بقلم: موديست كوامي
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET هي برنامج مموّل من وزارة الخارجية الأمريكية، وتهدف رسالته إلى تقديم معلومات موضوعية عن الأمن الغذائي.
– في 1 يوليو 2026م، أكّدت نشرة المخاطر المناخية لـ FEWS NET سيطرة ظاهرة النينيو على المناخ الإفريقي.
– تُعرّف النينيو بأنها احترار غير اعتيادي لسطح مياه وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، يخلّ بنظام تيارات الهواء ويصيب أنماط الأمطار ودرجات الحرارة بالاضطراب عالمياً.
– بينما تستعد المغرب لموجة حر تتجاوز 35°C، يعلن جنوب السودان عن حالة جفاف، وغرب إفريقيا يتأرجح بين فيضانات وجفاف.
– خريطة FEWS NET (1 يوليو) تُظهر شروخاً مناخية حادة: دخول النينيو جمع في أسبوع واحد جفافاً ممتداً، فيضانات مميتة وموجات حر قياسية، ما يعيد القارة إلى أزمة مناخية ذات تأثيرات متفاوتة.
– النشرة تعتمد على مصادر علمية وتشغيلية متعددة: مكاتب الشبكة، مركز التنبؤ المناخي NOAA هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وزارة الزراعة الأمريكية، ناسا، وشبكات وطنية وإقليمية.
– ترجم التقرير الأرقام المناخية إلى خسائر ملموسة، ومنها فيضانات في أكرا وما حولها أودت بما لا يقل عن 13 قتيلاً، وغمرت منازل ومزارع وطرقاً وبنى تحتية، وامتدت الأضرار شريطياً من سيراليون إلى نيجيريا (ساحل العاج، توغو، بنين).
– تحليل هطول الأمطار خلال 30 يوماً يكشف مفارقة: سيول على الساحل الغاني مقابل جفاف في سيراليون وليبيريا، مع قيم SPI سلبية في غرب سيراليون وغرب غينيا وليبيريا، دالّة على نمط أمطار موسمي غير اعتيادي.
– تُعدّ هذه المؤشرات نذيراً باضطرابات اقتصادية وزراعية مقبلة، مما يجعل نشرة الإنذار المبكر بمثابة خريطة طريق، ترسم ملامح أزمات الغد وتحدد احتياجات اليوم.
* * *
في الأول من يوليو 2026م، كشفت نشرة المخاطر المناخية الصادرة عن «شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة» FEWS NET عن سيطرة ظاهرة النينيو على المشهد المناخي الإفريقي، في مشهد رسمته خرائط المخاطر بألوان التهديدات المتعددة: المغرب تحت حالة تأهب قصوى لموجة حرّ قاسية، وجنوب السودان يدخل رسمياً في دائرة الجفاف، وغانا تسجّل 13 وفاة في العاصمة أكرا جراء فيضانات عارمة. ثلاثة أوجه لأزمة واحدة، وثلاث حالات طوارئ تفضح هشاشة النظم الغذائية في ربوع القارة السمراء.
فبينما تستعد المغرب لموجة حرّ لافحة تتجاوز فيها الحرارة 35 درجة مئوية، على بُعد آلاف الكيلومترات، يعلن جنوب السودان حالة الجفاف، في وقتٍ تتأرجح فيه غرب إفريقيا بين الغرق والعطش. في كل بقعة، تتكرر ذات الظاهرة المناخية «النينيو» ويظل السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن تأمين الغذاء لسكان يعيشون تحت سماء تلفحها النيران تارةً وتغرقها السيول تارةً أخرى؟
تُعرَّف ظاهرة النينيو بأنها احترار غير معتاد للمياه السطحية في وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، يؤدي إلى اضطراب التيارات الهوائية وإحداث خلل واسع في أنماط الأمطار ودرجات الحرارة على المستوى العالمي.
وفي هذا السياق، يقدّم تقرير شبكة FEWS NET الصادر في الأول من يوليو خريطة إفريقية تتقاطع فيها شروخ مناخية عنيفة، حيث تكشف النينيو، التي دخلت حيز التنفيذ رسمياً، عن سلسلة من الصدمات تجمع، في أسبوع واحد، بين جفاف ممتد، وفيضانات مميتة، وموجات حر غير مسبوقة، لتجد القارة نفسها مجدداً في صدارة مواجهة اضطراب مناخي لا يسلم منه إقليم، لكنه يضرب بعضها بضراوة تفوق الأخرى.
