بعد نحو أربعة عقود من صدور عمل المؤرخ الأفروأمريكي أليسون بليكلي A. Blakely البارز عن «روسيا والزنوج» (واشنطن، 1986م)[1]، صدر في العام الجاري عمل يستكمل مساره بتعميق تاريخي أكبر، يقوم بالأساس على فكرة الحفاظ على «روح» الفترة الزمنية التي يغطيها. وتمثل ذلك في صدور عمل مهم للمؤرخة الإيطالية أنيتا فريسون Anita Frison، حمل عنواناً دقيقاً للغاية عن «إفريقيا في الثقافة الإمبراطورية الروسية» خلال

الفترة من 1850م حتى سقوط تلك الإمبراطورية في العام 1917م. ولفتت المؤلفة في تصدير عملها إلى ما أثاره عمل بليكلي من اهتمام بالتصور المتبادل بين روسيا وإفريقيا والشتات الإفريقي، «مما غير الاهتمام إلى المجال الثقافي، ووسع النقاشات المعنية لتشمل الأفارقة الأمريكيين»، وأن مؤلفها يركز بالأساس على الاهتمام بصورة القارة الإفريقية في الثقافة الروسية (الإمبراطورية)[2]؛ وهو بابٌ جديد في جمعه بين المعرفة التاريخية ومظهرها الثقافي والفني المتعلق بالتفاعلات الروسية الإفريقية، أو الإفريقية الروسية، منذ منتصف القرن التاسع عشر، وخلال الفترة التي شهدت توحش الاستعمار الغربي في إفريقيا نهاية القرن نفسه، ثم تحولات أوروبا في القرن العشرين وتأثيرها القوي في علاقات قوى الاستعمار الغربي وروسيا والولايات المتحدة في القارة الإفريقية.
وتستعرض المقالة ذلك في المحاور الآتية:
– الروس يكتشفون إفريقيا السوداء.
– الجمعيات الجغرافية: المعرفة في خدمة الاستعمار.
– الأفارقة في روسيا: الأداة غير الواعية للتاريخ؟.
الروس يكتشفون إفريقيا السوداء:
أوضحت فريسون في مقدمة مؤلفها مسألةً بالغة الأهمية، منهجياً على الأقل، مضمونها أنها استخدمت المصطلحات الشائعة عن إفريقيا في الفترة محل الدراسة، مثل كلمات «زنجي» و«الحبشة» و«السود» وغيرها للحفاظ على روح ذلك العصر وبيان نزعته العنصرية قدر الإمكان، وإعمالاً لنهجٍ رصين في الكتابة التاريخية، ولا سيما في ظل المتغيرات الثقافية والعلمية الراهنة.
وفي هذا السياق جاء تناولها لمسألة اكتشاف الروس لـ«إفريقيا السوداء»، وقدّمت فريسون في الفصل المخصص لهذه المسألة مسحاً لأهم كتب الرحلات والكتابات الروسية عن إفريقيا في تخصصَي الأنثروبولوجيا والإثنوغرافيا، وربطتها بشكلٍ دقيق بما قادت إليه من اهتمام روسي جديد بالثقافة المادية الإفريقية، الأمر الذي أبانت عنه عمليات إضافة مجموعات كبيرة من القطع الفنية الإفريقية في المتاحف الروسية المختلفة. كما درست نقطةً بالغة الأهمية تتعلق بمسح الصور الفوتوغرافية التي التقطها رحالة روس خلال زياراتهم في إفريقيا، والتي تُمثل بدورها مادةً ثرية للغاية، أخذاً في الاعتبار أن التصوير نفسه كان «أداة علمية» يمكنها توثيق التنوع الإنساني، وكوسيط يمكن أن يدل على أسلوب حياة السكان المحليين والصلة بين الروس والشعوب الإفريقية.
