المقدمة:
للغابة في الثقافة الإفريقية مكانة خاصة، فهي ليست فضاءً مادياً أخضر فحسب، بل هي مخزن للمعرفة ومجال مقدس للروحانيات ومسكن للأسلاف في الأديان التقليدية للعديد من المجتمعات الإفريقية، مما جعلها مصدراً للإلهام في الأدب الروائي الإفريقي، ليس بوصفها مجرد فضاء جغرافي أو خلفية سردية، بل بوصفها عالماً رمزياً معقداً يختزن الذاكرة الجمعية وتتقاطع فيها الأسطورة مع السياسة.
وفي الحقبة الاستعمارية عمد الأدب الغربي إلى ممارسة تشويه ممنهج لصورة الغابة الإفريقية من خلال اختزالها في صورة «القلب المظلم» الذي يهدد الحضارة، وإعادة إنتاجها بوصفها فضاءً للمجهول والبدائية والخطر.
وتبلغ هذه الصورة ذروتها الرمزية في رواية جوزيف كونراد (قلب الظلام)، حيث يتحول حوض نهر الكونغو إلى فضاء سردي تُسقط عليه مخاوف أوروبا وتصوراتها عن الآخر الإفريقي. وقد شكّل هذا التمثيل موضع نقد شهير لدى الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي الذي رأى في الرواية استمراراً لخطاب يحرم الإفريقي من الإنسانية الكاملة ومن القدرة على إنتاج التاريخ والمعنى.
ومع انبلاج شمس النضال الإفريقي من أجل التحرر الوطني، تصدى الأدباء الأفارقة لهذه الصورة النمطية، فحوّلوا الغابة إلى موقع للمقاومة وإعادة تعريف الهوية، من خلال سيل من الروايات التي استلهمت الانتفاضات والثورات والكفاح ضد المستعمر، مثل ثورة الماو ماو في كينيا.
ولاحقاً عقب نهاية العصر الكولونيالي، واستقرار حقبة الدولة الوطنية الإفريقية، انتقلت الرواية بالغابة إلى مجالات أخرى، امتدت لتناول علاقة الإنسان بالبيئة والكوارث والأزمات المعاصرة، محولةً إيّاها إلى مختبر للمستقبل.
يسعى هذا المقال إلى تقديم إجابات لسؤال: كيف تحوَّلت تمثلات الغابة في الرواية الإفريقية من فضاء أسطوري مقدس إلى بنية معرفية تعيد صياغة مفاهيم الهوية والمقاومة والعلاقة بالطبيعة وصراعات ما بعد الحداثة؟ بجانب توضيح الأبعاد السردية لهذه التحولات. وذلك من خلال منهج نقدي يجمع ما بين المنهج ما بعد الكولونيالي (لتفكيك خطاب المستعمر)، وكشف آليات التمثيل المضاد، والمنهج البيئي النقدي (لدراسة تمثلات الطبيعة والعلاقة الإنسانية البيئية في السياق الإفريقي).
يستعرض المقال ذلك من خلال المحاور الآتية:
المحور الأول: الغابة بين المخيال التقليدي والخطاب الاستعماري.
– الغابة في التصورات الكونية الإفريقية.
– من الغابة المقدسة إلى قلب الظلام.
– الغابة في «الأشياء تتداعى»: النظام داخل «الغابة الشريرة».
المحور الثاني: الغابة بوصفها فضاءً للمقاومة وإعادة تشكيل الذات.
– الغابة والذاكرة المُقاوِمة: تجربة الماو ماو.
– الغابة في «تشاكا»: الأسطورة والتاريخ والهوية.
– الغابة والمدينة: من الثنائية إلى التفاوض.
المحور الثالث: الغابة بوصفها مختبراً للمستقبل: التخييل البيئي وما بعد الكولونيالي.
– الغابة والواقعية السحرية في «الطريق الجائع».
– الغابة بوصفها معرفة بديلة.
– «رقصة الغابات»: استعادة الماضي أم مساءلته؟.
والخاتمة.
المحور الأول: الغابة بين المخيال التقليدي والخطاب الاستعماري:
1) الغابة في التصورات الكونية الإفريقية:
تحتل الغابة موقعاً مركزياً في الكوزمولوجيا[1] الإفريقية التقليدية، حيث تتجاوز وظيفتها المادية لتؤدي أدواراً روحية ومعرفية متعددة. ورغم أنه يصعب الحديث عن «تصور إفريقي» واحد للغابة؛ فالقارة تضم منظومات دينية ولغوية وثقافية متعددة، إلَّا أن ثمة حضوراً متكرراً للغابة بوصفها فضاءً تتقاطع فيه الحياة الإنسانية مع القوى غير المرئية.
