قلّما تجد فكرة في السياسة المعاصرة تحظى بهذا القدر من الإشادة والتبجيل، بينما يندر أن تتجسد على أرض الواقع، مثل فكرة الوحدة الإفريقية. فهي تتردد في كل زمان ومكان: في الخطابات الرئاسية، وعلى لافتات المؤتمرات والمنابر العامة، وفي أناشيد احتفالات الذكرى السنوية ليوم إفريقيا. غير أنه إذا سألتَ تاجرًا بسيطًا عند معبر حدودي، أو خريجًا جامعيًا يبحث عن فرصة عمل في بلد مجاور، أو قرويًا وجد نفسه محاصرًا في دوامة حرب تدور رحاها قريبًا منه أو بعيدًا: ماذا قدّمت لك الوحدة الإفريقية؟ فغالبًا ما يكون الرد مجرد هزّة كتف، ثم يمضي في سبيله، تعبيرًا عن إحساس عميق باللامبالاة.
لقد كرّستُ مسيرتي العلمية والمهنية لدراسة السياسة الإفريقية، ونادراً ما رأيتُ فجوةً بين الفكرة والواقع بحجم تلك التي نراها اليوم. ومؤخرا لفت انتباهي ثلاث مقالات حديثة، كُتبت من زوايا متباينة للغاية حول هذا النقاش. إنها ترصد هذه الفجوة بوضوحٍ لافت. تدعو إحداها إلى مشروع “سيادي” للوحدة الإفريقية ينبع من القاعدة الشعبية؛ وتحثّ الثانية إفريقيا على الانتقال من مرحلة “التضامن” إلى مرحلة “امتلاك القدرة الفعلية”؛ بينما تطرح الثالثة -في دعوة استفزازية- فكرةً مفادها أن على إفريقيا أن تتحرر سريعا من وهم الوحدة الإفريقية.
مع أنني لا أتفق مع كل ما ورد فيها، فإن قراءتها مجتمعةً تكشف لنا واقع هذه الحركة في عام 2026؛ إذ باتت أكثر احتياجًا إلى هذه الرؤية النقدية من أي وقت مضى، في ظل تزايد الفجوة بين خطابها ومستويات تحقيقها على أرض الواقع، وباتت في أمسّ الحاجة إلى التجديد وتجاوز جمودها.
المحتويات
عالمٌ يغرق في الفوضى:
في عام 1958، قدّم الكاتب النيجيري شينوا أتشيبي روايته الشهيرة “الأشياء تتداعى”، مستعيرًا عنوانها من بيت للشاعر ويليام بتلر ييتس: “المركز لم يعد قادرًا على الصمود”. وقد روى أتشيبي كيف واجه مجتمع إفريقي واثق من نفسه قوة استعمارية لم يكن مستعدًا لها. وبعد ثمانية وستين عامًا، يعود السؤال نفسه بصيغة جديدة: هل تتداعى الأشياء من جديد؟ يبدو أن النظام الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، والمتمحور حول الأمم المتحدة، يفقد قدرته على الصمود.
فالحروب تشتعل في أوكرانيا وغزة والشرق الأوسط، وتتنافس القوى الكبرى على مناطق النفوذ، بينما تُطوَّع القواعد الدولية أو تُتجاهل عندما تتعارض مع مصالح القوى المهيمنة. ويرى الباحث التنزاني عيسى شيفجي أن العالم ينزلق نحو نظام متعدد الأقطاب، تتنازع فيه قوى إقليمية مناطق نفوذ، فيما يتآكل مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، وهو المفهوم الذي كان محور اهتمام أجيال الاستقلال في إفريقيا.
ولا تقف إفريقيا بعيدًا عن هذه الاضطرابات؛ فالسودان يمزقه صراع تدعم فيه قوى خارجية أطرافًا متنازعة، ويتصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا حول الوصول إلى منفذ بحري، بينما تتفاقم الأزمة في شرق الكونغو بفعل الجماعات المسلحة والتنافسات الإقليمية وتفشي الإيبولا. وفي منطقة الساحل، لم يُفضِ رحيل القوات الاستعمارية القديمة إلى السلام، بل ترك فراغًا تحوّل إلى ساحة لصراعات جديدة.
