د. محمد ساني إبراهيم
قسم الآداب والعلوم الاجتماعية التربوية،
كلية التربية، جامعة أحمد بلو، زاريا – نيجيريا
تكتسب مراسم تنصيب رئيس جمهورية ساوتومي وبرينسيبي المنتخب، كارلوس مانويل فيلا نوفا، لولاية رئاسية ثانية، التي أُقيمت في الثالث من سبتمبر 2026م، أهمية تتجاوز بُعدها الدستوري والبروتوكولي، حيث إن هذه المناسبة التي استضافتها العاصمة الساوتومية لا تعني فقط بداية ولاية رئاسية جديدة، وإنما توفر أيضاً مناسبة لقراءة طبيعة العلاقات التي تربط دول الفضاء الناطق بالبرتغالية، ولا سيما الدول الإفريقية الست الأعضاء في مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية CPLP (المجتمع اللوسوفوني).
وتبرز أهمية هذه المناسبة في مستوى التمثيل الدولي؛ بحضور كلٍّ من الغابون وجمهورية الكونغو الديمقراطية على مستوى رئيس الدولة، وجمهورية موزمبيق وغينيا الاستوائية والمغرب والبرتغال على مستوى رئيس الوزراء، بينما شارك كلٌّ من الرأس الأخضر وأنغولا وغانا على مستوى وزير الخارجية، إضافةً إلى نيجيريا التي تم تمثيلها من قِبل وزير الدولة للدفاع، مما يؤكد– إلى جانب البعد الإفريقي- تمثيلاً مباشراً لعدد من الدول الأعضاء في مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية.
ومن هذه الزاوية، يمكن النظر إلى مراسم التنصيب بوصفها تعبيراً عملياً عن التضامن السياسي والدبلوماسي داخل الفضاء اللوسوفوني، وعن قدرة الدول الأعضاء على تحويل الروابط اللغوية والتاريخية إلى شبكة من العلاقات المؤسسية والتعاون المتبادل.
محتويات المقال
أولاً: مفهوم مصطلح «اللوسوفوني»
يُقصد بمصطلح «اللوسوفوني» Lusofonia المجموعة السياسية والثقافية للناطقين بالبرتغالية: جميع الأفراد والمجتمعات التي تتحدث البرتغالية بوصفها اللغة الأم أو لغة إضافية[1].
ويمتدّ هذا الفضاء الجغرافي والثقافي ليشمل الدول التي تتخذ البرتغالية لغة رسمية: البرتغال، البرازيل، أنغولا، موزمبيق، غينيا بيساو، الرأس الأخضر، ساوتومي وبرينسيبي، غينيا الاستوائية، وتيمور-ليستي، والمناطق ذات التأثير اللغوي البرتغالي: مثل غاليسيا في إسبانيا، وغوا وماكاو في آسيا، ومجتمعات المهاجرين البرتغاليين في الولايات المتحدة وكندا وفنزويلا وجنوب إفريقيا وأوروبا الغربية.
يُقصد بمجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية، المعروفة اختصاراً بـCPLP، منظمة دولية تأسست في لشبونة بتاريخ 17 يوليو 1996م، بهدف إقامة إطار متعدد الأطراف يعزز الصداقة والتشاور السياسي والدبلوماسي والتعاون بين الدول التي تجمعها اللغة البرتغالية.
وتمتد هذه الدول عبر أربع قارات، بما يجعل المجموعة فضاءً جغرافياً وسياسياً شديد التنوع. وتبلغ مساحة دولها مجتمعة نحو 10.742 ملايين كيلومتر مربع. وإذا كانت اللغة البرتغالية هي الرابط الأكثر وضوحاً بين هذه الدول، فإن المجموعة لا تقوم على العامل اللغوي وحده؛ فهي تستند أيضاً إلى تاريخ مشترك، وروابط ثقافية وإنسانية، وإلى تصور للتعاون في مجالات السياسة والاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والثقافة والأمن[2].
وتحدد المجموعة ضمن أهدافها الرئيسية التشاور السياسي والدبلوماسي، والتعاون في التعليم والصحة والعلوم والتكنولوجيا والدفاع والزراعة والإدارة العامة والاتصالات والعدالة والأمن والثقافة والرياضة والإعلام، فضلاً عن نشر اللغة البرتغالية وتعزيز التعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة[3].
