يواجه الصومال واحدة من أخطر أزماته الإنسانية منذ سنوات، مع تحذيرات دولية متصاعدة من اقتراب أجزاء واسعة من البلاد، ولا سيما الأقاليم الجنوبية، من شبح المجاعة للمرة الأولى منذ عام 2022، في ظل تداخل عوامل الجفاف والصراع وارتفاع أسعار الغذاء والانكماش الحاد في التمويل الإنساني.
وهذه المرة، يتسبب خفض الدول للمساعدات الخارجية وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في عرقلة الجهود المبذولة لمواجهة نقص الغذاء الناجم عن ضعف الأمطار لمواسم متعددة وانعدام الأمن المستمر.
وأطلقت مؤسسات دولية معنية بالأمن الغذائي، بينها التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي وشبكة الإنذار المبكر بالمجاعات، تحذيرات متتالية بشأن التدهور السريع في أوضاع الأمن الغذائي وسوء التغذية، خصوصًا في المناطق الزراعية والرعوية بأقاليم باي وباكول وجيدو جنوب البلاد.
وبحسب تقديرات حديثة، فإن نحو 6 ملايين شخص، أي ما يعادل 31% من السكان الذين شملهم التحليل، يواجهون مستويات حرجة من انعدام الأمن الغذائي الحاد خلال الفترة بين أبريل ويونيو 2026، من بينهم نحو 1.9 مليون شخص ضمن مرحلة “الطوارئ” وفق التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.
وتشير التحذيرات إلى أن استمرار ضعف الأمطار أو فشل موسم الحصاد المقبل قد يدفع بعض المناطق إلى المجاعة خلال أشهر قليلة.
بور هكبة.. بؤرة المجاعة
تتصدر مدينة بور هكبة التابعة بمنطقة باي (جنوبي الصومال) قائمة المناطق الأكثر عرضة لخطر المجاعة، بعدما سجلت مستويات غير مسبوقة من سوء التغذية الحاد بين الأطفال.
ووفق تحليل التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، بلغ معدل سوء التغذية الحاد العام بين الأطفال في المدينة نحو 37.1%، متجاوزًا الحد المعتمد لإعلان المجاعة، فيما وصلت نسبة سوء التغذية الحاد الوخيم إلى 10.2%.
ويُعد هذا التطور مؤشرًا بالغ الخطورة، إذ إن أحد المعايير الثلاثة الفنية اللازمة لإعلان المجاعة قد تحقق بالفعل.
وتُعرَّف المجاعة وفق التصنيف المرحلي المتكامل بتحقق ثلاثة شروط متزامنة، تشمل:
· معاناة 20% على الأقل من السكان من عجز حاد في الغذاء.
· ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى أكثر من 30%.
· ووصول معدل الوفيات المرتبطة بالجوع إلى مستوياته الحرجة.
كما أظهرت البيانات ارتفاعًا حادًا في معدلات الإصابة بالأمراض بين الأطفال؛ إذ بلغت نسبة الاعتلالات المرضية 36.4% في المناطق الزراعية والرعوية في منطقة باي، ما يزيد من احتمالات الوفيات المرتبطة بالجوع والأمراض.

وحذرت شبكة الإنذار المبكر بالمجاعات من أن فشل أمطار موسم “جوا” أو تعرض المحاصيل لفترات جفاف خلال مرحلتي الإزهار وامتلاء الحبوب قد يؤدي إلى تجاوز المعايير الثلاثة للمجاعة خلال فترة تتراوح بين شهرين وثلاثة أشهر.
مواسم جفاف متتالية
تعود جذور الأزمة الحالية إلى فشل موسم “دير” المطري بين أكتوبر وديسمبر 2025، ثم حلول موسم “جيلال” الجاف والقاسي بين يناير ومارس 2026، ما بدد فرص تعافي الأسر من آثار الجفاف التاريخي الذي ضرب البلاد بين عامي 2020 و2023.
