يعيش الصومال مرحلة سياسية شديدة التعقيد بعد فشل المباحثات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة في التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل المرحلة الانتقالية، وسط خلاف حاد حول يتمحور حول شرعية استمرار الرئيس حسن شيخ محمود في حكم الصومال بعد 15 مايو الجاري.
ومع دخول الاتحاد الإفريقي على خط الأزمة محذرًا من تعميق الانقسام، تبدو البلاد أمام اختبار سياسي جديد قد يحدد شكل الدولة الصومالية خلال السنوات المقبلة.
في هذا التقرير، نُشرّح الأزمة الراهنة في تسع نقاط؛ لفهم كيف وصلت البلاد إلى هذه اللحظة، وما الذي يدور حول ولاية الرئيس، والتعديلات الدستورية، والانتخابات المباشرة، ومواقف الأطراف المختلفة، فضلا عن فرص التهدئة ومخاطر التصعيد في المرحلة المقبلة.
أزمة ولاية حسن شيخ محمود
أولاً: لماذا يُعد 15 مايو 2026 تاريخًا مفصليًا في الأزمة؟
يمثل 15 مايو نقطة الخلاف الرئيسية بين الحكومة والمعارضة، فالمعارضة، ممثلة في “مجلس مستقبل الصومال” تعتبر أن هذا التاريخ يوافق انتهاء الولاية الدستورية للرئيس حسن شيخ محمود، استنادًا إلى المادة 91 من الدستور المؤقت، وبالتالي لا يجوز له الاستمرار في ممارسة كامل صلاحياته دون اتفاق سياسي جديد.
أما الحكومة، فتؤكد أن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في مارس الماضي مدّدت الولاية الرئاسية لعام إضافي، وأن الرئيس سيبقى في منصبه حتى 15 مايو 2027.
هنا تحديدًا بدأ الخلاف يتحول من نزاع سياسي إلى صراع على الشرعية الدستورية نفسها.
ثانيًا: كيف بدأت الأزمة قبل الوصول إلى هذه اللحظة؟
تعود جذور الأزمة إلى مارس الماضي، عندما أقر البرلمان الصومالي بغرفتيه تعديلات دستورية مهمة، تضمنت:
- تمديد الولاية الدستورية للرئيس عامًا إضافيًا.
- رفع مدة الولاية الرئاسية من 4 سنوات إلى 5 سنوات.
- تسريع الانتقال إلى نظام انتخابي مباشر قائم على “شخص واحد، صوت واحد”.
الحكومة الصومالية وصفت هذه الخطوات بأنها استكمال للدستور المؤقت وبداية لمرحلة جديدة من بناء الدولة.
لكن المعارضة اعتبرت أن هذه التعديلات أُقرت دون توافق سياسي شامل، ما يجعلها محل نزاع قانوني وسياسي.

ثالثًا: ما علاقة الانتخابات المباشرة بالأزمة الحالية؟
في ديسمبر 2025، شهدت العاصمة مقديشو أول انتخابات محلية مباشرة منذ أكثر من نصف قرن، في تحول لافت من نظام المحاصصة العشائرية إلى الاقتراع الشعبي.
كما بدأت الحكومة تنفيذ انتخابات مماثلة في ولاية جنوب غرب الصومال، مع خطط لإجرائها في هيرشبيلي وغلمدغ خلال الأشهر المقبلة.
الحكومة ترى في ذلك تحولاً ديمقراطيًا تاريخيًا، أما المعارضة، فتخشى أن يُستخدم هذا المسار لفرض أمر واقع سياسي جديد، دون اتفاق وطني جامع.
رابعًا: ماذا دار في محادثات الحكومة والمعارضة؟
في 2 مايو الجاري، وجّه الرئيس حسن شيخ محمود دعوة رسمية إلى المعارضة للمشاركة في حوار سياسي وطني بهدف مناقشة الخلافات القائمة.