وتُعتبر اللغة البرتغالية من العناصر الموحدة لمجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية، إذ إن تشارك لغة لا يُسهّل التواصل فحسب، بل يعزز أيضاً التفاهم والاحترام المتبادلين بين الشعوب. ويُعدّ هذا الترابط الثقافي ركيزة أساسية للتعاون وتعزيز العلاقات بين الدول الأعضاء[4].
وتُعدّ البرتغالية ضمن اللغات العشر الأكثر انتشاراً في العالم، وهي لغة رسمية في البرتغال والبرازيل وأنغولا وكابو فيردي وغينيا بيساو وموزمبيق وساوتومي وبرينسيبي وتيمور الشرقية. كما أنها تُستخدم في ماكاو، الأراضي الخاضعة للإدارة البرتغالية حتى عام 1999م، وفي جوا، وهي أيضاً قاعدة لحوالي عشرين لغة كريولية ولغة أقلية مهمة في دول مثل أندورا ولوكسمبورغ وناميبيا وسويسرا وجنوب إفريقيا، وذلك بسبب وجود المجتمعات البرتغالية العديدة في تلك البلدان[5].
وبعبارة أخرى، فإن هناك أكثر من 260 مليون شخص منتشرين في جميع أنحاء أوروبا وإفريقيا وأمريكا الجنوبية وآسيا يشتركون في ذلك الوطن المسمى باللغة البرتغالية[6].
ورغم أن غينيا الاستوائية هي الدولة الإفريقية الوحيدة التي تتخذ الإسبانية لغة رسمية، فإنها انضمت إلى مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية CPLP عام 2014م، بهدف تعزيز اندماجها الاقتصادي مع جيرانها الناطقين بالبرتغالية. وقد سبق هذا الانضمام اعتماد البرتغالية لغةً رسمية ثالثة في عام 2007م، لتلبية أحد الشروط الأساسية للعضوية في المجموعة[7].

وبذلك، فإن المجموعة ليست في جوهرها رابطة لغوية أو ثقافية فحسب، بل منصة للتنسيق السياسي والتعاون متعدد القطاعات.
ثانيًا: أهمية المجموعة ودلالتها بالنسبة إلى إفريقيا
تكمن أهمية المجموعة في أنها تجمع دولاً تختلف بشدة من حيث المساحة والسكان والثقل الاقتصادي والسياسي، لكنها تتعامل داخل المنظمة على أساس مبدأ المساواة السيادية. ففي حين تضم المجموعة البرازيل، إحدى أكبر دول العالم مساحةً وسكاناً واقتصاداً، والبرتغال بوصفها الدولة الأوروبية الناطقة بالبرتغالية، فإنها تضم أيضاً ساوتومي وبرينسيبي، ثاني أصغر دولة إفريقية من حيث المساحة. ومع ذلك، تتمتع الدول الأعضاء جميعها بالمكانة القانونية والسياسية ذاتها داخل المنظمة[8].
وتزداد الأهمية الإفريقية للمجموعة بالنظر إلى أن ستاً من دولها التسع إفريقية: أنغولا، والرأس الأخضر، وغينيا بيساو، وغينيا الاستوائية، وموزمبيق، وساوتومي وبرينسيبي، وأن هذا الحضور الإفريقي يجعل المجموعة مرتبطة بعمق بالقارة، وأن اللغة البرتغالية أصبحت أيضاً لغة رسمية وعاملة في أطر إقليمية إفريقية مثل الاتحاد الإفريقي والمجموعة الإنمائية للجنوب الإفريقي SADC والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا.
وهذا مما يمنح المجموعة بُعداً إفريقيّاً واضحاً، ويجعلها إحدى القنوات التي يمكن من خلالها للدول الإفريقية الناطقة بالبرتغالية تنسيق مواقفها واستفادة بعضها من تجارب بعض، وفي الوقت نفسه بناء جسور مع البرازيل والبرتغال وتيمور-ليستي.
