بقلم: فيديريكو دونيلي، كيارا بولدريني، ريكاردو جاسكو
Federico Donelli, Chiara Boldrini, Riccardo Gasco
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– اقتصار نفوذ الهند في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر، إلى وقتٍ قريب، على عمليات حفظ السلام الأممية ومكافحة القرصنة البحرية.
– مشاركة الهند في معظم بعثات حفظ السلام الأممية بإفريقيا منذ منتصف التسعينيات، مما عزز سمعتها كشريك أمني موثوق.
– تزايد حملات مكافحة القرصنة بين 2008م و2014م مع امتداد التهديدات من الصومال وخليج عدن، مما دفع نيودلهي إلى تعزيز وجودها البحري لحماية طرق تجارتها الحيوية.
– كثفت الهند منذ منتصف العقد الثاني للألفية الثالثة جهودها لتأمين طرقها البحرية، في مواجهة الوجود الصيني المتزايد، وحماية استثماراتها وجاليتها، وتعزيز دورها الإقليمي أمنياً.
– أسهمت ولاية ناريندرا مودي (2014م) في تسريع هذا التحول عبر دبلوماسية استباقية، وتبادلات رفيعة المستوى، وتعزيز الروابط التجارية والبنية التحتية.
– تعزيز مبادرة «التعاون البحري الرئيسي بين إفريقيا والهند 2025» (باستضافة الهند وبالتعاون مع تنزانيا) لدور نيودلهي بوصفها شريكاً إستراتيجياً لدول المحيط الهندي الإفريقية، تأكيداً لالتزامها بالاستقرار الإقليمي.
* * *
ظلَّ نفوذ الهند في القرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر، حتى وقتٍ قريب، يقتصر إلى حدٍّ كبير على عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة ودوريات مكافحة القرصنة البحرية.
ومنذ النصف الثاني للتسعينيات، ساهمت الهند في معظم عمليات حفظ السلام الأممية في إفريقيا، مما عزز سمعتها كشريك أمني موثوق.
واشتدت حملات مكافحة القرصنة بين 2008م و2014م، مع امتداد تهديدات الصومال وخليج عدن إلى مناطق بحرية واسعة تضررت منها شرق إفريقيا والمحيط الهندي بأكمله، مما دفع نيودلهي إلى تعزيز وجودها البحري لحماية طرق تجارتها الحيوية.
وتعرضت طرق التجارة الهندية لمخاطر أمنية جديدة، مما استدعى تعزيز وجودها البحري.
ومنذ منتصف العقد الثاني للألفية الثالثة، كثفت الهند جهودها لتأمين الطرق البحرية المؤدية إلى أسواقها العالمية، مع مواجهة الوجود الصيني المتزايد على الساحل الغربي للمحيط الهندي، وحماية جاليتها واستثماراتها، وترسيخ دورها كقوة أمنية إقليمية.
وأسهم تولّي ناريندرا مودي لرئاسة الوزراء عام 2014م في تسريع هذا التحوُّل، مع التركيز على دبلوماسية استباقية، وتبادلات رفيعة المستوى، وتعزيز الروابط التجارية والبنية التحتية، بالإضافة إلى التنسيق الإستراتيجي عبر اتفاقيات ثنائية ومناورات بحرية في غرب آسيا والسواحل الإفريقية المجاورة.
الهند والقرن الإفريقي: تحول جيوسياسي:
يعكس هذا التطور انتقال الهند من سياسة عدم الانحياز ما بعد الاستعمار إلى قوة حازمة ذات طموحات عابرة للحدود، حيث أصبحت ثالث أكبر شريك تجاري لإفريقيا، مدعومةً بترابط اقتصادي يتواءم مع مصالحها الجيوسياسية.
وبناءً على خبراتنا في أمن غرب المحيط الهندي وجنوب الصحراء الكبرى، أعادت نيودلهي تعريف المحيط الهندي كحزام عازل محمي ومسرح نفوذ رئيسي يربط المحيطين الهندي والهادئ بالبحر الأحمر، معتمدةً القرن الإفريقي كنقطة مركزية.
وفي 2023م، أعلنت الهند نفسها «قائدة في توفير الأمن» بالمحيط الهندي، مع إطار يركز على تعزيز الأمن الإقليمي، التعاون الاقتصادي، ومواجهة التحديات البحرية المشتركة.
اليوم، مع إعادة رسم مسارات الشحن وتقييم الشراكات الإستراتيجية، يُختبر موقع الهند عملياً في القرن الإفريقي، حيث تحدد الشرعية والتنفيذ المستدام من يحافظ على نفوذه بعد تلاشي الضجيج الإعلامي، مما يتطلب من نيودلهي ترسيخ تقدمها الهادئ.
لماذا يُعتبر القرن الإفريقي مهماً للهند؟:
تُعزّز مبادرة «التعاون البحري الرئيسي بين إفريقيا والهند 2025»، التي استضافتها الهند بالتعاون مع تنزانيا، دور نيودلهي كشريك أمني إستراتيجي للدول الإفريقية المطلة على المحيط الهندي، مُبرزةً التزامها بتعزيز الاستقرار الإقليمي.
وتتوسّع مشاركة الهند في المنطقة لتشمل مشاريع زراعية تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير البنى التحتية، وتقديم الدعم الفني في التعليم والصحة، بالإضافة إلى مساعدات إنسانية فورية في الصومال وكينيا وجيبوتي، مما يعكس رؤية تطويرية شاملة.
