تُجسد أنشودة حابي أو “ترنيمة إلى النيل” التي يرجع تاريخها إلى عصر المملكة الوسطى في مصر القديمة شكر وعرفان المصريين للنهر الخالد وفيضانه السنوي الذي يمثل شريان حياتهم. تقول الأنشودة: “التحية لك يا نيل! الذي يتجلى على هذه الأرض، ويأتي ليعطي الحياة لمصر. الغامض في انبعاثه من الظلام، في اليوم الذي يُحتفل فيه به. يا من تروي الحدائق التي خلقها رع، وتُحيي كل الماشية، يا من تسقي الأرض التي لا تنضب…”.
ولم يكن مستغربا أن يظل النيل في وجدان المصريين عبر العصور مصدر حياة، وأن أي تهديد يؤثر على تدفق مياهه هو تهديد وجودي. وقد احتل النيل كذلك مكانة مركزية في التراث الإسلامي كما تعكسه أساليب العمارة والهندسة المبتكرة التي تتجلى ملامحها في مقياس النيل الكائن في جزيرة الروضة.
فضلا عن ورود ذكره في أقوال العلماء وأدعية الاستسقاء، ومن ذلك ماورد عن الامام السيوطي: “اللهم بقدرتك أجر نيلنا، وبلغ به المنافع، وعم به جميع الأراضي والمزارع، اللهم وفر من الجنة مزاجه، وأكثر به البركة، وادفع به الحاجة.”[1]
ويمتد نهر النيل لمسافة تزيد عن 6800 كيلومتر قبل أن يصب في البحر الأبيض المتوسط. وقد شكل هذا النهر النبيل لآلاف السنين مصدراً للريّ، مما أدى إلى تحويل المناطق الجافة والقاحلة المحيطة به إلى أراضٍ زراعية خصبة. واليوم، لا يزال النهر مصدراً حيوياً للمياه العذبة لأهل مصر الذين يعتمدون عليه في الريّ، ومياه الشرب، وصيد الأسماك، وتوليد الطاقة الكهرومائية.
وعلى الرغم من أن التهديدات الإثيوبية القديمة بتحويل مجرى النيل ظلّت لفترة طويلة في إطار التصريحات السياسية، فإنها اكتسبت طابعًا عمليًا منذ عام 2011، حين شرعت أديس أبابا من جانب واحد في بناء سد النهضة رغم اعتراض مصر والسودان.
وقد تُوّجت هذه الخطوة بافتتاح السد رسميًا في 9 سبتمبر 2025، في ظل استمرار الخلاف حول قواعد الملء والتشغيل وتأثيراتها على دولتي المصب. ومن منظور مصري، يُنظر إلى هذا المسار على أنه يمسّ جوهر الأمن المائي للبلاد ويشكّل تهديدًا وجوديًا لبنية المجتمع والدولة على حدّ سواء.
ويسعى هذا المقال إلى تفكيك أزمة مياه النيل في ظل سياسة السدود الأثيوبية وتصاعد حدة التصعيد الإعلامي حول الحرب القادمة في القرن الإفريقي وحوض النيل. ولعل السؤال المتكرر منذ عدة سنوات يتمثل في هل تتجه الأزمة بين مصر وأثيوبيا إلى الصدام المباشر في ظل بيئة إقليمية مضطربة أم تتم المواجهة بشكل غير مباشر ومنطق الحروب بالوكالة؟
أولًا: مركزية دولة النهر في مصر
في الفكر الاستراتيجي المصري، لا يُعدّ نهر النيل مجرد مورد طبيعي، بل هو “خط أحمر” وجودي وركيزة أساسية لبقاء الأمة المصرية. ولعل هذا المنظور يجمع بين الأبعاد التاريخية منذ الدولة القديمة والطبيعة الجيوسياسية المتغيرة للنهر[2]. ويشمل ذلك:
– البقاء الوجودي والأمن القومي: تجسيدًا للمفهوم التاريخي القائل بأن “مصر هبة النيل”، يُوفّر النهر أكثر من 97% من المياه المتجددة في مصر. وفي ظل ندرة المياه المطلقة، حيث يقل نصيب الفرد عن 500 متر مكعب، يصبح من المرجح أن أي تدخل من دول المنبع يُهدد حصص المياه التاريخية المُخصصة لمصر بموجب اتفاقيتي 1929 و1959 ، يُعد تهديدا خطيرا للأمن القومي. وبالفعل في عام 1979، صرّح الرئيس المصري الراحل أنور السادات تصريحًا شهيرًا مفاده أن الشيء الوحيد الذي قد يدفع بمصر إلى حرب أخرى هو الماء، وتحديدًا نهر النيل. وفي عام 2021 استخدم الرئيس عبد الفتاح السيسي لغة أكثر وضوحا، عندما حذر من المساس بحصة مصر المائية قائلاً: “مياه النيل خط أحمر.. وأي مساس بمصر سيكون له رد فعل يهدد استقرار المنطقة بالكامل”.
