مقدمة:
تُعدّ الهجرة شأنًا محوريًّا في حياة ملايين الأشخاص حول العالم. ومع ذلك، غالبًا ما يختزل الخطاب العام هذه الحقيقة الإنسانية المعقّدة إلى سرديات مُبسَّطة تُخفي فوائدها وتحدياتها، وقبل كل شيء، إنسانيتها.
وفي عصرٍ يشهد استقطابًا متزايدًا، يُعدّ التحليل المتوازن والقائم على الأدلة ضروريًّا لضمان أن تكون إدارة الهجرة مبنية على الواقع لا على الخطابات الرنانة.
انطلاقًا من هذه السردية، يحاول هذا المقال تقديم عرض جزئي لتقرير الهجرة الدولي 2026م، بهدف التعرف على ما أورده هذا التقرير فيما يخص الشأن الإفريقي، بوصفه جزءًا مهمًّا يُشكّل عالم الهجرة الدولية.
وقد أصدرت المنظمة الدولية للهجرة، في جنيف، بسويسرا، تقرير الهجرة الدولي 2026م (WORLD MIGRATION REPORT 2026)، في مايو من العام نفسه. وقد حرّره: ماري مكوليف Marie McAuliffe (المنظمة الدولية للهجرة)، وبابلو سيرياني سيرناداس Pablo Ceriani Cernadas (الجامعة الوطنية لانوس). وتم التنويه إلى أن مشروع هذا التقرير بدأ في سبتمبر 2024م، وتُوِّج بإتاحته للملأ في مايو 2026م. كما تم التنويه إلى أن هذا التقرير، الذي يضم 290 صفحة، لا يُشير إلى البيانات أو الأحداث، التي وقعت بعد ديسمبر 2025م. وأنه ثمرة جهد تعاوني مكثَّف ضمّ العديد من الشركاء والمساهمين.
أهمية التقرير وهدفه:
يظل تقرير الهجرة الدولي أكثر أهمية من أيّ وقت مضى. وبصفته المنشور الرئيسي للمنظمة الدولية للهجرة، فإنه يُقدّم تحليلًا دقيقًا للتحولات الرئيسية، التي تُشكِّل الهجرة، والتنقل على مستوى العالم. ويهدف إلى تزويد صانعي السياسات، والممارسين، وعامة الجمهور بمعرفة موثوقة لفهم هذه الديناميات بشكل أفضل والاستجابة لها بفعالية.
يصدر تقرير الهجرة العالمي 2026م في وقتٍ يشهد اضطرابًا عالميًّا عميقًا. فالتنقل والنزوح يتشكلان بفعل عوامل متعددة ومتفاعلة في كثير من الأحيان، تؤثر على كيفية وسبب تنقل الناس. وتؤثر النزاعات والعنف في نزوح الملايين، بينما يُغيِّر التدهور البيئي وتغيُّر المناخ أنماط التنقل عبر المناطق. ويُغيِّر التحول التكنولوجي السريع أسواق العمل، وأنظمة الحوكمة؛ مما يخلق فرصًا عديدة إلى جانب مخاطر جديدة، بما في ذلك ما يتعلق بحماية حقوق الإنسان. وتتقارب هذه الديناميات بشكل متزايد مع الظروف الاقتصادية، والتغير الديموغرافي، وهشاشة الحوكمة؛ مما يُسهم في مشهد هجرة شديد التعقيد، ومترابط، ومتنازع عليه سياسيًّا.
يتشكل هذا التقرير، -الذي يرتكز على بيانات وإحداثيات تنطلق من عشرات المصادر والمراجع-، من مقدمة وثمانية فصول، تعالج جملة من القضايا، تتمثل في: الهجرة في زمن الاضطراب والتشويه المتزايدين. والهجرة والمهاجرون من حيث النظرة العامة الدولية. والهجرة والمهاجرون من منظور الأبعاد الإقليمية. والهجرة والتنمية: بوصفها موردًا دوليًّا إستراتيجيًّا مُعرَّضًا للخطر. إضافة إلى قضايا: إعادة النظر في مسارات الهجرة النظامية في ضوء الخرافات والحقائق والفرص. ومعالجة التنقل المناخي: دور العمل المحلي والمجتمعي. والنزوح الداخلي في سياق الاتجاهات والاستجابات والحلول. وأخيرًا قضية الإعاقة والهجرة: الاتجاهات والقضايا والاستجابات.