ففي المجتمعات البانتوية، تُعتبر الغابة فضاءً مقدساً يضم المعابد الطبيعية، حيث تُقام الطقوس الروحية، ويُحظر الدخول إليها أو الصيد فيها دون خضوع مسبق لما يُعرف بطقوس التنشئة[2].
وفي تقاليد الغابات المقدسة لدى اليوربا، تصبح الأشجار والغابات مواضع للذاكرة والطقوس، ومجالات للمعرفة الطبية والروحية، ومواقع للاستهلال والعبور، وتُقدّم غابة (أوسون – أوشوغبو)[3] في جنوب نيجيريا مثالاً واضحاً على هذا التداخل، وقد اعتبرت اليونسكو الموقع تعبيراً عن استمرار تقليد الغابات المقدسة في الثقافة اليوربوية[4].
إذن فالغابة في هذا السياق ليست مجرد محمية طبيعية، بل هي فضاء مقدس تتداخل فيه الأسطورة والدين والفن والهوية المحلية، وبذلك يتأسس معنى الغابة على علاقة تبادلية بين المكان والجماعة؛ فالمكان يمنح المجتمع الذاكرة والهوية، والمجتمع يمنح المكان الحماية والمعنى.
هذه الرؤية تفسر حضور الغابة والأشجار في السرد الإفريقي باعتبارها أكثر من عناصر وصفية، فهي يمكن أن تصبح شخصيات رمزية، أو مخازن للذاكرة الجمعية، أو حدوداً بين العالمَين المرئي وغير المرئي. ومن هذه الزاوية، فإن استحضار الطبيعة في الرواية الإفريقية ليس بالضرورة عودة رومانسية إلى (الطبيعة البكر)، بل استعادة لعلاقة ثقافية وروحية أضعفها الاستعمار.
2) من الغابة المقدسة إلى «قلب الظلام»:
تُقدّم رواية (قلب الظلام)، للكاتب الروائي البولندي الأصل جوزيف كونراد (1857–1924م)، نموذجاً بالغ الدلالة لهذه الإشكالية في الخطاب الاستعماري الأوروبي، الذي يعيد إنتاج صورة (الآخر) الإفريقي بوصفه نقيضاً للحضارة كما تفهمها الذات الأوروبية الحديثة.
وتُعدّ «قلب الظلام»، التي نُشرت لأول مرة سنة 1899م، من أشهر أعمال كونراد القصيرة. وتروي رحلة البحّار مارلو عبر نهر الكونغو بحثاً عن (كورتز) الموظف الأوروبي وتاجر العاج الذي أقام شبه سلطة استبدادية مطلقة على السكان الأصليين، كاشفةً عن عنف الاستعمار البلجيكي واستغلاله، وعن التناقض بين خطاب «الحضارة» وممارسات «الإمبريالية»، مع تأملٍ في ظلام النفس البشرية أيضاً[5].
وفي هذه الرواية تظهر الغابة في وعي بطل الرواية مارلو، بوصفها عالماً غامضاً، عصيّاً على الفهم، ومتصلاً بصورة الإنسان (البدائي) و(إنسان ما قبل التاريخ)، وهكذا تتحول الغابة الإفريقية إلى بنية سردية تحمل معنى (المجهول)، وفضاءً يبتعد فيه الأوروبي عن عالمه المألوف، ويواجه ما يصوّره النص بوصفه أعماقاً مجهولة.
ورغم أن كونراد يكشف، في الوقت نفسه، عن عنف الاستعمار ووحشية حضارته، ويُقدّم نقداً عميقاً لبعض مظاهر الإمبريالية، فإن روايته تُقدّم للقارئ إفريقيا بوصفها (الآخر) المظلم، كما أن الإفريقي يظل في كثير من المواضع محروماً من الصوت السردي الذي يسمح له بأن يكون ذاتاً تاريخية كاملة. ولهذا جاءت قراءة أتشيبي لتضع الرواية داخل تاريخ أطول من التمثيل الأوروبي لإفريقيا بوصفها نقيضاً للحداثة[6].