– توسيع النفوذ الجيوسياسي: سعياً منها لترسيخ سلطتها المائية التاريخية، تطورت استراتيجية مصر الكبرى من نزاع ثنائي بحت ذي طابع قانوني حول مشاريع مثل سد النهضة الإثيوبي، إلى تكامل إقليمي أوسع. إذ تعمل القاهرة بنشاط على بناء تحالفات عسكرية وأمنية واقتصادية مع دول شرق ووسط إفريقيا لبسط نفوذها وتعزيز دبلوماسيتها في حوض النيل. ولعل هذه الإجراءات تدخل في إطار ما يمكن أن نطلق عليه سياسة التحوط الاستراتيجي.
– العلاقة الارتباطية بين النيل والبحر الأحمر: يربط الفكر الاستراتيجي المصري بشكل متزايد أمن النيل بالأمن البحري للبحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط عموماً. وتعتبر القاهرة السيطرة والنفوذ على القرن الإفريقي ومنابع النيل أمراً حيوياً لحماية مصالحها الجيواقتصادية، بما في ذلك قناة السويس. ويتجلى هذا الترابط في متابعة مصر الدقيقة للتطورات في دول حوض النيل والقرن الإفريقي، لما لها من انعكاسات مباشرة على الملاحة في البحر الأحمر والأمن في شرق المتوسط. كما أن القاهرة تنظر إلى أمن الممرات البحرية، من باب المندب حتى مضيق الدردنيل، باعتباره امتداداً طبيعياً لأمنها المائي والاقتصادي، نظراً لاعتمادها الكبير على عوائد قناة السويس وحركة التجارة العالمية.
ومن ثم، تميل الاستراتيجية المصرية إلى مقاربة شاملة ترى أن أي اختلال في ميزان القوى أو الاستقرار في حوض النيل أو القرن الإفريقي يمكن أن ينعكس سريعاً على أمن البحر الأحمر، ومن ثم على مكانة مصر الاقتصادية والإقليمية.
– المرونة الاقتصادية والداخلية: بما أن النيل يمثل القلب الزراعي والديمغرافي لمصر، باتت الاستراتيجية الحديثة تعتمد على حزمة من الأدوات التكنولوجية والاقتصادية لمواجهة ندرة الموارد المائية. فعلى سبيل المثال، توسعت الدولة في إنشاء محطات كبرى لإعادة تدوير المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي، واستخدام هذه المياه المعالجة في الزراعة أو الأغراض الصناعية لتقليل الضغط على مياه النيل. كما تشجع الحكومة والمشروعات القومية على استخدام نظم الري بالتنقيط والري الحديث في الأراضي القديمة والجديدة على السواء، بما يرفع كفاءة استخدام المياه ويحد من الفاقد، إلى جانب دعم مشروعات الزراعة في الصوب الزراعية وترشيد المحاصيل المستهلكة للمياه بكثرة كجزء من رؤية أشمل لإدارة الموارد المائية والاقتصادية.