وقبل الغوص في تحليل هذه المعطيات، لا بد من الإشارة إلى أن «شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة» هي برنامج تموله وزارة الخارجية الأمريكية، وتتمثل رسالته في «تقديم معلومات موضوعية حول أوضاع الأمن الغذائي».
وما يميز هذه النشرة، بعيداً عن كونها مجرد تحديث جوي، هو أنها تحشد طيفاً واسعاً من الخبرات، تشمل المكاتب الميدانية والمركزية للشبكة، ومركز التنبؤ المناخي التابع للإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA، وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، ووزارة الزراعة الأمريكية، ووكالة ناسا، بالإضافة إلى شبكة من المنظمات الوطنية والإقليمية في الدول المعنية، مما يمنحها مصداقية علمية وتشغيلية فائقة.
مخاطر المناخ في إفريقيا من 2 إلى 8 يوليو 2026م:


مصدر: شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة؛ وزارة الزراعة الأمريكية؛ الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي، هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، وزارة الزراعة الأمريكية، وكالة ناسا.
تُشير الوثيقة بوضوح إلى أن الآراء الواردة فيها لا تعكس بالضرورة مواقف وزارة الخارجية الأمريكية أو الحكومة الفيدرالية، وهو ما يمنحها استقلالية علمية بالغة الأهمية، خاصةً حين تحمل تشخيصاتها تداعيات سياسية واقتصادية فورية.
في خليج غينيا، وتحديداً في أبيدجان، تغرق الشوارع تحت وطأة أمطار غزيرة ألحقت أضراراً جسيمة بالبنية التحتية العامة. وتُحذّر شبكة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET من توقعات بمزيد من الهطولات الغزيرة، مما يعمّق المخاوف من تداعيات إضافية.
المغرب: موجة حرّ مبكرة تُنذر بخلل مناخي:
لم يكن إدراج المملكة المغربية في تقرير يُعنى بالأمن الغذائي أمراً هيناً. فقد جاء في النشرة التحذيرية: «ستشهد بعض مناطق المغرب، خلال الفترة المتوقعة، موجات حرّ غير معتادة، مع ارتفاع درجات الحرارة لتتجاوز 35 درجة مئوية، في معدلات تفوق بكثير المألوف». وتترجم هذه المعطيات على المستوى الزراعي إلى إجهاد حراري ملموس يطاول محاصيل الربيع التي لا تزال في الحقول، وزيادة في معدلات النتح تؤدي إلى جفاف التربة التي أنهكتها أصلاً تقلبات الأمطار، فضلاً عن تضاعف الضغوط على الموارد المائية المخصصة للري والثروة الحيوانية.
وبالنسبة لبلد جعل من تعزيز صمود قطاعه الزراعي أولوية إستراتيجية، تأتي هذه الموجة المبكرة كتذكير صارخ بمواطن الضعف الكامنة. ورغم أن التقرير لم يحدّد درجات الحرارة المتوقعة بأرقام دقيقة؛ فإن إدراج المغرب إلى جانب مناطق اعتادت موجات الحرّ الشديد، كالسودان وشرق جمهورية إفريقيا الوسطى، يشير إلى أن شدة الموجة المرتقبة غير مألوفة حتى في مناخ البحر الأبيض المتوسط المعروف بصيفه الحار. وهذا مؤشر يستدعي المتابعة الحثيثة، إذ إن موجات الحرّ أثناء مراحل تكوين حبوب المحاصيل الحقلية أو إثمار الأشجار قد تُحدث خسائر لا تُعوّض في الإنتاج.
وفي الجهة الجنوبية الشرقية، يرسم التقرير صورة مختلفة لإفريقيا، بالاستناد إلى معطيات جمعتها شبكة FEWS NET بالتعاون مع الإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي NOAA ووكالة ناسا.
وتبرز جنوب السودان كحالة تستوقف الانتباه، حيث يؤكد التقرير أن «النقص الممتد في الأمطار، الذي يستمر ثمانية أسابيع على الأقل، أوقع أجزاءً من جنوب البلاد في ظروف جفاف قاسية». وخلف هذا الرقم تكمن أزمة رعوية وزراعية كبرى، إذ يُشكّل الرعي المتنقل والزراعة المعتمدة على الأمطار شريان الحياة في تلك المناطق، ما يجعل ثمانية أسابيع من انحباس المطر تعني تلاشي المراعي، ونضوب الآبار، وانهيار آمال الموسم الزراعي المقبل.