ويكتسب مفهوم التضامن أهمية خاصة في فهم طبيعة العلاقات داخل المجموعة، فإعلان ساوتومي لعام 2023م، الذي صدر عن قمة رؤساء دول وحكومات المجموعة، أعاد تأكيد الالتزام بتعزيز التضامن والتعاون من أجل التنمية الاقتصادية والاجتماعية لشعوب الدول الأعضاء. كما ربط الإعلان المجموعة بمبادئ السلام وسيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية[9].
ومن ثَمّ، فإن التضامن داخل المجموعة يمكن فهمه على ثلاثة مستويات مترابطة: تضامن سياسي ودبلوماسي يتمثل في التشاور وتنسيق المواقف ودعم استقرار الدول الأعضاء، وتضامن تنموي من خلال تبادل الخبرات وتنفيذ مشاريع مشتركة في قطاعات حيوية، وتضامن ثقافي وإنساني يستند إلى اللغة البرتغالية والروابط التاريخية والتعليمية والثقافية[10].
وهذه المستويات الثلاثة تجعل المناسبات السياسية، مثل مراسم التنصيب، فرصة لإظهار التضامن بصورة رمزية، لكنها في الوقت نفسه تعكس علاقات أعمق تمتد إلى مؤسسات الدولة ومختلف القطاعات.
ثالثًا: القضايا المشتركة بين دول المجموعة
رغم التباين بين الدول الأعضاء، فإن هناك مجموعة واسعة من القضايا التي تدفعها إلى التعاون، وتشمل ما يلي[11]:
أ) الديمقراطية والاستقرار السياسي:
تحتلّ الديمقراطية وسيادة القانون والاستقرار الدستوري موقعاً مهماً في مبادئ المجموعة. كما تمتلك المجموعة خبرة طويلة في مراقبة الانتخابات في الدول الأعضاء، وقد أرسلت بعثات لمراقبة عمليات انتخابية في عدد من الدول، بما فيها أنغولا وغينيا الاستوائية وموزمبيق وتيمور-ليستي وغينيا بيساو والرأس الأخضر وساوتومي وبرينسيبي.[12]
وهنا تبرز دلالة الانتخابات الرئاسية الساوتومية لعام 2026م، التي فاز فيها المهندس كارلوس فيلا نوفا من الجولة الأولى، قبل أن تعلن المحكمة الدستورية انتخابه رسمياً. وقد حصل على 31,613 صوتاً، أي 55.88% من الأصوات، مقابل 41.46% لمنافسه الرئيسي نيتو دأبريو[13]. ومن ثَمّ، فإن حضور ممثلي الدول الشقيقة في مراسم تنصيبه يمثل أيضاً رسالة دعم للاستقرار الدستوري واستمرارية المؤسسات في دولة عضو.
ب) التنمية الاقتصادية والاجتماعية:
تواجه معظم الدول الإفريقية في المجموعة تحديات مرتبطة بالفقر والبطالة وضعف البنية التحتية والحاجة إلى تنويع الاقتصاد وتعزيز التجارة والاستثمار. وتحاول المجموعة معالجة هذه القضايا من خلال التعاون الاقتصادي والبرامج المشتركة، انطلاقاً من قناعة بأن التنمية المستدامة ومكافحة الفقر لا يمكن فصلهما عن التعاون الدولي والإقليمي. وتؤكد أهدافها رسمياً التزامها بالتعاون الاقتصادي والقضاء على الفقر وتعزيز التنمية المستدامة.
ج) الشباب:
يمثل الشباب قضية ذات أهمية خاصة بالنسبة للدول الإفريقية، بالنظر إلى التركيبة السكانية للقارة. ولذلك، لم يكن اختيار ساوتومي وبرينسيبي شعار «الشباب والاستدامة» لرئاستها للمجموعة بين 2023م و2025م أمراً عابراً. فقد تولت ساوتومي الرئاسة الدورية للمجموعة خلفاً لأنغولا، وحددت الشباب والاستدامة موضوعاً رئيسياً لفترة رئاستها. وقد اعتبرت أمانة المجموعة بأن التركيبة الشابة لسكان الدول الأعضاء توفر فرصاً كبيرة، لكنها تتطلب أيضاً سياسات مشتركة في التعليم والتوظيف ومواجهة الفقر والتغير المناخي والهجرة[14].
