تُمثّل معلومات الأعمال، أو Business Intelligence، والتصنيفات الائتمانية، وغيرها من أدوات مساعدة صانع القرار الاستثماري في تقييم فرص ومخاطر أسواق أو قطاعات بعينها؛ حلقة هامة في تطوير بيئة الاستثمار في القارة الإفريقية. غير أنّ دول القارة تُواجه العديد من العقبات أمام تحقيقها مستوى أكبر من الشفافية في التوصل لمعلومات دقيقة وأكثر اعتمادية. ومن هذه المشكلات ما تناقشه المقالات التالية:
ففي المقال الأول تطرح مسألة التفاوت بين العملة المحلية والدولار الأمريكي (وخفض قيمة العملة المحلية أكثر من مرة ربما في العام الواحد)، وأثرها في التباس تقييم مؤشر مثل الناتج المحلي الإجمالي في نيجيريا.
أما المقال الثاني فيتناول ما يصفه بالاقتصاد الخفي الذي لا يتم شموله في عمليات التقييم الاقتصادي المختلفة لدول القارة، وموقف المستثمرين الصينيين من هذه المسألة.
ويتناول المقال الثالث مخاوف دول القارة من تجدُّد الحرب في الخليج العربي واحتمالات وقوع ضربات أكثر في مضيق هرمز، وما ستعنيه من ارتفاع التضخم وضغوط استيراد منتجات الطاقة.
نيجيريا ثالث أكبر اقتصاد إفريقي في 2026([1]) :
- يتوقع أن تكون نيجيريا ثالث أكبر اقتصاد في إفريقيا في العام 2026 بناتج محلي إجمالي قدره 386.67 بليون دولار، بعد جنوب إفريقيا ومصر.
- انخفض الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا بسبب سنوات من خفض العملة، بالرغم من النمو الاقتصاد الجاري وحجم السوق النيجيرية.
- أدَّت الإصلاحات في سوق الصرف الأجنبي إلى ضعف أكبر في النيرا naira النيجيرية، وزيادة تكاليف الواردات والديون، لكنّها حسَّنت بيئة الأعمال.
- يتوقع نمو الناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا بنسبة 4.2% في العام 2026، وهي نسبة تفوق نظيرتها الجنوب إفريقية، لكنها أبطأ من اقتصادات إفريقية أخرى مثل إثيوبيا وأوغندا.
ويضع التصنيف أكبر الدول الإفريقية من جهة عدد السكان خلف جنوب إفريقيا ومصر بعد أن كانت في المرتبة الأولى. وقد خفَّضت سنوات من خَفْض قيمة العملة القيمة الدولارية للناتج الاقتصادي النيجيري، بالرغم من النمو المستمر في الإنتاج المحلي ومكانته كواحد من أكبر الأسواق الاستهلاكية في إفريقيا. ويتوقع صندوق النقد الدولي توسُّع اقتصاد نيجيريا بنسبة 4.2% في العام 2026.
نيجيريا تأتي خلف جنوب إفريقيا ومصر في تصنيف الناتج المحلي الإجمالي:
وفقًا لآخر توقعات صندوق النقد الدولي؛ فإن جنوب إفريقيا تتقدّم الدول الإفريقية من جهة الناتج المحلي الإجمالي بناتج قدره 489.08 بليون دولار تليها مصر بناتج قدره 442.89 بليون دولار، ثم نيجيريا بناتج قدره 386.67 بليون دولار، وهكذا تتخلف نيجيريا عن جنوب إفريقيا بنحو 102 بليون دولار، وعن مصر بنحو 56 بليون دولار. وقد هيمنت نيجيريا طوال سنوات على التصنيفات الاقتصادية لإفريقيا، ولا سيما بعد العام 2014.
على أيّ حال؛ فإن الجولات المتعاقبة من خفض قيمة النيرا عند تحويلها لدولارات أمريكية، أتاح لجنوب إفريقيا ومصر التفوق عليها. وفي العام 2023 أدخلت إدارة بولا تينوبو إصلاحات على صرف العملات الأجنبية من أجل خفض التشوّه في سوق العملة، وتحسين الوصول للصرف الأجنبي وجذب الاستثمارات. وبينما سمحت التغيرات للنيرا للتكيُّف بشكل أكثر تحررًا مقابل الدولار، فإن خفض قيمة العملة المترتب زاد من عبء الواردات والتزامات الديون الخارجية ونفقات الأعمال الأخرى.
