المقدمة:
تستعرض هذه الورقة 3 مقالات مختارة من واقع الإعلام العبري لشهر مايو 2026م، تظهر مدى التغلغل الإسرائيلي في بعض مناطق القارة الإفريقية، مع أن الخطوات التي تقطعها تل أبيب مُحاطة بالحذر والسرية.
وسيُلاحظ المتابع أن المسؤولين المنتمين لإقليم صوماليلاند الانفصالي حرصوا على عدم كشف هويتهم خلال حديثهم عن تعزيز الشراكة مع تل أبيب، كما أن الصفقات الأمنية والاستخبارية التي تُبرمها بعض الشركات الإسرائيلية في غرب إفريقيا تشهد وجود حلقة أساسية مفقودة؛ حيث لا تذكر البيانات الصادرة عن هذه الشركات اسم البلد الإفريقي الذي يبدو أنه أدمن اقتناء التكنولوجيا الإسرائيلية.
وفي وقتٍ يعكس فيه هذا الغموض مدى حساسية الخطوات التي تقطعها تل أبيب في القارة الإفريقية؛ إلا أن تلك الخطوات تبدو كأنها تُشكّل تحوُّلًا مهمًّا يتعين التدقيق فيه، فإقليم أرض الصومال الذي نال اعترافًا إسرائيليًّا هو الأول من نوعه أواخر العام الماضي مازال يُقدّم المزيد من المبادرات التي تُقرّبه من تل أبيب لدرجة الشراكة الإستراتيجية الشاملة، وبات الآن أقرب إلى “المتطوع” في جبهة الحرب الإسرائيلية على الحوثيين في اليمن.
تلك النزعة ظهرت على لسان مسؤول من الإقليم تحدَّث للإعلام العبري دون كشف هويته، وأكد استعداد الإقليم للتعاون مع إسرائيل في حربها على الحوثيين، وتمكين تل أبيب من استخدام أراضي الإقليم حال هدَّدت الجماعة الموالية لإيران الملاحة في البحر الأحمر.
ويبدو أن الإقليم الإنفصالي يباشر تلك الخطوات، ويُقدّم المزيد من المبادرات لإسرائيل على أمل أن ينال المزيد من الاعترافات من دول أخرى، من خلال بناء انطباعات بأنه يشاطر دولًا بعينها مصيرًا مشتركًا، ويقف في خندق واحد معها ضد إيران وأذرعها.
من جانب آخر، تُعمّق إسرائيل وجودها في الغرب الإفريقي من خلال صفقات، ربما لا تبدو ضخمة من زاوية العوائد المالية، إلا أنها تُعبِّر عن تطورات إستراتيجية خطيرة في هذا الصدد، فاستحواذ إسرائيل على صفقات على صلة بالأمن السيبراني والبنى التكنولوجية يعني أنها تُركّز على مجالات نوعية، تُمكّنها من امتلاك موطئ قدم ثابت في هذه المنطقة الحساسة، وتُوفّر لبعض الدول الإفريقية تكنولوجيا حصرية، ربما يصعب أن تجدها هذه الدول لدى شريك آخر.
وخلال مايو 2026م عاد الرصد الإعلامي الإسرائيلي للتطورات الخاصة بمحاولات إيران كسب المزيد من النفوذ في القارة الإفريقية، وتجددت النغمة التي كانت مُستخدَمة قبل الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، ولكن هذه المرة وجد الإعلام الإسرائيلي سببًا جديدًا قد يؤدي إلى تعزيز النفوذ الإيراني في شرق إفريقيا على وجه الخصوص وبالقارة الإفريقية بوجه عام، وهو ارتفاع أسعار الطاقة، ونقص الأسمدة، وتضرُّر طرق التجارة وأزمة مضيق هرمز، في وقتٍ تخشى تل أبيب أن تنجح إيران في استغلال تلك الأزمات لصالحها.
في المقال الأول المنشور بتاريخ 1 مايو 2026م بموقع قناة الأخبار 12، يقتبس الكاتب تومر ألماغور تصريحات أدلى بها مسؤول من إقليم أرض الصومال، لم يكشف هويته، يؤكد استعداد الإقليم للتعاون مع إسرائيل وشركائها في الحرب على الحوثيين وتسخير إمكانات الإقليم الجغرافية لصالح النشاطات الإسرائيلية الأمنية والعسكرية.