ثانيًا: النيل وتغير منطق الحروب الإفريقية
يتطلب الفهم الكافي للصراعات المعاصرة حول النيل، ولا سيما تأمين المياه والبنية التحتية في حوض النيل، وضعها في سياق التحول الأوسع للحرب في إفريقيا ما بعد الاستعمار. ففي العقود الأولى التي أعقبت الاستقلال، كانت الصراعات المسلحة تُصاغ في الغالب على أنها نضالات مناهضة للاستعمار أو معارك ضد أنظمة الأقلية البيضاء، وبالتالي كانت موجهة نحو إتمام مشروع إنهاء الاستعمار أو الدفاع عنه[3]. إلا أنه ابتداءً من ثمانينيات القرن الماضي، ظهر نمط جديد من العنف، مدفوعًا بما يسميه ويليامز “المتمردين الإصلاحيين”، الذين لم يوجهوا أسلحتهم ضد القوى الاستعمارية، بل ضد الأنظمة الإفريقية الوطنية التي اعتبروها قمعية وفاسدة. وقد سعت هذه الحركات إلى تحقيق وعود الاستقلال التي أُحبطت من خلال السعي إلى تحول اجتماعي واقتصادي وسياسي جذري، وقد تمكن العديد من قادتها، الذين نشأوا في بيئات فكرية عابرة للحدود مثل جامعة دار السلام، من الاستيلاء على السلطة في أوغندا ورواندا وإريتريا وإثيوبيا وجنوب السودان بحلول منتصف التسعينيات. ومع ذلك، فبدلاً من إرساء أنظمة مستقرة في مرحلة ما بعد الثورة، ساهم صعودهم في عسكرة مناطق بأكملها: فقد رعت النخب الحاكمة، وخصومهم، حركات تمرد خارج حدودهم، وصدّرت صراعاتها، وقامت باستخدام شبكات المتمردين العابرة للحدود كأدوات في فن الحكم.
لم يُغيّر هذا التحوّل من يقاتل من فحسب، بل غيّر أيضاً المنطق الاستراتيجي للحرب في إفريقيا، مع ما يترتب على ذلك من آثار مهمة لفهم “حروب النيل”. فعلى عكس القادة السابقين الذين كانوا يميلون إلى دعم الأنظمة القائمة المتعثرة، تبنّت هذه الأنظمة الجديدة موقفاً هجومياً واضحاً، معتمدةً بشكل كبيرعلى القوات الوكيلة لزعزعة استقرار الحكومات المنافسة بدلاً من الاستيلاء على الأراضي أو إعادة رسم حدودها. وقد ظلت الحدود الرسمية الموروثة من إنهاء الاستعمار ثابتة إلى حد كبير؛ أما ما تغيّر فهو أن بقاء النظام، وليس الغزو الإقليمي، أصبح هو الرهان الأساسي للحرب. في هذا السياق، ولّدت الحدود الرخوة، وسهولة حشد الجماعات المتمردة، والمزايا المتصورة للهجمات الاستباقية، ما وصفه المراقبون الإقليميون بـمنطق تصعيدي مميت: إذ دعت الدول التي تستضيف أو ترعى المتمردين إلى تدخلات متبادلة، مما أدى إلى نشوء شبكة كثيفة من التحالفات والعداوات العابرة للحدود.
وقد فاقم هذا التحيز الهجومي ، حيث اعتُبر الأخذ بزمام المبادرة أولاً عبر الوكلاء أسهل وأكثر حسمًا من الدفاع عن الحدود الهشة ، المعضلة الأمنية، وجعل البنى التحتية والسكان والموارد، البعيدة عن خط المواجهة، أهدافًا محتملة أو أوراق مساومة. وفي هذا السياق من الحرب التي تتمحور حول النظام، والعابرة للحدود، والقائمة على الوكلاء، يجب فهم النزاعات المعاصرة على النيل ومياهه: ليس باعتبارها “نزاعات مائية” معزولة، بل باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من أنماط أوسع من التدخل التنافسي، وبناء التحالفات، والإكراه الاستباقي، التي شكّلت بنية الحروب الإفريقية منذ أواخر القرن العشرين.