د) المناخ والبيئة:
تتشارك الدول الإفريقية في المجموعة في عدد من التحديات البيئية، وإن اختلفت درجة تعرضها لها. فالدول الجزرية مثل ساوتومي والرأس الأخضر تواجه مخاطر خاصة مرتبطة بالمناخ والمحيطات، بينما تواجه موزمبيق وأنغولا وغينيا الاستوائية تحديات مرتبطة بالسواحل والموارد الطبيعية والطاقة والزراعة. وفي فبراير 2025م، استضافت ساوتومي الاجتماع العاشر لوزراء البيئة في المجموعة، حيث جرى التأكيد على أن التعاون بين الدول الأعضاء يمثل عاملاً أساسياً في مواجهة التحديات البيئية والمناخية.
هـ) الصحة والتعليم:
يشكّل التعاون في الصحة والتعليم أحد أكثر أوجه التضامن أهمية لأنه يرتبط مباشرة بحياة المواطنين. وقد استضافت ساوتومي، خلال رئاستها للمجموعة، الاجتماع الوزاري السابع للصحة في أبريل 2025م، بمشاركة وزراء ومسؤولي الصحة من الدول الأعضاء[15]. وهكذا يتضح أن التضامن اللوسوفوني ليس محصوراً في القمم الرئاسية، وإنما يمتد إلى قطاعات تمس التنمية البشرية بصورة مباشرة.
رابعًا: ساوتومي وبرينسيبي ودورها داخل المجموعة
تُمثّل ساوتومي وبرينسيبي حالة فريدة داخل مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية، فهي دولة جزرية صغيرة تقع في خليج غينيا، لكنها إحدى الدول المؤسسة للمجموعة، وقد لعبت أدواراً مهمة في مسيرتها[16].
ويكتسب موقعها أهمية مضاعفة بسبب طبيعتها الجغرافية؛ فهي تقع عند نقطة التقاء بين غرب ووسط إفريقيا، في منطقة ترتبط بقضايا الأمن البحري والطاقة والتجارة والملاحة. لكن أهم عناصر قوتها داخل المجموعة يتمثل في قدرتها على ممارسة الدبلوماسية متعددة الأطراف. ففي أغسطس 2023م، استضافت ساوتومي القمة الرابعة عشرة لرؤساء دول وحكومات CPLP، وانتقلت إليها الرئاسة الدورية للمجموعة من أنغولا لمدة عامين.
وفي القمة نفسها انتُخب الرئيس كارلوس فيلا نوفا رئيساً لمؤتمر رؤساء دول وحكومات الجماعة للفترة 2023-2025م. وقد حملت الرئاسة الساوتومية شعار «الشباب والاستدامة»، ولم تقتصر أنشطتها على المستوى السياسي، بل استضافت سلسلة من الاجتماعات الوزارية والمؤسساتية. وهذا مهم من منظور التضامن: الدولة الصغيرة لم تكن مجرد متلقية للتعاون، وإنما تحولت إلى دولة مضيفة وقائدة لأجندة جماعية.
1- الرئاسة الساوتومية: من الرمز إلى العمل المؤسسي:
يمكن تقييم رئاسة ساوتومي للمجموعة بين 2023 و2025م من خلال كثافة النشاط المؤسسي الذي شهدته البلاد. فإلى جانب قمة رؤساء الدول والحكومات، عقدت ساوتومي اجتماعات في مجالات التعاون والبيئة والصحة وغيرها. ومن بينها اجتماع نقاط الاتصال للتعاون في إطار المجموعة، الذي يمثل إحدى الآليات العملية لتقييم وتنفيذ المشاريع المشتركة.
كما أن انعقاد اجتماع وزراء البيئة في ساوتومي عام 2025م، ثم اجتماع وزراء الصحة في العام نفسه، يؤكد أن الرئاسة الدورية لم تكن وظيفة بروتوكولية، وإنما وفرت للدولة المضيفة فرصة لتحويل أولوياتها الوطنية إلى جزء من الأجندة الجماعية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى شعار «الشباب والاستدامة» بوصفه نموذجاً لكيفية استخدام الدولة الصغيرة للمؤسسات متعددة الأطراف لتسليط الضوء على قضايا تتجاوز حدودها الوطنية.