والأهم أن كونراد لا يفصل دائماً بين الغابة وسكانها، إذ يصف الأفارقة الذين يظهرون على ضفاف النهر بلغة تستدعي (الإنسان البدائي) و(العصور الأولى)، الأمر الذي يجعل الاختلاف الثقافي يبدو وكأنه اختلاف في درجة التطور الإنساني.
وهكذا يمكننا القول إنّ الغابة في الرواية تعمل بوصفها (فضاءً زمنياً للماضي)؛ فهي ليست فقط مكاناً يقع خارج أوروبا، وإنما تبدو، في عين الراوي، عالماً خارج الزمن الحديث نفسه. وهذه الآلية هي التي تجعل تمثيل إفريقيا مرتبطاً بما سماه إدوارد سعيد لاحقاً (الآخرية) في الخطاب الاستعماري، ويعني بها إنتاج المكان والإنسان غير الأوروبي باعتبارهما نقيضاً للذات الأوروبية الحديثة[7].
ومن منظور ما بعد كولونيالي، يمكن القول إن الغابة في قلب الظلام لا تُكتشف فقط، وإنما يُعاد إنتاجها بشكل كامل من خلال السرد الروائي؛ أي أن (الغابة الإفريقية) التي يراها القارئ ما هي إلّا نتاج وجهة نظر أوروبية إلى المكان. وهذه نقطة جوهرية، لأن مقاومة التمثيل الاستعماري لا تتطلب فقط تغيير مضمون الحكاية، بل تغيير موقع النظر نفسه.
3) الغابة في «الأشياء تتداعى»: النظام داخل «الغابة الشريرة»:
يُعدّ الروائي النيجيري تشينوا أتشيبي (1930–2013م)، المنحدر من أصول شعب الإيغبو، من أبرز مؤسسي الأدب الإفريقي الحديث، وتُعدّ روايته الأولى (الأشياء تتداعى)، التي صدرت سنة 1958م، من أهم نصوص الأدب الإفريقي التي تكشف أثر وصول الإرساليات التبشيرية والسلطة الاستعمارية البريطانية في تفكك النظام التقليدي وتحولاته، عبر تناول سردي لحياة مجتمع الإيغبو في نيجيريا أواخر القرن التاسع عشر، من خلال شخصية «أوكونكوو». وقد كُتبت الرواية، جزئياً، ردّاً على التمثيلات الأوروبية التي شوّهت صورة إفريقيا والأفارقة، فأعادت تقديم مجتمع الإيغبو بوصفه مجتمعاً ذا تاريخ ومؤسسات ومعتقدات معقدة[8].
يُمثل أدب تشينوا أتشيبي خطوة حاسمة في إعادة بناء العلاقة بين المكان والهوية. ففي (الأشياء تتداعى) لا تظهر الغابة بوصفها فضاءً فارغاً ينتظر أن تمنحه أوروبا المعنى، بل تدخل في نظام اجتماعي وديني معقد لدى شعب الإيغبو.
وتكتسب «الغابة الشريرة» دلالة خاصة في الرواية؛ فهي المكان الذي يُترك فيه الموتى الذين لا يمكن إدماجهم في النظام الطقسي للمجتمع، كما تصبح ملجأً للمبشرين المسيحيين عندما يُمنحون قطعة من الأرض لا يرغب المجتمع في استخدامها. وقد بينت دراسات نقدية أن الغابة هنا لا تمثل مجرد (الفوضى)، وإنما تؤدي وظيفة قانونية ورمزية تكشف عن تصور إفريقي خاص للعنف والنظام[9].
ومن ثَمّ، يقلب أتشيبي المعادلة الاستعمارية: فالذي يبدو (بدائياً) من الخارج يقوم على نظام رمزي وأخلاقي، بينما يؤدي الاستعمار إلى تفكيك العلاقات القائمة بين الإنسان والمجتمع والأرض. ولهذا يمكن قراءة الرواية، إلى جانب بُعدها التاريخي والسياسي، من منظور إيكوكريتيكي[10] يربط أزمة المجتمع بأزمة علاقته بالمكان[11].
المحور الثاني: الغابة بوصفها فضاءً للمقاومة وإعادة تشكيل الذات:
1) الغابة والذاكرة المُقاوِمة: تجربة الماو ماو:
في الأدب الكيني المرتبط بتمثيل تجربة (ماو ماو)، تتحول الغابة من فضاء يُنظر إليه استعمارياً باعتباره هامشاً خارج النظام، إلى فضاء للمقاومة والتنظيم السياسي.