في المقال الثاني المنشور بتاريخ 6 مايو 2026م، يتحدث الكاتب ميندي هينيغ عبر منصة “بيزبورتال” الاقتصادية العبرية عن صفقة غامضة تقدر بحوالي 130 مليون شيكل إسرائيلي مع جهات حكومية في إحدى بلدان الغرب الإفريقي، دون أن يُحدّدها، ويؤكد أنها تُركّز على التكنولوجيا الأمنية والاستخبارية، وتعكس تعزيز مكانة الشركات الإسرائيلية العسكرية في هذه البقعة من القارة.
في المقال الثالث المنشور بتاريخ 12 مايو 2026م، يرصد الكاتب داني سيترينوفيتش عبر صحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية احتمالات استغلال إيران للأزمات الناجمة عن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية، ولا سيما أزمة أسعار الطارقة ونقص الأسمدة وتضرّر حركة الملاحة، من أجل تعزيز نفوذها بالقارة، ويجادل بشأن قدرتها على قلب هذه الأزمة لصالحها، في وقتٍ تحرص فيه دول بالقارة على حفظ علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية ودول الخليج، بوصفهم من أكبر المستثمرين والمانحين لتلك الدول.
مسؤول رفيع في صوماليلاند لقناة N12: مستعدون للتعاون مع إسرائيل في الحرب ضد الحوثيين ([1])
يُظهر الحوار الذي أدلى به مسؤول رفيع من إقليم صوماليلاند الانفصالي لقناة N12 العبرية تطورات جديدة على صعيد قضية الوجود الإسرائيلي في القرن الإفريقي، وبحسب الكاتب تومر ألماغور، فقد أكّد المسؤول على استعداد أرض الصومال للتعاون مع إسرائيل لمواجهة تهديد الحوثيين، ولا سيما لو عطّل الحوثيون خطوط الملاحة.
ويشير ألماغور إلى موقع أرض الصومال الإستراتيجي قبالة اليمن بالقرب من مضيق باب المندب، لذا فإنه على قناعة بأن استخدام أراضيها في الحملة ضد الحوثيين قد تُشكّل رصيدًا هامًّا لإسرائيل.
تحالف أمني وعدو مشترك:
وينقل الكاتب عن المسؤول الذي ينتمي لأرض الصومال، والذي لم يكشف هويته أنه “لو زعزع الحوثيون الأمن البحري في المنطقة، فسيكون من مصلحة أرض الصومال وإسرائيل تطوير تفاهم متبادل، بل وتشكيل تحالف أمني، ضد عدوّنا المشترك -الحوثيون”، على حدّ وصفه.
كما اقتبس عنه: “أن البلاد (صوماليلاند) مستعدة لتكون شريكًا أمنيًّا لحلفائها، مثل إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة، التي لها بالفعل وجود في ميناء بربرة”، مضيفًا: “سنكون على استعداد لتعاون مماثل مع إسرائيل”.
وأوضح ألماغور أنه منذ اندلاع الحرب مع إيران، هدَّد الحوثيون بتعطيل خطوط الملاحة عبر باب المندب، أحد أهم طرق التجارة في العالم، والمتاخم لساحل اليمن الخاضع لسيطرة التنظيم الإرهابي الشيعي (على حد وصفه)، مشيرًا إلى أنه في الأيام العادية، يمر عبر المضيق نحو 12% من إجمالي التجارة العالمية، بما في ذلك كميات هائلة من النفط المتجهة إلى أوروبا، وأن إيران هددت بتعطيل المرور عبر مضيق هرمز في حال تجدد الحرب، وهو ما يُتوقَّع أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وتداعيات اقتصادية عالمية وخيمة.