إفريقيا والهجرة: إنتاج واستقبال
على الرغم من أن هذا التقرير اشتملت صفحات من بعض فصوله على إشارات سريعة لما له صلة بمسألة الهجرة في بعض دول إفريقيا، إلا أن الفصل الثالث منه، الذي يحمل عنوان: “الهجرة والمهاجرون: الأبعاد الإقليمية” MIGRATION AND MIGRANTS: REGIONAL DIMENSIONS- قد أفرد حيّزًا لمناقشة قضية الهجرة في إفريقيا بصورة معتبرة، انطلاقًا من مداخل متباينة، أثَّرت هذه القضية، وأوضحت تأثيرها في قارة تُوصَف عادة بأنها منتجة للهجرات، ومستقبلة لها في الوقت نفسه. لذلك سنكتفي في هذا المقال بالعرض لما جاء في هذا الفصل. وترك ما ورد من معلومات مختصرة مشتتة في فصول التقرير الأخرى، تخص إفريقيا.
نشير في البدء إلى أن الفصل الثالث -قيد العرض- يُقدّم لمحة عامة عن الهجرة عالميًّا، مع إشارة خاصة إلى المهاجرين الدوليين، وديناميات الهجرة. وذلك بهدف تقديم صورة أكثر تفصيلًا للهجرة، والتي تطرح منظورًا مختلفًا، ولكنه مُكمّل للمهاجرين، وحركاتهم في مختلف أنحاء العالم. إضافة إلى ذلك تُناقش فيه فئات معينة من المهاجرين (الطلبة الدوليون، والعمال المهاجرون، واللاجئون، وطالبو اللجوء، والنازحون داخليًّا) والتحويلات المالية الدولية. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الفصل يستند إلى الفصول الإقليمية الموازية في تقارير الهجرة العالمية للأعوام: 2018 و2020 و2022 و2024م، من خلال تقديم تحديث للإحصاءات المتاحة.
يركز الفصل الثالث بشكل أساسي على المستوى الإقليمي في دراسته لقضية الهجرة. إذ ينطلق من منظور جغرافي، وليس موضوعيًّا؛ نظرًا لأن الجغرافيا تُعدّ من أهم العوامل، التي تُشكِّل أنماط الهجرة والنزوح. فالعديد ممن يهاجرون عبر الحدود، يفعلون ذلك داخل مناطقهم المجاورة، إلى بلدان قريبة، بلدان قد يكون السفر إليها أسهل، وقد تكون العودة منها أسهل أيضًا. ويركز التقرير على دراسة ست مناطق دولية، حددتها الأمم المتحدة، هي: إفريقيا، وآسيا، وأوروبا، وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، وأمريكا الشمالية، وأوقيانوسيا. وفي ما يخص كل منطقة من هذه المناطق، يتضمَّن التحليل نظرة عامة. ومناقشة لإحصاءات الهجرة والنزوح الرئيسية. غير أن مقالنا سيكتفي بعرض ما أورد في المنطقة الأولى (إفريقيا) فقط.
الهجرة من إفريقيا وإليها: زيادة تستحق الرصد والمتابعة
يجادل هذا الفصل في صدارته بأن الهجرة في إفريقيا، تتميز بأعداد كبيرة من المهاجرين الدوليين، الذين ينتقلون داخل المنطقة ومنها. وأنه بحلول منتصف عام 2024م، بلغ عدد المهاجرين الدوليين من إفريقيا حوالي 45.8 مليون مهاجر. وبينما ازداد هذا العدد على مرّ العقود، من أقل من 20 مليونًا بقليل في عام 1990م، فإنه لا يزال يمثل نسبة صغيرة من سكان المنطقة. وأنه بالإضافة إلى ذلك شكّل المهاجرون الدوليون من إفريقيا حوالي 3% من إجمالي سكان المنطقة. وأن معظم الهجرة الدولية تحدث داخل المنطقة، وقد ازداد هذا العدد بشكل كبير منذ عام 2000م.