وقد احتلت الغابة موقعاً مركزياً في الذاكرة الأدبية للصراع الكيني، ولا سيما في الأعمال التي تستعيد تجربة المقاتلين والاعتقال والتعذيب والذكريات الاستعمارية؛ مثل أعمال نغوغي وا ثيونغو: (لا تبكِ أيها الطفل، 1964م)، و(حبة قمح، 1967م)، و(النهر بيننا، 1965م)، حيث ترتبط الغابة بمصادرة الأرض وبالتحولات التي طالت الأسرة والقرية والهوية[12].
وفي أعمال مثل (جثة لكلاب الصيد، 1974م) لميجا موانغي، و(محنة في الغابة، 1968م) لغودوين واشيرا، و(ديدان كيماثي: القصة الحقيقية، 1990م) لسام كاهيغا، تصبح الغابة مسرحاً مباشراً للقتال والمطاردة والصمود، كما تتحول إلى أرشيف يخلد المقاومين ويعيد كتابة تاريخهم[13].
وتتمثل أهمية الغابة في أنها تقاوم الرواية الاستعمارية التي قدّمت الماو ماو باعتبارهم قوة فوضوية أو إجرامية؛ فالغابة تكشف أن المقاومة نشأت من علاقة تاريخية بالأرض، وأن العنف لم يبدأ من المقاتلين وحدهم، بل سبقه اقتلاع الأرض والاستيطان والقمع. ومع ذلك، لا تجعل الروايات الغابة مكاناً مثالياً؛ فهي فضاء للخوف والانقسام والخيانة بقدر ما هي فضاء للحرية.
وعليه، فإن الغابة في سرديات الماو ماو ليست مجرد مكان يختبئ فيه المقاتلون، بل هي موقع تتقاطع فيه الأرض والهوية والتاريخ والبيئة والعنف الاستعماري، ومن خلالها يعيد الأدب الكيني بناء الذاكرة الوطنية. وهنا تتحول الغابة إلى أرشيف بديل، فهي لا تحفظ تاريخ الدولة كما تكتبه المؤسسات، وإنما تاريخ الجماعات التي خاضت الصراع خارج المؤسسات الاستعمارية، وبذلك تتجاوز وظيفتها الجغرافية لتصبح مكاناً لإعادة امتلاك التاريخ.
تشير بعض الدراسات التي تناولت أدب ماو ماو إلى أن الروايات التي تناولت الصراع لم تكن تسعى فقط إلى استعادة الماضي، بل إلى إعادة التفكير في المسؤولية السياسية والتاريخية التي حاولت بعض الخطابات الرسمية بعد الاستقلال تجاوزها[14].
2) الغابة في «تشاكا»: الأسطورة والتاريخ والهوية:
رواية (تشاكا) المنشورة سنة 1925م للكاتب توماس موفولو (1876–1948م)، من دولة ليسوتو، تُعدّ واحدة من أهم النصوص الأدبية في الجنوب الإفريقي المكتوبة بلغة إفريقية، وهي تُصوّر الجنوب الإفريقي قبل الاستعمار. ويُعدّ مؤلفها توماس موفولو من أوائل رواد الرواية الحديثة المكتوبة بلغة السيسوتو.
و«تشاكا» هي رواية تاريخية تتداخل فيها الأسطورة والتاريخ والجغرافيا في إعادة بناء شخصية ملك الزولو شاكا، من خلال تصوير رحلته من الصعود إلى السقوط، وتمزج بين الموروث الشفهي الباسوتي والتاريخ والخيال في بناء سرد لا ينفصل فيه الإنسان عن المجال الطبيعي الذي يتحرك داخله، كاشفةً أثر الطموح والسلطة والعنف في الفرد والمجتمع[15].
تُقدّم الرواية الغابة بوصفها فضاءً للمقاومة والتحول، لا بوصفها رمزاً ثابتاً يحيل إلى الحرية أو الوحشية فحسب، فعندما يهرب شاكا إلى الغابة، ينتقل إلى مجال يتيح له الانفصال المؤقت عن سلطة الجماعة وإعادة بناء ذاته، غير أن هذا المجال لا يحرره من العنف بقدر ما يكشف له منطقه ويعيد إنتاجه داخله[16].
