احتدمت مباريات بطولة كأس العالم الحالية مع قرب اتضاح معالم الفرق التي ستشكل ربع نهائي البطولة. وحققت المغرب الاختراق الإفريقي الأبرز مجدداً بوصولها إلى هذا الدور بعد فوزها على كندا إحدى الدول التي تستضيف البطولة، وبنتيجة مريحة تماماً (3-0). ولم ينقطع الجدل طوال البطولة عن مفاجأة المشاركة الإفريقية القوية في دور المجموعات وصعود تسع دول إفريقية دفعة واحدة للدور 32، قبل وقوع مفاجأة «سلبية» بخروج جميع الفرق الإفريقية التسعة باستثناء مصر والمغرب من هذا الدور بسبب تراجع الأداء في اللحظات الأخيرة من كل مباراة على حدة.
يتناول المقال الأول: سؤالاً بات مطروحاً منذ نهاية دور المجموعات وتحقيق تسعة فرق إفريقية علامة النجاح في تجاوز هذا الدور: هل يمكن أن تحصل دولة إفريقية (المغرب تحديداً في الوقت الحالي) على لقب كأس العالم؟
أما المقال الثاني: فيتناول محاولة لتفسير سبب لعنة خسارة أغلب الفرق الإفريقية في الدقائق الأخيرة في الدور 32 من البطولة الحالية؟
ويركز المقال الثالث على: أسباب النظر لكأس العالم الجارية على أنها كانت فرصة لإنجاز أفضل، في ضوء مثال واضح وهو النجاح والأداء الملفتين لفريق الرأس الأخضر (كيب فيردي).
وتناول المقال الرابع: التراشق بين لاعبي كرة قدم سابقين من باراغواي وفرنسا، على هامش تعليقات «عنصرية» بحق المنتخب الفرنسي الذي تمثل قوامه من أغلبية لاعبين أفارقة من أبناء مهاجرين سابقين لفرنسا في عقود سابقة.
هل نقترب من فوز فريق إفريقي بكأس العالم؟[1]:
أفاد توسع بطولة كأس العالم (لتشمل 48 منتخباً) الدول الإفريقية بشكل هائل. وفي الفترة بين 1998م و2022م تأهل 32 فريقاً لكل نسخة من نسخ البطولة. وفيما يتعلق ببطولة كأس العالم السابقة في قطر تنافست 54 دولة إفريقية فيما بينها للفوز بخمسة مقاعد فقط من الـ 32 مقعداً تلك. فيما كان هناك 13 مقعداً مخصصاً لفرق أوروبية من القارة التي يبلغ عدد دولها 55 دولة.
ومثّل هذا الوضع خللاً تمت معالجته أخيراً في دورة الصيف الجاري في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وكان هناك تسعة مقاعد مخصصة للتأهل التلقائي لدول القارة الإفريقية. وتمكنت جمهورية الكونغو الديمقراطية من الصعود لكأس العالم ممثلة عاشرة للقارة بعد فوزها على جامايكا في مارس 2026م. وبعيداً عن تونس (التي صُنّفت كصاحبة أسوأ أداء في تاريخ كأس العالم وفق النتائج)، فإن جميع هذه الفرق انتهزت الفرصة المتاحة لها.
وتمكن فريق الرأس الأخضر (كيب فيردي) من تحقيق واحدة من أكبر الصدمات في تاريخ البطولة بالتعادل مع إسبانيا بطلة أوروبا في مباراتهما الافتتاحية، قبل أن تواجه الأرجنتين في مرحلة الدور 32. كما أبلت غانا بلاءً حسناً وكسبت نقطة أمام إنجلترا. وتعافت جنوب إفريقيا من هزيمة مؤلمة أمام المكسيك وحلت ثانية في مجموعتها.
وأنهت المغرب المستوى بنقاط مساوية مع البرازيل في المجموعة (ج)، وأصابت فريق كارلو أنشيلوتي بالرعب في الشوط الأول من مواجهتهما الممتعة فنياً. ووصلت السنغال بالكاد لدور 32 ضمن أفضل الفرق في المركز الثالث في المجموعات، إذ واجهت عدداً من أفضل اللاعبين في فريقي النرويج (إيرلينج هالاند) وفرنسا (القائد كيليان مبابي) في مجموعة صعبة. فيما قاد المدرب إيميرس فاي منتخب بلاده كوت ديفوار لمرحلة دور التصفيات لأول مرة في تاريخها- مما غطى على منجزات الجيل الموهوب الذي شمل مهاجم تشيلسي السابق ديديه دروغبا، ولاعب خط الوسط السابق بنادي مانشستر سيتي يايا توري (تأهلا لثلاث بطولات متتالية بين 2006م و2014م). فيما تحتفل مصر بقيادة محمد صلاح بتجاوزها دور المجموعات للمرة الأولى في تاريخها.