ثالثًا: سد النهضة والحرب القادمة!
وفقا للنمط المتغير للحروب أضحت الصراعات في جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال الفترة 1996 -2003 تعرف باسم “حرب إفريقيا العالمية” لأنها شملت بشكل مباشر تسع دول إفريقية على الأقل. وقد حوّل هذا الاصطفاف الإقليمي الهائل تمرداً محلياً إلى أعنف صراع على مستوى العالم منذ الحرب العالمية الثانية. ولعل السؤال الذي يمكن أن نطرحه الأن يتمثل في إمكانية أن نشهد حربا إفريقية عالمية أخرى في وادي النيل؟ ثمة من يرى أن التوترات المتصاعدة بين إثيوبيا ومصر في السنوات الأخيرة قد تتطور إلى صراع إقليمي واسع النطاق يتمحور حول ثلاثة ملفات رئيسية:
-أزمة سد النهضة الإثيوبي الكبير وأمن مياه النيل: تنظر مصر كما أسلفنا إلى نهر النيل باعتباره قضية أمن قومي وجودية، نظراً لاعتمادها شبه الكامل على مياه النهر كمصدر رئيسي للمياه العذبة. وعليه فإن سد النهضة بما يلحقه من أضرار مؤكدة يمثل خطرا وجوديا. ومما يزيد المشكلة تعقيدا أنه في المقابل، تعتبر إثيوبيا سد النهضة مشروعاً سيادياً وتنموياً ضرورياً لتوليد الطاقة وتحقيق التنمية الاقتصادية. ولم تتوقف إثيوبيا عند هذا الحد بل إنها أعلنت عن خطط لبناء ثلاثة سدود عملاقة جديدة على النيل الأزرق، وذلك في المناطق الواقعة أعلى سدّ النهضة. وتُقدَّر كلفة كل مشروع بمليارات الدولارات، فيما يُتوقَّع أن تستغرق عمليات الإنشاء ما بين أربع وسبع سنوات، مع إضافة قدرة إنتاجية إجمالية ضخمة من الطاقة الكهرومائية. وتندرج محطات الطاقة الكهرومائية الثلاث الجديدة ضمن الخطة الرئيسية للطاقة التي تتبناها إثيوبيا، والهادفة إلى تحويل البلاد إلى مركز إقليمي للطاقة وتحقيق الوصول الشامل إلى الكهرباء.
وقد دعت الحكومة الإثيوبية بالفعل شركات دولية إلى تقديم عروض للمشاركة في تنفيذ هذه المشاريع. غير أن هذه المبادرة الطموحة أعادت إحياء التوترات الجيوسياسية في حوض النيل، إذ تعارض دولتي المصب، وبالأخص مصر، هذه المشروعات بشدة، مستندةً إلى مخاوف عميقة تتعلق بأمنها المائي وإدارة تدفقات النهر.
-التنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي: يُظهر التنافس على النفوذ في منطقة القرن الإفريقي أن القاهرة باتت تتعامل مع الصومال وإريتريا وجيبوتي باعتبارها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي المائي والبحري، وربطًا عضويًا بين أمن النيل وأمن البحر الأحمر وباب المندب. ففي السنوات الأخيرة كثفت مصر حضورها الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري في هذه الدول عبر زيارات رفيعة المستوى، واتفاقات تعاون دفاعي وأمني، ومشروعات في مجالات البنية التحتية والتدريب وبناء القدرات، بما يعزز قدرتها على التأثير في المعادلات الإقليمية المحيطة بسد النهضة وأمن الممرات الملاحية الدولية. وتندرج هذه التحركات ضمن ما يمكن وصفه بسياسة “التحوّط الاستراتيجي”، إذ تسعى القاهرة إلى تنويع شراكاتها وبناء شبكات متعدّدة من التحالفات المرنة في الصومال وإريتريا وجيبوتي، بهدف موازنة الأدوار الإثيوبية والخليجية والتركية وغيرها، والحفاظ على قدر من التوازن الاستراتيجي في الإقليم دون انخراط مباشر في صراعاته، مع إبقاء خياراتها مفتوحة حيال السيناريوهات المستقبلية في القرن الإفريقي.