تطور العلاقات بين إسرائيل وصوماليلاند:
ورصد الكاتب تطوُّر العلاقات بين إسرائيل والإقليم الانفصالي، وذكر أنه في ديسمبر 2025م، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميًّا بصوماليلاند دولةً مستقلة ذات سيادة. وبعد ذلك بوقت قصير، ناقش الطرفان إنشاء قاعدة عسكرية تخدم إسرائيل على أراضي الصومال، مضيفًا أنه منذ ذلك الحين، أوفدت إسرائيل مايكل لوتيم سفيرًا لها لدى صوماليلاند، كما أوفدت صوماليلاند سفيرها لدى إسرائيل، الدكتور محمد حاجي.
ومضى قائلًا: إن زيارة رئيس صوماليلاند، عبد الرحمن محمد عبد الله، إلى إسرائيل تأجَّلت عقب الحرب، وعاد إلى الاقتباس عن مسؤولين محليين في صوماليلاند أن “الزيارة ضرورية لاستكمال تطبيع العلاقات، ورغم تعيين سفراء من كلا الجانبين، لا تزال زيارة رئيس أرض الصومال إلى إسرائيل ضرورية”، متوقعًا أن تسهم الزيارة في إقامة علاقات رسمية، وتؤدي إلى توقيع اتفاقيات.
أمل في اعتراف دول إضافية والخطر التركي:
وبيَّن الكاتب أن إقليم “أرض الصومال” يباشر بذل جهود حثيثة في الأشهر المنقضية للحصول على اعتراف رسمي من دول إضافية، وأنه بانتهاء الحرب في إيران ثمة توقعات بحدوث تطورات جديدة، ولا سيما وأن هناك “محادثات متقدمة” بشأن الاعتراف تأجلت بسبب الحرب.
ويختم الكاتب بأن عدة دول تعمل على محور معاكس، وعلى رأسها الصومال، التي تسعى صوماليلاند إلى الاستقلال عنها، مضيفًا أن تركيا تمتلك علاقات وثيقة بالصومال، وقاعدة عسكرية على أراضيها.
وأوضح أنه في ضوء ذلك، تقف إسرائيل وتركيا على محورين متقابلين في هذه القضية أيضًا، مقتبسًا تصريح لمسؤول من أرض الصومال ذكر فيه: “لدينا عدو مشترك، إن أرض الصومال وإسرائيل تعملان على تشكيل قوة مضادة لهذا المحور”.
“مير” تُوقّع صفقة في غرب إفريقيا بقرابة 32 مليون يورو ([2])
يكشف الكاتب ميندي هينيغ في مقالته المنشورة بتاريخ 6 مايو 2026م عبر منصة “بيزبورتال” الاقتصادية، أن مجموعة مير (MER Group) وهي شركة قابضة إسرائيلية، نجحت في توقيع اتفاقية جديدة بقيمة تقارب 32 مليون يورو (ما يعادل 130 مليون شيكل إسرائيلي)، لتوفير حلول في مجالات الطيران والاستخبارات والأمن والفضاء السيبراني لجهات حكومية في إحدى دول غرب إفريقيا.
بموجب هذه الاتفاقية، ستقدم “مير” حزمة متكاملة من الحلول في هذه المجالات، إلى جانب خدمات الدعم والتوجيه الاحترافية، وتتوقع الشركة أن يستغرق تنفيذ المشروع حوالي 24 شهرًا، وذلك بحسب سرعة تقدم المشروع ومتطلبات العميل (مع الإشارة إلى أن المقال لا يحدد اسم هذا البلد).
الأمن العسكري يتصدر:
وعلى الرغم من ذلك، يشير الكاتب إلى أن الصفقة الجديدة تنضم إلى سلسلة من المشروعات الأمنية التي أعلنت عنها الشركة منذ بداية العام؛ إذ كانت قد أعلنت في 9 أبريل الماضي عن تلقّيها طلبات وإشعارات ترسية من وزارة الحرب الإسرائيلية بقيمة تقارب 53 مليون شيكل إسرائيلي في مجال التقنيات العسكرية.
تلك الصفقات من المتوقع أن تقدم لبعض الجهات الحكومية في غرب إفريقيا أنظمة بصرية، وأنظمة معالجة فيديو متكاملة مع الذكاء الاصطناعي، وحلول اتصالات للاستخدام العسكري.
