بقلم: ستيفن غوردن Steven Gordon
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
الأفكار العامة:
– أعادت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين مطلع مايو 2026م في تشواني وجوهانسبرغ إحياء الجدل حول كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا ما بعد الفصل العنصري.
– دعا رامافوزا، في أعقاب الاحتجاجات، إلى التضامن مع الجيران الأفارقة، فيما احتجت حكومات أجنبية وتحركت الشرطة لاحتواء العنف.
– تُظهر نتائج 2025م أن الجنوب إفريقيين صاروا أكثر عداءً للمهاجرين منذ 2003م.
– ويرتبط ذلك بتشدد أفقر الفئات في الطبقة العاملة تجاه المهاجرين.
– تركزت الموجة الأخيرة في مبومالانغا وغوتنغ وليمبوبو وكوازولو-ناتال.
– احتمال استغلال الأحزاب المتنافسة هذا المزاج الشعبي انتخابياً، بما قد يغذي كراهية الأجانب.
– في 2003م، أيّد 34% استقبال جميع المهاجرين، مقابل 32% لا يقبلون أيّاً منهم، و35% يقبلون بعضهم.
– في كوازولو-ناتال، ارتفعت المعارضة لقدوم المهاجرين من 23% في 2021م إلى 45% في 2023م ثم 60% في 2025م.
– في 2021م، قال 26% إنهم سيرحبون بجميع المهاجرين، ثم تراجعت النسبة إلى 15% في 2025م.
– بات البالغون في الفئات الأكثر حرماناً أكثر عداءً للأجانب من نظرائهم في الفئات المتوسطة العليا والمرتفعة.
* * *
أعادت الاحتجاجات المناهضة للمهاجرين التي اندلعت مطلع مايو 2026م في عدد من المدن الكبرى بجنوب إفريقيا، من بينها تشواني وجوهانسبرغ، إحياء الجدل مجدداً حول كراهية الأجانب في جنوب إفريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري.
وعقب هذه الاحتجاجات، دعا الرئيس سيريل رامافوزا مواطني بلاده إلى إظهار التضامن مع جيرانهم الأفارقة، فيما أبدت حكومات أجنبية اعتراضها، بينما عملت الشرطة على احتواء أعمال العنف. وقد عكست هذه التطورات حجم التوتر القائم داخل البلاد.
لكن هل تُنذر هذه الاحتجاجات الأخيرة بتصاعدٍ أوسع في المشاعر المعادية للمهاجرين بين عموم الجنوب إفريقيين؟ تشير أحدث بيانات الرأي العام الصادرة عن مجلس أبحاث العلوم الإنسانية HSRC إلى أن ذلك قد يكون صحيحاً.
وتُعدّ دراسة المواقف الاجتماعية في جنوب إفريقيا التي يجريها المجلس مصدراً مهماً لفهم آراء المواطنين بشأن الهجرة الدولية. ومنذ عام 2003م، ينفذ المركز سنوياً هذه السلسلة المتكررة من الدراسات الاستقصائية الشاملة والتمثيلية على المستوى الوطني.
وتُظهر أحدث نتائج استطلاع عام 2025م أن الجنوب إفريقيين باتوا أكثر عداءً للمهاجرين من أي وقتٍ مضى منذ بدء هذه السلسلة عام 2003م. ويعود جزءٌ من هذا التحول إلى تشدد المواقف تجاه المهاجرين بين أفقر فئات الطبقة العاملة. كما تركزت الموجة الأخيرة من المشاعر المعادية للمهاجرين جغرافياً في أربع مقاطعات، هي مبومالانغا وغوتنغ وليمبوبو وكوازولو-ناتال.
ويثير هذا التطور قلقاً خاصاً، ولا سيما مع اقتراب الانتخابات المحلية المقرر إجراؤها في 4 نوفمبر 2026م. فقد تميل الأحزاب السياسية المتنافسة، في سعيها إلى الحفاظ على السلطة أو انتزاعها، إلى استغلال هذا المزاج الشعبي لتحقيق مكاسب انتخابية، ما قد يجعل الاستحقاق الانتخابي عاملاً إضافياً في تغذية كراهية الأجانب.
ومن شأن هذا التصاعد في العداء أن يفضي أيضاً إلى موجات عنف جديدة ضد المهاجرين، في بلدٍ له سجل طويل من جرائم الكراهية الجماعية، ويقيم فيه أكثر من مليونَي مهاجر دولي.
تراجع في المواقف الإيجابية تجاه المهاجرين:
وقد تضمّنت دراسة المواقف الاجتماعية في جنوب إفريقيا، منذ عام 2003م، السؤال التالي: «يرجى الإشارة إلى أيٍّ من العبارات التالية تنطبق عليكم: بشكل عام، أرحب في جنوب إفريقيا بـ: (1) جميع المهاجرين؛ (2) بعض المهاجرين؛ (3) لا أحد من المهاجرين؛ (4) لا أعرف».
في عام 2003م، أعرب نحو ثلث السكان البالغين في جنوب إفريقيا (34%) عن تأييدهم لاستقبال جميع المهاجرين. أما باقي السكان فقد أشاروا إلى أنهم لن يقبلوا أيّاً من المهاجرين (32%)، أو بعضهم (35%).
وظلت نسبة السكان المستعدين لاستقبال الأجانب تتحرك ضمن نطاق محدود خلال الفترة الممتدة من 2003م إلى 2017م.
لكن مع بدايات جائحة كوفيد-19 في أوائل عام 2020م، بدأت البيانات البحثية تُظهر ارتفاعاً واضحاً في المشاعر المعادية للمهاجرين.