وربطت فريسون الاهتمام الروسي المتزايد بإفريقيا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بحدثٍ مهم لروسيا وإفريقيا معاً، ولبقية العالم في واقع الأمر، ألا وهو افتتاح قناة السويس (1869م) التي يسرت السفر إلى القارة، ثم توجُّه روسيا إلى إقامة علاقات دبلوماسية مع دول الشمال الإفريقي والحبشة.
وفي رصدها لعلاقة تأثير وتأثر، أشارت المؤلفة إلى ذيوع أنباء أحداث مهمة في إفريقيا وحظيت بشعبية هائلة في روسيا، مثل الحرب المهدية في السودان (1881-1899م)، والصراع الإثيوبي الإيطالي (1895-1896م)، والحرب الإنجليزية البويرية (1899-1902م)، إضافةً إلى تحول إفريقيا لوجهةٍ للرحالة والمستكشفين والعلماء الروس.
وعمدت المؤرخة إلى تحليل المصادر الأولية المعنية بمعرفة روسيا بإفريقيا في الفترة المعنية (منذ بدء النصف الثاني من القرن التاسع عشر). وتجلى ذلك، على سبيل المثال، في تناولها لرحلة فاسيلي جونكر (1840-1892م) Vasilii Junker وألكسندر إليسيف Aleksander Eliseev (1858-1895م) لاستكشاف إفريقيا السوداء.
الجمعيات الجغرافية: المعرفة في خدمة الاستعمار:
يتناول الفصل الثاني من الكتاب دور «الجمعية الجغرافية الروسية»، ضمن بقية نظيراتها الأوروبية، في حركة كشف إفريقيا، وصدّرته بملاحظة الولع الذي أبدته تلك الجمعيات بالكارتوغرافيا وتسمية مواقع في القارة أكثر من الاهتمام بحالة شعوبها والانخراط معهم في علاقات ندية، مؤكدةً أن «المعرفة الكارتوغرافية التي طالما شغلت أذهان الرحالة والمستكشفين والجمعيات والحكومات في نهاية العصر الإمبراطوري، قد أسفرت عن منتج هائل لأنواع بالغة التنوع من الخرائط: من عسكرية إلى علمية، ومن إثنوغرافية إلى تعليمية». وأن هذا الإنتاج الذي كان موجهاً لطائفة موسعة من الجمهور (مثل العلماء والجيش والحكومة والعامة والطلاب) لم يلعب دوراً جوهرياً في تشكيل التصور (والمعرفة) العام عن أراضٍ بعيدة فحسب، بل أخفى الأجندات السياسية والاقتصادية والثقافية للدول التي كانت تقوم بإنتاج مثل تلك الخرائط، بما فيها روسيا.
وفي حالة روسيا، فإن تطور الكارتوغرافيا المعنية بإفريقيا، ولا سيما بشرقي حوض النيل، ظلت مسألةً ملحوظة على مدار تلك الفترة، وضربت المؤلفة مثالاً على ذلك بخريطة يفجيني كوفاليفسكي Kovalevskii Map[3] التي جاءت بعنوان «شرق السودان أو الحبشة» (1849م)، والتي علّق عليها عدد كبير من معاصريه واللاحقين عليه في روسيا وإنجلترا وغيرهما، وأضاف عددٌ من الكارتوغرافيين الإنجليز لخريطة كوفاليفسكي امتدادات بين الحبشة والمحيط الهندي.
وبعد نحو 20 عاماً من ظهور خريطة «شرق السودان والحبشة» ظهر إسهام مهم لأليكسي إلين Aleksei Il’in (1834-1889م) في شكل أطلس مدرسي ضم ما وصفه بقبائل إفريقيا الست، ومنه تصنيف «الساميون» لجميع شمال إفريقيا وجزء كبير من حوض النيل (وكل إثيوبيا الحالية)، تلاه أطلس مدرسي مهم (1898م) وضعه الإثنوغرافي والأنثروبولوجي والجغرافي إدوارد بيتري Eduard Petri، ووصف فيه جنوب إفريقيا بأن سكانها جميعاً من البيض المسيحيين، إلى جانب تعميم وصف «الزنوج» ليشمل السودانيين والبانتو والهوتنتوت والبوشمن.
