بقلم: محمد انديونغ Mouhamet Ndiongue
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– مديونية هيكلية وضعف إيرادات ضريبية مركزة؛ مخاطر سيادية رئيسية في إفريقيا 2026م.
– 2026م: دول إفريقية مصنَّفة تواجه 90 مليار دولار ديون خارجية، 3 أضعاف 2012م، ضغط على احتياطيات النقد.
– «ستاندرد آند بورز»: إفريقيا بسرعتين؛ تحسّن تصنيفات (نمو، إصلاحات)؛ مقابل «جدار» ديون متسارع.
– المغرب: تصنيف «BBB-» (نادي «استثمار»، 4 دول)؛ الكونغو الديمقراطية: «B-/B» مستقر بتحسّن مالي.
– نمو حقيقي: 4.5% في 2026م؛ عجز: 3.5% (من 3.7% في 2025م).
– تراكم دين مقلق رغم تحسّن ماكرو اقتصادي؛ ضعف سياسات يفاقم الهشاشة أمام: صدمات سلع، كوفيد-19، عدم استقرار.
– دين عام متوسط: 61% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026م (مرتفع لتمويل محلي).
– غرب/ ووسط إفريقيا: أمن متدهور، إرهاب ساحلي يثقل المالية؛ بوركينا فاسو، شمال نيجيريا أكثر تضرراً؛ مخاطر في بنين، توغو، كاميرون، تشاد، ساحل العاج، غانا، موزمبيق.
* * *
من المتوقع أن يستمر مستوى المديونية المرتفع هيكلياً، وضعف الإيرادات الضريبية وتوزعها بشكل مركز، في تشكيل مخاطر جوهرية تهدد القارة الإفريقية خلال عام 2026م.
ففي عام 2026م، ستضطر الدول الإفريقية الخاضعة لتصنيفات «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز» S&P Global Ratings إلى مواجهة أكثر من 90 مليار دولار كأقساط لسداد الدين الخارجي بالعملات الأجنبية. وهو مستوى غير مسبوق يتجاوز بثلاث مرات الرقم المسجل في عام 2012م، مما يُفاقم مخاطر إعادة التمويل ويضع احتياطيات النقد الأجنبي للقارة تحت ضغط شديد.
وفي عام 2026م، يرسم التشخيص الذي وضعته «ستاندرد آند بورز» صورة لإفريقيا ذات وتيرتَين متباينتَين، فمن ناحيةٍ: لا تزال ديناميكية التصنيف إيجابية على العموم، بدعم من آفاق نمو قوية وإصلاحات ميزانية منجزة في عدة دول. ومن ناحيةٍ أخرى: يلوح «جدار» للدين الخارجي في ارتفاعٍ متسارع، مما يعرّض العديد من الدول لموازنات مالية دقيقة وحرجة arbitrages budgétaires، في بيئة دولية منقسمة سياسياً وغير مستقرة.
وبحسب وكالة التصنيف الأمريكية؛ تحتفظ المنطقة بآفاق إيجابية في مطلع عام 2026م، وإنْ كانت أقل وضوحاً مما كانت عليه في بداية عام 2025م. ويُعزى هذا التحسّن النسبي بشكل أساسي إلى تحسّن آفاق النمو واستمرار الإصلاحات الاقتصادية التي اعتُبرت موثوقة، والتي أدت إلى رفع التصنيف السيادي لسبع دول إفريقية خلال عام 2025م. كما ساهم الإصلاح التدريجي للمالية العامة، والتخفيف من حدة توترات السيولة، وحل حالات إعادة الهيكلة المعقدة في إطار «الإطار المشترك لمجموعة العشرين» (ولا سيما في غانا وزامبيا)، في تعزيز ملامح الائتمان لعدة دول.
وفي هذا السياق؛ رفعت «ستاندرد آند بورز» تصنيف المغرب إلى «BBB-»، مما أدخله النادي الضيق من السيادات الإفريقية التي تتمتع بتصنيفٍ يُصنف ضمن «درجة الاستثمار»، ليصبح عددها أربعة. وعلاوةً على ذلك؛ لا تزال الآفاق الإيجابية أكثر عدداً من السلبية، كما تدل على ذلك المراجعة الأخيرة لتصنيف جمهورية الكونغو الديمقراطية وتأكيده عند مستوى «B-/B»، بفضل تقدم ميزاني وخارجي اعتُبر مهماً. ورغم ذلك؛ تؤكد الوكالة أن التحسينات الهيكلية، سواءٌ فيما يتعلق بالنمو المستدام أو الخفض الملموس لعبء الديون العامة والخارجية، تندرج في آفاق بعيدة المدى، ولا يمكنها أن تُلغي على المدى القريب الهشاشة المتراكمة.