2- من ساوتومي إلى الرئاسة الجديدة للمجموعة:
انتهت الرئاسة الساوتومية في يوليو 2025م، عندما تسلمت غينيا بيساو الرئاسة الدورية للفترة 2025-2027م من ساوتومي وبرينسيبي. وقد جرى التسليم خلال القمة الخامسة عشرة في بيساو، حيث سلّم الرئيس كارلوس فيلا نوفا، بصفته الرئيس المنتهية ولايته لمؤتمر رؤساء دول وحكومات المجموعة، رموز الرئاسة إلى الرئيس الغيني عمر سيسوكو إمبالو.
وهذه النقلة ذات أهمية رمزية؛ فهي تُظهر أن القيادة داخل المجموعة تقوم على مبدأ التداول بين الدول الأعضاء، بما فيها الدول الإفريقية الصغيرة والمتوسطة. كما أن الرئاسة ليست امتيازاً لدولة بعينها، وإنما مسؤولية مؤسسية تنتقل بين الأعضاء.
خامسًا: مراسم تنصيب كارلوس فيلا نوفا
في الثالث من سبتمبر 2026م، أدّى كارلوس فيلا نوفا اليمين الدستورية لولاية رئاسية ثانية أمام الجمعية الوطنية في ساوتومي. وقد شاركت الحكومة البرتغالية على مستوى رئيس الوزراء لويس مونتينيغرو، لكن اللافت هو مستوى التمثيل الإفريقي واللوسوفوني، حيث شارك في الفعالية رؤساء الدول والحكومات.
وقد حضر رؤساء وزراء كلٍّ من جمهورية موزمبيق وغينيا الاستوائية، إضافةً إلى وزراء خارجية كلٍّ من الرأس الأخضر وأنغولا. وكل هذه الدول أعضاء في مجموعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية. كما حضر رئيسا جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون، إضافةً إلى وزير الدولة لشؤون الدفاع النيجيري، وهم ينتمون إلى دول إفريقية غير ناطقة بالبرتغالية كلغة رسمية، بما يوسع الدلالة الإقليمية للمناسبة.
أما مشاركة رئيس الوزراء البرتغالي، فتضيف إلى المشهد بُعداً لوسوفونياً واضحاً. وقد أعلنت الحكومة البرتغالية أن الزيارة ستتيح أيضاً بحث قضايا ذات اهتمام مشترك، إلى جانب إعادة تأكيد أولوية العلاقات الثنائية وأهمية التعاون.
1- ماذا يعني حضور الدول اللوسوفونية؟
لا ينبغي التعامل مع حضور القادة والمسؤولين في مراسم التنصيب باعتباره مجرد إجراء بروتوكولي. فالدبلوماسية تستخدم المناسبات الوطنية الكبرى للتعبير عن جملة من الرسائل السياسية.
أ) الاعتراف والدعم السياسي:
الحضور الرفيع المستوى يعكس الاعتراف بشرعية العملية الانتخابية وبالمؤسسات السياسية للدولة المضيفة. وفي حالة ساوتومي، يأتي ذلك بعد انتخابات رئاسية تنافسية انتهت بإعادة انتخاب فيلا نوفا لولاية ثانية.
ب) التضامن بين الدول الصغيرة والكبيرة:
حضور دول ذات ثقل أكبر إلى عاصمة دولة صغيرة يمثل رسالة مهمة: المكانة داخل المجموعة لا تحددها القوة المادية وحدها. فقد استطاعت ساوتومي وبرينسيبي أن تستضيف قمة المجموعة وأن تتولى رئاستها، وأن تجعل من عاصمتها مساحة للقاء قادة ووزراء ومسؤولين من دول تمتد من إفريقيا إلى أوروبا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
ج) التضامن الإفريقي داخل الفضاء اللوسوفوني:
الحضور الموزمبيقي والغيني الاستوائي مهم بصورة خاصة، لأنه يؤكد أن البعد الإفريقي ليس هامشياً في مجموعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية، بل إن الدول الإفريقية الست تشكل غالبية أعضاء المجموعة، وهو ما يجعل القضايا الإفريقية جزءاً أساسياً من أجندتها.
