أغلقت المحكمة العليا في تشاد، آخر أبواب الطعن أمام رئيس الوزراء السابق وزعيم المعارضة سوكسيه ماسرا؛ بعدما رفضت طلب النقض المقدم من فريق دفاعه، لتصبح العقوبة الصادرة بحقه بالسجن 20 عامًا نهائية وواجبة التنفيذ، في واحدة من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
ويأتي القرار الصادر، أمس الخميس، في وقت تشهد فيه تشاد حالة من الاستقطاب السياسي الحاد، وسط اتهامات من المعارضة ومنظمات حقوقية بأن القضية ذات دوافع سياسية، بينما تؤكد السلطات أن المحاكمة تتعلق بجرائم خطيرة مرتبطة بالعنف الأهلي والتحريض على الكراهية.
يرصد التقرير أبرز المحطات في المسار السياسي لزعيم المعارضة التشادية سوكسيه ماسرا، منذ ظهوره كأحد أبرز الأصوات المطالبة بالتغيير في تشاد، مرورًا بصعوده السريع في المشهد السياسي، وقيادته لحزب “المحوّلون”، ثم دخوله الحكومة الانتقالية وتوليه رئاسة الوزراء، وصولاً إلى اعتقاله ومحاكمته والحكم النهائي بسجنه 20 عامًا.
قضية سوكسيه ماسرا
إنهاء مسارات التقاضي
وصدر قرار المحكمة العليا في العاصمة نجامينا قرابة الساعة الرابعة مساءً بالتوقيت المحلي، بعد جلسات استئناف جرت وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة.
ورفض القضاة الطعن الذي تقدم به محامو ماسرا ضد الحكم الصادر في أغسطس 2025، والذي أدانه بتهم “نشر رسائل ذات طابع عنصري وكاره للأجانب”، و”تكوين جمعية إجرامية”، إضافة إلى “التواطؤ في القتل”.
وبذلك، لم يعد أمام رئيس الوزراء السابق سوكسيه ماسرا سوى اللجوء إلى الهيئات القضائية الإقليمية أو الدولية، بعد استنفاد جميع درجات التقاضي داخل تشاد.
وقال فرانسيس كادجيليمباي، منسق فريق الدفاع عن سوكسيه ماسرا، إن المحكمة “رفضت الطعن رغم قبوله من الناحية الشكلية”، مضيفًا أن هيئة الدفاع ستحدد “الخطوات المقبلة في الوقت المناسب”.
محاكمة سوكسيه ماسرا
وشهد محيط المحكمة العليا انتشارًا كثفًا لقوات الأمن والحرس البدوي والدرك الوطني وقوات مكافحة الشغب، حيث أُغلقت الطرق المؤدية إلى المبنى، رغم أن الجلسة كانت علنية من الناحية القانونية.
كما مُنع الصحفيون وممثلو منظمات حقوق الإنسان من حضور الجلسات، واقتصر الدخول على هيئة القضاة ومحامي الدفاع وممثلي الدولة والنيابة العامة.
وأثار هذا التشديد الأمني انتقادات من متابعين للشأن الحقوقي والسياسي، خاصة مع غياب الشفافية حول مجريات المحاكمة.
ومن أبرز ما أثار الجدل أيضًا غياب ماسرا نفسه عن جلسة الاستئناف، من دون تقديم تفسير رسمي من محاميه أو المقربين منه، ما فتح الباب أمام تكهنات واسعة داخل الأوساط السياسية وأنصاره.

قضية “مانداكاو”
ترتبط القضية بأحداث العنف التي شهدتها منطقة مانداكاو جنوب تشاد، والتي أسفرت عن مقتل 42 شخصًا خلال مواجهات بين مزارعين ورعاة.
وتتهم السلطات سوكسيه ماسرا بأنه نشر عام 2023 رسائل ومقاطع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت –بحسب الادعاء– في تأجيج التوترات المجتمعية التي انفجرت لاحقًا في مواجهات دامية.