الاقتصاد النيجيري ينمو بالرغم من ضغوط العملة:
على الرغم من فقدان نيجيريا موقعها كأكبر اقتصاد إفريقي فإنها لا تزال تُسجّل نموًّا اقتصاديًّا إيجابيًّا، مدعومًا بصناعة البترول والخدمات المالية والاتصالات والزراعة والاقتصاد الرقمي الآخِذ في التوسع. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 4.2% في العام 2026، وهو ما يتجاوز نظيره المتوقع في جنوب إفريقيا، لكنّه يأتي خلف نظيره في دول مثل إثيوبيا وتنزانيا وأوغندا.
وتُبرِز مثل هذه الاختلافات التمييز بين الحجم الاقتصادي والنمو الاقتصادي، مع أن خفض قيمة العملة يؤدي إلى خفض قيمة الناتج المحلي الإجمالي عند قياسه بالدولار الأمريكي، حتى في تلك الدول التي يزيد الإنتاج بها. وفي الوقت نفسه فإن ممارسة إعادة تقدير الأساس الاقتصادي للناتج المحلي الإجمالي لنيجيريا في العام 2025 أدَّت إلى توسيع نطاق تغطية الأنشطة الاقتصادية، بما في ذلك الخدمات الرقمية، والأعمال غير الرسمية، والتأمين، ووحدات تكرير النفط، مما قدّم صورة أكثر شمولاً للاقتصاد. ومع ذلك، لم تُؤدِّ التقديرات المحدثة للناتج المحلي الإجمالي إلى تغيير تراجع ترتيب نيجيريا ضمن التصنيفات الاقتصادية الإفريقية المقوَّمة بالدولار.
الفقر وتحديات الاستثمار:
تواجه نيجيريا، فيما يتجاوز ضغوط العملة في السياق الراهن، تحديات هيكلية حجّمت من مكاسب النمو الاقتصادي بالنسبة للشركات والأُسَر. إذ يوفّر عدد سكانها الضخم وسوقها الاستهلاكية فرصًا في قطاعات البنوك والاتصالات والتكنولوجيا والتصنيع والطاقة. على أيّ حال فإن توفر كهرباء لا يُعوّل عليها كثيرًا، ووجود فجوات في البنية الأساسية، وتكاليف التمويل المرتفعة والقوة الشرائية الضعيفة؛ لا تزال تؤثر على عمليات الاستثمار والأعمال.
وتعد مصفاة دانجوتي من أكبر الاستثمارات الصناعية في نيجيريا، ويمكنها خَفْض الاعتماد على منتجات البترول المستوردة ودعم التصنيع المحلي وتخفيف الطلب على العملة الأجنبية. غير أنّ الاستثمارات الصناعية الرئيسة لم تَقْضِ على الضغوط الاقتصادية الأكثر اتساعًا والتي تُواجه ملايين النيجيريين. وفي تقييم صندوق النقد الدولي (يونيو 2026) أقر الصندوق بالتقدم الحادث عقب الإصلاحات الاقتصادية في نيجيريا، لكنه حذّر من استمرار صعوبة الظروف المعيشية لملايين النيجيريين. ووفقًا للصندوق فإن الفقر وصل لمستوى يقدر عند 63% دون مستوى الفقر القومي؛ الأمر الذي يُبرز الفجوة بين حجم البلاد الاقتصادي ومستويات معيشة الأُسَر.
وبالرغم من هذه المصاعب، تظل نيجيريا اقتصادًا إفريقيًّا هامًّا بفضل عدد سكانها ومواردها الطاقية وتوسُّع قطاع الخدمات بها.