ويضيف هذا الفصل في السياق ذاته أن أحدث البيانات المتاحة، تشير في ضوء أعداد المهاجرين الدوليين، إلى أن حوالي 25 مليون إفريقي كانوا يعيشون في دولة إفريقية أخرى في عام 2024م، بزيادة قدرها 17% عن خمس سنوات مضت (2020م)، ونحو 39% أكثر من عام 2015م. ويعكس هذا جزئيًّا ازدياد النزوح عبر الحدود داخل المنطقة، فضلًا عن ازدياد الهجرة داخل المنطقة، التي سهَّلتها اتفاقيات حرية التنقل، وفقًا لما يورده هذا الفصل. كما ازداد عدد الأفارقة، الذين يعيشون في مناطق مختلفة، وإن لم يكن بوتيرة الهجرة نفسها داخل المنطقة. وذلك أنه منذ عام 1990م، تضاعَف هذا العدد أكثر من مرتين؛ حيث يعيش حاليًّا حوالي 21 مليون إفريقي خارج المنطقة.
وتُظهر أحدث بيانات أعداد المهاجرين الدوليين لعام 2024م أيضًا، وفقًا لما يُورده هذا الفصل أيًضا -أن معظم المهاجرين المولودين في إفريقيا، والذين يعيشون خارج المنطقة-، كانوا يقيمون في أوروبا (حوالي 11 مليونًا)، وآسيا (ما يقرب من 7 ملايين)، وأمريكا الشمالية (حوالي 2.7 مليون). وأن من الجوانب الجديرة بالملاحظة فيما يتعلق بالمهاجرين الدوليين المقيمين في إفريقيا، هو العدد القليل من المهاجرين، الذين وُلدوا خارج المنطقة، ثم انتقلوا إليها. وأنه على مدى الثلاثين عامًا الماضية، ازداد هذا العدد من حوالي 1.4 مليون في عام 2005م إلى ما يقرب من 2 مليون في عام 2024م؛ حيث قدم معظمهم من آسيا (حوالي1.3 مليون) وأوروبا (حوالي 583 ألفًا).
إفريقيا وزيادة معدل الهجرة: متلازمة التغيير السكاني وزيادة معدل الخصوبة
يبرز هذا الفصل في إطار التغيير، الذي يطرأ على السكان في أقطار إفريقيا المختلفة، ما يُفيد أن 20 دولة إفريقية تُصنَّف ضمن أكبر نسبة تغيير في عدد السكان على مدى 20 عامًا من 2005 إلى 2024م. وتتقدم هذه الدول العشرين: غينيا الاستوائية، وتشاد، وأنغولا، والنيجر، وبوروندي، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وزامبيا، ومالي، والصومال. ويُوضّح هذا الفصل أن جميع هذه الدول الـ20 شهدت نموًّا سكانيًّا كبيرًا خلال هذه الفترة، ومن الجدير بالذكر أن جميعها تقريبًا تقع في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
ويضيف هذا الفصل في المنحى ذاته، أن هذا النمو السكاني في إفريقيا يتناقض مع التغيُّر السكاني في القارة الأوروبية، التي شهدت، على سبيل المثال، تباطؤًا واضحا في النمو السكاني في بعض بلدانها، بل وانخفاضًا في بلدان أخرى خلال الفترة نفسها. وأن التوقعات الحديثة -وفقًا لما يرد في هذا الفصل- تشير إلى أن عدد سكان إفريقيا جنوب الصحراء سيزداد خلال العقود الثلاثة القادمة (بنسبة تقارب 80%)؛ ليصل إلى 2.2 مليار نسمة في عام 2054م.
