تواصل السلطات في تشاد تشديد إجراءاتها الأمنية في إقليم البحيرة، غربي البلاد، بعدما صادق البرلمان، على تمديد حالة الطوارئ لمدة 90 يومًا إضافية.
ويأتي القرار وسط تصاعد الهجمات التي تنفذها جماعة “بوكو حرام” والتنظيمات المسلحة المرتبطة بها ضد مواقع الجيش والقوات الأمنية، بالتزامن مع تحركات عسكرية واسعة تنفذها نجامينا لتعزيز انتشارها في المنطقة الحدودية المشتركة مع نيجيريا والنيجر والكاميرون.
تمديد الطوارئ
صادق البرلمان التشادي، وفق إعلام محلي، خلال جلسة عقدت في قصر الديمقراطية (مقر البرلمان) بالعاصمة أنجمينا على تمديد حالة الطوارئ في ولاية بحيرة تشاد لمدة 90 يومًا.
ووفق المعطيات الرسمية، فقد تم اعتماد القرار بإجماع كامل، بعدما صوّت 237 نائبًا لصالح التمديد دون تسجيل أي اعتراض أو امتناع.
وتقول الحكومة التشادية إن التمديد يهدف إلى منح القوات الأمنية والعسكرية صلاحيات استثنائية تساعدها على مواجهة التهديدات المتزايدة التي تمثلها الجماعات المسلحة، خصوصًا مع تكرار الهجمات على المواقع العسكرية والقرى القريبة من الحدود.
جاء قرار التمديد بعد أسابيع من تصاعد الهجمات المسلحة التي تبنتها عناصر مرتبطة بجماعة “بوكو حرام”، واستهدفت مواقع عسكرية تشادية في منطقة البحيرة، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجيش.
وكانت السلطات قد أعلنت في وقت سابق فرض حالة الطوارئ لمدة عشرين يومًا عقب هجوم عنيف استهدف قاعدة “بركة تولوروم” العسكرية الواقعة في إحدى جزر البحيرة، حيث اندلعت مواجهات دامية بين القوات الحكومية والمسلحين.
وبحسب البيانات الرسمية، أدى ذلك الهجوم إلى مقتل 23 جنديًا على الأقل وإصابة 26 آخرين، قبل أن تبدأ القوات الحكومية عمليات تمشيط واسعة النطاق داخل المنطقة، بالتزامن مع تعزيز الانتشار العسكري وتشديد الرقابة الأمنية.
كما شهدت المنطقة هجومًا آخر بعد يومين فقط أسفر عن مقتل عسكريين إضافيين، ما دفع السلطات إلى إعلان الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام، وسط تعهدات رسمية بمواصلة الحرب ضد الجماعات المتشددة.
الرئيس محمد إدريس ديبي سبق أن أكد، أن بلاده “لن تتراجع أمام الإرهاب”، متعهدًا بمواصلة العمليات العسكرية حتى القضاء على التهديدات المسلحة بشكل كامل.
صلاحيات أمنية واسعة
يمنح تمديد حالة الطوارئ السلطات التشادية صلاحيات استثنائية تشمل فرض قيود على الحركة والتنقل داخل بعض المناطق الحساسة، وتنفيذ عمليات تفتيش ومداهمات موسعة، إضافة إلى تشديد الرقابة على الحدود ومراقبة التحركات المشتبه بها.
كما تتضمن الإجراءات فرض حظر تجول في بعض المناطق، وتقييد استخدام الزوارق السريعة والدراجات النارية، مع إمكانية توقيف المشتبه بهم وإيداعهم الحجز الاحتياطي ضمن التدابير المرتبطة بمكافحة الإرهاب.
وخلال الأشهر الماضية، نفذت السلطات أيضًا عمليات لترحيل أجانب لا يحملون وثائق رسمية، إلى جانب فرض رقابة أمنية مكثفة على التحركات داخل الإقليم، في إطار ما تصفه الحكومة بخطة استباقية لمنع أي عمليات انتقامية أو تسلل جديد للعناصر المسلحة.
بالتزامن مع تمديد الطوارئ، أعلنت السلطات التشادية إجراء تغيير في قيادة العمليات العسكرية بإقليم البحيرة، حيث تسلم الجنرال بحرالدين سليمان أحمد قيادة العمليات خلفًا للواء موسى أنور داود الذي شغل المنصب لنحو عامين.