كما تعادلت جمهورية الكونغو الديمقراطية مع البرتغال بقيادة كريستيانو رونالدو، وتقدمت في دور المجموعات لتجتازه باعتبارها من أفضل ثوالث هذا الدور. والتحقت بهم الجزائر في البطولة الحالية.
وإجمالاً، فقد وصلت تسع من دول القارة العشرة المشاركة في البطولة لدور 32. وعندما سُئل عن تلك الحقيقة، بعد تعادل الجزائر المهم مع النمسا، قال مهاجمهم المؤثر رياض محرز: «إنه لأمر مدهش، ويُظهر ذلك جودة كرة القدم الإفريقية، والتي لا توصف دائماً بأنها كرة جيدة، لكنها كذلك بالفعل. من الصعب أن تلعب في إفريقيا، لكن عندما ترى تسعة فرق من إجمالي عشرة فرق تتأهل في أكبر بطولة كرة قدم في العالم فإن ذلك يعني الكثير. إنني في غاية السعادة».
ويمكن أن يحدث أي شيء في الأدوار التالية (بعد صعود المغرب لدور الثمانية، وترقب مواجهة مصر مع الأرجنتين على بطاقة التأهل للدور نفسه في 7 يوليو الجاري)، وكما برهنت المغرب في قطر قبل أربعة أعوام بكونها أول فريق إفريقي يصل لنصف نهائي بطولة كأس العالم، فهل يمكن أن يصل هذه المرة فريق إفريقي لخطوة أبعد برفع الكأس في استاد نيويورك/ نيوجيرسي في 19 يوليو المقبل؟ وإن لم يكن ذلك هذه المرة، فمتى؟
إفريقيا ولعنة الدقيقة 86 في كأس العالم[2]:
مع انطلاق مرحلة الاقصاءات في بطولة كأس العالم الجارية انكشفت مشكلة خطيرة واجهت الفرق الإفريقية المشاركة. وأصبحت الدقيقة 86 نمطاً مؤلماً للفرق الإفريقية في تلك البطولة، مع معاناة أربعة فرق من التخلف في مباريات الإقصاء في الدور 32. فقد شهدت منتخبات جنوب إفريقيا والسنغال وكوت ديفوار وجمهورية الكونغو الديمقراطية نهاية رحلتهم في كأس العالم بعد تلقيها أهدافاً مباغتة في الدقائق الأخيرة من الوقت الأصلي لكل مباراة. وقد عانت جنوب إفريقيا من ضربة قاتلة متأخرة بعد مقاومة الضغط الكندي طوال المباراة تقريباً، قبل إحراز ستيفن يوستاكيو S. Eustaquio هدف الفوز لكندا في الدقيقة 92 لإنهاء المباراة بالفوز (1-0).
كما خرجت السنغال من البطولة على نحو مماثل بعد هزيمة درامية من بلجيكا (2-3) مع تسجيل روميلو لوكاكو هدف الفوز لبلجيكا على أسود التيرانجا. وواجهت كوت ديفوار ضربة قاتلة مماثلة في مباراتها مع النرويج، مع تسجيل إرلينج هالاند هدف في نهاية المباراة التي فازت بها النرويج (2-1) وأخرجت نتيجتها الأفيال من الدور. وانتهت مسيرة الكونغو الديمقراطية اللافتة على نحو مماثل تقريباً مع تسجيل هاري كين لهدف حاسم في فوز إنجلترا بنتيجة (2-1) ضد الفهود.
وقد أثار هذا النمط المتكرر نقاشاً موسعاً عبر الإنترنت، ولا سيما بعد ظهور مدرب بلجيكا رودي جارسيا واعترافه بالمسألة بنفسها عقب انتصار فريقه على السنغال. وقال: «السنغال؟ إننا نعرف تلك الفرق بشكل جيد. إنهم يخسرون تنظيمهم التكتيكي قبل نهاية المباراة». وسرعان ما انتشرت تلك الملاحظات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حيث ربط كثير من المشجعين ما ذكره بموجة الانهيار المتأخر الذي عانت منه الفرق الإفريقية في مرحلة الاقصاءات.