د) استمرار العلاقات بعد انتهاء الرئاسة:
قد يكون من السهل تصور أن انتهاء رئاسة ساوتومي للمجموعة يعني انتهاء دورها المؤسسي البارز. لكن الحضور الدولي في مراسم تنصيب رئيسها يثبت العكس. فالدبلوماسية لا تنتهي بانتهاء الرئاسة الدورية، بل تستمر شبكة العلاقات التي تأسست خلالها، وتصبح المناسبات الوطنية فرصة لتجديدها.
2- التنصيب في ساوتومي في ضوء الحضور اللوسوفوني في البرتغال:
تظهر دلالة التضامن بصورة أوضح إذا نظرنا إلى الاتجاه المعاكس أيضاً. ففي مارس 2026م، شارك الرئيس كارلوس فيلا نوفا في مراسم تنصيب الرئيس البرتغالي أنطونيو خوسيه سيغورو في لشبونة، إلى جانب قادة من دول لوسوفونية إفريقية وغيرها.
وقد أشار الرئيس البرتغالي في خطابه إلى حضور قادة أنغولا وساوتومي وبرينسيبي والرأس الأخضر وتيمور-ليستي وموزمبيق، معتبراً حضورهم تعبيراً عن قوة الروابط التاريخية والثقافية والاقتصادية التي تجمع شعوب الفضاء اللوسوفوني، وعن قيم التعاون والصداقة والحوار.
وهنا تظهر إحدى أهم خصائص التضامن داخل المجموعة: إنه تضامن متبادل، فالدول الإفريقية لا تذهب فقط إلى ساوتومي؛ والرئيس الساوتومي لا يكتفي باستقبال قادة الدول الأخرى؛ وإنما يتحرك قادة هذه الدول أيضاً إلى البرتغال وأنغولا وموزمبيق والرأس الأخضر وغيرها في المناسبات الوطنية والاجتماعات الدولية. وبذلك، يصبح الحضور في مراسم التنصيب جزءاً من تقليد دبلوماسي أوسع يقوم على المشاركة المتبادلة في اللحظات السياسية الكبرى.
3- التضامن اللوسوفوني في مواجهة التحولات الإفريقية:
لا يمكن فصل التعاون بين دول مجموعة البلدان الناطقة باللغة البرتغالية عن التحولات التي تشهدها إفريقيا. فالقارة تواجه تحديات متعددة، من بينها عدم الاستقرار السياسي في بعض المناطق، والانقلابات، والإرهاب والجريمة العابرة للحدود، والهجرة، والفقر، والبطالة، وتغير المناخ، وأمن الغذاء والطاقة.
وفي هذا السياق، توفر المجموعة للدول الأعضاء قناة إضافية للتشاور. ولا يعني ذلك أن المجموعة يمكن أن تحل محل الاتحاد الإفريقي أو التجمعات الإقليمية مثل SADC والإيكواس، بل إن قيمتها تكمن في كونها إطاراً مكملاً يسمح للدول التي تتشارك اللغة البرتغالية بمناقشة قضاياها من منظور مشترك. وهذا ما يفسر اهتمام المجموعة بعلاقاتها المؤسسية مع المنظمات الإفريقية والإقليمية، وبالربط بين بُعدها اللوسوفوني وعضوية دولها في المؤسسات الإفريقية الأوسع.
4- حدود التضامن وتحدياته:
رغم هذه الصورة الإيجابية، فإن التضامن داخل المجموعة يواجه تحديات حقيقية. فالدول الأعضاء ليست متشابهة في أنظمتها السياسية أو اقتصاداتها أو أولوياتها الخارجية. كما أن المسافة الجغرافية بين البرازيل وتيمور-ليستي وإفريقيا وأوروبا تجعل من الصعب أحياناً تحويل الروابط السياسية إلى تعاون اقتصادي كثيف.
