بقلم: كابوسين غرابي Capucine Graby
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– مع تسارع التحولات في موازين القوى العالمية، يسعى منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة في كيغالي إلى صياغة عقيدة اقتصادية جديدة: نمو سريع، وتوحّد، وتسارع، لمنع تهميش القارة.
– عُقد «دافوس إفريقيا» في كيغالي، وجمع أكثر من 2800 صانع قرار من 75 دولة لمناقشة السؤال المحوري في ظل الاضطرابات الجيوسياسية: التوسع أم الفشل: لماذا يجب أن تتوحد الرأسمالية الإفريقية؟
– بنمو للناتج المحلي الإجمالي يقارب 9% سنوياً، تُقدّم رواندا دليلاً عملياً على إمكانات القارة؛ فقد صارت كيغالي نموذجاً للحداثة.
– إعادة الهيكلة العالمية تفتح فرصاً لإفريقيا، لكن اغتنامها يتطلب تنسيقاً مرناً وفعّالاً للحراك التنموي.
– مع تراجع التعددية وإعادة توجيه تدفقات رأس المال وتصاعد التوترات الجيوسياسية، يتسارع تغيير ميزان القوى؛ لذا فإن توحيد الرأسمالية الإفريقية أصبح ضرورة.
– على الرغم من ضرورة بناء كل قارة لسيادتها الاقتصادية والسياسية، يستنتج الأوروبيون والأفارقة أن مصالحهما تقتضي التحالف والعمل المشترك بدلاً من الانعزال.
– تحوّل الأرقام الديموغرافية إفريقيا إلى سوق محوري: من نحو 1.4 مليار نسمة اليوم إلى نحو 2.5 مليار بحلول 2050م، مما يُشكل فرصة نمو كبيرة للشركاء الأوروبيين والأفارقة.
– يتغير المشهد الدولي بفعل الحمائية والتقدّم التكنولوجي (الذكاء الاصطناعي)، مما يجعل الانحياز بين الصين والولايات المتحدة غير مستدام. وإفريقيا، من 1.4 مليار اليوم إلى 2.5 مليار بحلول 2050م، سوق نمو لا يُغفل.
* * *
مع تسارع التحولات في موازين القوى العالمية، سعى منتدى الرؤساء التنفيذيين الأفارقة في كيغالي إلى بلورة عقيدة اقتصادية قارية جديدة مبنية على ثلاثة محاور: النمو، والتوحّد، والتسارع، حتى لا تظل إفريقيا هامشيةً على خريطة الاقتصاد الدولي.
وقد عقد «دافوس إفريقيا» في كيغالي، في دورة استثنائية جمعت أكثر من 2800 صانع قرار من 75 دولة. وحملت فعاليات 2026م موضوعاً محورياً في ظل الاضطرابات الجيوسياسية: «التوسع أم الفشل: لماذا ينبغي للرأسمالية الإفريقية توحيد جهودها؟».
في أروقة المنتدى، تلاقى رؤساء دول وقادة أعمال ومستثمرون حول هدف واحد: تسريع وتيرة التصنيع وإبراز روّاد أفارقة قادرين على تشكيل ملامح النظام الاقتصادي العالمي الجديد. وفيما تتجه الأنظار الدولية نحو مضيق هرمز، يسلك المشهد الاقتصادي والسياسي الإفريقي مساراً مستقلاً قائماً على طموح متوازن يتسم بالنضج.
تحظى رواندا بمكانة رمزية في هذا السياق؛ فبعد مرور 32 عاماً على الإبادة الجماعية التي راح ضحيتها نحو مليون شخص، تحوّلت كيغالي إلى نموذج للنمو الاقتصادي والمرونة. وتُقدّم البلاد دليلاً عملياً على ما يمكن للقارة تحقيقه، مع نمو ناتج محلي يقارب 9% سنوياً.