وحتى اليوم، فإن المغرب (ومصر) هما الفريقان الإفريقيان الوحيدان اللذان تأهلا لدور الـ 16 بعد إقصاء المغرب لهولندا بضربات الترجيح عقب التعادل (1-1)، (ومصر بعد إقصاء أستراليا بضربات الترجيح أيضاً بعد التعادل (1-1)).
وقد جاءت هذه النتائج بعد مرحلة مجموعات تاريخية (لإفريقيا) أظهرت وصول تسع دول إفريقية لدور 32 الموسع الجديد، وهو رقم قياسي للقارة. لكن مع دخول التصفيات النهائية مرحلتها الحاسمة، فإن ضوابط هذه التصفيات أدت لخروج عدد من الفرق الإفريقية حتى صاحبة أقوى أداء بها.
في ضوء بطولات الرأس الأخضر (كيب فيردي): كان ينبغي لمنتخبات إفريقيا في كأس العالم أن تكون أفضل[3]:
وصلت مصر والمغرب لدور الـستة عشر، لكن هرم القارة يبدو أنه آخذ في الاتساع. وبالنسبة لإفريقيا، فإن بطولة العالم الحالية تبدو واحدة من «الميمز» (مقاطع ساخرة أو الصور المحيّرة) الكلاسيكية التي تعود للأيام الأولى لوسائل التواصل الاجتماعي: هل ثمة رداء ذهبي وأبيض أو أسود وأزرق؟ هل الرسم يمثل بطة أو أرنباً؟. فهل بطولة كأس العالم هذه جيدة لإفريقيا أو أنها بطولة تكشف مشكلات كرة القدم في القارة؟ ربما يعتمد ذلك على الموقع الذي تنظر منه للأمور.
كان الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (كاف) يؤكد لسنوات أن خمسة مقاعد لإفريقيا غير كافية مقارنةً بعدد دول القارة الـ 54، فنسبة من يمثلون إفريقيا في كأس العالم 9% من دول القارة، مقارنةً بنسبة 50% من دول أمريكا الجنوبية. وكان الرد على ذلك أن دول أمريكا الجنوبية قد فازت بكأس العالم 10 مرات، في حين أن إفريقيا لم تصل إلى دور ما قبل النهائي حتى تحقيق المغرب لذلك قبل أربعة أعوام في قطر في العام 2022م.
إن تحقيق توازن حقيقي بين التمثيل والحفاظ على الجودة ليس مسألة يسيرة. وكان هناك تخوف من تردي أداء الفرق العشرة التي مثلت إفريقيا في بطولة كأس العالم الحالية، وأن تخرج أغلب هذه الدول الإفريقية من مرحلة المجموعات. وبمرور الوقت نجحت تسعة فرق إفريقية في تحقيق نتيجة إيجابية والصعود للدور 32، وتعزز موقف من يدعمون «الكاف» في مطالبه بزيادة المقاعد المخصصة للدول الإفريقية في بطولة كأس العالم. وقد حققت أوروبا وأمريكا الجنوبية (13، 5) مقاعد على الترتيب لكل منهما في الدور 32. وللمفاجأة كان أداء آسيا وأمريكا الشمالية والوسطى هو الأردأ في البطولة.
وفي هذا السياق، كانت البطولة الحالية فرصة ممتازة لإفريقيا، حتى لو عجزت تونس عن تحقيق أداء جيد، بل وباتت أسوأ فريق من حيث الأداء في تاريخ بطولة كأس العالم. ومع تحقيق 90% من المنتخبات الإفريقية نجاحاً في دور المجموعات فإن الأمر عُدّ اختراقاً إفريقياً كبيراً، رغم أن أيّاً من فرق القارة لم يتمكن من صدارة مجموعته. وكان هناك هدفٌ ثانوي واضح: وهو وصول ثلاثة فرق إفريقية لدور الـ 16 للمرة الأولى. ففي قطر نجحت المغرب والسنغال في الوصول لهذه المرحلة. وفي روسيا لم ينجح أي منتخب إفريقي في تجاوز دور المجموعات. وفي البرازيل تمكنت الجزائر ونيجيريا من ذلك. وفي جنوب إفريقيا عندما كان للكاف ستة مشاركين لم تنجح سوى غانا في تجاوز دور المجموعات. وفي ألمانيا لم تحقق الاختراق سوى غانا فقط، وفي اليابان وكوريا الجنوبية حققت السنغال وحدها هذا الإنجاز.