وأوضح الكاتب أنه منذ بداية العام، أعلنت الشركة عن إبرام صفقات في قطاع الأمن العسكري بقيمة إجمالية تقارب 275 مليون شيكل إسرائيلي، بما في ذلك الصفقة الحالية، مضيفًا أن ثمة توقعات أن تُنفّذ معظم هذه الاتفاقيات خلال السنوات الأربع المقبلة، لتُضاف إلى رصيد طلبات الشركة، الذي بلغ حوالي 843 مليون شيكل إسرائيلي بنهاية عام 2025م، بما في ذلك الاتفاقيات الإطارية.
نشاط ملحوظ:
ولفت إلى أن هذا الإعلان قُوبِلَ باستحسان المستثمرين؛ حيث ارتفع سهم “مير” بنسبة 5% تقريبًا، في وقت يجري فيه تداول أسهمها حاليًا بقيمة تقارب 730 مليون شيكل إسرائيلي، ما يعكس ربحًا مضاعفًا يبلغ حوالي 17.8% على صافي الربح المتوقع في عام 2025م، وهو مستوى يُعتَبر معتدلًا نسبيًّا مقارنةً بشركات الدفاع المتداولة في البورصة المحلية، لا سيما في ظل الزيادة الحادة في الطلب العالمي على حلول الأمن والاستخبارات والأمن السيبراني.
وبحسب الكاتب، تنشط الشركة خلال السنوات الأخيرة، لا سيما في مجالات الأمن الداخلي والاستخبارات والأمن السيبراني في إفريقيا وكذلك أوروبا، وخلال عام 2025م، أعلنت عن عدة مشروعات أمنية إضافية في غرب إفريقيا، بما في ذلك توسعة مشروعات قائمة بإجمالي إيرادات بلغ حوالي 93 مليون يورو، كما سبق للشركة أن قدَّمت تحديثات حول صفقات في مجالات الاستخبارات وحماية المنشآت الحيوية وتقنيات الكشف والإنذار المبكر للهيئات الحكومية في أوروبا وإفريقيا.
وذهب إلى أن الأرقام الواردة في أحدث تقارير “مير” تعكس التغيير التدريجي في أنشطة الشركة، فقد بلغت الإيرادات في عام 2025م حوالي 666.4 مليون شيكل إسرائيلي، وهو ما يمثل زيادة طفيفة نسبيًّا، بنسبة 0.4% تقريبًا مقارنةً بحوالي 663.7 مليون شيكل إسرائيلي في عام 2024م، بينما ارتفع صافي الربح بنسبة 20% تقريبًا ليصل إلى حوالي 41.2 مليون شيكل إسرائيلي. كما تحسَّن الربح الإجمالي والربح التشغيلي خلال العام، ويعود ذلك جزئيًّا إلى التحوّل نحو مشروعات ذات ربحية أعلى.
خطوة إستراتيجية:
وسجّل قطاع العمليات للشركة داخل إسرائيل زيادة في الإيرادات بنسبة 16.5% لتصل إلى 334 مليون شيكل إسرائيلي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى زيادة الأنشطة الدفاعية والتقنيات العسكرية. وفي المقابل، سجَّلت العمليات العالمية انخفاضًا في الإيرادات.
وبالتوجُّه نحو مشروعات أمنية في مجالات مثل الطيران والاستخبارات والأمن والفضاء السيبراني لجهات حكومية في غرب إفريقيا، تكون الشركة قد قطعت خطوة إستراتيجية تهدف إلى تقليص الأنشطة ذات الربحية المنخفضة، وزيادة التركيز على المجالات ذات الإمكانات الربحية الأعلى، لا سيما في مجالات الأمن والاستخبارات والأمن السيبراني والبنية التحتية التكنولوجية.
وينقل الكاتب عن آفي شيختر، الرئيس التنفيذي لمجموعة “مير”، إن هذه الصفقة تُمثل خطوة أخرى في تنفيذ إستراتيجية نمو المجموعة، التي تُركز على قطاع الأمن العسكري. وتزيد من حجم الطلبات المتراكمة لدى الشركة، وتنضم إلى اتفاقيات أخرى أعلنت عنها منذ بداية العام.