وأكد أن المرحلة الراهنة تتطلب التوافق وتقديم تنازلات متبادلة للحفاظ على وحدة البلاد واستقرارها، لكن هذه الدعوة لم تنجح في تبديد التوتر بين حكومتع والمعارضة.
وفي 5 مايو، أعلن مجلس مستقبل الصومال رفضه المشاركة في الحوار، ما لم تتوقف الحكومة عن الإجراءات الانتخابية الأحادية.
كما طالب المجلس بوجود آلية وساطة مستقلة تضمن حياد المفاوضات.

ورغم تأكيده الانفتاح على التفاوض، شدد على أن أي حوار لا يمكن أن يكون جادًا في ظل استمرار الحكومة في فرض ترتيبات دستورية وانتخابية من طرف واحد.
وانعقدت في مقديشو جولة محادثات مباشرة بين الحكومة والمعارضة بين يومي 13 و15 مايو الجاري، بدعم من المجتمع الدولي، بهدف التوصل إلى إطار سياسي انتقالي.
لكن المفاوضات انهارت بسبب الخلاف حول ثلاث قضايا رئيسية:
- الشرعية الدستورية للرئيس.
- تقاسم السلطة خلال المرحلة المقبلة.
- إدارة العملية الانتخابية والانتقال السياسي.
وبعد فشل المحادثات، أعلنت المعارضة أن البلاد تواجه فراغًا دستوريًا، وأن الرئيس يجب اعتباره الآن رئيسًا سابقًا.
خامسًا: ما موقف الرئيس وحكومة الصومال بعد 15 مايو؟
في خطوة بدت بمثابة رد سياسي مباشر على المعارضة، أعلن الرئيس حسن شيخ محمود، السبت، رسميًا البدء في تطبيق دستور البلاد.
وأكد أن الحكومة ستبدأ قريبًا الفصل بين البرلمان والحكومة الفيدرالية، ضمن مسار إعادة هيكلة مؤسسات الدولة.
كما شدد على أن حكومته ستبقى حتى 15 مايو 2027، ما يعني رفضًا واضحًا لفكرة المرحلة الانتقالية التي تطالب بها المعارضة.
الحكومة، بدورها، أكدت أن التعديلات الدستورية التي أقرها البرلمان في مارس الماضي مدّدت الولاية الرئاسية لعام إضافي، بما يعني استمرار الرئيس حسن شيخ محمود في منصبه حتى 15 مايو 2027، في إطار ما قالت إنه استكمال البناء الدستوري والانتقال التدريجي نحو نظام انتخابي مباشر.
وفي السياق، نشرت وكالة الأنباء الصومالية الرسمية “صونا” مقالاً، اليوم السبت، بدا معبّرًا عن توجهات داعمة للموقف الحكومي، دعا فيه الكاتب علي أحمد المقدشي قوى المعارضة إلى الانخراط في حوار سياسي وقانوني جاد مع الرئيس وحكومته، بدلاً من التلويح بخيارات قد تقود إلى الفوضى وعدم الاستقرار.
المقال دعا القوى الرافضة للمسار الحالي إلى تقديم بدائل أكثر واقعية، خاصة فيما يتعلق بالقوانين المنظمة للعملية الانتخابية وآليات عمل اللجان المشرفة عليها، خلال ما “السنة الدستورية الجديدة” التي قال إنها بدأت اعتبارًا من 16 مايو 2026.
ورأى المقال أن استمرار القيادة الحالية قد يصبح “خيارًا وطنيًا ودستوريًا حتميًا” لضمان استمرارية مؤسسات الدولة ومنع الفراغ السياسي، والمضي قدمًا في تنفيذ الدستور الجديد، لا سيما في ظل ما وصفه بالتأييد الشعبي المتزايد لمسار الانتخابات المباشرة وفق مبدأ “شخص واحد، صوت واحد”، باعتباره خطوة تاريخية لترسيخ نظام انتخابي أكثر عدالة، وتعزيز قيم المساواة والوحدة الوطنية.