-سعي إثيوبيا للحصول على منفذ استراتيجي على البحر الأحمر: لا يخفى أن تحرّكات إثيوبيا للحصول على منفذ بحري عبر تفاهمات مثيرة للجدل مرتبطة بصوماليلاند تندرج ضمن رؤية يقدّمها رئيس الوزراء آبي أحمد بوصفها مسألة وجودية لا يمكن التراجع عنها. ففي أكثر من مناسبة، شدّد آبي أحمد على أن “مسألة حصول إثيوبيا على ميناء بحري أمر لا مفر منه”، وأن بلاده “لن تبقى دولة حبيسة بعد الآن”، معتبرًا أن القرار الذي حرمها من منفذ على البحر الأحمر بعد استقلال إريتريا يحمل خللًا قانونيًا ويتعلق، على حد تعبيره، بـقضية وجودية يجب التعامل معها بهدوء[4].
وفي سياق الدفاع عن مذكرة التفاهم مع صوماليلاند، أعاد ربط هذا المسعى بالأمن الإقليمي الأوسع، قائلًا إن:أمن واستقرار القرن الإفريقي مرتبط بحصول إثيوبيا على منفذ بحري وإن على دول المنطقة أن تجد طريقة للتشارك المتبادل مع بعضنا البعض بطريقة متوازنة إذا أرادت أن تعيش معًا في سلام.
هذه التصريحات تُظهِر أن أديس أبابا لا تعرض مسألة المنفذ البحري كخيار سياسي قابل للأخذ والرد، بل كحق تاريخي وقانوني وجغرافي مزعوم، وتستخدم خطاب الضرورة الوجودية لتبرير تفاهمات ترفضها مقديشو بشدة وترى فيها انتهاكًا لسيادتها ووحدة أراضيها
رابعًا: هل الحرب المباشرة بين مصر وإثيوبيا محتملة؟
من خلال استقراء أوضاع القرن الإفريقي ومنطقة حوض النيل يتضح أنّ احتمال تصاعد التوتر بين إثيوبيا ومصر، ومعهما الصومال فيما يتعلق بملف صوماليلاند، سوف يكون من خلال الانخراط في مواجهات غير مباشرة وحروب بالوكالة، أكثر مما يرجّح اندلاع حرب شاملة ومباشرة في المدى المنظور. ربما تكون الكُلفة الباهظة للحرب المفتوحة، وتشابك الصراعات القائمة في إثيوبيا والسودان والصومال، دافعا مهما لجعل الأطراف أكثر ميلًا لاستخدام أدوات الضغط غير المباشر، مثل دعم الحلفاء المحليين، والحرب الإعلامية، والتحركات الدبلوماسية، بدلًا من فتح جبهة تقليدية واسعة بين دولتين مركزيتين في الإقليم.
ومن جهة ثانية فإن البُعد الجغرافي، وطبيعة المسرح العملياتي، والصحارى الشاسعة، والتضاريس الوعرة، والحاجة إلى عبور أراضٍ لدول ثالثة، يجعل من أي حملة عسكرية مباشرة طويلة الأمد عملية عالية المخاطر، خصوصًا في ظل هشاشة الأوضاع الداخلية في أكثر من دولة، ولعل ذلك يدعم منطق التصعيد المحدود والمواجهة غير المباشرة على حساب الحرب الشاملة.[5]
في الوقت نفسه، تؤكد التحليلات الاقتصادية والأمنية أنّ تراكم الضغوط الاقتصادية على دول المنطقة، واعتمادها الكبير على الممرات البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، يشكّل عامل كبح إضافي أمام الانزلاق إلى مواجهة واسعة. فإثيوبيا نفسها تواجه تحديات بنيوية في النمو والتجارة الدولية بسبب كونها دولة حبيسة تعتمد على موانئ الدول المجاورة، في حين تعتمد مصر بدرجة كبيرة على عوائد قناة السويس والاستقرار في البحر الأحمر، وهو ما يجعل أي اضطراب واسع في الإقليم مهددًا مباشرة لمصالحهما الاقتصادية الأساسية[6].