وترتبط الغابة في الرواية بشبكة من الأمكنة الطبيعية، مثل الأنهار والينابيع والأشجار، وبقوى خفية تتجسد في العرافة والدواء والسحر؛ ولذلك لا ينفصل التحول النفسي والسياسي لشاكا عن المجال الطبيعي الذي يتحرك فيه[17].
كما أن المكان لا يبقى ثابتاً، إذ ينتقل من فضاء للعزلة والاحتماء إلى فضاء لتكوين القوة، ثم إلى جزء من جغرافيا الحرب والدمار. وبهذا يجعل موفولو الإنسان والطبيعة طرفين في شبكة واحدة، ويحوّل المجال الطبيعي إلى عنصر فاعل في إنتاج الطموح والعنف والتحول، لا إلى خلفية صامتة للأحداث[18].
وقد أظهرت قراءات حديثة لـ«تشاكا» أن الرواية نفسها تتيح تصوراً إيكولوجياً للعلاقات بين الإنسان والأرض، وأنها تقاوم في الوقت نفسه التصنيفات العنصرية التي حاولت السلطة الاستعمارية فرضها على المكان والسكان[19].
وهنا تتخذ الغابة وظيفة مزدوجة؛ فهي من ناحية تستعيد عالماً أسطورياً سابقاً على الدولة الاستعمارية، ومن ناحية أخرى تكشف عن أن المكان نفسه ليس ثابتاً، بل يتغير بفعل الحروب والهجرات وإعادة تشكيل السلطة.
3) الغابة والمدينة: من الثنائية إلى التفاوض:
كثيراً ما يُبنى السرد الإفريقي الحديث على التوتر بين الريف والمدينة، أو بين المكان التقليدي والمكان الحديث. لكن اختزال هذا التوتر في ثنائية (الغابة الخيّرة/المدينة الشريرة) سيكون تبسيطاً غير دقيق. فالمدينة في الأدب الإفريقي قد تكون فضاءً للتحرر والتعليم، كما يمكن أن تكون فضاءً للاغتراب والاستغلال؛ والغابة قد تكون موطناً للذاكرة والروح، لكنها قد تكون أيضاً مجالاً للخطر والعنف.
الأهم أن الأدب الإفريقي يعيد تشكيل هذه العلاقة بحيث تصبح الغابة والمدينة جزءاً من شبكة واحدة. ففي «أشياء تتداعى» يؤدي الاستعمار إلى إعادة تنظيم المكان اجتماعياً واقتصادياً؛ وفي أعمال لاحقة تتحول المدينة إلى فضاء تظهر فيه آثار تفكك العلاقة القديمة بالأرض. وبذلك يصبح السؤال ليس: أيهما أفضل، الغابة أم المدينة؟ وإنما: أي نوع من العلاقات بين الإنسان والمكان تنتجه كل منهما؟
المحور الثالث: الغابة بوصفها مختبراً للمستقبل: التخيُّل البيئي وما بعد الكولونيالي:
1) الغابة والواقعية السحرية في «الطريق الجائع»:
عُرف بن أوكري، وهو روائي وشاعر وكاتب مسرحي نيجيري من مواليد 1959م، بتوظيف الواقعية السحرية لتمثيل الاضطراب الاجتماعي والسياسي في نيجيريا.
وتروي روايته (الطريق الجائع)، الصادرة عام 1991م، الفائزة بجائزة بوكر 1991م، حكاية (أزارو)؛ الطفل ـ الروح abiku الذي يتنقل بين عالم الأحياء وعالم الأرواح، في فضاء يعكس الفقر والتحولات السياسية والواقع ما بعد الاستعماري[20].
تُقدّم الرواية نموذجاً بارزاً لتحول الغابة إلى فضاء تتداخل فيه المستويات الواقعية والروحية. فالطفل (أزارو) يتحرك بين عالم الأحياء وعالم الأرواح، ولا يعود الحد الفاصل بين الاثنين ثابتاً. وبهذا تتحدى الرواية التصور العقلاني الخطي الذي يفصل بين الواقع والخيال والمادي والروحي.