غير أن إفريقيا اليوم ليست “أومووفيّا”—القرية التي جعلها أشيبي في روايته نموذجًا مثاليًا للمجتمع الإفريقي قبل الاستعمار—والتي انتظرت أن يكتب الآخرون خاتمتها. كما أنها ليست “أبام”، وهي قبيلة أخرى قدّمها أشيبي بصورة مغايرة، بل أحيانًا بوصفها شاذة أو متأخرة، رغم أن اختلاف عاداتها لا يعني بالضرورة أنها أدنى قيمة. فالسؤال الحقيقي هو: هل ستقف القارة متفرجة على انهيار النظام الدولي القديم، أم ستشارك في صياغة النظام الذي سيأتي بعده؟
هنا يظهر الحكم القاسي على المؤسسات الأفريقية؛ إذ عجز الاتحاد الإفريقي، وهو المنظمة القارية التي تضم دول إفريقيا وتهدف إلى تعزيز الوحدة والسلام والتنمية، عن وقف النزاعات المستمرة أو بلورة موقف إفريقي موحّد. وكذلك عجزت الهيئات الإقليمية، ومنها الجماعة الإنمائية لدول إفريقيا الجنوبية (سادك)، وجماعة شرق إفريقيا، والهيئة الحكومية للتنمية (الايغاد).
ولذلك تخاطر القارة، ما لم تتحدث بصوت واحد، بأن يصبح الآخرون هم من يتحدثون نيابة عنها، وأن تتحول من “لاعب” فاعل في الشأن الدولي إلى مجرد “رقعة شطرنج” يتنازع عليها الآخرون.
مقاربات وحدوية بديلة:
يطرح عيسى شيفجي، وهو أحد رواد مدرسة دار السلام، رؤية سياسية جريئة؛ إذ يذكّرنا بأن “الوحدة الإفريقية” لم تكن يومًا مجرد مشروع للتكامل الاقتصادي أو ناديًا دبلوماسيًا، بل نشأت كحركة سياسية مناهضة للإمبريالية، استمدت زخمها من نضالات الشعوب العاملة من أجل تقرير مصيرها. ويكمن قلقه في أن الدول والبيروقراطيات قد هيمنت على هذه الحركة، واختزلتها في مجرد قمم وبيانات رسمية.
وبدلاً من ذلك، يقترح شيفجي مشروعًا إفريقيا سياديًا: أن تكون إفريقيا قطبًا مستقلاً في عالم متعدد الأقطاب، لا ينحاز لأي من القوى المهيمنة إقليميًا، بحيث تكون السيادة للشعوب وليس للحكومات وحدها. كما يشكك في قدرة أي دولة إفريقية بمفردها -سواء كانت نيجيريا أو جنوب إفريقيا – على قيادة هذا المسار، أو حتى في أحقيتها بذلك، نظرًا لأن كل واحدة منها مثقلة بصراعاتها الداخلية الخاصة.
قد يختلف المرء مع بعض أحكامه الحادة حول دوافع الدول الأخرى، لكن فكرته الجوهرية تظل صائبة: فالوحدة التي تُفرض من الأعلى تظل هشة، والقارة التي تعتمد على “راعٍ” خارجي ستظل دائمًا شريكًا تابعًا، بغض النظر عن هوية هذا الراعي.
ويتبنى المقال الثاني، الذي كتبه دانيلو ديسيديريو، مدير إحدى مؤسسات الاستشارات في نيروبي، مقاربة عمليًة؛ إذ يرى أن “الوحدة الإفريقية” منحت القارة مفردات الاتحاد، غير أن ما تحتاجه اليوم هو وحدة إفريقية متطورة. ومن ثمّ يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن لهذه الوحدة أن تتحول إلى قدرات ملموسة، كالممرات التجارية، وأنظمة الدفع، والبنية التحتية الرقمية، والقواعد التنظيمية المشتركة؟
ويقدّم الكاتب نموذجًا توضيحيًا مفيدًا؛ ففي ديسمبر 2025 أطلقت إثيوبيا وكينيا نظامًا تجاريًا مبسطًا في منطقة الحدود المشتركة “مويالي” لدعم صغار التجار، وهي خطوة تستحق الترحيب. غير أن هذا النظام يظل محدودًا؛ إذ يُشترط في التجار المؤهلين الإقامة في مناطق حدودية محددة، ويُفرض سقف شهري على معاملاتهم لا يتجاوز 1000 دولار، مع قصر عدد مرات عبورهم للحدود على أربع مرات كحد أقصى. كما تقيّد بعض الدول الأنشطة التجارية الصغيرة بمواطنيها وحدهم. ورغم اتساع فرص تنقل الأفارقة بين دول القارة دون تأشيرة، فإن السماح بالدخول لا يعني بالضرورة السماح بالعمل أو البيع أو تأسيس نشاط تجاري. وهكذا يظل التكامل مشروطًا باستثناءات يتحمل تبعاتها صغار التجار، وليس الوزراء وصنّاع السياسات.