كما وجهت إليه تهم التحريض على الكراهية، والتواطؤ في القتل، وتشكيل جماعات مسلحة، بعد تداول تسجيل صوتي بلغة “نغامباي”، وهي اللغة الأم لماسرا، قالت الحكومة إنه يتضمن دعوات مباشرة لاستهداف رعاة من قومية الفولاني.
وخلال مؤتمر صحفي سابق، أكد وزراء في الحكومة أن التسجيل يمثل “دليلاً واضحًا” على تورط زعيم المعارضة في التحريض على العنف الأهلي.

توظيف سياسي
في المقابل، يؤكد محامو سوكسيه ماسرا أن التسجيل الصوتي يعود إلى عام 2023، عندما كان موكلهم يعيش في المنفى، وأنه كان يدعو السكان المحليين إلى “الدفاع عن أنفسهم” ضد هجمات مسلحة، وليس إلى شن هجمات عرقية.
وأشار الدفاع إلى أن الدعوات إلى “الدفاع الذاتي” ليست جديدة في تشاد، في ظل تصاعد النزاعات الأهلية وضعف الأمن وانتشار السلاح في بعض المناطق.
كما اتهم فريق الدفاع السلطات بتسريب “أدلة غير موثقة” إلى وسائل إعلام موالية للحكومة خلال سير التحقيقات، معتبرًا أن ذلك يمثل خرقًا واضحًا للإجراءات القانونية ولقرينة البراءة.
ويرى كثير من أنصار المعارضة أن القضاء التشادي بات يُستخدم أداة لتصفية الخصوم السياسيين، خاصة أن ملاحقة رئيس وزراء سابق بهذه الطريقة تبقى خطوة نادرة في تاريخ البلاد.
من هو سوكسيه ماسرا
برز سوكسيه ماسرا، البالغ من العمر 41 عامًا، خلال السنوات الأخيرة كأحد أهم الوجوه السياسية المعارضة في تشاد.
ويحمل الرجل شهادة الدكتوراه في الاقتصاد، وعمل سابقًا في بنك التنمية الإفريقي قبل أن يستقيل للتفرغ للعمل السياسي.
ومنذ دخوله الساحة السياسية عام 2018، استطاع زعيم حزب “المحوّلون” بناء قاعدة شعبية واسعة، خاصة بين الشباب وخريجي الجامعات العاطلين عن العمل، الذين رأوا في خطابه الإصلاحي تعبيرًا عن تطلعاتهم للتغيير.
ويرى مراقبون أن ماسرا نجح سريعًا في إرباك المشهد السياسي التقليدي في تشاد، عبر تقديم نفسه كبديل للعائلات العسكرية والسياسية التي حكمت البلاد لعقود، وعلى رأسها عائلة ديبي.
ازدادت شعبية ماسرا بشكل واضح بعد وفاة الرئيس إدريس ديبي عام 2021، الذي حكم البلاد منذ عام 1990.
وبعد مقتله في جبهة القتال، تولى ابنه محمد إدريس ديبي السلطة، وشكل مجلسًا عسكريًا انتقاليًا قاد البلاد خلال مرحلة انتقالية استمرت ثلاث سنوات.
ورفض ماسرا منذ البداية شكل المرحلة الانتقالية، واعتبرها محاولة لإدامة حكم عائلة ديبي وحزب “الحركة الوطنية للإنقاذ”.
كما قاطع مع قوى معارضة ومنظمات مجتمع مدني الحوار الوطني، معتبرًا أنه “حوار شكلي” يهدف إلى شرعنة استمرار النظام القائم.

احتجاجات 2022 والمنفى السياسي
وكانت أبرز محطات المواجهة بين السلطة والمعارضة في 20 أكتوبر 2022، عندما دعا ماسرا إلى احتجاجات ضد تمديد المرحلة الانتقالية.
وقُمعت تلك المظاهرات بعنف، ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى، بحسب منظمات حقوقية.
وعقب تلك الأحداث، غادر ماسرا وعدد من مساعديه إلى الولايات المتحدة، حيث عاش في المنفى لأشهر عدة.