وما يهمنا في تتبع فريسون هنا فكرة مهمة للغاية، وهي تراكم المعرفة الأوروبية وتكاملها في دعم مشروع الاستعمار في القارة الإفريقية بشكلٍ بالغ المنهجية والوعي طوال القرن التاسع عشر، ريثما يحدث التطور المعرفي التكنولوجي اللاحق في القرن العشرين.
الأفارقة في روسيا: الأداة غير الواعية للتاريخ؟:
يتناول الكتاب في الفصول الثلاثة الأخيرة منه عدة قضايا متشابكة، وهي العناصر الإفريقية التي عاشت في روسيا في تلك الفترة، سواءٌ أكانوا أقليةً متميزة في عالم أوروبي أم شخصيات بارزة في الحياة الفكرية والثقافية الروسية؛ ثم الثقافة المادية الإفريقية كما تمثلتها روسيا الإمبراطورية وعرضتها في قصورها ومتاحفها وجمعياتها العلمية وغيره؛ ثم صلة إفريقيا السوداء بالفنون والآداب الروسية.
وإلى جانب احتفاء تلك الفصول بشخصيات مثل الشاعر الروسي الأشهر ألكسندر بوشكين؛ فإنها تقدّم قراءةً عميقة للغاية لحياة الأفارقة في روسيا وارتباطاتهم الثقافية والفنية المشتركة.
وتوصلت تلك الفصول مجتمعة إلى الطبيعة المتشابكة بشكلٍ تام في عملية إنتاج المعرفة الروسية (والأوروبية) حول إفريقيا، مع ملاحظة أنه بينما مارست أوروبا حكماً استعمارياً مباشراً في إفريقيا؛ فإن روسيا سعت، ربما لاعتبارات سياسية اقتصادية لم تؤكد عليها المؤلفة، إلى التوافق مع الحداثة الأوروبية، والاحتماء خلفها، من خلال تبنّي لغةٍ وأطرٍ استعمارية مماثلة دون أن تمتلك قوة أدوات الاستعمار الأوروبي التقليدي في نهاية القرن التاسع عشر.
ويبدو من هذه الفصول أن دراسة الطرق التي تم من خلالها التعبير عن معرفة إفريقيا داخل الإمبراطورية الروسية تمكننا من دحض فكرة اعتبار هذه المعرفة مسألة مجردة، مع الأخذ في الحسبان اتصال المقاربة الروسية بنظيرتها الأوروبية، أو ما وصفته المؤلفة باتباع روسيا «نهج الاستعمار بلا مستعمرات»، إذ سمحت عمليات رسم ووصف البلدان الإفريقية المختلفة للجغرافيين والكارتوغرافيين والعلماء الروس بما تسميه «غزو افتراضي» من خلال إعادة تسمية تلك البلدان والمناطق بأسماء روسية، وتكريس مراقبة روسية استعمارية «للجسد الأسود» لا تختلف عن رؤية رجال الاستعمار الأوروبي إلا في مسألة توفر الأدوات المادية للغزو والهيمنة.
واختتمت المؤلفة كتابها بالدعوة إلى مزيدٍ من الدراسات حول أبعاد تفاعل روسيا مع الأفكار الاستعمارية في إفريقيا، وسمة هذا التفاعل العابر للحدود، وعلى نحوٍ يتحدى فرضيات الاستثناء الروسي، الذي توظفه سياسات روسيا الخارجية راهناً في إفريقيا، وعدد آخر من القوى المماثلة أبرزها تركيا.
