لم تكن جلسة المحكمة العليا في مدينة بيترماريتسبورغ -عاصمة مقاطعة كوازولو ناتال في جنوب إفريقيا- مجرد محطة قضائية جديدة للرئيس الجنوب إفريقي السابق جاكوب زوما، بل بدت لحظة رمزية في معركة طويلة تخوضها البلاد ضد ثقافة الإفلات من العقاب داخل النخبة السياسية الحاكمة منذ نهاية نظام الفصل العنصري.
فعندما رفض القاضي نكوسيناثي تشيلي، أمس الخميس، طلبًا جديدًا لتأجيل محاكمة زوما في قضية صفقة الأسلحة الشهيرة لعام 1999، وأمر بالمضي في المحاكمة رغم الطعون والاستئنافات المحتملة، خلص تشيلي إلى أن زوما وشركة الأسلحة الفرنسية “تاليس” المتورطة بالقضية قد استخدموا “تكتيكات ستالينغراد”.
هذا المصطلح، الذي تحول خلال السنوات الماضية إلى جزء من القاموس السياسي والقضائي، لا يشير إلى المعركة التاريخية الشهيرة في الحرب العالمية الثانية بقدر ما يرمز إلى استراتيجية قانونية تقوم على إغراق المحاكم بسلسلة لا تنتهي من الطعون والطلبات الإجرائية، بهدف تعطيل العدالة واستنزاف مؤسسات الادعاء وكسب الوقت السياسي.
وبالنسبة لزوما، لم يعد المصطلح مجرد توصيف قانوني، بل أصبح عنوانًا لمسيرة كاملة من المواجهة مع القضاء، امتدت قرابة ربع قرن من الزمن، ونجح خلالها في تأخير محاكمته مرات لا تحصى، بينما كانت جنوب إفريقيا تغرق تدريجيًا في واحدة من أعمق أزمات الثقة السياسية منذ انتهاء نظام الفصل العنصري عام 1994.
جنوب إفريقيا تضع حدًا لـ”استنزاف العدالة”
صفقة أسلحة تطارد زوما لعقود
تعود جذور محاكمة زوما إلى أواخر تسعينيات القرن الماضي، حين أطلقت حكومة جنوب إفريقيا برنامجًا ضخمًا لتحديث ترسانتها العسكرية بعد سنوات العزلة الدولية التي فرضها نظام الفصل العنصري.
وفي عام 1999، وقعت بريتوريا صفقات تسلح بمليارات الدولارات مع شركات أوروبية كبرى، من بينها شركة “تاليس” الفرنسية.
لكن ما بدا آنذاك مشروعًا استراتيجيًا لتحديث الجيش، تحول لاحقًا إلى واحدة من أكبر قضايا الفساد في تاريخ البلاد.
وتتهم النيابة الجنوب إفريقية زوما -الذي كان يشغل آنذاك منصب نائب الرئيس- بالحصول على أكثر من أربعة ملايين راند جنوب إفريقي مقابل تسهيل حصول “تاليس” على عقود داخل الصفقة، التي بلغت قيمتها نحو 2.8 مليار يورو.
ويواجه زوما 16 تهمة تشمل الفساد والاحتيال وغسل الأموال والابتزاز، فيما تنفي الشركة الفرنسية والرئيس السابق جميع الاتهامات.
لكن أهمية القضية لا تكمن فقط في حجم الأموال أو طبيعة الاتهامات، بل في ما كشفته من تداخل معقد بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية وشبكات النفوذ داخل الدولة الجديدة التي وُلدت بعد سقوط الفصل العنصري.

“ستالينغراد” واستنزاف المحاكم
منذ توجيه أول الاتهامات الرسمية إلى زوما عام 2005، دخلت القضية في دوامة طويلة من التأجيلات والإجراءات القانونية المعقدة.
فالرئيس السابق لم يكتفِ بإنكار التهم، بل خاض حربًا قضائية مفتوحة ضد الادعاء في بلاده، مستخدمًا كل ما يتيحه النظام القانوني من وسائل للطعن والتأجيل.
وحسب تقارير، تقدم زوما بطلبات لوقف المحاكمة بشكل دائم، وطالب بإبعاد المدعين العامين، وشن ملاحقات خاصة ضد صحفيين ومسؤولين قضائيين، كما لجأ مرارًا إلى محاكم الاستئناف والمحكمة الدستورية.
وبمرور الوقت، أصبح مصطلح “تكتيكات ستالينغراد” ملازمًا لاسمه في الإعلام الجنوب إفريقي، في إشارة إلى استراتيجية المماطلة التي اتبعها.