وأدى تعاقب المواسم الضعيفة إلى خسائر كبيرة في المحاصيل الزراعية والثروة الحيوانية، فضلاً عن تراجع فرص العمل الزراعي، وهو ما تسبب في تآكل مصادر الدخل الأساسية للأسر الفقيرة.
كما تراجعت قدرة السكان على التكيف بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الغذاء والمياه والوقود، إلى جانب استمرار النزاعات المسلحة وانعدام الأمن، ما زاد من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
ورغم تحسن الأمطار نسبيًا خلال الأسابيع الأخيرة، فإن التقارير الدولية تؤكد أن كميات الهطول لا تزال أقل بكثير من المعدلات الطبيعية، كما أن تأثيرها على الزراعة والمراعي لا يزال محدودًا.
وتشير التوقعات إلى أن حصاد موسم “جوا” المنتظر في يوليو المقبل سيكون أقل من المتوسط، حتى في حال استمرار الأمطار خلال الأسابيع المقبلة، وهو ما يضع ملايين السكان أمام خطر نقص الغذاء خلال النصف الثاني من العام.
ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية
تزامنت الأزمة المناخية مع موجة ارتفاع حادة في أسعار الغذاء والوقود، في ظل اضطراب سلاسل الإمداد العالمية الناتج عن التوترات والصراع في الشرق الأوسط خلال العام الجاري.
وبحسب تقارير الأمن الغذائي، فإن الصومال، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الغذاء، تأثر بشكل مباشر بارتفاع تكاليف النقل وأسعار الوقود، ما أدى إلى زيادة أسعار السلع الأساسية في معظم الأقاليم.
كما ساهم رفض بعض التجار ومقدمي الخدمات التعامل بالشلن الصومالي في الأقاليم الجنوبية في تراجع قيمة العملة المحلية، الأمر الذي أدى إلى مزيد من التآكل في القدرة الشرائية للأسر.

وتؤكد التحليلات الميدانية أن الأسواق المحلية تشهد ارتفاعات قياسية في أسعار الحبوب والزيوت والمواد الغذائية الأساسية، بينما تواجه الأسر الفقيرة صعوبات متزايدة في الحصول على الغذاء، خصوصًا مع محدودية فرص العمل وتراجع الأجور.
وفي المناطق الزراعية والرعوية، أدى ضعف الأمطار إلى تقليص الطلب على العمالة الزراعية، ما دفع أعدادًا متزايدة من السكان إلى البحث عن أعمال غير رسمية محدودة العائد، وسط منافسة متصاعدة وانخفاض في مستويات الأجور.
النزوح والفيضانات.. أزمات متشابكة
إلى جانب الجفاف، تواجه مناطق واسعة من الصومال مخاطر متزايدة مرتبطة بالفيضانات، خصوصًا على امتداد نهر شبيلي.
وأشارت تقارير دولية إلى ارتفاع سريع في منسوب النهر خلال أبريل 2026، مع توقعات بهطول أمطار إضافية خلال مايو، ما يرفع احتمالات حدوث فيضانات مدمرة في المناطق النهرية ذات البنية الهشة.
كما يُتوقع أن تتسبب الفيضانات، إلى جانب الجفاف والصراع، في نزوح داخلي جديد يطال أكثر من 304 آلاف شخص بين أبريل ويونيو 2026.
ويفاقم النزوح من الضغوط الواقعة على المدن ومخيمات النازحين، حيث يعيش ملايين الأشخاص أصلاً في ظروف إنسانية قاسية، مع محدودية فرص العمل والخدمات الصحية والمياه النظيفة.
وتشير تقديرات دولية إلى أن أوضاع الأمن الغذائي في عدد من مخيمات النازحين، مثل بيدوا وبوصاصو وبلد وين وغالكعيو، تشهد تدهورًا متسارعًا بسبب ارتفاع الأسعار وضعف المساعدات الإنسانية.
سوء التغذية يهدد الأطفال
تُظهر بيانات سوء التغذية صورة أكثر قتامة للأزمة الإنسانية في الصومال، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 1.88 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 6 و59 شهرًا سيعانون من سوء التغذية الحاد خلال العام الجاري 2026، من بينهم 493 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم.