كما يضيف هذا الفصل أيضًا، أنه على عكس العديد من البلدان في مناطق، مثل: أوروبا وآسيا؛ حيث كانت الهجرة، وستظل المُحرّك الرئيسي للنمو السكاني؛ فإن ارتفاع معدلات الخصوبة في إفريقيا، وخاصةً في إفريقيا جنوب الصحراء، هو المساهم الرئيسي في هذا النمو. ومع ذلك، توجد استثناءات، ففي غينيا الاستوائية، التي شهدت أكبر تغيُّر سكاني نسبي في إفريقيا خلال العشرين عامًا الماضية، تأثر النمو السكاني بشكل كبير بالهجرة في العقود الأخيرة. ويعود ازدياد أعداد المهاجرين إلى غينيا الاستوائية، إلى حد كبير إلى نموّها الاقتصادي المرتبط بقطاعات النفط والغاز والبناء. ففي عام 2005م، شكَّل المهاجرون الدوليون أقل من 1% من سكان البلاد، ولكن بحلول عام 2024م، ارتفع هذا الرقم إلى أكثر من 13%.
ممرّات الهجرة في إفريقيا: تسريع هجرة العمالة وتوثيق الروابط التاريخية والاقتصادية
ينتقل هذا الفصل للحديث عن الممرات بوصفها معلمًا جغرافيًّا له علاقة بالهجرة، فيُبيّن أن أكبر ممرات الهجرة في إفريقيا -تتشكل من خلال مزيج من التقارب الجغرافي والروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وديناميات النزوح. وأن حجم ممر الهجرة من الدولة (أ) إلى الدولة (ب)- يُقاس بعدد المهاجرين من الدولة (أ) الذين كانوا يقيمون في الدولة (ب) في عام 2024م. كما يبين أن ممرات الهجرة؛ تمثل تراكمًا لحركات الهجرة عبر الزمن، وتوفر لمحة عن كيفية تطور أنماط الهجرة إلى تجمعات سكانية كبيرة من مواليد الخارج في بلدان المقصد. ويعكس أكبر ممر هجرة في إفريقيا، من بوركينا فاسو إلى ساحل العاج، هجرة العمالة طويلة الأمد والتقارب الجغرافي بين البلدين.
ويضيف هذا الفصل في المجال ذاته، أن بعضًا من أكبر ممرات الهجرة في إفريقيا، مثل: ممر جنوب السودان إلى السودان، وممر السودان إلى تشاد، وممر جنوب السودان إلى أوغندا، هي نتيجة نزوح واسع النطاق بسبب النزاعات والعنف. إضافة إلى ذلك تعكس ممرات أخرى مهمة، تشمل دول شمال إفريقيا، مثل: الممرات من مصر إلى السعودية، ومن الجزائر إلى فرنسا، ومن المغرب إلى إسبانيا؛ جزئيًّا هجرة العمالة على طول هذه الممرات، وجزئيًّا، أيضًا، الروابط التاريخية لما بعد الاستعمار، والتقارب الجغرافي.
المهاجرون من الإناث والذكور: جدلية العدد وطبيعة البحث عن العمل
يجادل هذا الفصل بأنه في إفريقيا، تتشابه نِسَب المهاجرين من الإناث والذكور في الدول الأكثر استقبالًا للاجئين إلى حد كبير، مع وجود اختلافات طفيفة فقط بين الدول، باستثناءات قليلة. ففي ساحل العاج وجنوب إفريقيا، تُشكِّل نسبة المهاجرين الذكور أكبر بكثير. ويعكس هذا مسارات هجرة العمالة المُصنّفة بحسب الجنس في كلا البلدين؛ حيث يبرز العمل الموسمي في قطاعي البناء وزراعة الكاكاو في ساحل العاج، والعمل في قطاعَي التعدين والبناء في جنوب إفريقيا. أما في أوغندا وتشاد، فتُشكِّل نسبة المهاجرات الإناث أكبر بكثير من نسبة المهاجرين الذكور. وأما في الدول العشر الأولى المُصدِّرة للمهاجرين في إفريقيا (منها: السودان وإثيوبيا وزيمبابوي وكينيا)؛ فتتساوى نسبة المهاجرين الذكور والإناث إلى حدّ كبير.