وهذه المرة نجحت المغرب ومصر في تحقيق ذلك. وفي ضوء أن ذلك حدث مرتين قبل ذلك، فإنه يمكن اعتبار الأمر نجاحاً معقولاً. لكن هناك شعوراً واضحاً أنه كان من الممكن أن يكون الإنجاز أفضل، وأنه كان يجب أن يكون كذلك.
وعلى سبيل المثال، فإن الرأس الأخضر (كيب فيردي)، التي شاركت في البطولة للمرة الأولى في تاريخها، حققت إنجازاً كبيراً في دور المجموعات، ثم خسرت بصعوبة أمام الأرجنتين بعد وصولهما للوقت الإضافي. (ومع وصول المغرب لربع النهائي بعد فوزها على كندا في دور الـ 16) فإنه يمكن أن يشكل المنتخب المغربي انطلاقة مهمة لترسيخ وجوده ضمن نخبة كرة القدم العالمية في المستقبل، لكن العقبة أمام ذلك لا تزال قائمة ومتمثلة في استمرار الاعتماد على اللاعبين المغاربة في الخارج. وبالنسبة لإفريقيا فإن التطلعات إلى تجاوز إنجاز المغرب تظل محدودة. ومن أجل تغيير هذا الوضع، كان لزاماً على فرق مثل السنغال وكوت ديفوار الاستفادة من البدايات الجيدة، والفوز في مواجهة المنافسين عندما أُتيحت لهما الفرصة.
فرنسا تدين تصريحات شيلافيرت[4]:
أدان رئيس اتحاد الكرة الفرنسي فيليب ديالو Philippe Diallo تصريحات جوزيه لويس شيلافيرت José Luis Chilavert الحارس السابق لمنتخب الباراغواي التي وصف فيها فريق الزرق (منتخب فرنسا) les Bleus بأنه «فرقة من إفريقيا». وكتب ديالو في تعليق «بالسوشيال ميديا» يوم السبت (4 يوليو): «أدين بأشد العبارات الممكنة للعنصرية التي أبداها جوزيه لويس شيلافيرت إزاء الفريق الوطني الفرنسي، والتي تحجم قيم الاحترام والأخوة والتنوع في منتخبنا لكرة القدم»، ولفت في ختام تعليقه: «إذا كان (شيلافيرت) يوماً ما حارس مرمى عظيم، فإنه سقط الآن في العار».
وكان شيلافيرت، الذي يُعدّ من أحد أشهر لاعبي كرة القدم في باراغواي، قد كتب هذه الملاحظات خلال مواجهة بلاده لمنتخب فرنسا في دور الـ16 يوم السبت. ونشر اللاعب، الذي يبلغ الآن 60 عاماً، لقطة شاشة لتعليقات نسبها للمهاجم الفرنسي السابق كريستوف دوجاري C. Dugarry تقول: إن باراغواي ليست لديها أية فرصة في الفوز بالمباراة. وكتب شيلافيرت: «كريستوف، أنت محق. لقد واجهنا الفرنسيين في العام 1998م، والآن ستواجه باراغواي فرقة من إفريقيا».
ومعروف عن الفريق الفرنسي تنوعه، وأن كثيراً من لاعبيه، مثل كيليان مبابي وعثمان ديمبلي، من أبناء المهاجرين القادمين من إفريقيا. وكان دوجاري من الفريق الفرنسي الذي فاز بكأس العالم في العام 1998م، وهزم فريق باراغواي الذي كان شيلافيرت حارسه (1-0) في دور الـ 16 الأخير، وفازت فرنسا في مباراة السبت (4 يوليو) بالنتيجة نفسها.
ـــــــــــــــــــــــــ
روابط المقالات:
[1] Jay Harris, Are we close to an African nation winning the World Cup for the first time? The New York Times, Viewed on July 1, 2026, at: https://www.nytimes.com/athletic/7332888/2026/06/28/africa-world-cup-win /









































