نشرت مؤسسة العلوم والسياسة الألمانية (SWP) مقالًا تحليليًّا بعنوان “حرب إيران: عامل مزدوج للأزمات والصراعات في القرن الإفريقي”، بقلم بروفيسور “جيريت كورتس/ Gerrit Kurtz”؛ خبير سياسي في مجموعة أبحاث إفريقيا والشرق الأوسط بالمعهد، تطرَّق خلاله إلى أن السودان وإثيوبيا والصومال تتأثر تحديدًا بالآثار الاقتصادية للحرب مع إيران، لكنها قد تستفيد أيضًا من تحويل مسار التجارة الدولية.
وفي الوقت نفسه، تسعى الأطراف المتنازعة في القرن الإفريقي إلى الحفاظ على دعم دول الخليج. والواقع أن الحرب الإيرانية لم تنقل صراعها إلى القرن الإفريقي فحسب، بل نقلت إليه أيضًا “منطق الصراع” نفسه؛ حيث باتت القواعد الأمنية تنهار، وتتسع فجوات الهشاشة الاقتصادية، فعلى الرغم من بعض المكاسب المؤقتة؛ تظل الخسائر طويلة الأمد لها الغلبة، مما يجعل المنطقة تتأثر بقوة بتطورات الشرق الأوسط.
بقلم: د. جيريت كورتز
ترجمة وتقديم: شيرين ماهر
ناقدة وباحثة في الشأن الإفريقي
تقع دول القرن الإفريقي حتى الآن على هامش العاصفة التي اجتاحت الشرق الأوسط منذ 28 فبراير 2026. وعلى الرغم من العلاقات الإفريقية مع إيران، فضلًا عن المصالح العسكرية الإسرائيلية والأمريكية في القرن الإفريقي؛ إلا أن المنطقة لم تتأثر حتى الآن بأعمال القتال. لكنّ التداعيات الاقتصادية ملحوظة بالفعل، لا سيما فيما يتعلق باستيراد الوقود. لقد اكتسب البحر الأحمر ومضيق باب المندب أهمية جيوسياسية، بما في ذلك بالنسبة لتصدير النفط السعودي.
ومن المرجّح أن يستمر الاهتمام الأساسي للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر بالجوانب الاقتصادية والعسكرية والسياسية في القرن الإفريقي، بل وربما يتزايد. بشكل عام؛ يؤدي الصراع مع إيران إلى تفاقم الأزمات القائمة في القرن الإفريقي.
نقص الوقود وتداعياته على التجارة:
بعد مرور أسابيع قليلة فقط، أخذت التداعيات الاقتصادية لحصار مضيق هرمز، وتراجُع حركة الطيران، والهجمات الإيرانية على البنية التحتية للطاقة والنقل في منطقة الخليج، تظهر بوضوح في بعض دول القرن الإفريقي.
تشهد إثيوبيا طوابير طويلة أمام محطات الوقود جراء نُدْرة الوقود؛ إذ يتم استيراد حوالي نصف الاحتياجات الوطنية من الكويت والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وقد اضطرت الحكومة إلى دعوة السكان إلى ترشيد الاستهلاك، لكنها قامت في الوقت نفسه بزيادة حصة الدعم المخصص للوقود. كما طُلِبَ من موظفي الشركات العامة أخذ إجازاتهم السنوية، حيثما أمكن ذلك؛ لتوفير تكاليف النقل. بالإضافة إلى ذلك، فرضت الحكومة تقنين توزيع الوقود، واتخذت إجراءات صارمة لمكافحة تهريب البنزين والديزل والفساد في هذا المجال. ويبدو أن الوقود، الذي كان أرخص ثمنًا مقارنةً بالدول المجاورة، قد أدّى بالفعل قبل الحرب مع إيران إلى عمليات احتيال منظمة على نطاق واسع؛ حيث جرى تهريب الوقود متجاوزًا نظام الدفع الرقمي الرسمي. وقد اعتُقِلَ بالفعل أكثر من 650 شخصًا في هذا السياق.
لكن الوضع في تيجراي أكثر خطورة، لا سيما وأن الوقود وصل بالكاد إلى المنطقة عبر القنوات العادية حتى قبل اندلاع الحرب مع إيران. هناك، تُباع براميل سعة 10 لترات في الشوارع مقابل 8000 بير (ما يعادل حوالي أربعين يورو). وفي الوقت الحالي، تؤدي أزمة الوقود إلى تقييد شديد للخدمات العامة في المنطقة. فمنذ أسابيع، تتواجه وحدات من الجيش الإثيوبي وقوات الأمن في تيجراي، عقب اندلاع اشتباكات مسلحة استمرت عدة أيام في نهاية يناير. وقد تؤدي أزمة الوقود إلى تأخير هجوم محتمل في تيجراي على المدى القصير.
وهناك إشكالية أخرى تتعلق بتوريد المساعدات الإنسانية إلى السودان؛ حيث تُعدّ دبي مركزًا رئيسيًّا لتوزيعها. وأفاد مستوردون سودانيون بأن تكاليف التأمين والنقل للأدوية قد ارتفعت بالفعل بنسبة 120 في المائة.