ففي استطلاع 2021م، قال نحو ربع المشاركين (26%) إنهم سيرحبون بجميع المهاجرين، وهي نسبة قريبة من تلك المسجلة في منتصف العقد الأول من الألفية الثانية. غير أن هذا الموقف المرحب أخذ يتراجع في الاستطلاعات اللاحقة؛ إذ انخفضت النسبة إلى 15% فقط في عام 2025م.
وفي المقابل؛ ارتفعت نسبة من يتبنون موقفاً عدائياً صريحاً، أي الذين قالوا إنهم لا يقبلون أي مهاجر، من 30% في عام 2021م إلى 42% في عام 2025م.
الاعتبارات الجغرافية والطبقية:
وتُعتبر المقاطعات التي ترتفع فيها المشاعر المعادية للمهاجرين، وهي مبومالانغا وغوتنغ وليمبوبو وكوازولو-ناتال، من أكثر المناطق التي يمر عبرها المهاجرون ويستقرون فيها بصورة متكررة.
غير أن الوضع يبدو أكثر حدةً في كوازولو-ناتال، حيث ارتفعت نسبة البالغين الذين يعلنون معارضتهم لقدوم المهاجرين من 23% في عام 2021م إلى 45% في عام 2023م، قبل أن تقفز إلى 60% في عام 2025م.
ويرتبط هذا التصاعد في العداء، على ما يبدو، بتنامي الغضب الشعبي من الواقعَين الاقتصادي والسياسي. فوفقاً للمعطيات المتاحة، فإن 88% من سكان المقاطعة يعبّرون عن عدم رضاهم عن الوضع الاقتصادي الراهن، فيما تتوقع النسبة نفسها تقريباً أن يزداد هذا الوضع سوءاً خلال السنوات الخمس المقبلة.
ويثير التحول الملحوظ في مواقف الفئات الفقيرة قدراً إضافياً من القلق، فجنوب إفريقيا تُعدّ من أكثر البلدان تفاوتاً في العالم، إذ تعاني انقسامات اقتصادية حادة تجعل شريحةً واسعة من المواطنين في موقع الحرمان الاقتصادي.
وتاريخياً، أظهرت الدراسات أن المشاعر المعادية للمهاجرين في البلاد كانت تتجاوز في الغالب الحدود الطبقية. غير أن مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19 شهدت تغيراً لافتاً في هذا المسار.
فقبل تفشي الوباء، كانت بيانات مسح المواقف الاجتماعية في جنوب إفريقيا تشير إلى وجود علاقة خطية بين الهشاشة الاقتصادية والمشاعر المعادية للمهاجرين. لكن مع رفع قيود الإغلاق وبدء التعافي، أخذت هذه المشاعر تتنامى في مختلف الفئات الاجتماعية والاقتصادية. ومع ذلك، كان الارتفاع أسرع وأكثر حدةً بين الفئات الأكثر حرماناً والطبقة الوسطى الدنيا.
وفي استطلاع عام 2025م، تبيّن أن البالغين المنتمين إلى هذه الفئات باتوا أكثر عداءً للأجانب من نظرائهم في الفئات الاجتماعية والاقتصادية المتوسطة العليا والمرتفعة.
دوافع الاحتجاج:
لماذا ازداد عداء الفئات المحرومة اقتصادياً للمهاجرين خلال السنوات الخمس الماضية؟
يمكن القول إن الفئات الفقيرة باتت تميل بصورة أكبر إلى تحميل الأجانب مسؤولية تعثر التعافي الاقتصادي وتفاقم اللامساواة بعد الجائحة. وفي ظل الضغوط الحادة الناجمة عن أزمة تكاليف المعيشة، إلى جانب التراجع المستمر في التصنيع، يبحث كثيرون عن طرف يتحمّل اللوم، وغالباً ما يُستدعى الأجانب إلى هذا الدور باعتبارهم كبش فداء تقليدياً.
وقد واجه اقتصاد جنوب إفريقيا صعوبات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، مع استمرار معدلات البطالة المرتفعة وارتفاع مستويات الجريمة. غير أن هذه التحديات، كما يؤكد الخبراء مراراً، لا يمكن عزوها مباشرة إلى المهاجرين المقيمين في البلاد. ومع ذلك، يبدو أن جزءاً من الرأي العام يُحمّلهم هذه الأعباء.
ما الذي ينبغي فعله؟:
تملك حكومة جنوب إفريقيا خطة عمل وطنية لمكافحة العنصرية والتمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يرتبط بها من أشكال التعصب، وقد بدأ تنفيذها في مارس 2019م بهدف الحد من العداء العام تجاه المهاجرين. غير أن هذه الخطة لم تحقق النتائج المرجوة، بسبب ضعف القدرة المؤسسية وغياب التنسيق الحكومي الفعّال.
ومن ثَمّ؛ بات من الضروري إعادة تنشيط هذا الإطار وآلياته. كما يتعين على القادة السياسيين والمدنيين والمجتمعيين معالجة المظالم الاجتماعية والاقتصادية المشروعة، من دون اللجوء إلى تحميل المهاجرين مسؤولية إخفاقات بنيوية أعمق تعاني منها البلاد.
كما أن تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحسين الإدماج الاقتصادي، ورفع مستوى ثقة الجمهور في الحوكمة، إلى جانب ترسيخ قيادة سياسية مسؤولة، تُمثل جميعها عناصر أساسية في أي إستراتيجية جادة لمواجهة هذا المسار.
وتظل الحاجة ملحة إلى تبنّي سياسات فعّالة وممولة على نحوٍ كافٍ لمكافحة كراهية الأجانب ووقف هذا التدهور. فالتقاعس عن ذلك لن يعني سوى إتاحة المجال أمام خطاب الكراهية كي يتوسع ويترسخ.
——————–
رابط المقال:











