وفي رأيي، يُعد هذا المقال الأكثر فائدة بين المقالات الثلاثة؛ لأنه ينقل النقاش من سؤال هل نؤمن بالوحدة؟ إلى سؤال أكثر إلحاحًا: هل تنجح هذه الوحدة فعليًا في يوم عادي عند نقاط العبور الحدودية؟ . فقد بدأت الوحدة الإفريقية فكرةً وطموحًا، غير أن الخطر—كما ينبّه ديسيديريو بحق—يكمن في الخلط بين الطموح والإنجاز.
أما المقال الثالث، الذي كتبه النيجيري أولواسيميلوري ألابي، فهو الأكثر حدة؛ إذ يجادل بأن فكرة “الوحدة الإفريقية” كانت فكرة مستوردة، وُلدت في لندن وباريس ونيويورك بدلاً من أن تولد داخل القارة الإفريقية؛ وأن التاريخ الوحيد الذي يتشارك فيه جميع الأفارقة حقاً هو تاريخ الاستعمار؛ وأن هذه الفكرة تختزل آلاف الثقافات المتباينة في مسمى واحد؛ كما يشير إلى أنه بعد مرور نحو سبعة عقود على مؤتمر أكرا عام 1958، لم تحقق هذه الرؤية سوى القليل. ويضرب مثلاً بنيجيريا، التي تضم مئات اللغات وتواجه صعوبات جمة لتظل دولة واحدة، فكيف الحال إذن بالنسبة لقارة بأكملها؟
قد يميل البعض إلى اعتبار هذا الطرح مجرد استفزاز، ولا شك أن الخاتمة القوية للمقال تهدف إلى إثارة الصدمة. لكنني أدعو القراء إلى عدم تجاهله؛ فالكاتب النيجيري يعبّر عما يشعر به الكثير من الشباب الأفارقة في قرارة أنفسهم: وهو أن الخطاب الداعي للوحدة الإفريقية قد يتحول أحياناً إلى غطاء للفشل، وأن الهوية لا يمكن فرضها بقرار، وأن التنوع هو ثروة إفريقيا وليس نقطة ضعفها.
ومع ذلك، أعتقد أن ألابي جانبه الصواب، سواء في قراءته للتاريخ أو في استنتاجاته. صحيح أن مؤتمرات الوحدة الإفريقية الأولى عُقدت في الخارج، وأن العديد من المفكرين الأوائل عاشوا في بلاد المهجر، لكن القصة لم تتوقف عند هذا الحد. فقد تبنى الأفارقة هذه الفكرة وجعلوها جزءاً منهم من خلال نضالاتهم ضد الحكم الاستعماري، وهيمنة المستوطنين، ونظام الفصل العنصري؛ وهي النضالات ذاتها التي منحت هذه الفكرة قوتها.
فالفكرة لا تصبح “أجنبية” لمجرد أنها طُرحت لأول مرة بعيداً عن الوطن؛ فمفهوم “الدولة الوطنية” نفسه -بحدوده التي رُسمت في برلين- وصل إلى إفريقيا بالطريقة ذاتها. كما أن “الوحدة الإفريقية”، إذا فُهمت على نحو صحيح، لم تكن يوماً تدعو إلى محو الهويات المحلية؛ فجوهرها الأفضل يكمن في “الوحدة في ظل التنوع” -أي الاتحاد وليس الاندماج- تماماً كما يحافظ الأوروبيون على لغاتهم وثقافاتهم الخاصة داخل اتحاد مشترك.
ما الذي ينبغي أن تعنيه “الوحدة الإفريقية” اليوم؟
عند قراءة المقالات الثلاثة معاً، لا أرى تناقضاً، بل مساراً تصاعدياً متكاملاً. يوضح “شيفجي” الأسباب (لماذا؟): ففي عالم تهيمن عليه قوى كبرى، تحتاج إفريقيا إلى صوت سياسي مستقل ينبع من شعوبها. ويقدم “ديسيديريو” الآليات (كيف؟): من خلال أسواق وحدود وقواعد تتيح للأفارقة العمل معاً. بينما يطرح “ألابي” تحذيراً مهماً: وهو أن أي وحدة تُفرض من الأعلى، أو تُردد كشعار أجوف، ستُقابل بالرفض. ومن هذا كله، يمكن استخلاص أربع نتائج على النحو التالي:
أولاً، ينبغي تقييم “الوحدة الإفريقية” بناءً على النتائج. فكل بيان يصدر عن القمم الإفريقية يجب أن يُقاس بما يحدثه من تغيير ملموس على أرض الواقع: بالنسبة للتاجر في “مويالي”، أو الطالب الساعي للحصول على تأشيرة، أو العامل الباحث عن فرصة عمل في الخارج. فإذا ظلت الحدود هي التي تحدد من يحق له كسب عيشه، فإن شعارات الوحدة تظل جوفاء لا رصيد لها.
