تحاول إفريقيا ودولها الخروج من دائرة الأزمة الراهنة عبر بذل محاولات لإيجاد مسارات ثالثة بعيدة عن الاستقطاب المتعاظم بشكل متزايد.
يتناول المقال الأول جهود رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لتوسيع دائرة سياسات بلاده الخارجية من خلال زيارته المهمة لأذربيجان، وتوطيد أواصر التعاون الدفاعي والرقمي والاقتصادي معها.
أما المقال الثاني فيتناول آفاق التعاون الاقتصادي بين نيجيريا والبرازيل في العام 2026م.
أما المقال الثالث والأخير فإنه يتناول جهود الحكومة التنزانية لتعزيز قيمة عملة الشلن التنزاني محليًّا، عبر آلية منع المعاملات بعملات خارجية في السوق التنزانية المحلية.
من القرن إلى القوقاز: التقارب الإثيوبي الأذربيجاني الإستراتيجي في عهد القطبية المتعددة([1])
قام رئيس الوزراء (الإثيوبي) آبي أحمد بزيارة رسمية إلى أذربيجان في الفترة 26- 28 فبراير 2026م بهدف تقوية العلاقات الثنائية بين البلدين. وعُدت الزيارة، دبلوماسيًّا، خطوة لتوسع الفضاءات الدبلوماسية لإثيوبيا، وتجاوز التوجه التاريخي الذي اتسم بمقاربة ضيقة وقائمة على التركيز على الأمن. ورسّخت الفترة السابقة وضع أولوية لبقاء النظام في مقابل التعاون الإقليمي، وكانت تعتمد باستمرار على عمليات خفية، وحروب بالوكالة، والاعتماد المبالغ فيه على القوى الخارجية.
وقد بدأت العلاقات بين البلدين قبل أكثر من ثلاثة عقود عندما اعترفت إثيوبيا باستقلال جمهورية أذربيجان في 26 ديسمبر 1991م بمجرد نيل الأخيرة استقلالها وسيادتها من الاتحاد السوفييتي. وبعدها بفترة قصيرة أقام البلدان رسميًّا العلاقات الدبلوماسية فيما بينهما في 2 نوفمبر 1992م، وتطورت هذه العلاقات بشكل منتظم، وبدأت سفارة جمهورية أذربيجان في أديس أبابا في العمل منذ العام 2015م.
وتمثل زيارة آبي أحمد الأخيرة لأذربيجان، بناء على دعوة من رئيس الأخيرة إلهام علييف، امتدادًا مهمًّا للغاية للعلاقة الدبلوماسية بين البلدين التي تمتد لعقود. كما نُظِرَ للزيارة على أنها داعمة بقوة للثقة السياسية رفيعة المستوى، وترسيخ أُطُر التعاون الدفاعي والاقتصادي، وتقوية تنسيق دبلوماسية المناخ، وفتح مجالات جديدة أمام التعاون في الحوكمة الرقمية. واتساقًا مع ذلك عقد “علييف” في 27 فبراير الفائت اجتماعًا موسعًا مع آبي أحمد، وعقب الاجتماع وقَّع وزيرا خارجية البلدين “اتفاقًا للتعاون بين إثيوبيا وأذربيجان في مجال الدفاع”، ومذكرة تفاهم “حول التعاون في تنظيم الدورة 32 من مؤتمر COP32 “. إضافة إلى ذلك اتفق الطرفان على مد التعاون في الزراعة وتطوير الميديا ودعم الاستثمار ومبادرات مكافحة الفساد. ويشمل التعاون مشاركة الخبرات مع هيئة الإذاعة الإثيوبية، إضافة إلى برنامج للتعاون بين ASAN Service الأذربيجانية وMESOB Services الإثيوبية.