ويضيف هذا الفصل في المسار ذاته أن الاستثناءات، الخاصة بكثرة الذكور المهاجرين مقابل قلة الإناث المهاجرات، تشمل مصر (الدولة الأولى المُصدّرة للمهاجرين في المنطقة)، التي تضم نسبة أكبر بكثير من المهاجرين الذكور، مقارنةً بالمهاجرات الإناث. كما تضم كلّ من السودان وبوركينا فاسو نسبة من المهاجرين الذكور، وإن لم تكن كبيرة كنسبة مصر، إلا أنها نسبة كبيرة أيضًا. وفي دول شمال إفريقيا على وجه الخصوص -وفقًا لما يَرِد في هذا الفصل- يُعزى ارتفاع عدد المهاجرين الذكور، إلى حد كبير إلى أنماط الهجرة التقليدية المستقلة بحثًا عن العمل.
اللجوء الإفريقي البيني: هجرة تنتجها الكوارث والعنف
يوضّح هذا الفصل أن النزوح لا يزال سمة رئيسية في إفريقيا؛ حيث تُعدّ بعض دول القارة مصدرًا ومقصدًا لأكبر عدد من اللاجئين، وطالبي اللجوء. يُظهر هذا الفصل 10 دول في إفريقيا، مرتبة بحسب إجمالي عدد اللاجئين وطالبي اللجوء، الذين تستضيفهم، والذين ينحدرون منها (يتقدم قائمتها: السودان، وجنوب السودان، وأوغندا، والكنغو الديمقراطية، وإثيوبيا). وظل جنوب السودان، وفقًا لما يرد في هذا الفصل، بلد المنشأ لأكبر عدد من اللاجئين في إفريقيا عام 2024م (حوالي 2.3 مليون). وقد كان عدد اللاجئين من جنوب السودان هو الأعلى بين الدول الإفريقية في السنوات الأخيرة؛ حيث استضافت أوغندا والسودان وإثيوبيا معظمهم.
ويشير الفصل في هذا المنحى إلى أن الصراع في السودان، الذي بدأ عام 2023م، أسفر عن واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم؛ حيث أصبح السودان الآن مصدرًا لثاني أكبر عدد من اللاجئين في إفريقيا (حوالي 2.1 مليون)، بزيادة قدرها 40% عن العام السابق. وعلى غرار جنوب السودان، استضافت الدول المجاورة معظم اللاجئين وطالبي اللجوء من السودان في نهاية عام 2024م؛ حيث استقرت الغالبية العظمى منهم في تشاد ومصر وجنوب السودان وليبيا.
وليس بعيدًا عن ذلك، يضيف هذا الفصل أن الصراع الممتد في جمهورية الكونغو الديمقراطية، بما في ذلك الاشتباكات بين الجماعات المسلحة الحكومية، وغير الحكومية؛ أدَّى إلى نزوح كبير عبر الحدود من البلاد. وبلغ عدد اللاجئين من جمهورية الكونغو الديمقراطية أكثر من مليون لاجئ في عام 2024م، وهو ثالث أكبر عدد في إفريقيا. وكانت الصومال وجمهورية إفريقيا الوسطى من الدول الأصلية لرابع وخامس أكبر عدد من اللاجئين في المنطقة. وفي غضون ذلك، استمرت أوغندا في استضافة أكبر عدد من اللاجئين في إفريقيا، وخامس أكبر عدد على مستوى العالم (حوالي 1.8 مليون لاجئ)، معظمهم من دول مجاورة، مثل: جنوب السودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية.
ويبيّن هذا الفصل أنه ومع وجود حوالي 1.1 مليون لاجئ من السودان وحده، استضافت جمهورية تشاد ثاني أكبر عدد من اللاجئين في إفريقيا. كما يبين أن دولًا، مثل: السودان، وجنوب السودان، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، -وهي أيضًا دول مصدر لبعض أكبر أعداد اللاجئين-، تستضيف أيضًا أعدادًا كبيرة من اللاجئين. وأن إفريقيا تظل المنطقة الوحيدة، التي تستضيف فيها دول متعددة أعدادًا كبيرة من اللاجئين، وتنتجها في الوقت نفسه.
