أعلن رئيس غانا جون دراماني ماهاما توظيف ستة آلاف معلم للغة العربية عبر وكالة توظيف الشباب، في إطار برنامج حكومي يستهدف دعم التعليم الإسلامي وتوفير فرص عمل للشباب، بالتوازي مع خطط لإعادة تأهيل مجتمعات “الزونغو” ذات الغالبية المسلمة، وتعزيز البنية التحتية والخدمات فيها.
جاء إعلان الرئيس الغاني خلال احتفالات عيد الأضحى التي أُقيمت في ساحة “بلاك ستار” بالعاصمة الغانية أكرا، حيث قدّم المشروع بوصفه جزءًا من رؤية أوسع لإعادة البناء الوطني بعد سنوات من الصعوبات الاقتصادية، مؤكدًا أن حكومته تسعى إلى خلق فرص عمل مستدامة، وتحسين الظروف المعيشية، وتعزيز التماسك الوطني في بلد يُعد أحد أبرز نماذج التعايش الديني في غرب أفريقيا.
ولم يكن الإعلان عن توظيف معلمي العربية حدثًا إداريًا معزولاً، بل حمل دلالات سياسية وثقافية عميقة، بالنظر إلى الموقع التاريخي الذي احتلته اللغة العربية والإسلام في غانا، وإلى التحولات التي شهدتها علاقة الدولة بالتعليم الإسلامي منذ الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم.
دعم التعليم العربي والإسلامي
وقال الرئيس الغاني إن المعلمين الذين جرى توظيفهم “حصلوا بالفعل على مستحقاتهم المالية كاملة”، مشددًا على أن الحكومة لا تدين لهم بأي متأخرات.
ماهاما أكد أن حكومته تعتزم توسيع البرنامج خلال السنوات المقبلة من أجل توظيف المزيد من معلمي اللغة العربية، معتبرًا أن المشروع لا يقتصر على دعم التعليم الإسلامي فحسب، بل يمثل أيضًا أداة لمعالجة البطالة بين الشباب.
وأشاد الرئيس الغاني بالرئيس التنفيذي لوكالة توظيف الشباب، مالك باسينتالي، وفريقه، مثنيًا على ما وصفه بـ”التنفيذ السلس” للبرنامج.
في كلمته خلال احتفالات العيد، حرص الرئيس الغاني على ربط ملف التعليم الإسلامي بخطاب وطني جامع، داعيًا المواطنين إلى حماية السلام والوحدة ونبذ التطرف والتعصب والانقسام.
وقال إن غانا ما تزال تقدم نموذجًا للتعايش السلمي بين مختلف الخلفيات الدينية والعرقية، مشددًا على ضرورة التمسك بقيم التسامح والاحترام والتفاهم المتبادل.

“الزونغو”.. قلب الإسلام الشعبي في غانا
وأولى الرئيس الغاني اهتمامًا خاصًا بمجتعات “الزونغو”، معلنًا قرب انطلاق مشاريع لإنشاء وإعادة تأهيل الطرق والبنية التحتية في عدد من هذه المجتمعات المنتشرة في أنحاء البلاد.
وتُعرف مجتمعات الزونغو بأنها أحياء وبلدات سكنية تقطنها غالبًا جماعات مسلمة منحدرة من شمال غانا ودول الساحل وغرب إفريقيا، وقد تشكلت تاريخيًا كمراكز استقرار للمهاجرين والتجار المسلمين.
وتُعد هذه المناطق بمثابة الحاضنة الاجتماعية والثقافية للإسلام في جنوب غانا، حيث تختلط فيها أعراق متعددة تحت مظلة الهوية الإسلامية المشتركة، وهو ما منحها خصوصية ثقافية ودينية واضحة داخل المجتمع الغاني.
وأكد ماهاما أن حكومته “مصممة على تحسين البنية التحتية والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية والفرص الاقتصادية في جميع مناطق الزونغو”.