علاوة على ذلك، فإن الزيارة تقوّي مكانة إثيوبيا في المجال السياسي الأوراسي. ويتّسق ذلك مع تنويع إثيوبيا لإستراتيجية سياساتها الخارجية منذ العام 2018م، والذي يُعزّز شراكاتها مع دول متعددة من أجل تحقيق الإصلاح المؤسسي والاستقلال الإستراتيجي. وتعكس هذه المقاربة المرنة مثالًا برغماتيًّا ومتعدد الجوانب يلائم البيئة الدولية متعددة الأقطاب. وفيما لا تزال التفاصيل محدودة فإن توقيع اتفاق للتعاون الدفاعي بين البلدين يشمل إقامة إطار للتبادل التقني والتعاون المؤسساتي، وإقامة قنوات لحوار أمني متماسك ومبادرات بناء القدرات. وبالنسبة لإثيوبيا، التي لا تزال تمر بديناميات أمنية مُعقّدة في القرن الإفريقي، فإن تنويع التعاون الدفاعي يُسهم في المرونة الإستراتيجية والتحديث المؤسسي دون الاعتماد المُبالَغ فيه على فاعل خارجي واحد.
وفي الوقت نفسه، فإن ذلك يقوي مكانة إثيوبيا كدولة حجر زاوية في الإقليم، ويُعزّز دورها كضامن للاستقرار والحماية الإقليميين في الحرب الدائرة ضد حركة الشباب. وعلى نفس القدر من الأهمية فإن تعزيز التعاون الدفاعي سوف يدعم مساعي إثيوبيا للاستقلال الإستراتيجي وتقوية البناء المؤسسي داخل إطار سياسة خارجية متوازنة.
وقد أسفرت الزيارة، كما سبق القول، عن عدد من الاتفاقيات التي تُغطّي الزراعة وتعزيز الاستثمار والتعاون المؤسسي، بما في ذلك التعاون في إقامة المناطق الصناعية والمناطق الاقتصادية الحرة. كما أعطت زيارة رئيس الوزراء للمواقع التكنولوجية –بما في ذلك مركز الدولة للخدمات العامة والابتكارات الاجتماعية Innovation Center of the State Agency for Public Service and Social Innovations (ASAN)، وأكاديمية الذكاء الاصطناعي AI Academy، ومنطقة آلات الاقتصادية الحرة Alat Free Economic Zone- إشارات على الاهتمام بنماذج التنمية التي يمكن تكرارها والتي يمكن –بالتالي- إلهام إثيوبيا في إستراتيجياتها للتحول الصناعي واللوجستيات. كما يمكن لهذا التقارب أن ييسر الاستثمار الخارجي المباشر ونقل التكنولوجيا وتنويع السوق، ومِن ثَم تقوية إستراتيجية النموذج الاقتصادي الإثيوبي بقيادة الصادرات ومكانتها كبوابة للأسواق الإفريقية، ويدعم دورها في تحقيق تقدم في مبادرات اتفاقية المنطقة التجارية الحرب القارة الإفريقية (AfCFTA).
وعلى سبيل المثال، فإن التعاون المؤسسي بين البلدين في الحوكمة الرقمية سوف يسارع من أجندة إثيوبيا للتحديث ويُعزّز فعالية الخدمات العامة. ويتسق ذلك مع الالتزام الحكومي بالتحول الرقمي، كما في حالة الإطلاق الرسمي لخطة إثيوبيا الرقمية 2030م، وهي خطة وطنية شاملة تستهدف تعزيز سلطة التكنولوجيا من أجل تنمية شاملة. وكان رئيس الوزراء قد أعلن في ديسمبر 2025م انتقال إثيوبيا الناجح من خريطة الطريق السابقة، مؤكدًا أن “إثيوبيا الرقمية 2025م قد اكتملت بعد تحقيق أهدافها المقصودة إلى أقصى حد ممكن”.