وجرت مراسم تسليم القيادة بحضور عدد من كبار المسؤولين العسكريين والإداريين، يتقدمهم الجنرال محمد سليمان علي والمندوب العام للحكومة الجنرال صالح حقار تجاني.
وأكد المسؤولون خلال المراسم أهمية تعزيز العمل الاستخباراتي والتنسيق مع المجتمعات المحلية في مواجهة الجماعات المسلحة، في ظل تزايد المخاوف من قدرة التنظيمات المتشددة على إعادة تنظيم صفوفها داخل المناطق الحدودية المعقدة جغرافيًا.

إقليم بحيرة تشاد
تمثل منطقة بحيرة تشاد واحدة من أكثر المناطق تعقيدًا أمنيًا في القارة الإفريقية، نظرًا لتداخل حدود أربع دول هي تشاد ونيجيريا والنيجر والكاميرون، إضافة إلى الطبيعة الجغرافية الوعرة التي تضم جزرًا وممرات مائية كثيفة يصعب مراقبتها بشكل كامل.
ومنذ عام 2009، تحولت المنطقة إلى مسرح رئيسي لنشاط جماعة “بوكو حرام” وتنظيم “داعش غرب إفريقيا”، حيث تستغل الجماعات المسلحة هشاشة الحدود وصعوبة التضاريس لتنفيذ هجمات خاطفة ضد القوات الحكومية والسكان المحليين.
كما ساهمت شبكات التهريب والتنقل غير النظامي، إلى جانب الفقر وضعف التنمية وغياب الخدمات الأساسية، في توفير بيئة مناسبة لتحركات الجماعات المسلحة واستقطاب بعض العناصر المحلية.
ورغم مشاركة تشاد في القوة متعددة الجنسيات المشتركة لمحاربة الإرهاب في حوض البحيرة، فإن التحديات الأمنية ما تزال قائمة، في ظل اتساع رقعة التهديدات العابرة للحدود وتراجع القدرات اللوجستية لبعض الجيوش الإقليمية.
وتعد تشاد من أكثر الدول انخراطًا عسكريًا في مكافحة الجماعات المتشددة بمنطقة الساحل، حيث تعتمد عليها دول غربية وإفريقية بوصفها قوة عسكرية رئيسية تمتلك خبرة طويلة في الحرب الصحراوية ومكافحة التمرد.
إلا أن استمرار الهجمات الأخيرة يشير إلى أن الحسم العسكري الكامل ما يزال بعيد المنال، خصوصًا مع قدرة الجماعات المسلحة على الاستفادة من الطبيعة الجغرافية المعقدة والفراغات الأمنية في المناطق الحدودية.
كما أن تصاعد التوترات الإقليمية في السودان والنيجر وشمال نيجيريا يضيف مزيدًا من الضغوط على الوضع الأمني في تشاد، ويزيد من احتمالات انتقال المقاتلين والأسلحة عبر الحدود المفتوحة نسبيًا.
مخاوف إنسانية واقتصادية
ورغم الدعم السياسي الواسع للإجراءات الأمنية، تبرز مخاوف متزايدة بشأن التداعيات الإنسانية والاقتصادية لاستمرار حالة الطوارئ لفترات طويلة.
ويعتمد عدد كبير من سكان إقليم البحيرة على الصيد والتجارة المحلية والتنقل عبر الممرات المائية، وهو ما يتأثر بشكل مباشر بقيود الحركة وحظر التنقل والإجراءات الأمنية المشددة.
كما أدت الهجمات الأخيرة إلى تعطيل بعض الأنشطة الإنسانية مؤقتًا، بعد تعليق عدد من المنظمات غير الحكومية أعمالها في المنطقة نتيجة التدهور الأمني.
ويخشى سكان محليون من أن تؤدي القيود الممتدة إلى تفاقم الأوضاع المعيشية وارتفاع معدلات النزوح، خاصة في القرى القريبة من مناطق الاشتباكات.
في المقابل، تؤكد السلطات التشادية أن الأولوية الحالية تتمثل في استعادة الاستقرار ومنع الجماعات المسلحة من توسيع نطاق عملياتها، معتبرة أن الإجراءات الاستثنائية ضرورية في هذه المرحلة الحساسة.
نقلاً عن:











