الإسلام في غانا.. حضور يمتد لقرون
حسب الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، يعود الوجود الإسلامي في البلاد إلى القرن الرابع عشر الميلادي على الأقل، حين وصل التجار المسلمون القادمون من دولة مالي ومناطق الساحل إلى الأراضي الغانية عبر طرق التجارة العابرة للصحراء.
وكانت جماعات “الجولا” و”الوانغارا” من أبرز المجموعات التي لعبت دورًا في نشر الإسلام والتجارة والتعليم العربي في المنطقة، حيث استقرت في مراكز اقتصادية وتجارية مختلفة، وأسهمت في إدخال العربية بوصفها لغة علم وإدارة وتوثيق.
ومع مرور الوقت، أصبح بعض العلماء المسلمين كتّابًا ومستشارين في بلاطات الملوك المحليين، كما استخدمت العربية في تدوين الوقائع التاريخية والمراسلات الرسمية.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن بعض ملوك الأشانتي استعانوا بمسلمين في الإدارة والقضاء، بل إن بعضهم تأثر بالإسلام إلى درجة استخدام الشريعة في بعض الشؤون المدنية.

أول لغة أجنبية في ساحل الذهب
قبل وصول الاستعمار الأوروبي، كانت العربية قد ترسخت بالفعل في غانا بوصفها لغة دين وتعليم وثقافة، حتى إن بعض الباحثين يعدّونها أول لغة أجنبية غير إفريقية دخلت البلاد.
ومع انتشار الإسلام، انتشرت الكتاتيب ومدارس القرآن، وأصبح تعلم العربية جزءًا أساسيًا من الحياة الدينية للمجتمعات المسلمة.
لكن التحول الأكبر جاء مع الحقبة الاستعمارية البريطانية، حين جرى تهميش التعليم العربي والإسلامي لصالح النموذج التعليمي الغربي المرتبط باللغة الإنجليزية والمؤسسات التبشيرية المسيحية.
فقد تولت البعثات التبشيرية إدارة التعليم الرسمي، بينما عانى المسلمون من التمييز والإقصاء، الأمر الذي دفع كثيرًا منهم إلى مقاطعة المدارس الاستعمارية خشية التأثير التنصيري على أبنائهم.
وفي واحدة من أكثر الوقائع دلالة على ذلك، رفضت سلطات الاستعمار عام 1948 منح ترخيص لاستيراد كتب عربية لأغراض تعليمية، بحجة أن العربية ليست لغة معترفًا بها في المؤسسات التعليمية بساحل الذهب، وهو الاسم الذي كانت تعرف به غانا قبل الاستقلال.
ورغم الضغوط الاستعمارية، واصل التعليم العربي والإسلامي تطوره داخل المجتمع المسلم، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة بعد الاستقلال، خاصة مع إدخال إصلاحات تعليمية هدفت إلى دمج المدارس الإسلامية ضمن النظام الرسمي.
وخلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، توسعت المدارس العربية الإسلامية المنضوية تحت إشراف الدولة، وتم إنشاء “وحدة التعليم الإسلامي” التي أصبحت جزءًا من الهيكل التعليمي الحكومي.
وشهدت تلك المرحلة نقاشات طويلة بين الدولة والمدارس الإسلامية بشأن طبيعة المناهج، ودمج المواد الحديثة، وآليات التدريس، لكن النتيجة النهائية كانت الاعتراف التدريجي بالتعليم الإسلامي ومنحه مساحة داخل النظام الوطني.
ومن اللافت أن المدارس الإسلامية أصبحت في بعض الفترات أكثر عددًا من المدارس التابعة لبعض الوحدات التعليمية المسيحية الكبرى، ما يعكس حجم الحضور الإسلامي في البلاد.

العربية في جامعات غانا
ومع مطلع الألفية الجديدة، انتقلت العربية في غانا من مجرد لغة دينية إلى لغة أكاديمية معترف بها في مؤسسات التعليم العالي.
وباتت اللغة العربية تُدرَّس في جامعات حكومية بارزة مثل جامعة غانا وجامعة التربية وينبا، إلى جانب معهد الدراسات اللغوية، وهو ما أسهم في تخريج أجيال جديدة من المتخصصين في اللغة والدراسات الإسلامية.
كما شهدت السنوات الأخيرة خطوات رسمية مهمة، بينها اعتماد العربية مادة اختيارية في الاختبارات الثانوية العامة، في تطور اعتبره كثيرون تحولًا نوعيًا في نظرة الدولة إلى اللغة العربية.











