اتجاهات التصنيف السيادي للأسواق الناشئة في إفريقيا ومنطقة أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا EMEA:
على الصعيد الاقتصادي الكلي؛ تتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز» أن يبلغ معدل النمو المتوسط للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الإفريقي نحو 4.5% في عام 2026م، رغم التباينات الكبيرة بين الدول ودون الأقاليم. ومن المفترض أن تظل موازنات العموم، كقاعدة عامة، مستقرةً نسبياً، مع تواصل مسار توحيد أوضاع المالية العامة، حيث يتوقع أن يصل متوسط العجز إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2026م، مقارنةً بـ3.7% في عام 2025م. بيد أن هذا المسار يحجب واقعاً يتميز بتباينات حادة.
وفقاً للتقرير؛ يبدو أن الدول المصدرة للنفط، مثل أنغولا وتشاد والكونغو برازافيل ونيجيريا، عرضة للتراجع المتوقع في الأسعار. وتستند «ستاندرد آند بورز» في توقعاتها إلى متوسط سعر يبلغ 60 دولاراً للبرميل في عام 2026م.
وعلى النقيض من ذلك؛ من المفترض أن تدعم القوة المستمرة لأسعار بعض المواد الأولية، ولا سيما الذهب والنحاس، الإيرادات العامة وتدفقات رؤوس الأموال في عدة اقتصادات، من بينها جنوب إفريقيا وزامبيا وغينيا وأوغندا وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وغانا ورواندا. ويشير التقرير إلى أن هذا التباين القطاعي لا يزال يحدد مسارات الائتمان في القارة، مما يعزز الفجوة بين الاقتصادات المتنوعة والدول التي تعتمد على عدد محدود من الموارد.
علاوةً على ذلك؛ يُعدّ تطور التضخم عاملاً محورياً آخر في سيناريو عام 2026م. وبحسب «ستاندرد آند بورز»، فإن الجمع بين سياسة نقدية لا تزال انكماشية، والاستقرار النسبي لأسعار الصرف (المدعوم بآفاق تراجع قيمة الدولار الأمريكي)، وهبوط أسعار الطاقة العالمية، من شأنه أن يساهم في تراجع معدلات التضخم مقارنةً بالقمم التي سجلها مؤخراً. ويمكن لهذا التطبيع التدريجي، على المدى المتوسط، أن يخفف من تكاليف التمويل بالعملة المحلية للعديد من الحكومات، وأن يخلق بيئةً أكثر ملاءمةً لتنفيذ الإصلاحات الضريبية، ولا سيما فيما يتعلق بتوسيع القاعدة الضريبية وتحسين تحصيل الإيرادات. غير أن الوكالة لاحظت أن هذه الجهود تظل معقدةً في الدول التي يعم فيها الفقر أكثر، حيث تحتل الاقتصاديات غير الرسمية مكانةً مهيمنة.
تضاعف متوسط الدين العام للدول الإفريقية المصنفة منذ 2012م ليتجاوز 60% من الناتج المحلي الإجمالي:
وعلى الرغم من هذا المناخ الاقتصادي الكلي النسبي المتفائل؛ فلا يزال خطر تراكم الدين العام يُشكّل هاجساً محورياً، فقد ساهمت تجاوزات الميزانية المستمرة التي لوحظت خلال العقدين الماضيين في تدهورٍ تدريجي لملامح الائتمان لدى العديد من الدول الإفريقية.
وقد تفاقم هذا المسار بسبب محدودية مصداقية السياسات العامة في بعض الأحيان، وضعف القدرة على التنبؤ على الصعيد المؤسسي، مما جعل الاقتصادات أكثر هشاشةً إزاء الصدمات الخارجية الكبرى، مثل انهيار أسعار السلع الأساسية في الفترة (2014-2015م)، وجائحة كوفيد-19، وكذلك تشنجات عدم الاستقرار السياسي المتكررة. ويترتب على ذلك مسار نمو اقتصادي يقل عن مستوى طاقته المحتملة، وإيرادات ضريبية ضعيفة ومتمركزة، وبنية إنفاق متصلبة، مما يفاقم تعقيد جهود تخفيف أعباء المديونية.
وعليه؛ تتوقع «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز» أن يظل متوسط الدين العام للدول الإفريقية المصنفة مستقراً عند حوالي 61% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2026م، وهو مستوى مرتفع بالنظر إلى قدرات التمويل المحلي.
غير أن التوترات تظهر بأقصى حدة على جبهة الدين الخارجي، إذ تُقدّر الوكالة أقساط سداد أصل الدين الخارجي للدول الإفريقية المصنفة بنحو 90 مليار دولار في عام 2026م، وهو مبلغ يقترب من رقم قياسي تاريخي. ويُعزى نحو ثلث هذا المبلغ إلى مصر وحدها، والتي من المتوقع أن تبلغ مدفوعات سداد ديونها نحو 27 مليار دولار، متقدمة بفارق كبير عن أنغولا وجنوب إفريقيا ونيجيريا. كما تتفاوت نسبة خدمة الدين في إجمالي الالتزامات السنوية بشكل كبير من دولةٍ إلى أخرى، مما يعكس تبايناتٍ حادة في أوضاع الميزانية. وعادةً ما تشير الزيادة الملحوظة في هذه النسبة إلى عجزٍ مستمر وهشاشةٍ متزايدة إزاء مخاطر إعادة التمويل وتقلبات الأسواق.