وخلال الجلسة الأخيرة، قال القاضي تشيلي بوضوح إن استمرار تأجيل المحاكمة “يضر بإدارة العدالة”، بينما أكدت النيابة أن كثرة الطلبات غير الناجحة التي تقدم بها زوما خلقت انطباعًا بأن الدولة عاجزة عن تقديمه للمحاكمة.

بطل التحرير رمز “الاستيلاء على الدولة”
لم يكن زوما سياسيًا عاديًا في جنوب إفريقيا، فالرجل الذي انضم مبكرًا إلى المؤتمر الوطني الإفريقي، وقضى سنوات في السجن والمنفى خلال زمن النضال ضد الفصل العنصري، كان يُنظر إليه ذات يوم باعتباره أحد رموز التحرر الوطني.
لكن سنوات حكمه بين 2009 و2018 غيرت صورته بصورة جذرية، فخلال تلك الفترة، تحولت اتهامات الفساد من مجرد شبهات إلى ما يشبه نمط حكم كامل، بلغ ذروته مع فضيحة “الاستيلاء على الدولة”، المرتبطة بعائلة غوبتا الثرية، التي اتُهمت بالتغلغل داخل مؤسسات الدولة والتأثير على التعيينات والقرارات الحكومية والعقود العامة.
وأصبحت عبارة “الاستيلاء على الدولة” التعبير الأكثر استخدامًا لوصف تلك المرحلة، التي شهدت تآكلًا غير مسبوق في ثقة المواطنين بالحكومة ومؤسساتها.
وعائلة انتقلت غوبتا من الهند إلى جنوب إفريقيا عام 1993، وواجهت العائلة اتهامات بغسل الأموال، كما تُتهم باستغلال علاقاتها الوثيقة بزوما لممارسة نفوذ سياسي هائل على مختلف مستويات الحكومة الجنوب إفريقية، عبر الفوز بعقود تجارية، والتأثير على تعيينات حكومية رفيعة المستوى، والاستيلاء على أموال الدولة.
كما أصبحت عائلة غوبتا مرتبطة بشكل وثيق بزوما إلى درجة ظهور مصطلح مشترك لوصفهم: “الزوپتا” (Zuptas)، في دمج لاسمي “زوما” و”غوبتا”.
وكشفت لجنة “زوندو” القضائية، التي تشكلت في 2018؛ للتحقيق في تلك الاتهامات، عن شبكة واسعة من الفساد والمحسوبية داخل أجهزة الدولة والشركات العامة.
ورغم أن زوما نفى الاتهامات مرارًا، فإن صورته السياسية تعرضت لضرر بالغ، حتى داخل حزبه التاريخي، الذي اضطر في النهاية إلى إجباره على الاستقالة عام 2018 لتجنب انهيار شعبيته الانتخابية.
وفي عام 2021، دخلت البلاد مرحلة غير مسبوقة عندما أُودع زوما السجن بتهمة ازدراء القضاء بعد رفضه التعاون مع لجنة “زوندو”، وأدى سجنه إلى اندلاع أعمال شغب ونهب واسعة، خاصة في مقاطعتي كوازولو ناتال وغوتنغ، أسفرت عن مقتل أكثر من 350 شخصًا، في واحدة من أسوأ موجات العنف التي شهدتها البلاد منذ نهاية الفصل العنصري.
وفي خطوة وُصفت بأنها مفصلية لتعزيز الشفافية وترسيخ المساءلة، أنشأت الجمعية الوطنية في جنوب إفريقيا، في ديسمبر الماضي، لجنةً جديدة مكلّفة بالإشراف على مؤسسة الرئاسة، تنفيذًا لتوصية محورية صادرة عن لجنة زوندو.
ويمثل هذا القرار الذي يُعد الأول من نوعه تحولاً واضحًا نحو برلمان أكثر قوة وسلطة تنفيذية خاضعة لرقابة أكبر. وتتمثل المهمة الرئيسة للجنة في مراقبة الشؤون المالية للرئاسة، بهدف منع تكرار فضائح الفساد التي هزّت البلاد في السنوات الماضية.

جنوب إفريقيا و“فالا” جيت
لكن سقوط زوما لم يعنِ نهاية أزمة الفساد في جنوب إفريقيا؛ فالرئيس الحالي سيريل رامافوزا، الذي وصل إلى السلطة باعتباره رجل الإصلاح ومكافحة الفساد، وجد نفسه لاحقًا في قلب قضية “فالا فالا”.