صارت كيغالي عنواناً للحداثة: شوارع منتظمة تصطف على جانبيها أشجار النخيل، مناطق تجارية متطورة، وحاضنات أعمال مزدهرة تجعلها مختبراً حقيقياً للتغيير الإفريقي. في مركز المؤتمرات، قرب ملعب الغولف الذي أنشأه الرئيس بول كاغامي، التقي نحو 3000 من قادة الأعمال ورؤساء الدول، في استجابة منسقة للتقلبات العالمية والتوترات بين القوى الكبرى.
الرسالة واضحة: التقدّم القاري لن يتحقق دون شراكة فعّالة مع القطاع الخاص. كما يقول حسنين هيريدجي، الرئيس التنفيذي لشركة أكسيان، إعادة الهيكلة العالمية تُشكّل فرصة تاريخية لإفريقيا، لكن انتهازها يتطلب زخماً تنموياً مرناً ومنسقاً وسريعاً؛ فالوقت يداهمنا.
شعار هذا العام «التوسع أم الفشل» يختزل واقعاً بسيطاً: من دون كتلة قوية وقوة اقتصادية موحّدة، يصعب المنافسة على الساحة العالمية. وقد حضر إلى كيغالي قادة ومؤسسون صنعوا بالفعل مسارات صناعية واستثمارية بارزة، من النيجيري أليكو دانغوت إلى السنغالي مختار ديوب، مروراً بالرئيس النيجيري بولا تينوبو ورؤساء وزراء من ساحل العاج وغينيا وموزمبيق.
الجميع أبدى عزماً وتصميماً على نشر روح رأسمالية متقاربة في القارة، مع إعلاء قيمة العمل الجماعي والاحترافية. واختتمت الكلمة الافتتاحية لرجل الأعمال النيجيري عبد الصمد رابيو، بعد أن وجّه الرئيس كاغامي رسالة واضحة ومبتسمة: «حان وقت العمل».
إفريقيا أمام ضرورة ملحّة للتوسع:
مع تراجع التعددية، وإعادة ترتيب تدفقات رأس المال، وتصاعد التوترات الجيوسياسية التي تهز النظام الدولي، يتغير ميزان القوى بوتيرة متسارعة. في هذا المشهد، لا خيار أمام الرأسمالية الإفريقية سوى التوحّد لمواجهة التحولات العالمية.
لاستثمار الفرص الهائلة التي تتيحها القارة؛ لا بد من تسريع النمو وظهور شركات إفريقية رائدة، مؤسسات قادرة على التميّز، أو اختراق الأعراف السائدة، أو إحداث قفزات تنافسية في الساحة العالمية. لم تعد أوروبا وإفريقيا تستطيعان البقاء محاصرتين بين اليد الصناعية الصينية واليد الرقمية الأمريكية، كما يؤكّد باتريك دوبو، رئيس مجلس إدارة مجموعة بوسطن الاستشارية في إفريقيا.
وشدّد رجل الأعمال (الفرنسي-الملغاشي) حسنين هيريدجي، الرئيس التنفيذي لمجموعة أكسيان الناشطة في الطاقة والتكنولوجيا المالية والاتصالات، على وجوب «إحداث تغيير جذري في المفاهيم». وأضاف أن الدول تدرك اليوم أن التقدّم لم يعد ممكناً من دون إشراك القطاع الخاص بقوة. وأشار إلى تحدٍّ ديموغرافي هائل: عدد سكان القارة سيتضاعف خلال ثلاثين عاماً، ما يضع أمام القادة الاقتصاديين مهمة عاجلة لدمج الشباب في سوق العمل وبناء مجموعات أعمال قارية لا تلتزم بالحدود الوطنية فحسب.
خريطة الفرص: الخدمات الرقمية والبنية التحتية:
تنتشر الفرص في مجالات متعددة: تطوير الزراعة، تسريع التجارة البينية، تصنيع المعادن داخل القارة، وتعزيز مصادر الطاقة النظيفة. لكن الأثر الأكبر قد يكون للخدمات الرقمية، التي تبرز اليوم كمحرّك رئيسي للنمو.