في إحدى تجارب أزارو الأولى، يرى الغابة ممتلئة بكائنات غير أرضية ذات أضواء حمراء ونيران خضراء وأشكال متفاوتة. ولا تُقدّم الرواية هذه الكائنات باعتبارها خروجاً استثنائياً عن الواقع، بل باعتبارها جزءاً من الحقل الإدراكي الخاص بأزارو. فعلى سبيل المثال، تمر المرأة العادية عبر المكان دون أن ترى شيئاً، بينما يدرك أزارو كثافته الروحية.
ولا تكتفي الرواية بعرض وظيفة الغابة فقط، ولا بالوقوف عند الجانب السحري، بل تمتد إلى المهددات التي تحف بها، فعنوان الرواية نفسه يطرق بقوة للفت الانتباه إلى مخاطر التمدن على البيئة، حيث يربط الطريق بالجوع والامتداد والابتلاع! فالطريق ليس مجرد وسيلة نقل، بل قوة تتوسع على حساب النهر والغابة والحيّ. وفي هذا المعنى، يعكس عنوان الرواية منطقاً تاريخياً واقتصادياً؛ طريق (جائع) يلتهم الأرض، ويحوّل المجال الطبيعي إلى مشروع للبناء والتجارة والسيطرة.
وهكذا تُصوّر الرواية التحولات التي تلحق البيئة نتيجة الطرق والمساكن وإزالة الغطاء النباتي. وتشير قراءات إيكوكريتيكية إلى أن تقلص الغابة يؤدي إلى نفي الأرواح والكائنات المرتبطة بها، بحيث يصبح تدمير البيئة تدميراً لنظام كامل من العلاقات[21].
وهنا تكمن أهمية الواقعية السحرية الإفريقية: فهي لا تستخدم البعد العجائبي للهروب من الواقع، وإنما لإعادة تعريف ما يُعدّ (واقعاً). فالروح والطبيعة والأسطورة والإنسان تدخل جميعاً في تركيب واحد، الأمر الذي يسمح للسرد بأن يتجاوز الثنائية بين الواقعي والخارق للطبيعة.
2) الغابة بوصفها معرفة بديلة:
تفرض الغابة في عدد من النصوص الإفريقية منطقاً سردياً لا يتوافق تماماً مع النموذج الغربي الخطي. ففي حين يقوم السرد الواقعي التقليدي على تسلسل سببي واضح، يسمح التخييل الإفريقي بعودة الأسلاف، وتجاور الأزمنة، وتداخل الحلم بالواقع، وامتزاج الإنسان بالكائنات الأخرى.
ولا يعني ذلك أن الأدب الإفريقي (غير عقلاني)، بل يعني أن الرواية تستثمر منظومات معرفية مختلفة لتوسيع مفهوم العقلانية نفسه. وفي هذا السياق، يصبح الخيال وسيلة لاستعادة علاقات معرفية همّشها الخطاب الاستعماري؛ معرفة النبات، وذاكرة المكان، وحضور الأسلاف، والحكاية الشفوية، والعلاقة الأخلاقية مع الكائنات غير البشرية.
ومن ثَمّ يمكن النظر إلى الغابة باعتبارها مختبراً معرفياً؛ فهي تكشف حدود النموذج الذي يفصل الإنسان عن الطبيعة، وتتيح بناء تصور للعالم يقوم على الترابط بدلاً من الانفصال. وهذا هو أحد أهم التقاطعات بين النقد ما بعد الكولونيالي والنقد البيئي؛ فكلاهما يسائل علاقات الهيمنة التي تجعل بعض الأصوات والأماكن والكائنات أقل قيمة من غيرها.
3) «رقصة الغابات»: استعادة الماضي أم مساءلته؟
مسرحية (رقصة الغابات) للأديب النيجيري الشاعر وولي سوينكا (مواليد 1934م)، الحائز على جائزة نوبل في الأدب سنة 1986م، تمثل حالة مهمة، رغم خروجها عن جنس الرواية.
وتستدعي المسرحية، التي كُتبت بمناسبة استقلال نيجيريا سنة 1960م، أرواح الموتى والغابة بوصفها فضاءً تتواجه فيه الذاكرة والتاريخ والحاضر[22].
تُجسّد المسرحية اجتماع القبائل في الغابة لاستدعاء أسلاف عظام يرمزون إلى مجد الأمة، لكن رأس الغابة يرسل بدلاً منهم روحَي مَيِّتَيْن مضطربَيْن، هما الرجل الميت والمرأة الميتة، لكي يكشفا الجرائم والعنف المكبوتَيْن في الماضي.