من جانبها، أعربت منظمة “أنقذوا الأطفال” الإغاثية عن أسفها لأن الإمدادات الطبية اللازمة لرعاية 400 ألف طفل عالقة في دبي بسبب الحصار المفروض على مضيق هرمز. وأفادت “لجنة الإنقاذ الدولية” بوجود مشكلات نقل مماثلة، ويعود ذلك جزئيًّا إلى القيود الشديدة المفروضة حاليًّا على الطريق الرئيسي من المنتجين في الهند عبر الخليج إلى دول العمليات مثل الصومال والسودان. علاوة على ذلك، يستورد السودان جزءًا كبيرًا من إمداداته من الأسمدة من دول الخليج. والسودان -وفقًا لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية-، الدولة الأكثر عُرْضة للخطر في العالم في هذا الصدد.
من جهة أخرى، قد يشهد قطاع التجارة في القرن الإفريقي تحولًا جذريًّا. فمن جهة، تشعر إثيوبيا والصومال وجيبوتي بالقلق من أن دخول الحوثيين في الحرب قد يزيد الوضع توترًا. ويزداد هذا القلق حدةً إذا لم يكتفِ الحوثيون بإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل، بل استهدفوا أيضًا (مجددًا) السفن في البحر الأحمر أو حتى القاعدة الأمريكية في جيبوتي؛ إذ تمر 95% من تجارة إثيوبيا عبر جيبوتي، وأيّ تعطيل لهذا الطريق مسألة بالغة الأهمية بالنسبة للبلاد. الأمر الذي يجعل تنويع طرق الإمداد الإثيوبية أمرًا بالغ الأهمية، لا سيما عبر موانئ بربرة في أرض الصومال ولامو في كينيا.
بدأت تظهر بالفعل عدة آثار تحويلية، قد تعود بالنفع على إثيوبيا وكينيا من الناحية الهيكلية. فقد اضطرت الخطوط الجوية الإثيوبية، المملوكة للدولة والتي تجلب جزءًا كبيرًا من العملات الأجنبية، إلى إلغاء رحلاتها إلى الخليج، إلا أن قسم الشحن التابع لها يستفيد أيضًا. ويكتسب ممر النقل بين ميناء لامو وجنوب السودان وإثيوبيا (LAPSSET) أهمية خاصة. ففي مارس، ارتفعت حركة الشحن العابر في لامو، كينيا بنسبة 1200 في المائة؛ لأن شحنات السيارات القادمة من آسيا، على سبيل المثال، أُعيد شحنها هناك بدلًا من الخليج. وقد رست هناك 74 سفينة منذ بداية العام، في حين لم تَرْسُ سوى سفينتين فقط في الربع الأول من العام الماضي. ووفقًا للتقديرات، قد تُدِرّ هذه التطورات إيرادات إضافية تقدر بحوالي 3.5 مليار دولار أمريكي لإثيوبيا وكينيا بحلول نهاية العام، وهو ما يُمثل دفعة مالية مُرحَّب بها للميزانيتين الوطنيتين اللتين تُعانيان من مستويات عالية من الديون.
نفوذ دول الخليج غير المشروط:
هناك جانب آخر يسترعي اهتمامًا خاصًّا يتعلق بأنشطة دول الخليج في منطقة القرن الإفريقي، ولا سيما المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة. فقد استثمرت هذه الدول بشكلٍ مكثّف في السنوات الأخيرة في البنية التحتية (مثل الموانئ) والزراعة والأمن في السودان وإثيوبيا وكينيا والصومال. ومن جهة أخرى، وبسبب الحرب الإيرانية، سيتعين على هذه الدول استثمار مبالغ طائلة في اقتصاداتها لاستعادة ثقة المستثمرين والسياح والشركاء التجاريين، وتعزيز دفاعاتها. وقد تكون هذه الدول أقل رغبة في مشاركة قدراتها، مثل تكنولوجيا مكافحة الطائرات المُسيَّرة، التي استفادت منها، على سبيل المثال، الأطراف المتحاربة في السودان.
من ناحية أخرى، فإن اهتمام هذه الدول بمنطقة القرن الإفريقي هو اهتمام طويل الأمد، وسيستمر حتى في ظل الوضع المتوتر في الخليج. وبالنسبة للمملكة العربية السعودية، يُعدّ تصدير النفط عبر خط أنابيبها إلى ساحل البحر الأحمر، ومن هناك عبر نفق باب المندب إلى آسيا، ذا أهمية قصوى في الوقت الراهن. أما التنافس بين الإمارات المتحدة والمملكة العربية السعودية، الذي اشتدّ في الأشهر التي سبقت اندلاع الحرب العراقية الإيرانية، فقد طغى عليه حاليًا تضامن دول مجلس التعاون الخليجي في مواجهة الهجمات الإيرانية. لكنّ هذا التنافس، على الأقل على الصعيد الاقتصادي، هو تنافس ذو طبيعة هيكلية، ومن المرجح أن يستمر في التأثير على القرن الإفريقي خلال السنوات القادمة.