ويختم بالقول: إنه كما هو الحال في العديد من صفقات الدفاع التي أعلنت عنها الشركات الإسرائيلية، لم تفصح شركة “مير” في هذه الحالة أيضًا عن هوية الدولة أو العميل، وظلت تفاصيل الأنظمة المزمع توريدها عامة نسبيًّا. وأضاف أن المشروعات الحكومية في الدول النامية تُعدّ أكثر تعقيدًا في بعض الأحيان من حيث التمويل واللوائح والاعتماد على الميزانيات الحكومية.
هل تستغل إيران الأزمة؟ صراع نفوذ بالقارة الإفريقية ([3])
يتفق الكاتب الإسرائيلي داني سيترينوفيتش مع حقيقة أن ارتفاع أسعار الطاقة، ونقص الأسمدة، وتضرّر طرق التجارة هي أمور تفاقم الأزمة الاقتصادية في إفريقيا، ويعتقد أن إيران تعكف على استغلال هذا الأمر لصالحها، ومع ذلك يبقى على قناعة بأن إغلاق مضيق هرمز ربما لا يُعزّز نفوذ طهران في القارة بشكل ملحوظ.
مقال سيترينوفيتش المنشور بتاريخ 12 مايو 2026م بصحيفة “إسرائيل اليوم” العبرية، يُسلّط الضوء على حقيقة أن الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران تسببت في أزمة اقتصادية وإنسانية حادة في إفريقيا، وذكر أن السبب الرئيسي لذلك يعود إلى تضرُّر ما أسماه “خط أنابيب التجارة البحرية العالمي الحيوي” في إشارة إلى “مضيق هرمز”، الذي أدَّى غلقه إضافة إلى انعدام الأمن في البحر الأحمر إلى ارتفاع حادّ في أسعار النفط لتصل إلى مستويات تتراوح بين 120 و140 دولارًا للبرميل، مما تسبَّب فورًا في ارتفاعات حادة في أسعار الوقود، وتضخّم يُضعِف القدرة الشرائية للأُسَر في جميع أنحاء القارة.
ويشير سيترينوفيتش إلى أن هذه الأزمة تُشكّل واقعًا مزدوجًا لإفريقيا: فمن جهة، ترتفع أسعار الطاقة بشكل كبير مما يُلحق الضرر بالاقتصاد المحلي؛ ومن جهة أخرى، يتعطل إمداد الأسمدة الأساسية للزراعة؛ إذ يمر أكثر من ثلث تجارة اليوريا العالمية، أحد أهم الأسمدة في العالم، عبر مضيق هرمز، ويلفت إلى أن الاضطرابات في هذا الطريق تعني نقصًا كبيرًا وارتفاعًا في التكاليف بما يُهدّد المحاصيل الزراعية والأمن الغذائي في القارة مستقبلًا.
فراغ أمني:
من وجهة نظر الكاتب، هذا التأثير يطال جميع الدول الإفريقية تقريبًا، وبخاصة دول شرق القارة؛ حيث تُكافح “الاقتصادات الهشّة” لاستيعاب هذه الصدمات، فيما تشهد أسعار الوقود في السودان ارتفاعًا حادًّا، ويؤدي نقص الأسمدة إلى تقليص النشاط الزراعي، بينما تشهد إثيوبيا زيادات حادة في أسعار المواد الغذائية، بما في ذلك اللحوم والمواد الأساسية.
كما يؤدي تغيير مسارات التجارة البحرية حول رأس الرجاء الصالح إلى زيادة مدة الإبحار بما يصل إلى أسبوعين، ورفع تكلفة الشحن بشكل ملحوظ، وكل ذلك يعني عبئًا كبيرًا على المُصدِّرين الأفارقة، ولا سيما لو كان الحديث عن صادرات من السلع سريعة التلف التي تعتمد على سرعة التسليم.