النزوح في إفريقيا جنوب الصحراء: إفرازات الصراعات المستمرة
يستطرد هذا الفصل في سياق الحديث عن النزوح في إفريقيا، بذكر ما يفيد، أنه في السنوات السابقة، كانت الغالبية العظمى من حالات النزوح الداخلي في إفريقيا عام 2024م، نتيجة للصراعات والعنف، وحدث معظمها في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. وأنه بأكثر من 5 ملايين و3.7 مليون نازح على التوالي، سجَّلت جمهورية الكونغو الديمقراطية، والسودان أكبر عدد من حالات النزوح الداخلي الناجمة عن الصراعات في المنطقة. وشكَّلت هاتان الدولتان معًا ما يقرب من 80% من حالات النزوح الناجمة عن الصراعات والعنف في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
ويضيف هذا الفصل في منحًى ذي صلة أن أزمة جمهورية الكونغو الديمقراطية؛ استمرت لعقود، لكنها تفاقمت في عام 2024م على يد جماعات مسلحة مختلفة، مما زاد الوضع الإنساني المتردّي أصلاً سوءًا. أما في السودان، فقد أدَّى الصراع، الذي بدأ عام 2023م ليس فقط إلى نزوح داخلي، وعبر الحدود واسع النطاق، بل إلى ما يُعدّ من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. كما أسفرت الكوارث عن عدد كبير من حالات النزوح الداخلي في إفريقيا. وسجَّلت بعض الدول، التي شهدت أعدادًا كبيرة من حالات النزوح الداخلي بسبب النزاعات والعنف، -مثل: السودان ونيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية- حالات نزوح كبيرة بسبب الكوارث.
ويضيف هذا الفصل في المسار نفسه أن أكثر من 1.2 مليون حالة نزوح بسبب الكوارث (معظمها بسبب الفيضانات)، سجلت في نيجيريا، ونحو 750 ألف حالة في جمهورية الكونغو الديمقراطية. وتُعدّ تشاد من بين أكثر دول العالم عُرْضةً لتأثيرات تغيُّر المناخ، وقد شهدت أكبر عدد من حالات النزوح الداخلي بسبب الكوارث في إفريقيا عام 2024م (أكثر من 1.3 مليون شخص)، وكان السبب الرئيسي هو الفيضانات. كما يُعدّ هذا أكبر عدد من حالات النزوح بسبب الكوارث في تاريخ تشاد. ومن بين الدول الأخرى، التي شهدت أعدادًا كبيرة من حالات النزوح بسبب الكوارث عام 2024م، النيجر (حوالي 1.1 مليون شخص)، وموزمبيق (585 ألف شخص).
كلمة أخيرة:
كشفت قراءتنا للفصل الثالث من “تقرير الهجرة الدولي 2026م”، أنه أثرى الحديث في تناوله لقضيتي: الهجرة والنزوح في إفريقيا، وأوضح تأثيرهما على الأوضاع في هذه القارة. وأبان أن هاتين القضيتين في تزايد مستمر، وتصحبهما زيادة في التغيير السكاني، وزيادة في معدل الخصوبة.
كما سلَّط هذا الفصل الضوء على الممرات باعتبارها تراكمًا لحركات الهجرة عبر الزمن. وبوصفها مُشكّلة لمزيد من التقارب الجغرافي والروابط التاريخية والاجتماعية والاقتصادية. كما عكس تصنيف المهاجرين من المنظور النوعي (ذكورًا وإناثًا). إضافةً إلى تركيزه الحديث حول اللجوء الإفريقي البيني ومسبباته. وأن إفريقيا مُصدِّرة للهجرة ومستقبلة لها.
وفي الختام تحدّث التقرير عن النزوح في الأقطار الإفريقية، الذي تُسبّبه الصراعات والعنف والكوراث الطبيعية.










































