أعلنت الأمم المتحدة تخصيص نحو 60 مليون دولار من صندوقها المركزي للاستجابة للطوارئ؛ في محاولة لاحتواء التفشي المتسارع لفيروس إيبولا في الكونغو الديمقراطية، بالتزامن مع نشر مزيد من الموظفين والخبراء والمعدات الطبية لدعم جهود الاستجابة الميدانية.
وقال مسؤول الإغاثة الأممي توم فليتشر، الجمعة، إن المجتمع الدولي مطالب بالتحرك السريع لمنع خروج التفشي عن السيطرة، مؤكدًا أن البيئة الميدانية في المناطق المتضررة “معقدة وخطيرة” بسبب النزاعات المسلحة وحركة النزوح والتنقل السكاني الكثيف.
وأضاف فليتشر، عبر منصة “إكس”، أن الأمم المتحدة تسعى إلى “استباق تفشي إيبولا” من خلال تسريع عمليات التمويل والإمداد والدعم اللوجستي، مشيرًا إلى أن المجتمع الإنساني في حالة تعبئة كاملة لمساندة السلطات الكونغولية.
وأوضح أن الاستجابة الحالية تواجه تحديًا إضافيًا يتمثل في عدم توفر لقاحات أو علاجات مرخصة لسلالة “بونديبوجيو” من فيروس إيبولا، ما يزيد من صعوبة احتواء العدوى مقارنة بالتفشيات السابقة.
سلالة نادرة وتعقيد الأزمة الصحية
يمثل ظهور سلالة “بونديبوجيو” مصدر قلق كبير للسلطات الصحية والمنظمات الدولية، نظرًا لندرة استخدامها في التفشيات السابقة مقارنة بسلالة “زائير” الأكثر انتشارًا، والتي شهدت تطوير لقاحات فعالة ضدها خلال السنوات الماضية.
وبحسب مسؤولين أمميين، فإن غياب لقاح معتمد لهذه السلالة يفرض الاعتماد بشكل أساسي على إجراءات العزل وتتبع المخالطين والتوعية المجتمعية، إلى جانب تعزيز الرقابة الصحية في المناطق الحدودية والمدن الكبرى.
وأكد فليتشر أن الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية تعملان على تطبيق الدروس المستفادة من التجارب السابقة، خاصة أن نجاح الاحتواء يعتمد على سرعة التدخل والتنسيق المحلي، إضافة إلى بناء الثقة مع المجتمعات المتضررة.
وأشار إلى أن فرق الأمم المتحدة تواجه تحديات أمنية كبيرة في الوصول إلى بعض المناطق الواقعة تحت سيطرة جماعات مسلحة، داعيًا إلى ضمان وصول آمن ومستدام للعاملين في المجال الإنساني والطبي.

إيتوري البؤرة الرئيسية للتفشي
من جانبه، قال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن مقاطعة إيتوري شرقي الكونغو ما تزال تمثل البؤرة الرئيسية لتفشي الفيروس، خاصة في بلدات رومبارا ومونبوالو وبونيا، وهي مناطق ذات كثافة سكانية مرتفعة.
وأوضح دوجاريك، خلال المؤتمر الصحفي اليومي للأمم المتحدة، أمس الخميس، أن بعثة حفظ السلام في الكونغو تواصل تقديم دعم لوجستي وإنساني واسع النطاق لتعزيز استجابة الحكومة الكونغولية، في ظل تدهور الوضع الإنساني والصحي.
وأضاف أن قوات حفظ السلام شغّلت طائرتي شحن لنقل الإمدادات والمعدات الطبية من نيروبي وكينشاسا إلى مدينة بونيا، حيث يجري تعزيز مراكز الاستجابة والعلاج.
كما دعمت البعثة، مطلع الأسبوع الجاري، عملية نقل جوي لأكثر من 4 آلاف و600 كيلوغرام من المعدات الطبية والإمدادات الصحية من المستودع الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في نيروبي إلى المناطق المتضررة.
دعم لوجستي واسع
وأوضح دوجاريك أن بعثة الأمم المتحدة وفرت أيضًا أربع مركبات خفيفة لدعم فرق البحث والتقصي الوبائي في مقاطعة إيتوري، إضافة إلى تخصيص مروحية لنقل الفرق الطبية والمساعدات إلى المناطق النائية والمتضررة.