وذهب الكاتب إلى أن تحوّل القوات البحرية الدولية لمواجهة تهديد الحوثيين أوجد فراغًا أمنيًّا بما يسمح للقرصنة الصومالية بالعودة إلى مستويات لم تشهدها منذ بداية العقد الماضي. وهنا يفترض الكاتب الإسرائيلي أن طهران تتمتع حاليًّا بنفوذ إستراتيجي؛ بفضل سيطرتها على مضيق هرمز وممرات الطاقة، إلا أن دول الخليج، وبخاصة السعودية والإمارات، لا تزال تتمتع بميزة اقتصادية وسياسية وأمنية أعمق بكثير في معظم أنحاء القارة.
الخليج العربي وأمريكا أولوية:
وبحسب المقال، تحرص الدول الإفريقية على عدم الإضرار بعلاقاتها مع الولايات المتحدة والخليج العربي؛ إذ يشكلان معًا مصدرًا رئيسيًا للاستثمار والمساعدات والطاقة للقارة. لذا لا تسعى العديد من الدول الإفريقية بالضرورة إلى التقارب مع إيران، بل تحاول تجنُّب المواجهة المباشرة معها، والتأكيد في الوقت ذاته على أنها ليست جزءًا من الحملة ضدها.
التداعيات الإنسانية والإستراتيجية للحرب تُعدّ هي الأعمق من وجهة نظر الكاتب، والذي رأى أن أبرز هذه التداعيات ما أسماها “عسكرة الهجرة”، وهي عملية يجري خلالها تجنيد المهاجرين الأفارقة العالقين في اليمن، أحيانًا قسرًا، للقتال في صفوف الجماعات المسلحة. وفي الوقت نفسه، يؤدي انخفاض تدفقات الاستثمار من الخليج إلى صعوبات بالغة أمام دول القارة في التخطيط للمستقبل.
ورغم أن مُصدِّري النفط والذهب، في دول مثل نيجيريا وجنوب إفريقيا، قد يستفيدون مؤقتًا من ارتفاع أسعار السلع، إلا أن هذه المكاسب غالبًا ما تتلاشى بفعل ارتفاع تكاليف الاستيراد وتسارع التضخم.
هشاشة إفريقيا:
في نهاية المطاف، يلفت الكاتب إلى أن الأزمة تبرز مدى هشاشة إفريقيا أمام الصدمات الجيوسياسية العالمية في غياب حماية فعّالة، وتُعزّز الدعوات إلى تعزيز الصمود الإقليمي وزيادة استقلال القارة في مجالي الطاقة والغذاء.
ويختم سيترينوفيتش بالقول بأنه في أيّ سيناريو مستقبلي، سيستغل النظام في طهران سيطرته على مضيق هرمز لتعزيز نفوذه في القارة الإفريقية على حساب النفوذ الغربي، وأن هذه السيطرة تُمكّنه من التحكم في أسعار الطاقة والأسمدة، ومن تعميق اعتماد الدول الإفريقية عليه، محذرًا من استغلال طهران للأزمة كأداة للتأثير السياسي والاقتصادي، لا سيما في ضوء التوقعات التي تشير إلى أن إيران ستُعزّز نفوذها على دول الجنوب العالمي.
—————-
([1]) تومر ألماغور، “مسؤول رفيع في صوماليلاند لقناة N12: مستعدون للتعاون مع إسرائيل في الحرب ضد الحوثيين”، قناة الأخبار 12 (الأراضي المحتلة)، 1 مايو 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.mako.co.il/news-world/2026_q2/Article-66e418a1cdcdd91026.htm
([2]) ميندي هينيغ، “مير توقع صفقة في غرب إفريقيا بقرابة 32 مليون يورو”، موقع bizportal (الأراضي المحتلة)، 6 مايو 2026م، على الرابط (بالعبرية): https://www.bizportal.co.il/capitalmarket/news/article/20031491
([3]) داني سيترينوفيتش، “هل تستغل إيران الأزمة؟ صراع النفوذ بالقارة الإفريقية”، صحيفة إسرائيل اليوم (الأراضي المحتلة)، 12 مايو 2026م، على الرابط (بالعبرية):
https://www.israelhayom.co.il/news/world-news/article/20526048











