ومن ثَمّ تصبح الغابة فضاءً مسرحياً-طقوسياً تتجاور فيه عوالم الأحياء والموتى والآلهة والطبيعة، ويتحول الاحتفال إلى محاكمة جماعية للماضي والحاضر، لا إلى استعادة رومانسية لماضٍ بطولي.
غير أن سوينكا لا يُقدّم الماضي الإفريقي بوصفه (عصراً ذهبياً) ينبغي استعادته. فالغابة تكشف، بدلاً من ذلك، عن عنف الماضي وأخطائه، وتضع المجتمع الجديد أمام مسؤولية عدم تكرارها. وتستدعي المسرحية (رأس الغابة) والأرواح والأسلاف لكي تجعل الماضي حاضراً في لحظة الاستقلال، لا من أجل تمجيده وإنما من أجل مساءلته[23].
وبذلك تضيف «رقصة الغابات» بُعداً مهماً إلى تمثيلات الغابة: إنها ليست فقط فضاء المقاومة ضد المستعمر، ولا مجرد موطن للأسلاف، وإنما فضاء نقد ذاتي تستطيع الجماعة من خلاله أن تُخضع تاريخها الخاص للمساءلة والمحاكمة.
خاتمة:
تكشف قراءة الغابة في عدد من النصوص الإفريقية عن مسار دلالي يتجاوز الصورة المكانية البسيطة. ففي المخيال التقليدي تظهر الغابة، في بعض السياقات، بوصفها (فضاءً مقدساً) تتداخل فيه الحياة الإنسانية مع الأسلاف والقوى الروحية والمعرفة البيئية. وفي الخطاب الاستعماري تتحول إلى (فضاء للآخر) وإلى استعارة للمجهول والبدائية، على النحو الذي تجلى بصورة نموذجية في رواية «قلب الظلام».
أما الرواية الإفريقية المضادة للاستعمار، فقد أعادت امتلاك الغابة من خلال إدخالها في شبكة الذاكرة والتاريخ والهوية، كما عند أتشيبي وموفولو وفي أدب ماو ماو.
ومع تطور الأدب الإفريقي، لم تعد الغابة مجرد رمز للماضي؛ فقد أصبحت فضاءً لمقاومة الاستعمار، ومختبراً لإعادة بناء الذات، ثم تحولت في الأدب المعاصر إلى مؤشر على الأزمة البيئية التي فرضتها الحداثة الاستهلاكية والاستخراجية. وفي الطريق الجائع يتداخل تدمير الغابة مع اضطراب الحدود بين عالم البشر والأرواح.
وعليه، فإن التحول الأهم في تمثيل الغابة يتمثل في الانتقال من الغابة بوصفها موضوعاً للنظر إلى الغابة بوصفها ذاتاً منتجة للمعرفة. فلم تعد الغابة مكاناً يصفه الراوي من الخارج، بل أصبحت قوة تؤثر في الشخصيات وفي بنية السرد وفي مفهوم الزمن والذاكرة. وهذا ما يجعلها نقطة التقاء بين النقد ما بعد الكولونيالي والنقد البيئي؛ فكلاهما يكشف أن السيطرة على المكان كانت جزءاً من السيطرة على الإنسان، وأن استعادة المكان يمكن أن تكون شكلاً من أشكال استعادة الذات.
ومن هذه الزاوية، لا تستعيد الرواية الإفريقية الغابة لمجرد الحنين إلى الماضي، بل تستخدمها لإعادة طرح سؤال المستقبل؛ كيف يمكن بناء علاقة مختلفة بين الإنسان والأرض، وبين الحداثة والذاكرة، وبين التنمية والبيئة؟ إن الغابة، في هذا المعنى، تتحول من (قلب مظلم) في المخيال الاستعماري إلى مختبر سردي للهوية والذاكرة والبيئة والمستقبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع والهوامش:
[1] علم الكونيات Cosmology: هو فرع من علوم الفضاء يختص بـدراسة الكون ككل من حيث نشأته، وتطوره، وبنيته، ومصيره النهائي. وفي إطار العلوم الإنسانية الكوزمولوجيا هي دراسة الكيفية التي تفهم بها الثقافات والمجتمعات البشرية الكون وتفسر بها أصل الوجود ومكانة الإنسان فيه. وعلى عكس النظرة الغربية الحديثة التي تفصل غالباً بين العلم والدين والمادة والروح، فإن الكوزمولوجيا الإفريقية تنظر إلى الكون كـكلٍّ متكامل ومترابط لا ينفصل فيه المادي عن الروحي.