خلاصة:
يأتي إسهام أنيتا فريسون Anita Frison ضمن إسهامات مهمة على قلّتها في تناول علاقة إفريقيا بروسيا، أو روسيا بإفريقيا. ونختتم هنا بخلاصةٍ لافتة من هذه الإسهامات نقلاً عن مكسيم ماتوسيفيتش في تقديمه لكتابه «إفريقيا في روسيا» (2006م)[4]: ولسنا في حاجةٍ إلى القول بأن المواجهة بين إفريقيا وروسيا لم تكن في اتجاهٍ واحد فقط. فمن الناحية التاريخية، تطورت روسيا في معزل عن الغرب، فلم يكن للإمبراطورية الروسية مستعمرات وراء البحار، لأن اتساع أوراسيا وفّر لها إمكانات غير محدودة للتوسع الإمبراطوري. ودعم هذا الوضع الجيوبوليتيكي صورة روسيا بين الأفارقة والكثير من أحفادهم، ودعم غموض المجهول هذه الرؤية المثالية أيضاً، حيث ظهرت روسيا «مختلفة» عن القوى الأوروبية الأخرى التي «سببت تخلف» إفريقيا بالتورط في تجارة الرقيق المخجلة عبر الأطلنطي، وفي المشروع الاستعماري لاحقاً[5]. وهكذا– كما لاحظ ماتوسيفيتش قبل عقدين كاملين- يبدو أن روسيا لا تحمل مثل هذا الجرم. ولكن بهذا المنطق نفسه، أدى غياب أية صلة إمبريالية ملحوظة بسهولة بين روسيا والقارة الإفريقية إلى تعقيد مهمة التفسير التاريخي لوجود روسيا في إفريقيا.
——————–
الهوامش والمراجع:
[1] Blakely, Allison, Russia and the Negro: Blacks in Russian History and Thought, Howard University Press, Washington, 1986.
ولاحظ مكسيم ماتوسيفيتش في مقدمة كتابه «إفريقيا في روسيا، روسيا في إفريقيا: ثلاثة قرون من التلاقي» (2006م) ما يلي بخصوص مؤلَّف بليكلي: وعلى الرغم من أن هذا الكتاب يُعدّ عملاً عبقرياً حقيقياً؛ فإنه تم إعداده بينما كانت الحرب الباردة لا تزال في أوجها، وهذه الحقيقة أثرت في منهجية البحث. وقد اعترف المؤلف نفسه بالمحددات المادية لبحثه (أي عدم القدرة على الوصول إلى السجلات السوفييتية)، وطالب بمواصلة الدراسة العميقة لهذا الموضوع المهم. وبينما كان واضحاً أن الدراسات السوفييتية عن إفريقيا تعرقلت بسبب العقيدة الأيديولوجية ومحدودية الوصول إلى المصادر الأولية والتجربة الميدانية، بينما قدّم المتخصصون السوفييت في الدراسات الإفريقية عبر السنين قدراً كبيراً من العمل، وكان معظمه تحت رعاية معهد إفريقيا بموسكو (أو معهد الدراسات الإفريقية).
- ماتوسيفيتش، مكسيم (محرر): إفريقيا في روسيا، روسيا في إفريقيا، ثلاثة قرون من التلاقي (ترجمة عزت زيان ومحمد عبد الكريم أحمد، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2022م.
[2] Frison, Anita, Africa in Russian Imperial Culture: Race, Empire, and Representation (1850-1917), Cambridge, UK: Open Book Publishers, 2026, pp.1-2.
[3] راجع في تاريخ الكارتوغرافيا الأوروبية، ودورها في عمليات الاستعمار والصراعات خارج أوروبا وداخلها، وصلة روسيا بها في بعض المراحل (منذ القرن الثامن عشر) الكتاب المهم:
Edney, Matthew H. Cartography: The Ideal and Its History, The University of Chicago Press, Chicago, 2019.
[4] ماتوسيفيتش، مكسيم (محرر): إفريقيا في روسيا، روسيا في إفريقيا، ثلاثة قرون من التلاقي، مرجع سابق.
[5] Walter Rodney, How Europe Underdeveloped Africa (Washington, D.C.: Howard University Press, 1974).











