وشهد العقد الماضي صياغة هذه الجهود ضمن إطارٍ أوسع، حيث تُقدّم الهند نفسها كبديل موثوق يوفّر التكنولوجيا والتنمية دون شروط أو تدخّلات سياسية، وهو ما يحظى بترحيب الحكومات المحلية في القرن الإفريقي، رغم الحاجة إلى إثبات الاستدامة طويلة الأمد.
وتلعب إثيوبيا، بصفتها مقر الاتحاد الإفريقي وبوابة الدبلوماسية متعددة الأطراف، دوراً محورياً في إستراتيجية الهند، بينما يبرز الصومال بموقعه الإستراتيجي قرب ممرات خليج عدن الحيوية، حيث يُحوّل الدعم الأمني إلى نفوذ سياسي للفاعلين الخارجيين.
ويأخذ الاهتمام الهندي بالصومال وصوماليلاند بُعداً اقتصادياً متزايداً، مع تركيز الشركات الهندية على استغلال موارد الذهب والمعادن في شرق صوماليلاند، مُشيراً إلى تحول نفوذ نيودلهي من المجال الأمني والتنموي إلى الوصول المباشر للموارد وإستراتيجيات سلاسل التوريد، رغم محدوديته الحالي.
المنافسة:
تحوَّل ممر البحر الأحمر وخليج عدن وغرب المحيط الهندي، خلال العقدين الأخيرين، إلى ساحة مزدحمة بالقوى الخارجية المتداخلة.
ورأت القوى الكبرى في دول المنطقة منصّةً إستراتيجية لمكافحة الإرهاب وتوسيع نفوذها البحري، بينما سعى اللاعبون المتوسطون والصغار- مثل تركيا وإيران ودول الخليج- إلى ترسيخ حضورهم عبر السيطرة على المواني، بعثات التدريب العسكري، نقل الأسلحة، الوصول التجاري، والوساطة الانتقائية.
وأفضت هذه الديناميكيات إلى بيئة مترابطة ومعقّدة، حيث يُقدّم كل فاعل خارجي مزيجاً متكاملاً من الخدمات الأمنية والمالية والتكنولوجية والدبلوماسية، مما يضع الحكومات المحلية الهشّة أمام تحدّي التوازن بين هذه العروض المتعددة.
ويتمثل التحدي الذي يواجه الهند في تحقيق نتائج مستدامة فيما يأتي:
– إنشاء برامج تدريب في مجالي الدفاع والأمن.
– تنفيذ المشاريع.
– آليات تمويل مستقرة.
– اهتمام بيروقراطي متواصل.
وإذا كانت سياسة الهند تجاه إفريقيا تركز على المجال البحري؛ فيجب أن تصبح إجراءات مثل المناورات البحرية، وتبادل المعلومات، والتعاون مع خفر السواحل، والتدريب المؤسسي، منتظمة وواضحة.
لكن إذا كانت الإستراتيجية تركز أيضاً على التنمية والتكنولوجيا، فيجب على الهند تنفيذ مشاريع رائدة في مجالات البنية التحتية الرقمية، والصحة، والزراعة.
من نفوذ محدود إلى قوة راسخة:
تواجه الهند ثلاثة عوائق في سبيل تعزيز نفوذها في القرن الإفريقي:
– القدرات العسكرية المحدودة:
لا تستطيع القدرات البحرية الهندية منافسة حجم الأسطول الصيني أو التفوق التكنولوجي والعمق العملياتي للولايات المتحدة. هذه الفجوة ليست مستعصية إذا كانت الهند تسعى إلى نفوذ راسخ من خلال الشراكات. ومع ذلك، فهذا يعني أن نفوذها سيعتمد على التعاون المؤسسي وبناء التحالفات.
– حدّة التنافس:
يتكون هيكل القرن الإفريقي من قواعد عسكرية أجنبية، ودبلوماسية مواني، وتنافسات متشابكة. وتكمن ميزة الهند في عدم تدخلها المفرط، لكنها قد تصبح مجرد فاعل واحد من بين فاعلين كثيرين.
– غياب الاستمرارية:
إذا كان انخراط الهند في منطقة القرن الإفريقي مرهوناً بشكل مفرط بتوجيهات قادتها دون مؤسسات راسخة؛ فإنه سيظل عرضةً للتشتت وغياب الاستمرارية. إذ يتطلب تحقيق النفوذ المستدام وجود أطر بيروقراطية فاعلة وآليات تمويل مستقرة، تُمكّن الهند من الصمود أمام التقلبات السياسية والأزمات المتجددة. وتُعدّ إثيوبيا نموذجاً في هذا السياق. كما أنه لا بد من ترجمة الخطط الإستراتيجية الكبرى إلى مشاريع ملموسة، تشمل تطوير البنية التحتية الرقمية، وتعزيز أنظمة الرعاية الصحية، ودعم القطاع الزراعي.
فالخلاصة أن القرن الإفريقي ليس ساحة عمليات خالية أو فارغة في انتظار وصول الهند، بل بيئة معقدة تتطلب حضوراً مؤسسياً مدروساً وإستراتيجياً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:











































