/2026. at:
https://www.carbonbrief.org/world-will-not-see-significant-return-to-coal-in-2026-despite-iran-crisis/
[11] Julian Rose and et al, The forgotten coal: Charcoal demand in sub-Saharan Africa. at:
https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S2452292922000091
[12] Hamna Tariq, Todd Moss, Coal’s Future in Africa is (Still) Dim [Update Feb 2025].21/2/2025. at:
[13] Hamna Tariq, Todd Moss, Op.cit.
[14] https://greenly.earth/en-gb/blog/company-guide/what-is-biochar-or-green-coal
[15] https://www.africanews.com/2026/04/27/green-coal-offers-chad-a-cleaner-and-cheaper-alternative-to-coal-and-wood/









