أهمية نيجيريا الإستراتيجية والمحورية للبرازيل([2])
يناقش، في هذه المقابلة، أوتشي أوزيجوي Uche Uzoigwe الأمين العام ليندوا-البرازيل NIDOA-Bazil، الإمكانات الاقتصادية في أمريكا الجنوبية، ولا سيما في البرازيل، ومُحفّزات الاستثمار لشركاء الأعمال البرازيليين للعمل في جمهورية نيجيريا الفيدرالية. والبرازيل عضو مؤسس لرابطة البريكس، بينما نيجيريا “دول شريكة” بالبريكس، وذلك من خلال الحوار التالي:
Q- كيف تُقيّم المقدرات الاقتصادية في إقليم أمريكا الجنوبية، وخاصة في البرازيل، لجمهورية نيجيريا الفيدرالية؟ ما مُحفّزات الاستثمار التي تملكها نيجيريا لشركاء العمال المحتملين من البرازيل؟
أوتشي أوزيجوي: باعتباري أمينًا عامًّا لنيدوا البرازيل فإن إجابتي على السؤال ستكون كما يلي: إن البرازيل، صاحبة أكبر اقتصاد في أمريكا الجنوبية، تمثل فرصًا كبيرة لنيجيريا. إن اقتصاد البرازيل المتنوع يتسم بوجود قطاعات رئيسة مثل الزراعة والتعدين والطاقة والتكنولوجيا، وثمة بعض العوامل التي يجب أخذها في الاعتبار مثل:
- الموارد الطبيعية: إن البرازيل دولة غنية بالموارد الطبيعية مثل خام الحديد وفول الصويا والوقود الحيوي، وهي الموارد التي يمكن أن تكون نافعة وفق التجارة وتبادل الموارد.
- النمو الزراعي الصاعد: مع توافر قطاع زراعي راسخ، تُقدّم البرازيل تعاونًا محتملًا في مبادرات التكنولوجيا الزراعية والأمن الغذائي، والتي تتسق مع أهداف نيجيريا من أجل تحقيق التنمية الزراعية.
- حجم السوق: تُعزّز البرازيل سوقًا استهلاكية ضخمة به طبقة متوسطة نامية. ويمثل ذلك فرصًا للشركات النيجيرية الساعية لتصدير البضائع والخدمات لأسواق جديدة.
- الاستثمار في البنية التحتية: أحدثت البرازيل استثمارات كبيرة في البنية التحتية، الأمر الذي يمكن أن يخلق فرصًا للشركات النيجيرية في مجال العاملة في قطاعات البناء والهندسة والتكنولوجيا.
- الصلات الثقافية والاقتصادية: هناك صلات تاريخية وثقافية بين نيجيريا والبرازيل، لا سيما ما يتعلق بالشتات الإفريقي في البرازيل. ويمكن أن يُيسّر ذلك شراكات أعمال وفرصًا للتعاون.
Q- هل تعتقد أن الوضع الجيوسياسي المتغير يفرض تحديًا على ربط الشركات في الإقليم بنيجيريا؟ وكيف يمكنكم تجاوز ذلك في أنشطة نيدوا؟
أوزيجوي: إن الوضع الجيوسياسي المتغير يفرض بالتأكيد العديد من التحديات على ربط الشركات في أمريكا الجنوبية، ولا سيما البرازيل، مع نيجيريا. وتشمل مثل هذه التحديات التوتر التجاري، والتحالفات المتغيرة، وتقلبات العملة، وتباين بيئات تنظيم العمل. وسأضع فيما يلي بعض التحديات المحددة وكيف تعمل نيدوا على تجاوزها:
- عدم وجود رحلات طيران مباشرة: وهذا التحدي بالغ الوضوح. وبمجرد تنشيط رحلات الطيران المباشرة بين البرازيل ونيجيريا -ونأمل أن يكون ذلك في العام الجاري-، فإن تفاهمًا وانخراطًا أفضل سيلي كل ذلك.
- القيود والرسوم التجارية: إن تزايد الحمائية التجارية في أقاليم عدة يمكن أن يؤدي إلى رسوم جمركية وحواجز تجارية أعلى تعوق حركة البضائع بين البرازيل ونيجيريا.
- سرعة تقلب العملة: إن التقلبات في قيمة العملات يمكن أن يُعقّد الاتفاقات التجارية، وإستراتيجيات التسعير، والتخطيط المالي الإجمالي للشركات العاملة في كل من البرازيل ونيجيريا.
- أُطر تنظيمية ومتطلبات استجابة مختلفة في كلا البلدين يمكن أن تخلق تحديات أمام الشركات التي تهدف للمرور في خضم هذه النظم بكفاءة.
- اضطرابات سلسلة الإمداد: إن التغيرات في سلاسل الإمداد العالمية بسبب العوامل الجيوسياسية يمكنها أن تخلخل الشبكات القائمة، والتأثير على الشركات التي تعتمد على الواردات والصادرات بين البلدين.