وفي إطار الاستعداد للتعامل مع الحالات الحرجة، يجري نقل سيارتي إسعاف ومركبتين مدرعتين من مدينة غوما إلى بونيا، لدعم عمليات الإجلاء الطبي وتأمين وصول العاملين الصحيين إلى المناطق ذات المخاطر الأمنية المرتفعة.
كما أرسلت بعثة الأمم المتحدة لتحقيق الاستقرار في الكونغو “مونوسكو” دراجات نارية إلى مدينة بيني، فيما يجري تجهيز دفعات إضافية لتسليمها إلى فرق منظمة الصحة العالمية، بهدف تسهيل عمليات تتبع المخالطين والوصول السريع إلى بؤر العدوى.
ويرى مسؤولون أمميون أن هذه التحركات اللوجستية ضرورية في بلد يعاني من ضعف البنية التحتية وصعوبة التنقل، خاصة في المناطق الشرقية التي تشهد اضطرابات أمنية مستمرة.
مخاوف من انتقال العدوى
وفي تطور يزيد من المخاوف الدولية، أكدت الأمم المتحدة تسجيل حالات إصابة في مقاطعة شمال كيفو، خاصة في مدن غوما وبوتيمبو وكاتوا، وهي مناطق سبق أن شهدت تفشيات خطيرة لفيروس إيبولا خلال السنوات الماضية.
وقال دوجاريك إن السلطات الصحية والشركاء الدوليين يعملون على تعزيز أنظمة الرصد الوبائي وإجراءات الفحص في نقاط الدخول، إضافة إلى تطوير آليات العمل الميداني والتنسيق عن بُعد في المناطق عالية الخطورة.
كما أشار إلى تسجيل حالات جديدة في مدينة بوكافو بمقاطعة جنوب كيفو، ما يثير مخاوف من اتساع نطاق التفشي في شرق الكونغو بأكمله.
وأكد أن الأزمة الحالية تتفاقم بسبب النزوح الواسع وانعدام الأمن والحركة السكانية المكثفة، إلى جانب القيود المفروضة على وصول المساعدات الإنسانية إلى بعض المناطق.

دعم دولي لاحتواء إيبولا
وعلى الصعيد الدولي، أعلنت وزارة الخارجية البريطانية تخصيص ما يصل إلى 20 مليون جنيه إسترليني كمساعدات إضافية لدعم جهود احتواء الإيبولا في شرق الكونغو.
وقالت الوزارة إن التمويل الجديد سيوجه لدعم منظمة الصحة العالمية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية، من أجل تعزيز المراقبة الصحية، وتحسين إجراءات الوقاية من العدوى، وحماية العاملين في الخطوط الأمامية.
كما أكدت السلطات البريطانية أنها بدأت تقييم حركة المسافرين القادمين من المناطق المتضررة، مع تفعيل برامج مراقبة صحية للأفراد المتوجهين من المملكة المتحدة إلى مناطق التفشي.
وفي السياق ذاته، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تمويل ما يصل إلى 50 عيادة علاجية “سريعة الانتشار” في الكونغو وأوغندا، في خطوة تهدف إلى تعزيز القدرة الاستيعابية للنظام الصحي المحلي.
وقالت الوزارة إن هذه الخطوة تعكس “التزام واشنطن بضمان استجابة سريعة وفعالة وتعاونية” لمواجهة الأزمة الصحية المتصاعدة.
أرقام مقلقة وتحذيرات
وحتى الأربعاء، جرى تسجيل نحو 600 حالة مشتبه بها وقرابة 139 وفاة مشتبه بها في الكونغو، فيما تأكدت مخبريًا 51 حالة إصابة، إضافة إلى حالتين مؤكدتين في أوغندا المجاورة.
وتتوقع منظمة الصحة العالمية استمرار التفشي خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل التحديات الأمنية وضعف الإمكانات الصحية وصعوبة السيطرة على حركة السكان عبر الحدود.











