[2] تُعتبر طقوس التنشئة والعبور Rites of Passage الركيزة الأساسية لبناء الهوية الاجتماعية والفردية في الثقافات الإفريقية التقليدية، وهي عبارة عن احتفالات طقسية تتم في مرحلة عمرية وتربوية لتعبّر عن تحول الفرد من رتبة اجتماعية إلى أخرى، وتضمن نقل الحكمة التراثية واستمرار المجتمع.
[3] تُعتبر غابة «أوسون أوسوغبو» إحدى آخر مناطق الغابات البدائية الكثيفة المتبقية، وفي معتقدات شعب اليوربا هي منزل أوسون إله الخصوبة والماء والحياة.
[4] UNESCO. (n.d.). Osun-Osogbo Sacred Grove. UNESCO World Heritage Centre.
[5] Conrad, J. (1995). Heart of darkness; with, The Congo diary (R. Hampson, Ed.). Penguin Books. (Original work published 1899).
[6] Achebe, C. (1988). An image of Africa: Racism in Conrad’s Heart of Darkness. In Hopes and impediments: Selected essays (pp. 1–20). Heinemann. (Original work published 1975).
[7] Said, E. W. (1978). Orientalism. Pantheon Books.
[8] Achebe, C. (1958). Things fall apart. William Heinemann.
[9] Edoro-Glines, A. (2018). Achebe’s Evil Forest: Space, violence, and order in Things Fall Apart. Cambridge Journal of Postcolonial Literary Inquiry.
[10] مصطلح إيكوكريتيك: هو تعريب صوتي لـ Ecocriticism الذي يترجم إلى العربية بـ (النقد البيئي)، أو (النقد الكوني) أو (النقد الأخضر).
[11] Wu, C. C. (2016). Towards an ecocriticism in Africa: Literary aesthetics in African environmental literature. In F. F. Moolla (Ed.), Natures of Africa: Ecocriticism and animal studies in contemporary cultural forms (pp. 141–165). Wits University Press.
[12] انظر على سبيل المثال: المواضع التي تتصل فيها الغابة والأرض والذاكرة الجماعية في:
Ngũgĩ wa Thiong’o, Weep Not, Child (London: Heinemann Educational, 1964), xx; The River Between (London: Heinemann Educational, 1965), xx–xx; A Grain of Wheat (London: Heinemann Educational, 1967), xx–xx.
[13] انظر:
Meja Mwangi, Carcase for Hounds (London: Heinemann Educational, 1974); Godwin Wachira, Ordeal in the Forest (Nairobi: East African Publishing House, 1968; Samuel Kahiga, Dedan Kimathi: The Real Story (Nairobi: Longman Kenya, 1990).
[14] Coundouriotis, E. (2014). The people’s right to the novel: War fiction in the postcolony. Fordham University Press. https://doi.org/10.5422/fordham/9780823262335.001.0001
[15] Mofolo, T. (1971). Chaka (D. P. Kunene, Trans.). Heinemann. (Original work published 1925).
[16] See above: (Mofolo, T. 1971), 34–35.
[17] See above: (Mofolo, T. 1971), 8, 14, 25–29, 34–35.
[18] Sides, K. B. (2018). Narratives of modernity: Creolization and early postcolonial style in Thomas Mofolo’s Chaka. Cambridge Journal of Postcolonial Literary Inquiry, 5(2), 158–175.
[19] See again: Sides, K. B. (2018).
[20] Okri, B. (1991). The famished road. Jonathan Cape.
[21] Ben Okri, The Famished Road (London: Jonathan Cape, 1991); Mariaconcetta Costantini, “Hunger and Food Metaphors in Ben Okri’s The Famished Road,” in The Famished Road: Ben Okri’s Imaginary Homelands, ed. Vanessa Guignery (Newcastle-upon-Tyne: Cambridge Scholars Publishing, 2013), 92–108.
[22] Soyinka, W. (1961). A Dance of the Forests. Oxford University Press.
[23] Jeyifo, B. (1997). Wole Soyinka: Politics, poetics and postcolonialism. Cambridge University Press.










