كشف الاقتصاد الخفي في إفريقيا([2]) :
ظل الجدل حول التصنيفات الائتمانية لإفريقيا على مدار السنوات الأخيرة يدور حول سؤال رئيس: هل الدول الإفريقية تحظى بتقييم عادل؟ وظل هذا الاهتمام مفهومًا؛ لأن التصنيفات السيادية تؤثر على أعباء الاقتراض الحكومية، وتُشكّل تصورات المستثمر للمخاطر في هذه الدول، ويمكن أن تؤثر على شروط التمويل للبنوك والشركات المملوكة للدولة والشركات في اقتصاد ما.
لكنّ هذا الجدل يتجاوز عادة مسألةً هامةً؛ ألا وهي: أن جزءًا كبيرًا من الاقتصاد الإفريقي يظل غير مُصنَّف. ووفقًا لوكالة التصنيف الائتماني الإفريقية، أول وكالة تصنيف ائتماني إفريقية، فإن سوق رأس المال في القارة يصل إلى 4 تريليونات دولار، وهو ما يُعدّ أقل بنسبة 5% من أدوات سوق رأس المال الإفريقية وفق القيمة التي تَحْظى بتصنيف ائتماني. وتستحق مثل هذه الفجوة اهتمامًا أكبر.
إن التحدي الذي يواجه إفريقيا لا يتمثل فحسب في إذا ما كانت الحكومات تتلقَّى تقييمًا دقيقًا عن جدارتها الائتمانية، أو إذا ما كانت المنهجيات الموجودة كافية كي تعكس الحقائق الاقتصادية الإفريقية. بل ثمة سؤال آخر عما إذا كان يتم تقييم عدد كافٍ من الشركات والمحليات والمرافق ومحرّكات الاستثمار في القارة بشكل ملائم. إن المشكلة لا تتعلق فحسب بالتصنيفات التي تحصل عليها الدول، لكن تتعلق أيضًا بحجم قطاعات الاقتصاد غير الخاضعة للتصنيف.
إن “الاقتصاد غير المصنّف” في إفريقيا لا يعني أن هذه الشركات أو المدن أو مشروعات البنية الأساسية غير بادية أمام المستثمرين أو أن المعلومات عنها غير متاحة. لكنّها تُبرز فجوة في الإطار المالي للقارة: إذ تفتقر الكثير من القضايا المحتملة تقييمات ائتمانية مستقلة تُمكّن المستثمرين من تقييم المخاطر ومقارنتها بشكل مستمر.
وتتجلّى هذه الفجوة (بشكل خاص) خارج نطاق الجهات المقترضة السيادية؛ إذ تفتقر البلديات وشركات المرافق العامة وشركات البنية التحتية، بالإضافة إلى العديد من الشركات المتوسطة، غالبًا إلى تصنيفات ائتمانية خارجية. ويُعدّ التغطية دون السيادية ضعيفة للغاية؛ إذ لا تملك سوى جنوب إفريقيا ونيجيريا وكينيا تصنيفات دون سيادية، كما أشارت هيئة تقييم المخاطر الائتمانية الإفريقية.
ويُعدّ هذا الأمر ذا أهمية بالغة؛ لأن عدم وجود تصنيف ائتماني لا يعني بالضرورة عدم الجدارة الائتمانية. فقد تُواجه الشركات أو البلديات أو مشاريع البنية التحتية الواعدة صعوبةً في توضيح مستوى المخاطر لديها بطريقة تُمكِّن المستثمرين المؤسسيين من تقييمها ومقارنتها بسهولة. وبدون مثل هذه المعلومات الائتمانية الموثوقة، قد يُواجه المستثمرون حالةً من عدم اليقين، أو قد يتجاهلون ببساطة فرصًا استثمارية مجدية.
وبالنسبة للمستثمرين الصينيين فإن طموح وجود تصنيف ائتماني إفريقي مسألة هامة للغاية. إن فجوات المعلومات التي تُقيّد أسواق رأس المال الإفريقية يمكن أن تزيد من صعوبة تقييم المستثمرين الأجانب للشركاء والمشروعات والفرص الاستثمارية المحتملة.