لكنه عاد إلى تشاد في نوفمبر 2023 بموجب اتفاق مصالحة سياسي، قبل أن يفاجئ كثيرين بقبوله تعيينه رئيسًا للوزراء مطلع عام 2024.
تجربة قصيرة في رئاسة الحكومة
شكّل تعيين ماسرا رئيسًا للحكومة تحولًا كبيرًا في المشهد السياسي، إذ انتقل من موقع المعارض الراديكالي إلى شريك في السلطة الانتقالية.
لكن تلك التجربة لم تستمر طويلاً، إذ تصاعدت الخلافات بينه وبين دوائر الحكم، وظهرت توترات متكررة عبر بيانات وتصريحات علنية.
ورغم مشاركته في الحكومة، حافظ ماسرا على قدر من الدعم الشعبي، خاصة داخل قواعد حزب “المحوّلون”.
وفي مايو 2025، اعتُقل من منزله بواسطة رجال يرتدون زيًا عسكريًا، قبل أن يواجه سلسلة اتهامات خطيرة شملت التحريض على التمرد والعنف والكراهية.
إدانات سياسية وحقوقية
وأدان حزب “المحوّلون” ومنظمات حقوقية دولية عديدة طريقة التعامل مع القضية، ووصفت المحاكمة بأنها “سياسية بامتياز”.
كما طالبت تلك الجهات بالإفراج الفوري وغير المشروط عن ماسرا، معتبرة أن القضية تهدف إلى “تحييده سياسيًا” وإبعاده عن أي دور مستقبلي في الحياة السياسية التشادية.
وفي الوقت ذاته، تقدم فريق الدفاع بعدة طلبات لنقله طبيًا إلى الخارج بسبب معاناته من مشاكل تنفسية حادة، غير أن السلطات رفضت تلك الطلبات.
ورغم احتجازه، تمكن ماسرا مؤخرًا من نشر رسالة بمناسبة الذكرى الثامنة لتأسيس حزب “المحوّلون”، أكد فيها استعداده للتعاون مع السلطة “من أجل المصلحة الوطنية”، لكنه قال إن “الانفتاح والرغبة في الحوار” كانا سببًا في فقدانه لحريته.
“اتفاق توماي”
وخلال الاحتفال ذاته، كُشف عن وجود اتفاق سياسي سري يُعرف باسم “اتفاق توماي”، جرى التوصل إليه بين الحكومة وحزب ماسرا لإنهاء الأزمة السياسية في البلاد، إلى جانب “اتفاق كينشاسا”.
وقال محامو زعيم المعارضة إن هذا الاتفاق كان يفترض أن يحميه من أي ملاحقات قضائية، خاصة بعدما أدى إلى إسقاط مذكرة توقيف دولية بحقه.
وأثار الكشف عن الاتفاق غضبًا داخل دوائر الحكم، ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على وجود انقسامات سياسية عميقة داخل السلطة التشادية نفسها.
مستقبل سياسي غامض
ومع تثبيت الحكم بشكل نهائي، يواجه ماسرا مستقبلًا سياسيًا وقانونيًا معقدًا، بينما تبقى قضيته محورًا للنقاش داخل تشاد وخارجها.
ويرى مراقبون أن مصير زعيم المعارضة قد يؤثر بشكل مباشر على مستقبل التوازنات السياسية في البلاد، خاصة في ظل استمرار التوترات الأمنية والاجتماعية، وغياب توافق حقيقي بين السلطة والمعارضة حول شكل المرحلة المقبلة.
وبينما تراهن الحكومة على إغلاق الملف قضائيًا، تبدو قضية سوكسيه ماسرا مرشحة للبقاء كواحدة من أبرز الأزمات السياسية التي واجهتها تشاد منذ انتقال السلطة بعد وفاة إدريس ديبي.
نقلاً عن:










