كما تحذّر تقارير مراكز الأبحاث ومنظمات إقليمية من أن انفجار نزاع كبير في القرن الإفريقي سيُعرّض أمن الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب لمخاطر جسيمة، الأمر الذي يدفع الفاعلين الدوليين والإقليميين مثل الاتحاد الإفريقي، والإيغاد، والاتحاد الأوروبي، إلى تكثيف جهود الوساطة ومنع التصعيد، ويُبقي الخشية من انهيار الاستقرار الإقليمي عاملًا مركزيًّا في إعاقة نشوب حرب مباشرة، وإن لم يمنع تصاعد التوتر وحروب الوكالة.
خامسًا: الخيار الآمن: المواجهة غير المباشرة
تتجه العلاقات بين مصر وإثيوبيا في ظل سياسة السدود الأثيوبية نحو مسار من المواجهة غير المباشرة أكثر من احتمال الانخراط في حرب تقليدية مفتوحة، وبعيدا عن سرديات حروب المياه وطبيعة الصراع في حوض النهر. فبدلًا من اللجوء إلى عمل عسكري مباشر، يتزايد القلق من تصاعد أنماط الحروب بالوكالة، وبناء التحالفات العسكرية، واستخدام التصعيد السياسي والإعلامي، وتوظيف التنافس داخل الدول المجاورة كأدوات ضغط متبادلة.
في هذا السياق، يُشار إلى سعي مصر إلى توسيع حضورها الدبلوماسي والأمني في القرن الإفريقي وحوض النيل، عبر علاقات وثيقة مع السودان، وإريتريا، وبعض القوى الصومالية، بوصفه جزءًا من استراتيجية احتواء النفوذ الإثيوبي والرد على ما تعتبره سياسة فرض أمر واقع فيما يخص إدارة مياه النيل[7].
في المقابل، توظف الحكومة الأثيوبية شبكة من التحالفات الإقليمية مع قوى في القرن الإفريقي، ومع فاعلين دوليين مهتمين بسوق الطاقة والاستثمار في البنى التحتية لتثبيت موقعها كقوة إقليمية صاعدة، وهو الأمر الذي يعمّق منطق التنافس غير المباشر بدل الصدام المباشر.
بيد أن الخطر الأكبر يكمن في البعد الإقليمي المتشابك للأزمة، حيث لا يقتصر النزاع على محور القاهرة–أديس أبابا، بل يمتد إلى شبكة أوسع تضم إريتريا، والصومال، والسودان، و صوماليلاند ، إضافة إلى قوى إقليمية ودولية مثل تركيا، والصين، وروسيا، والولايات المتحدة، التي تمتلك مصالح متداخلة في أمن البحر الأحمر، وخطوط التجارة، ومشاريع الطاقة.