كذلك فإن وجود لغة مشتركة لا يعني بالضرورة وجود مصالح متطابقة، لكن قوة المجموعة لا تكمن في إزالة هذه الاختلافات، وإنما في إدارة الاختلاف من خلال الحوار والتشاور. ومن هنا تكتسب المناسبات التي تجمع القادة أهمية خاصة، لأنها تحافظ على قنوات الاتصال حتى عندما تتباين المواقف بشأن بعض القضايا.
خاتمة
ربما تكون ساوتومي وبرينسيبي المثال الأكثر وضوحاً على قدرة الدولة الصغيرة على تعظيم نفوذها من خلال المؤسسات متعددة الأطراف. فالدولة التي تُعدّ إفريقيّاً ثاني أصغر دولة من حيث المساحة استطاعت أن تتولى رئاسة منظمة تضم تسع دول موزعة على أربع قارات، وأن تستضيف قمة رؤساء الدول والحكومات، وأن تضع قضية الشباب والاستدامة على جدول أعمال الجماعة، وأن تستضيف سلسلة من الاجتماعات الوزارية في قطاعات حيوية.
وهذا يوضح أن القوة في العلاقات الدولية لا تقاس دائماً بعدد السكان أو حجم الاقتصاد. فالدبلوماسية، والمؤسسات متعددة الأطراف، والقدرة على بناء الشراكات، يمكن أن تمنح الدولة الصغيرة وزناً يتجاوز إمكاناتها المادية.
ختامًا، يمكن الإشارة إلى:
1- أن مراسم تنصيب الرئيس كارلوس فيلا نوفا لولاية رئاسية ثانية في ساوتومي وبرينسيبي، في الثالث من سبتمبر 2026م، كشفت عن حقيقة أوسع من مجرد الاحتفاء بانتخاب رئيس دولة، لتتحول إلى مناسبة تظهر من خلالها شبكة التضامن التي نشأت داخل مجموعة البلدان الناطقة بالبرتغالية CPLP على مدى ثلاثة عقود، من خلال حضور رئيس وزراء غينيا الاستوائية ورئيسة وزراء موزمبيق، إلى جانب رئيس الوزراء البرتغالي، ما يحمل دلالة واضحة على استمرار الروابط اللوسوفونية.
2- أن مشاركة قادة دول إفريقية أخرى، مثل رئيسي جمهورية الكونغو الديمقراطية والغابون ووزير الدولة للدفاع النيجيري، وسّعت المناسبة إلى فضاء من التضامن الإفريقي الأرحب، حيث كشفت المشاركة عن أن القيمة الأكبر تكمن في أن الدول الست الناطقة بالبرتغالية لا تجد نفسها مضطرة للاختيار بين هويتها الإفريقية وهويتها اللوسوفونية؛ بل تستطيع استخدام الاثنتين معاً.
فهي دول إفريقية أولاً، لكنها تمتلك في الوقت نفسه شبكة إضافية من العلاقات التي تربطها بالبرازيل والبرتغال وتيمور-ليستي، وتمنحها مساحة أخرى للتعاون السياسي والاقتصادي والثقافي.
3- أن ساوتومي وبرينسيبي، بحجمها الصغير، قدّمت نموذجاً مثالياً للقوة الدبلوماسية للدول الصغيرة، حيث استطاعت خلال رئاستها للمجموعة (2023-2025م) أن تضع قضية «الشباب والاستدامة» على جدول الأعمال الجماعي، وأن تستضيف سلسلة من الاجتماعات الوزارية في قطاعات حيوية مثل البيئة والصحة، مما يؤكد أن القوة في العلاقات الدولية لا تقاس دائماً بعدد السكان أو حجم الاقتصاد، وإنما بالدبلوماسية والمؤسسات متعددة الأطراف والقدرة على بناء الشراكات.