ثانياً، لنبدأ بعامة الناس، وليس بقاطني القصور. ستظل الحكومات دائماً حريصة على مصالحها الوطنية، وحماية سبل عيش مواطنيها، وهو أمر مشروع؛ لكن “الوحدة الإفريقية” التي تتعامل مع الأفارقة الآخرين كخصوم، إنما تفتح الباب أمام كراهية الأجانب التي تدعي هي نفسها معارضتها. يجب أن تُبنى الوحدة من خلال التجار والطلاب والفنانين والمزارعين والمهنيين الذين يعبرون الحدود كل يوم.
ثالثاً، بناء الوحدة انطلاقاً من التنوع. لا يحتاج الأفارقة إلى أن يصبحوا شعباً واحداً بالمعنى الذي ينطبق على الألمان أو الفرنسيين؛ بل يحتاجون إلى التعاون في مجالات الأمن والتجارة والتكنولوجيا والدبلوماسية، مع الحفاظ في الوقت ذاته على لغاتهم ومعتقداتهم وتاريخهم. هذا مطلب متواضع، لكنه في الوقت نفسه أكثر ديمومة واستدامة.
رابعاً، حجز مقعد كطرف فاعل ومؤثر. في عالم متعدد الأقطاب، ينبغي لإفريقيا أن تتعاون مع الجميع وفق شروطها الخاصة، وألا تتبع لأي معسكر من المعسكرات. وهذا يتطلب مؤسسات قادرة على العمل والإنجاز، وشعوباً مستعدة لمحاسبتها.
وختاما فإن الوحدة الإفريقية لم تمت، لكنها لا ينبغي أن تُقدَّس. إنها أداة صاغها أناس تطلعوا إلى الحرية، والأدوات تُقيَّم بمدى فاعليتها. وقد قدّمت لنا الرؤى السابقة ثلاثة مفاتيح لفهم حالها اليوم. يذكّرنا عيسى شيفجي بـالغاية: في عالم تتنازعه القوى الكبرى، حيث تحتاج إفريقيا إلى صوت سياسي مستقل يستمد شرعيته من شعوبها وليس من قصور الحكم وحدها. ويدلّنا دانيلو ديسيديريو على الوسيلة: أسواق مترابطة وحدود أقل إعاقة وقواعد مشتركة تحوّل التضامن إلى قدرة فعلية، وتجعل من يعبر الحدود تاجراً مشاركاً وليس غريباً مكبلا بالقيود. وينبّهنا ألابي إلى المحاذير: لا وحدة تُفرض من أعلى أو تُلغي تنوع الأفارقة وخصوصياتهم، وما لا يلمس حياة الناس يبقى شعاراً بلا رصيد.
هذه الرؤى ليست متناقضة، بل متكاملة، فالغاية تحتاج إلى وسيلة، والوسيلة تحتاج إلى قبول الناس لها. وعليه تقف الحركة اليوم عند مفترق طرق، بين شعار ملهم واستراتيجية قابلة للتطبيق. لقد منحنا جيل الاستقلال الحلم، وعلى جيلنا أن يبني الآليات اللازمة لتحقيقه، خطوة بخطوة، عبر الحدود والأسواق واحداً تلو الآخر.
…………………………………….
المراجع:
Shivji, I. G. (October 15, 2026). Positioning Pan-Africanism in the geopolitical turmoil. Pambazuka News. https://www.pambazuka.net/index.php/Positioning-Pan-Africanism-In-Geopolitical-Turmoi l
Desiderio, D. (2026, September 8). From Pan-Africanism to Meta-Africanism: The emerging narrative of Africa as an architect of the world. Modern Diplomacy. https://moderndiplomacy.eu/2026/09/08/from-pan-africanism-to-meta-africanism-the-emerging-narrative-of-africa-as-an-architect-of-the-world/
Alabi, O. (2026, August 28). God forbid a Pan-Africa: Pan-Africanism’s non-works. African Arguments. https://africanarguments.org/2026/08/god-forbid-a-pan-africa-pan-africanisms-non-works/











