وترجع هذه الزيادة إلى تداخل عدة عوامل، تشمل تدهور الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض، وضعف خدمات الصحة والتغذية والمياه والصرف الصحي، إضافة إلى القيود التمويلية التي أدت إلى إغلاق مئات المراكز الصحية وبرامج التغذية.
وفي بور هكبة تحديدًا، انخفض عدد مراكز العلاج والتغذية من 16 مركزًا في عام 2024 إلى ثلاثة مراكز فقط بحلول أبريل 2026، ما أدى إلى حرمان أعداد كبيرة من الأطفال من العلاج اللازم.
كما أظهرت التقارير ارتفاع معدلات الإصابة بالحصبة والإسهال والملاريا وأمراض الجهاز التنفسي، وهي أمراض تسهم بشكل مباشر في تفاقم سوء التغذية وزيادة الوفيات بين الأطفال.
مساعدات “عصر ما بعد الدعم”
يرى مراقبون أن أحد أخطر أبعاد الأزمة الحالية يتمثل في التراجع الحاد في حجم التمويل الإنساني الدولي الموجه إلى الصومال.
فبحسب بيانات الأمم المتحدة، بلغ إجمالي التمويل الإنساني المخصص للصومال خلال عام 2026 نحو 160 مليون دولار فقط، مقارنة بـ531 مليون دولار في العام السابق، بينما وصل التمويل إلى 2.38 مليار دولار خلال أزمة الجفاف الكبرى عام 2022.
ورغم ارتفاع المساعدات الغذائية المخطط لها خلال الفترة الأخيرة لتشمل نحو 700 ألف شخص شهريًا، فإنها لا تزال تغطي 12% فقط من إجمالي المحتاجين ضمن المرحلة الثالثة أو أعلى، و37% فقط من الأشخاص في مرحلة الطوارئ.

وحذرت منظمات إغاثية من أن الصومال قد يتحول إلى نموذج مبكر لما يُعرف بـ”عصر ما بعد المساعدات”، في ظل اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والتمويل المتاح.
وقال داود جيران، مدير منظمة ميرسي كوربس في الصومال، إن البلاد تواجه خطر أن تصبح “إحدى أولى الأزمات الكبرى في عصر ما بعد المساعدات”، حيث تتزايد الاحتياجات الإنسانية في وقت تتراجع فيه الاستجابة الدولية.
هل يتكرر سيناريو 2011؟
تعيد التطورات الحالية إلى الأذهان مجاعة عام 2011 التي أودت بحياة نحو 250 ألف شخص في الصومال، بعدما تزامنت موجات الجفاف مع الصراع وضعف الاستجابة الإنسانية.
كما شهدت البلاد أزمات مماثلة في عامي 2017 و2022، غير أن التوسع الواسع في المساعدات الإنسانية آنذاك ساهم في منع تحول الأزمة إلى مجاعة شاملة.
أما اليوم، فتبدو الظروف أكثر تعقيدًا في ظل تراجع التمويل الدولي، وارتفاع تكاليف الاستجابة، واستمرار الصراعات، وتزايد الضغوط المناخية.
وتؤكد تقارير الأمن الغذائي أن الفارق بين التعافي الجزئي للأوضاع أو الانزلاق السريع نحو المجاعة سيتحدد بدرجة كبيرة وفق أداء موسم الأمطار الحالي، وحجم التدخل الإنساني خلال الأشهر المقبلة.
ويرى خبراء أن استمرار تراجع التمويل وتأخر الاستجابة قد يؤديان إلى انهيار سريع في أوضاع الأمن الغذائي، خصوصًا في المناطق الزراعية والرعوية جنوب البلاد، مع ارتفاع احتمالات الخسائر البشرية الواسعة إذا فشل موسم الحصاد المقبل.
أسئلة وأجوبة: شبح المجاعة في الصومال
نقلاً عن:
التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)











