ولا تقتصر رقعة الجفاف على جنوب السودان، بل تمتد بحسب الوثيقة إلى «أجزاء من وسط وجنوب غرب وشمال غرب إثيوبيا، وشرق جمهورية إفريقيا الوسطى، وأوغندا، وغرب كينيا، ووسط وشمال شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية». وتؤكد صور الاستشعار عن بعد، التي تم تحويلها إلى مؤشرات نباتية، تدهور الغطاء النباتي في شمال ووسط الصومال وشمال إثيوبيا، لتقدّم دليلاً بصرياً على أن الجفاف الاستثنائي قد أثر فعلياً على الكتلة الحيوية المتاحة.
غير أن إثيوبيا تُجسّد، في الوقت نفسه، الطبيعة المتقلبة لهذه النينيو. فالتقرير يشير إلى أن «الأمطار الغزيرة التي هطلت الأسبوع الماضي، والمستمرة هذا الأسبوع، تُحدث جرياناً سطحياً كثيفاً وتُنذر بفيضانات مفاجئة في أجزاء من غرب البلاد». وهكذا، وعلى بعد بضع مئات من الكيلومترات، يتحول المشهد من عجز مائي حاد إلى فيضانات مدمرة، قد تنجم عنها انهيارات أرضية وتدمير للمزروعات. وهذه ظاهرة كلاسيكية لكنها متفاقمة: فالتربة التي تصلبت بفعل الجفاف المبكر لم تعد قادرة على امتصاص الأمطار الغزيرة المفاجئة، مما يولّد سيولاً جارفة تحمل كل شيء في طريقها. وتحذير «الفيضان المفاجئ» ليس مجرد تنبؤ جوي، بل نذير بكارثة وشيكة للمجتمعات السكنية في الوديان.
ويتفاقم المشهد مع ارتفاع درجات الحرارة، حيث ستشهد مناطق واسعة تشمل شرق إفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وشمال شرق الكونغو الديمقراطية، وأوغندا، وغرب كينيا، والسودان، وغرب ووسط إثيوبيا، درجات حرارة قصوى تتراوح بين 2 و8 درجات مئوية فوق المعدلات الطبيعية. وهذه الحرارة المقترنة بالجفاف تُشكّل عامل مضاعفة للمخاطر، إذ تُسرّع جفاف التربة، وتزيد احتياجات المحاصيل والثروة الحيوانية المتبقية من المياه، كما قد تتسبب في ضربات شمس مميتة بين الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال والنازحين.
وفي جنوب السودان، يضيف استمرار فيضان الأهوار طبقة إضافية من التعقيد، حيث تتداخل الأراضي المغمورة بالمياه مع أراضٍ متصدعة من الجفاف، مما يجعل العمليات الإنسانية والتخطيط الزراعي مهمة شبه مستحيلة في آنٍ واحد.
غرب إفريقيا: الفيضانات والعطش في نفس الشريط الساحلي:
على نقيض ما يحدث في مناطق أخرى من القارة، يواجه ساحل خليج غينيا وضعاً مناخياً معاكساً تماماً لا يقل خطورةً. فقد قدّم تقرير شبكة أنظمة الإنذار المبكر بالمجاعة FEWS NET حصيلة بشرية تُحوّل الأرقام المناخية إلى مأساة ملموسة، حيث أفادت تقارير متعددة عن فيضانات عارمة اجتاحت العاصمة الغانية أكرا والمناطق المجاورة لها، مُخلّفةً 13 قتيلاً على الأقل، إلى جانب غمر المنازل والأراضي الزراعية والطرق والبنية التحتية الحيوية.
ولم تقتصر التداعيات على غانا، بل امتدت لتشمل شريطاً ساحلياً واسعاً من سيراليون إلى نيجيريا، مروراً بساحل العاج وتوغو وبنين. ويعزو المحللون هذه الكارثة إلى مزيج من التغطية الحضرية الكثيفة التي تعيق التسرب الطبيعي للمياه، وشبكات الصرف غير الكافية في كثير من المدن، مما يحوّل الأمطار الغزيرة إلى سيول جارفة تحمل معها خسائر بشرية ومادية جسيمة.