في غضون ذلك، يبدو أن الدعم العسكري القادم من دول الخليج لأطراف النزاع في القرن الإفريقي مستمر. لقد أحصى محلل الاستخبارات مفتوحة المصدر “ريتش تيد/ Rich Tedd” أكثر من 20 رحلة شحن “مشبوهة”، يُفترَض أنها تحمل أسلحة قادمة من الإمارات العربية المتحدة إلى إثيوبيا، منذ بداية الحرب الإيرانية. ومن المرجح أن تكون هذه الرحلات تابعة لقوات الدعم السريع (RSF) في السودان، التي أقامت لها الإمارات العربية المتحدة معسكرًا تدريبيًّا في غرب إثيوبيا منذ نهاية عام 2025. وفي نهاية مارس 2026، نجحت قوات الدعم السريع أيضًا في السيطرة على مدينة كورموك الحدودية السودانية في ولاية النيل الأزرق، وذلك بدعم إثيوبي؛ وفقًا لمسؤولين سودانيين.
في غضون ذلك، كان رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد أول رئيس دولة أجنبية يزور أبو ظبي منذ بدء الهجمات الإيرانية. وبصفتها مستثمرًا وداعمًا عسكريًّا، تلعب الإمارات العربية المتحدة دورًا محوريًّا في دعم إثيوبيا منذ تولي أبي أحمد منصبه في عام 2018م.
في المقابل، سعت قيادة الجيش السوداني (SAF) إلى أن تنأى بنفسها علنًا عن إيران. وكانت السودان قد استأنفت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران في يوليو 2024م، وتلقت طائرات مسيّرة إيرانية، يُرجَّح أنها كانت برفقة مستشارين من الحرس الثوري الإيراني.
من ناحية أخرى، تتأثر جهود الوساطة التي تبذلها دول الخليج في النزاعات الدائرة في القرن الإفريقي سلبًا بسبب الأزمة الإيرانية.
ولتحقيق وقف إطلاق النار بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، لا يزال التوافق بين أهم الداعمين لهذه الأطراف –مصر والمملكة العربية السعودية من جهة، والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى– أمرًا ضروريًّا.
ويبقى من غير المؤكد حاليًّا ما إذا كان المبعوث الأمريكي الخاص مسعد بولس، الذي يُشكّل مع هذه الدول الثلاث المجموعة “الرباعية”، سيتمكن من الحصول على موافقة رفيعة المستوى ودعم نشط من هذه الدول لوقف إطلاق النار. فالمملكة العربية السعودية، التي كانت تحاول قبل 28 فبراير التوسط بين إثيوبيا وإريتريا، باتت أقل استعدادًا لبذل هذا الجهد الدبلوماسي.
من جهة، من الممكن أن تتفق هذه الدول العربية على معايير مشتركة للمساهمة في خفض التصعيد في منطقة البحر الأحمر، وكذلك في السودان وإثيوبيا. إلا أنه من المرجح أيضًا أن تستمر في الاعتماد على شركائها التقليديين في هذه الدول لتعزيز مصالحها في المنطقة.
حرب إيران كـ”سابقة”:
تُشكّل الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية وردود الفعل الدولية عليها تحديًا لكل من النظام الدولي برُمّته، ولآلية حل النزاعات الدولية عبر الوساطة. وقد وقعت هذه الهجمات في خضم وساطة عُمانية مستمرة، كما كان الحال خلال حرب الأيام الاثني عشر عام 2025. وهذا يُشكّك في مصداقية الولايات المتحدة كوسيط، وهي أيضًا الوسيط الأكثر نفوذًا في القرن الإفريقي.
وفي هذا السياق، سيكون من الصعب على الولايات المتحدة حَشْد المزيد من الدعم من الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية ومصر لوقف دعمها للأطراف السودانية المتحاربة وإقناعها بالموافقة على وقف إطلاق النار.
بل إن الرواية الأمريكية التي تُصوّر إيران كـ”تهديد” لأمنها القومي من خلال دعمها للجماعات المسلحة في المنطقة؛ تُقدّم مرجعيات للأطراف الأخرى. ويتفق ذلك مع الرواية الإثيوبية بشأن إريتريا، التي تتهم حكومتها أديس أبابا بدعم جماعات المعارضة المسلحة في إثيوبيا. لكلتا الروايتين بعض الوجاهة، لكن ارتباطهما بانتهاك مبادئ أساسية للقانون الدولي، كحظر استخدام القوة وسلامة أراضي الدول، مِن قِبَل الولايات المتحدة وإسرائيل، له تداعيات على دول أخرى.
وبالتزامن مع اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير، والآن الحرب ضد إيران؛ تُرسِّخ الولايات المتحدة سوابق تُضْفِي الشرعية على استخدام القوة لتحقيق مصالح الأمن القومي، حتى في غياب تهديد مباشر بهجوم مسلح من دول أخرى. ويتعين على الأطراف الأوروبية الفاعلة أن تضع ذلك في اعتبارها عند التعامل مع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران. كما أن موقفها يتمحور حول دعم المعايير الدولية، التي تتعرض بالفعل لضغوط كبيرة.
ـــــــــــــــــــــــــ
رابط التقرير:










