ويُمثّل هذا الاهتمام مسألة حيوية للصين مع تصاعد تعاونها مع إفريقيا ليشمل الاستثمارات والصناعة والتعاون في مختلف سلاسل الإمداد، والشركات الإفريقية ومشروعات البنية الأساسية التجارية. ويشجّع إطار منتدى التعاون الصيني الإفريقي، على سبيل المثال، الشركات والمؤسسات المالية الصينية على المشاركة في مشروعات إفريقية عبر الاستثمارات السوقية، والشراكات العامة-الخاصة، والنماذج التجارية الأخرى.
وفي مثل هذه البيئة تكون معلومات الائتمان الموثوقة ذات أهمية بالغة. ويمكن أن يُقدّم كل ذلك منظورًا إضافيًّا يمكن للمستثمرين الصينيين من خلاله تقييم المخاطر والتمييز بينها عبر الشركات والمدن والمشاريع الإفريقية. ولا تكمن قيمته في تصوير الفرص المتاحة في إفريقيا على أنها أقل خطورة مما هي عليه في الواقع، بل في المساعدة على جعل هذه المخاطر أكثر قابلية للتحديد والمقارنة والتقدير السعري.
ويمكن القول: إن الاعتراف التنظيمي أمر مهم، لكن القبول الفعلي في السوق أمر بالغ الأهمية؛ إذ يجب أن يكون المستثمرون على استعداد لدمج تقييمات هيئة تقييم المخاطر الائتمانية الإفريقية في قرارات التمويل والاستثمار الفعلية. كما ينبغي (بحسب متخصصين) أن يُثري هذا السياق الإفريقي الأدوات المُستخدَمة لفَهْم المخاطر الائتمانية، لا أن يصبح مُبرّرًا لمعايير تصعب مقارنتها دوليًّا.
الضربات العسكرية في هرمز تُهدّد بتعميق ضغوط الوقود والتضخم في إفريقيا([3]) :
تؤدي اضطرابات النقل في مضيق هرمز إلى ارتفاع تكاليف الوقود والتهديد بشدة وطأة التضخم وضغوط السيولة في إفريقيا، مع مواجهة الدول المستوردة للبترول على وجه الخصوص حالة هشاشة إزاء ارتفاع أسعار النقل وعائدات التأمين والطلب على العُمْلة الأجنبية.
فقد ارتفعت أسعار البترول منتصف أكتوبر 2026 بشكلٍ طفيف مع ترقُّب المستثمرين لمزيد اضطرابات الإمداد مقابل الجهود الأمريكية المأمولة لتخفيف العقوبات على الناقلات الحاملة للبترول. وارتفع خام برنت المستقبلي بنسبة 0.34% ليصل إلى 106.08 دولار للبرميل بينما ارتفع خام ويست تكساس الأمريكي بنسبة 3.11% ليبلغ سعر البرميل 98.05 دولار.
وبالنسبة للاقتصادات الإفريقية (لا سيما التي تعتمد على المنتجات النفطية المستوردة)؛ فإن العواقب تمتد إلى ما هو أبعد من أسعار النفط الخام. كما يُلاحظ أنه يمكن أن تؤدي عمليات شراء الشحن والتأمين والوقود الأكثر تكلفة إلى زيادة الطلب على الدولار وإضعاف العملات المحلية ورفع تكلفة نقل البضائع وإنتاج الغذاء وتشغيل الأعمال.
وعلى سبيل المثال، رفعت كينيا بالفعل الحدّ الأقصى لأسعار التجزئة للبنزين والديزل؛ حيث أشارت هيئة تنظيم الطاقة إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط. وارتفعت أسعار البنزين في نيروبي بنحو 6%، فيما ارتفعت أسعار الديزل بنحو 4.5%. وقامت الحكومة في نيروبي بتمديد تخفيض ضريبة القيمة المضافة على الوقود إلى 8% من 16% حتى منتصف يناير المقبل (2027) لحماية المستهلكين.
……………………………………..
[1]Nigeria remains Africa’s third-largest economy at $386.7 billion in latest rankings, but weak naira and 63% poverty rate weigh on the former economic giant, Business Insider Africa, October 17, 2026 https://africa.businessinsider.com/local/markets/nigeria-remains-africas-third-largest-economy-at-dollar3867-billion-in-latest/x70mmqd










