فالتوتر الإثيوبي–الإريتري، مثلًا، يُعاد طرحه في كثير من التحليلات ضمن سيناريوهات الحرب بالوكالة المحتملة، حيث قد تسعى أطراف متضررة من سياسات أديس أبابا إلى دعم خصومها الإقليميين بدل المواجهة المباشرة، الأمر الذي قد يزعزع استقرار القرن الإفريقي بأكمله. ولعل لنا في الذاكرة التاريخية دروس وعبر فقد امتد التنافس المصري–الإثيوبي على حوض النيل عبر قرون عديدة، كما تركت الحروب المباشرة في القرن التاسع عشر، ولا سيما حملة غورا عام 1876 التي قادها الإمبراطور يوهانس الرابع ضد القوات الخديوية المصرية، بصمة عميقة ودائمة على الوعي الاستراتيجي لكل من مصر وإثيوبيا، مما شكل التصورات اللاحقة للتنافس الإقليمي والأمن.[8] ومع ذلك فإن الطبيعة الراهنة للنظام الإقليمي، وتشابك المصالح الاقتصادية والأمنية في البحر الأحمر وحوض النيل، تجعل تكرار تلك الحروب بصيغتها التقليدية أقل ترجيحًا من ترجمتها إلى صراع إقليمي متداخل، تتقدمه التحالفات، والضغوط الدبلوماسية، والاصطفافات داخل الدول الهشّة المحيطة بالنهر.
الخاتمة وآفاق المستقبل:
من المرجح أن يتشكل مسار العلاقات بين مصر وإثيوبيا في حوض النيل بفعل التنافس الجيوسياسي الممتد والأزمات الداخلية في كل دولة أكثر من الحرب الشاملة بين الدول، حتى مع ازدياد التنافس الاستراتيجي حول سد النهضة الإثيوبي. ومن المرجح أن يتجه النزاع صوب التصعيد، على المدى المتوسط من خلال استمرار التنافس الجيوسياسي على النفوذ في القرن الإفريقي، وتكثيف الصراعات بالوكالة في دول هشة كالسودان والصومال، والتوسع العسكري التدريجي للبحر الأحمر والممرات البحرية الحيوية المرتبطة به. ويتم دفع هذه التوجهات قدما بفعل الضغوط الداخلية في كلا البلدين، الخطابات المتعلقة ببناء الدولة حول السد في إثيوبيا، والتوجهات الوجودية المتعلقة بالأمن المائي في مصر ، مما يرفع التكلفة السياسية للتسوية دون أن يجعل الحرب الشاملة خيارًا منطقيًا. بيد أن الخطر الأساسي، والحالة هذه، يكمن في التحول التدريجي لمنطقة القرن الإفريقي إلى ساحة مكتظة بالصراعات الإقليمية المتداخلة، حيث يصبح نزاع النيل أحد محركاتها، جاذباً جهات فاعلة مثل إريتريا والسودان وحكومة صوماليلاند بحكم الأمر الواقع، وقوى خارجية كتركيا والصين وروسيا والولايات المتحدة، عبر مبيعات الأسلحة واتفاقيات القواعد العسكرية والتحالفات الدبلوماسية.
وكما أشرنا في دراسات سابقة ينبغي التوكيد على مجموعة من التوصيات الرامية إلى منع هذا الصراع غير المباشر من الانزلاق إلى فخ أمني إقليمي مزمن[9]. وفيما يخص ملف النيل نفسه، نرى أن المسار الأمثل يكمن في إطار قانوني ملزم، ولكنه مرن، يجمع بين مبادئ الاستخدام العادل والمعقول وقواعد واضحة بشأن تبادل البيانات، وتنسيق عمليات بناء السدود، وآليات مشتركة لإدارة الجفاف، مدعومة بتيسير من طرف ثالث بدلاً من التحكيم المفروض. وينبغي استكمال ذلك بإضفاء الطابع المؤسسي على حوض النيل بأكمله، من خلال تعزيز أو إعادة هيكلة منصات التعاون في حوض النيل لدمج الاتفاقات المصرية الإثيوبية ضمن ترتيبات متعددة الأطراف أوسع تشمل السودان ودول المنبع. وعلى الصعيد الإقليمي، تتمحور خيارات السياسة حول عدم النظر إلى نزاع سد النهضة باعتباره مباراة صفرية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر، وذلك من خلال: الحد من استخدام التحالفات بالوكالة؛ وإخضاع اتفاقيات القواعد العسكرية والموانئ الجديدة للشفافية والتشاور الإقليميين؛ وتوسيع نطاق ربط القضايا حول المصالح المشتركة، مثل الربط البيني للطاقة، والممرات التجارية، وتمويل التكيف مع تغير المناخ. وربما لا تقضي هذه التدابير مجتمعةً على التنافس الذي يميز لغة السوق السياسي في المنطقة، ولكنها قادرة على تحويل العلاقة المصرية الإثيوبية من مركب غير مستقر من الردع والمنافسة بالوكالة إلى منافسة يمكن إدارتها والتفاوض بشأنها بحيث تكون فيها مسارات التصعيد أضيق وأكثر تكلفة لجميع الأطراف.