وفي هذا السياق؛ تتوقع «ستاندرد آند بورز» اللجوء المتزايد إلى عمليات إدارة الخصوم، ولا سيما من خلال مبادلات العملات الورقية. وتعتبر الوكالة هذه العمليات بمثابة «مبادلات إجبارية» عندما يحصل المستثمرون على أقل مما كان متوقعاً في البداية، وكان من المرجح حدوث تخلف عن السداد في غياب إعادة الهيكلة. وقد أبدت دولٌ مثل ساحل العاج وبنين وأنغولا وأوغندا والكونغو برازافيل وجنوب إفريقيا وموزمبيق وكينيا نشاطاً ملحوظاً بالفعل في هذا المجال. وفي حين قد تُخفض هذه الإستراتيجيات مخاطر إعادة التمويل على المدى القصير؛ فإنها تعكس في الوقت ذاته استمرار الهشاشة الهيكلية.
المخاطر لا تقتصر على الجانب المالي:
تُبرز «ستاندرد آند بورز غلوبال ريتينغز» تصاعد التوترات الأمنية والاستياء الشعبي بوصفهما عاملَين رئيسيَّين في زعزعة الاستقرار. ففي غرب ووسط إفريقيا، يُلقي تدهور الأوضاع الأمنية، المرتبط بتوسع التمرّد الإرهابي (ولا سيما في منطقة الساحل) بظلاله الثقيلة على المالية العامة. وتُعتبر بوركينا فاسو وشمال شرق نيجيريا المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن المخاطر تلوح أيضاً في الأفق في كلٍّ من بنين وتوغو والكاميرون وتشاد وكوت ديفوار وغانا وموزمبيق. وتُمثل هذه الضغوط الأمنية تكلفة ميزانية جوهرية، وتؤدي إلى تفاقم الاختلالات الحادة القائمة بالفعل.
وعلى التوازي؛ يُعقّد تزايد محاولات الانقلاب وحركات الاحتجاج الاجتماعي من مهمة تنفيذ السياسات الاقتصادية. وتشير «ستاندرد آند بورز» على وجه الخصوص إلى محاولات انقلاب في بوركينا فاسو وبنين، فضلاً عن نوبات من عدم الاستقرار في غينيا بيساو ومدغشقر.
ففي مدغشقر؛ أبرز إسقاط الحكومة، على خلفية سخط شعبي ناجم عن ارتفاع تكلفة المعيشة، الثقل المتزايد للمطالب الاجتماعية، التي يتزعمها شباب حضري يواجه أوضاعاً معيشية هشة. وقد شهدت كينيا مظاهرات مماثلة في عام 2024م، ردّاً على زياداتٍ ضريبية كانت مقررةً في قانون المالية. ووفقاً للوكالة؛ فإن هذه الذروات من التوترات الداخلية قادرة على تعديل التوجهات الميزانية، ولا سيما عندما تسعى الحكومات إلى زيادة إيراداتها في ظل بيئة تضخمية.
وأخيراً؛ تظل الفوارق الإقليمية عنصراً هيكلياً في هذا التحليل، فوفقاً لـ«ستاندرد آند بورز» تتمتع دول الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا UEMOA على العموم بملامح ائتمانية طويلة الأجل أكثر قوةً من نظيراتها في الجماعة الاقتصادية والنقدية لإفريقيا الوسطى CEMAC، التي تتعرض بدرجةٍ أكبر لتقلبات أسعار النفط المزمنة.
ومع ذلك؛ يمثل احتمال إعادة جدولة الدين الإقليمي للسنغال تهديداً لمنظومة الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب إفريقيا بأكملها، نظراً للترابطات المالية وتعرض البنوك الإقليمية للسندات الحكومية السنغالية. بيد أن الوكالة تُقدّر أن المؤسسات المصرفية في الاتحاد (ولا سيما في كوت ديفوار) لا تزال تتمتع عموماً بملاءة مالية قوية والقدرة على امتصاص صدمة معتدلة.
وهكذا؛ تقف القارة الإفريقية عند مفترق طرق في عام 2026م، فصلابة النمو النسبية والتحسّن التدريجي للأطر الاقتصادية الكلية توفر رافعات للصمود. غير أن حجم أقساط سداد الدين الخارجي، فضلاً عن المخاطر الأمنية والسياسية، يطرح سؤالاً محورياً مفاده: كيف يمكن للديناميكية الإيجابية للتصنيفات السيادية أن تصمد أمام صدمة سيولة خارجية بهذه الضخامة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://afrique.le360.ma/economie/lafrique-face-a-une-dette-souveraine-record-2026-lannee-des-tensions-financiere-securitaire-et_CCDHXBUHMVDYVPMNOBP3ZH6VEM/











