تنزانيا تمنع استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية([3])
حظرت تنزانيا استخدام العملات الأجنبية في المعاملات المحلية، مما يتطلب تسعير جميع السلع والخدمات ودفعها بالشلن التنزاني. ويلزم التنظيم الجديد الأفراد والشركات والتجار بعدم تخصيص أو قبول مدفوعات بالدولار الأمريكي أو الشلن الطيني أو أي عُملة أجنبية أخرى.
وقد أصدر بنك تنزانيا هذا الأمر منبهًا إلى مواد القسم 26 من قانون بنك تنزانيا (2006) Bank of Tanzania Act. ووفقًا لبيان من بنك تنزانيا؛ فإن الإجراءات الجديدة تذكر أن التسعيرات ودفع مقابل السلع والخدمات داخل تنزانيا يجب أن يتم بالشلن التنزاني فقط.
“وسيعدّ كلّ مِن تخصيص أو الترويج أو التلميح بالعملة الأجنبية أو قبول مدفوعات بهذه العملة عملًا عدوانيًّا، وكذلك الحال بالنسبة لرفض قبول المدفوعات بالشلن التنزاني، حسبما أضاف البيان. وإضافة إلى الحظر العام على معاملات العملة الأجنبية فإن الإجراءات تضع أيضًا قيودًا على العقود الموقّعة بالعملات الأجنبية. وعلى هذه العقود أن يتم تعديلها في غضون عام واحد بما يتسق مع القانون الجديد.
كما أكدت الحكومة أيضًا على أن معاملات معينة بالعملات الأجنبية سيظل مسموحًا العمل بها، مثل الإسهامات المقدمة للمنظمات الإقليمية، والمعاملات المتعلقة بالسفارات، والتعاملات مع المنظمات الدولية.
ولا يزال بمقدور السياح والأجانب الزائرين لتنزانيا صرف العملات الأجنبية في البنوك التجارية أو مكاتب الصرافة. كما يمكن للأجانب الاستمرار في استخدام وسائل الدفع الإلكترونية، بما في ذلك البطاقات المصرفية، لإجراء معاملاتهم.
ومع ذلك، يجب على الشركات والأفراد في تنزانيا التأكد من أن جميع الأسعار والمدفوعات تتم بالعملة التنزانية (الشلن التنزاني). وبالنسبة للتجار والشركات الكينية العاملة في تنزانيا، سيُلزمهم هذا النظام بصرف أموالهم إلى الشلن التنزاني قبل إتمام المعاملات.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن ذلك التغيير قد يُسبّب بعض التحديات، لا سيما بالنسبة للتجار الذين يتأثرون بقوة بتقلبات أسعار الصرف؛ حيث سيتعين عليهم من الآن تحويل الشلن الكيني إلى الشلن التنزاني.
علاوة على ذلك، ستحتاج الشركات الكينية التي كانت تُسعِّر سِلَعها أو تُبْرِم عقودًا بالعملات الأجنبية إلى تعديل عملياتها بما يتوافق مع القانون الجديد. وقد حثّ بنك تنزانيا المركزي التنزانيين على الإبلاغ عن أي انتهاكات لهذه الأنظمة. والهدف من ذلك هو تشجيع استخدام العُمْلة المحلية وتحقيق استقرار الاقتصاد الوطني.
…………………………………
[1] From the Horn to the Caucasus: Ethiopia–Azerbaijan Strategic Convergence in a Multipolar Era, March 1, 2026, Institute of Foreign Affairs, https://www.ifa.gov.et/2026/03/01/from-the-horn-to-the-caucasus-ethiopia-azerbaijan-strategic-convergence-in-a-multipolar-era/
[2] Kester Kenn Klomegah, Nigeria’s Strategic Pivot to South America’s Economic Giant, Brazil, Modern Diplomacy, March 1, 2026 https://moderndiplomacy.eu/2026/03/01/nigerias-strategic-pivot-to-south-americas-economic-giant-brazil/











