المراجع
1- Comunidade dos Países de Língua Portuguesa. (n.d.). CPLP – Community of Portuguese Speaking Countries. https://www.cplp.org/
2- Comunidade dos Países de Língua Portuguesa. (n.d.). Election observation missions. https://www.cplp.org/concertacao/missoes-de-observacao-eleitoral/
3- Comunidade dos Países de Língua Portuguesa. (n.d.). Estados membros. https://www.cplp.org/estados-membros/
4- Comunidade dos Países de Língua Portuguesa. (2023, August 27). XIV Conferência de Chefes de Estado e de Governo da Comunidade dos Países de Língua Portuguesa. https://secretariadoexecutivo.cplp.org/media/tjkdtuxy/d1_declaracao-de-stome_aprovado.pdf
5- Embassy of Portugal in Riyadh. (n.d.). الثقافة واللغة البرتغالية. متاح على
6- https://saude.cplp.org/media/3gmpc5mg/cplp_relatorio-final_2018_vol_unico-1.pdf#140#75
7- Mais Afrika. (n.d.). التعاون في جماعة البلدان الناطقة بالبرتغالية أمر أساسي. https://maisafrika.com/ar/noticias/ultimahora/a-cooperacao-na-cplp-e-fundamental/
8- Protranslate Blog. (n.d.). رانا مألوف، كم عدد الأشخاص في العالم الذين يقومون بالتحدث بالبرتغالية؟ https://www.protranslate.net/blog/ar/kam-eadad-alashkhas-fi-alealam-aladhin-yaqumun-bialtahaduth-bialburtughaliati/
9- Lusophone. (n.d.). National Library Board Singapore Web Archives. https://eresources.nlb.gov.sg/webarchives/wayback/20130918185147/https://en.wikipedia.org/wiki/Lusophone
10- Programa CSP 15-11-24. (n.d.). CPLP. https://saude.cplp.org/media/mutlf523/programa-csp-15-11-24.pdf
11- Tribunal confirma reeleição de Carlos Vila Nova Presidente da República com 55,88% dos votos. (2026, August 4). STP-Press. https://www.stp-press.st/2026/08/04/tribunal-constitucional-confirma-reeleicao-de-carlos-vila-nova-como-presidente-de-sao-tome-e-principe-com-5588-dos-votos/
12- XIV Conference of Heads of State and Government of the Community of Portuguese Language Countries (CPLP). (n.d.). Permanent Mission of Portugal to the United Nations. https://onu.missaoportugal.mne.gov.pt/en/news/xiv-conference-of-heads-of-state-and-government-of-the-community-of-portuguese-language-countries-cplp
الهوامش والإحالات:
[1]Lusophone.at: https://eresources.nlb.gov.sg/webarchives/wayback/20130918185147/https://en.wikipedia.org/wiki/Lusophone#1
[2] https://www.cplp.org/estados-membros/?utm_source
[3] المرجع نفسه.
[4] التعاون في جماعة البلدان الناطقة بالبرتغالية أمر أساسي – مايس أفريكا، على الرابط:
https://maisafrika.com/ar/noticias/ultimahora/a-cooperacao-na-cplp-e-fundamental
[5] الثقافة واللغة البرتغالية، سفارة البرتغال في الرياض، على الرابط
[6] رانا مألوف، كم عدد الأشخاص في العالم الذين يقومون بالتحدث بالبرتغالية؟، على الرابط:
[7] https://saude.cplp.org/media/3gmpc5mg/cplp_relatorio-final_2018_vol_unico-1.pdf#140#75
[8] المرجع نفسه
[9] XIV CONFERÊNCIA DE CHEFES DE ESTADO E DE GOVERNO DA COMUNIDADE DOS PAÍSES DE LÍNGUA PORTUGUESA São Tomé, 27 de agosto de 2023. at:
https://secretariadoexecutivo.cplp.org/media/tjkdtuxy/d1_declaracao-de-stome_aprovado.pdf?utm_so
[10] CPLP – Community of Portuguese Speaking Countries. at:
[11] CPLP – Community of Portuguese Speaking Countries. at:
[12] Election observation missions. at:
[13] Tribunal confirma reeleição de Carlos Vila Nova Presidente da República com 55,88% dos votos. at:
[14] XIV Conference of Heads of State and Government of the Community of Portuguese Language Countries (CPLP). at
[15] https://saude.cplp.org/media/mutlf523/programa-csp-15-11-24.pdf#1#1











