وتعود القضية إلى عام 2020، عندما تعرضت مزرعة الرئيس الخاصة لعملية سرقة، قبل أن تكشف تقارير لاحقة عن وجود مبالغ مالية ضخمة مخبأة داخل أثاث بالمزرعة.
ورغم نفي رامافوزا ارتكاب أي مخالفة قانونية، فإن القضية أثارت عاصفة سياسية، خاصة بعد اتهامه بعدم التصريح الكامل بالأموال، واستخدام أجهزة الدولة بصورة غير شفافة للتعامل مع الحادثة.
وفي حين تبدو قضية “فالا فالا” مختلفة قانونيًا عن ملف زوما، لكن الرابط بينهما سياسي وأخلاقي بالأساس ويتمثلل في أزمة المساءلة داخل الطبقة الحاكمة.
وكانت المحكمة الدستورية العليا بجنوب إفريقيا، قد أصدرت في الثامن من مايو الجاري، حكمًا أعاد إحياء مسار مساءلة الرئيس رامافوزا، بشأن قضية مزرعته الخاصة ”فالا فالا”.
آنذاك، قضت المحكمة، ببطلان قرار البرلمان الصادر في ديسمبر 2022، والذي كان قد أسقط توصية بفتح إجراءات لعزل رامافوزا، معتبرة أن ذلك القرار “غير دستوري”.
كما أمرت بإحالة تقرير اللجنة المستقلة الخاصة بالقضية إلى لجنة برلمانية مختصة بالعزل، ما يفتح الباب أمام تحقيقات سياسية وقانونية جديدة قد تمثل أخطر تحدٍّ يواجهه الرئيس منذ وصوله إلى السلطة.
في المقابل، سارع الرئيس رامافوزا إلى إعلان احترامه الكامل لقرار المحكمة، مؤكدًا التزامه بسيادة القانون.
وقال المتحدث باسم الرئاسة إن الرئيس رامافوزا “أخذ علمًا بالحكم ويحترمه”، مضيفًا أن رامافوزا يؤمن بأن “لا أحد فوق القانون”.
لكن إعادة فتح ملف مزرعة “فالا فالا” جاءت في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، الذي يواجه منذ سنوات تراجعًا كبيرًا في شعبيته بسبب الأزمات الاقتصادية وتفشي الفساد وتراجع الخدمات العامة.

تهديد للمؤتمر الوطني الإفريقي!
بالنسبة لحزب المؤتمر الوطني الإفريقي، لا تمثل محاكمة زعاماته التاريخية مجرد أزمة قانونية، بل تهديدًا سياسيًا وجوديًا.
فالحزب الذي قاد النضال ضد الفصل العنصري، وحكم البلاد منذ 1994، يواجه اليوم تراجعًا غير مسبوق في شعبيته بسبب الفساد والبطالة وانقطاع الكهرباء وتدهور الخدمات العامة.
وخلال الانتخابات الأخيرة، فقد الحزب جزءًا كبيرًا من هيمنته التقليدية، بينما برزت قوى جديدة، من بينها حزب “أومكونتو وي سيزوي” المنشق عن المؤتمر الوطني، ويتزعمه زوما نفسه.
وتخشى قيادات المؤتمر الوطني من أن تؤدي المحاكمات المستمرة وملفات الفساد إلى تعميق الانقسامات الداخلية، خاصة أن زوما لا يزال يحتفظ بقاعدة شعبية قوية داخل بعض المناطق، وخصوصًا بين أبناء قومية الزولو.
كما أنه من المتوقع أي إدانة نهائية للرئيس السابق قد تعيد فتح ملفات أخرى مرتبطة بقيادات بارزة داخل الحزب والدولة، وذلك في ظل تربص المعارضة بالرئيس الحالي رامافوزا والمطالبة بعزله في ضوء قضية فالا فالا.
في المحصلة، لا يبدو السؤال المطروح اليوم متعلقًا فقط بمصير زوما أو حتى رامافوزا بقدر ما يرتبط بمستقبل البلاد، فبعد أكثر من ثلاثة عقود على نهاية الفصل العنصري، تجد جنوب إفريقيا نفسها أمام اختبار حقيقي هل تستطيع مؤسساتها محاسبة النخبة بمعايير متساوية؟ وهل يكفي كسر “تكتيكات ستالينغراد” وحده لفرض العدالة وإعادة الثقة في دولة القانون، التي سبقت أن كسرت عقودًا من الظلم العنصري، لكنها لا تزال تواجه معركة أكثر تعقيدًا ضد إرث الفساد والإفلات من العقاب؟











