سادسًا: ما موقف المعارضة الصومالية بعد 15 مايو؟
في بيان يوم الجمعة، أعلن الائتلاف المعارض أن المحادثات السياسية التي عُقدت في مقديشو بين الحكومة الفيدرالية الصومالية وممثلي المعارضة خلال الفترة من 13 إلى 15 مايو قد انهارت، بعد فشل الطرفين في التوصل إلى اتفاق بشأن إطار سياسي انتقالي مقترح.
وجدّد الائتلاف موقفه القائل إن حسن شيخ محمود “ينبغي اعتباره الآن رئيسًا سابقًا”، مشيرًا إلى أن الحكومة الفيدرالية يجب أن تعمل خلال الفترة الانتقالية بصلاحيات تنفيذية محدودة، تقتصر على تسيير الأعمال الإدارية اليومية، مع الامتناع عن اتخاذ قرارات أحادية تتعلق بالقضايا السياسية، والدستورية، والانتخابية، والأمن الوطني.
كما دعا مجلس مستقبل الصومال قوات الأمن إلى الالتزام بمسؤولياتها الدستورية، كما أعلن عن خطط لإطلاق مبادرة سياسية أوسع تهدف إلى معالجة تحديات المرحلة الانتقالية في البلاد.
سابعًا: ماذا قال الاتحاد الإفريقي عن أزمة الصومال الدستورية؟
مفوضية الاتحاد الإفريقي أعربت عن قلقها من انتهاء المفاوضات دون توافق، مشيدة في الوقت ذاته باستعداد كلٍّ من الحكومة الفيدرالية، بقيادة الرئيس حسن شيخ محمود وقيادات المعارضة للانخراط في حوار مباشر وشامل، بما يخدم المصلحة العليا للصومال والشعب الصومالي.
ودعت في بيان، يوم السبت، جميع الأطراف إلى:
- العودة سريعًا إلى الحوار.
- تجنب ترسيخ الانقسام السياسي.
- الالتزام الصارم بالنظام الدستوري.
- تقديم تنازلات متبادلة.
كما أكدت المفوضية استمرار دورها في دعم الاستقرار عبر بعثة الاتحاد الإفريقي للدعم والاستقرار في الصومال (AUSSOM)بالتنسيق مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين.
ثامنًا: لماذا تبدو الأزمة أكثر خطورة هذه المرة؟
تبدو الأزمة السياسية والدستورية الحالية في الصومال بعد 15 مايو أكثر خطورة من ذي قبل؛ لأنها لا تتعلق فقط بصراع سياسي بين حكومة ومعارضة، بل تتداخل معها ملفات أكثر حساسية، مثل:
- شرعية المؤسسات الدستورية في الصومال.
- مستقبل النظام الانتخابي نفسه.
- الخلافات العشائرية والسياسية القديمة.
- التهديدات الأمنية المستمرة من حركة الشباب وتنظيم داعش الإرهابيين.
أي انقسام سياسي حاد قد ينعكس سريعًا على الوضع الأمني الهش أصلا في البلاد.

تاسعًا: إلى أين تتجه الصومال بعد 15 مايو؟
بموجب التطورات الراهنة، يبدو أن سيناريوهات الأزمة الدستورية في الصومال بعد 15 مايو تتراوح ما بين ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1- العودة إلى التفاوض
وهو السيناريو الذي يدفع نحوه الاتحاد الأفريقي والشركاء الدوليون، عبر اتفاق مرحلي يخفف التوتر.
2- فرض الحكومة لمسارها السياسي
عبر مواصلة تطبيق الدستور الجديد وتنظيم الانتخابات المباشرة، مع تجاهل اعتراضات المعارضة.
3- تصعيد سياسي مفتوح
إذا تمسكت المعارضة باعتبار الرئيس فاقدًا للشرعية، ورفضت الاعتراف بقرارات الحكومة، ما قد يفتح الباب أمام أزمة دستورية أعمق.











