يبرز في هذا الإطار تحدٍّ مزدوج: نقل إفريقيا من كونها مستهلكة للخدمات الرقمية إلى منتجة لها، عبر تشجيع صناعة البرمجيات وتأسيس بنى تحتية محلية مثل مراكز بيانات متطورة. هذا كان هو محور النقاش في قمة كيغالي، حيث تُعدّ بناء القدرات الرقمية وتوسيع شبكات مراكز البيانات من الأولويات.
وقد بدأت القارة خطوات عملية؛ فانتشرت مبادرات تدريبية، مثل مدارس 42 بشراكات محلية، ومراكز متخصّصة في الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، يبقى العمل مستمراً وعلى عجل. وكرّر جان باسكال تريكوار، رئيس مجموعة شنايدر إلكتريك، خلال مشاركته في كيغالي، أن بناء مراكز بيانات محلية يُعدّ أمراً حاسماً لتسريع التحول الرقمي في إفريقيا.
إفريقيا وأوروبا: تحالف إستراتيجي في عالم منقسم:
في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، باتت كل قارة تواجه ضرورة بناء سيادتها الاقتصادية والسياسية. ومع ذلك، استنتج الأوروبيون والأفارقة أن مصلحتهما تقتضي التحرك معاً، لا الانعزال، لحماية مصالحهما المشتركة في نظام عالمي يتسم بالتنافسية المتصاعدة.
يقول باتريك دوبو، رئيس مجموعة بوسطن الاستشارية في إفريقيا، العائد من منتدى «إفريقيا إلى الأمام» في نيروبي الذي شارك فيه إيمانويل ماكرون، «ببساطة، تتفق إفريقيا وأوروبا على أمر واحد: لم يعد بإمكانهما تحمّل التبعية للقوى العالمية الكبرى». وتكتسب هذه المقاربة زخماً خاصاً مع انعقاد قمتَي نيروبي وكيغالي بالتوازي، ما يمنح اللحظة طابعاً فريداً وملحّاً.
الحاجة واضحة من جهتين متكاملتين: تسعى أوروبا منذ جائحة كوفيد-19 ومن بعدها الحرب في أوكرانيا إلى تنويع سلاسل الإمداد لتفادي التعرض للصدمات الخارجية، بينما تواجه إفريقيا تحدّياً تاريخياً يتمثل في الانتقال من دور المورد الأساسي للمواد الخام إلى منتج ومبتكر يُولّد قيمة مضافة داخل القارة. وكلا الهدفين يبرّران شراكة إستراتيجية عميقة بين القارتين.
أوروبا بوصفها شريكاً للنمو:
أظهرت محادثات قادة الأعمال في كيغالي أن أوروبا لم تعد تُشكّل مصدراً للتمويل فحسب، بل تحولت إلى شريك فاعل في مسارات النمو والتنمية. يتردد في أروقة المنتديات شعار «نعيد توجيه أنفسنا نحو أوروبا»، في إشارة إلى رغبة متبادلة في تعزيز التعاون التجاري والتقني.
يضيف دوبو أن المشهد الدولي يتبدل تحت تأثير موجات حمائيةٍ جديدة وتقدمات تكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي، ما يجعل البقاء محاصرين بين القوة الصناعية الصينية والقوة الرقمية الأمريكية خياراً غير مستدام. كما أن أرقام السكان تجعل من إفريقيا سوقاً لا يمكن تجاهله: يبلغ عدد سكانها حالياً نحو 1.4 مليار نسمة، ومن المتوقع أن يصل إلى 2.5 مليار بحلول عام 2050م، مما يوفر فرصة نمو هائلة للشركاء الأوروبيين والأفارقة معاً.
النتيجة العملية واضحة: بناء شراكات تركز على خلق سلاسل قيمة مشتركة، نقل التكنولوجيا، وتطوير البنى التحتية والقدرات البشرية. هذا المسار ليس ترفاً إستراتيجياً، بل ضرورة اقتصادية وسياسية لكلا القارتين في عالمٍ مُتشظٍّ.
ــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