……………………………
[1] أنظر كتاب: كوكب الروضة في تاريخ النيل وجزيرة الروضة للإمام جلال الدين السيوطي، ؛ تحقيق محمد الششتاوى، القاهرة : دار الآفاق العربية،2002.
[2] كما يجادل جيميل، فإن الحضارة المصرية بأكملها، ماضيها وحاضرها، تشكلت بشكل جوهري وفريد من نوعه بفضل نهر النيل. ويؤكد على أنه منذ فجر التاريخ، مكّن تدفق مياه النيل المنتظم وواديها الخصيب المصريين من الاستقرار والزراعة وتكوين فائض من المحاصيل، وبالتالي بناء إحدى أقدم الحضارات في العالم، على عكس المجتمعات البدوية في الصحاري المحيطة.ولا يزال النيل أهم عامل مادي في مصر الحديثة عبر أراضيها الشاسعة؛ فوادي النيل ودلتاه هما فقط المناطق المنتجة حقًا، لذا فإن مقولة “مصر هي النيل، والنيل هو مصر” تُطرح كحقيقة تاريخية أكثر منها صيغة بلاغية.وبناءً على ذلك، يُنظر إلى التنمية الاقتصادية لمصر، وتوزيع سكانها، وحتى مستقبلها على المدى البعيد، على أنها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمياه النيل واستمرارية الري والزراعة في الوادي والدلتا. أنظر:
Gemmill, P. F. (1928). Egypt is the Nile. Economic Geography, 4(3), 295–312. https://doi.org/10.2307/140298
[3] Williams, C. (2013). Explaining the Great War in Africa: How Conflict in the Congo Became a Continental Crisis. The Fletcher Forum of World Affairs, 37(2), 81–100. http://www.jstor.org/stable/45289589
[4] Liyew, E. B. (2025). Ethiopia’s drive for the right to sea access. African Identities, 1–14. https://doi.org/10.1080/14725843.2025.2608887 .
[5] Worku, M. G. (2024). Public diplomacy and Ethio-Egyptian relations: enhancing mutual understanding on the Grand Ethiopian Renaissance Dam. Cogent Social Sciences, 10(1). https://doi.org/10.1080/23311886.2024.2423854
[6] Ayenalem, A. Y., & Endalayehu, G. A. (2025). From Suez Canal to Bab al-Mandab Strait: Navigating Maritime Security in the World’s Busiest Maritime Trade Corridor. Ortadoğu Etütleri, 17(1), 37-66. https://doi.org/10.47932/ortetut.1744422
[7] Gedebo, A. D. (2025, October 10). Egypt’s expanding role in the Horn of Africa. Clingendael Institute. https://www.clingendael.org/publication/egypts-expanding-role-horn-africa
[8] Erlikh, Ḥ. (2002). The cross and the river: Ethiopia, Egypt, and the Nile. Lynne Rienner Publishers.
[9] Hassan, H. A. (2025). “4: Egypt’s Water Policy and the Challenges of the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD)”. In Nile Basin Politics. Cheltenham, UK: Edward Elgar Publishing. Retrieved August 23, 2025, from https://doi.org/10.4337/9781803927176.00011











