غير أن تحليل خرائط شذوذ هطول الأمطار على مدى 30 يوماً يكشف عن مفارقة صارخة: فبينما تغمر السيول الساحل الغاني، تعاني كلٌّ من سيراليون وليبيريا من جفاف غير طبيعي، حيث كانت الأمطار منذ بداية الموسم دون المستوى المطلوب. وقد سجّلت مؤشرات هطول الأمطار المعياري SPI قيماً سلبية في غرب سيراليون وغرب غينيا وليبيريا، في مشهد يعكس سلوكاً مكانياً غير مألوف للرياح الموسمية في غرب إفريقيا. وبالنسبة لخبراء الأرصاد الزراعية، يُشكّل هذا النمط إشكالية معقدة: فالمزارعون في ليبيريا وسيراليون يواجهون بداية موسم هاطل ضعيفة للغاية، مما أدى إلى تأخير الزراعة وتقليص آفاق الحصاد، بينما يُعاني نظراؤهم في ساحل العاج وغانا من تدمير حقولهم جراء الفيضانات.
وتتوقع الوثيقة أن يستمر هطول الأمطار بمعدلات «أعلى من المتوسط» على طول ساحل خليج غينيا، وكذلك في أجزاء من غينيا وغرب سيراليون، مما يعني أن المناطق التي تضررت أصلاً من الفيضانات ستتلقى المزيد من الأمطار، في حين أن المناطق التي تعاني من العجز المطري لن تتمكن من تعويض هذا العجز. ويُشكّل هذا الانفصال المناخي ضغطاً مضاعفاً على النظم الغذائية الإقليمية، إذ يتطلب إدارة متزامنة لعمليات الإغاثة العاجلة للسكان المتضررين من الفيضانات، وشبكات أمان للعائلات الزراعية التي تواجه تراجعاً في الإنتاج، وذلك في مساحة جغرافية محدودة.
وبعيداً عن الظواهر المناخية ذاتها، تكمن القيمة المضافة لتقرير شبكة FEWS NET في منهجيته التي تعتمد على تكامل بيانات المناخ والأرصاد، مستندةً إلى توقعات قصيرة ومتوسطة المدى (تصل إلى أسبوع واحد)، وتوقعات شبه موسمية تمتد من أسبوعين إلى أربعة أسابيع، بالإضافة إلى التوقعات الشهرية والموسمية. وتستند خرائط المخاطر إلى هذه المعطيات، في سلسلة نمذجة تحشد وكالات مرموقة مثل هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية ووكالة ناسا، عبر وزارة الخارجية الأمريكية، مما يتيح تشخيصاً مبكراً للتهديدات.
ويُشكّل وجود ظاهرة النينيو، التي أُشير إليها في مستهل التقرير، خلفية تفسيرية لهذه التغيرات، ويوفر فرصة ذهبية لتفعيل آليات التدخل الاستباقي قبل أن تتلف المحاصيل أو تقع الفيضانات القاتلة. فتراكب خرائط درجات الحرارة وهطول الأمطار والغطاء النباتي، كما ورد في أشكال الوثيقة، يُظهر بوضوح دولاً تعاني من تداخل الأزمات: جنوب السودان يواجه مزيجاً من الجفاف الرسمي والفيضانات المحلية وموجات الحرّ القاسية، وغانا تتحمل عبء الخسائر البشرية الفادحة، وإثيوبيا تُجسّد التفاوت المائي الهائل بين مناطقها، بينما يُذكّرنا المغرب، الذي يخضع الآن لتدقيق الشبكة بسبب موجات الحرّ، بأن شمال إفريقيا ليس بمنأى عن تداعيات ارتفاع حرارة المحيط الهادئ.
بالنسبة لصنّاع القرار الاقتصادي، تُعدّ هذه المؤشرات جميعها نذيراً باضطرابات مقبلة في أسواق الحبوب، وحاجات استيرادية متزايدة، وتحديات في توافر اليد العاملة الزراعية، واستقرار مناطق الإنتاج. فالجفاف في جنوب السودان أو تضرر محصول الخضروات المغربي بسبب الحرارة لا يبقى محصوراً داخل الحدود، بل يمتد تأثيره لخلخلة التوازنات الإقليمية. ومن ثمَّ، فإن ما ورد في نشرة شبكة FEWS NET ليس مجرد سجلات مناخية عابرة، بل هو خريطة طريق، بدقة علمية متعاظمة، ترسم ملامح أزمات الغد وتحدد الاحتياجات الإنسانية الملحّة اليوم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/societe/chaleur-extreme-inondations-meurtrieres-secheresse-severe-el-nino-aggrave-la-precarite-de_OGHGGCLW4NFDTFGL4R3PJWMKTU/










































