ألقت السلطات العسكرية في نيجيريا القبض على أحد الجنود، بعد اتهامه بتزويد جماعات تصفها الحكومة بـ”الإرهابية” والإجرامية بالزي العسكري، في قضية أعادت إلى الواجهة الجدل بشأن احتمال وجود تواطؤ من داخل الأجهزة الأمنية مع الجماعات المسلحة التي تنشط في البلاد.
وأعلن المتحدث باسم الجيش النيجيري، محمد غوني، أن الجندي محمد يوسف أُلقي القبض عليه مساء السبت في محطة للحافلات بمدينة مايدوغوري، شمال شرقي البلاد، أثناء محاولته الفرار إلى الكاميرون المجاورة.
وأوضح الجيش أن يوسف كان يعمل سابقًا في أحد مصانع تجهيزات القوات المسلحة، وأنه غادر وحدته العسكرية مطلع الشهر الجاري قبل أن ينتقل إلى مايدوغوري، حيث اختبأ بمساعدة أحد معاونيه، إلى أن تمكنت السلطات من اعتقاله.
ولم يصدر أي تعليق من الجندي بشأن الاتهامات الموجهة إليه، إلا أن القضية أثارت مجددًا تساؤلات حول مدى اختراق الجماعات المسلحة للمؤسسة العسكرية، خاصة أن العديد من تلك الجماعات، بما في ذلك بوكو حرام وتنظيم ولاية غرب إفريقيا (داعش – إسواب)، إضافة إلى عصابات الخطف، اعتادت استخدام زي الجيش لخداع المدنيين وتنفيذ هجماتها.
ويعاني شمال نيجيريا منذ أكثر من عقد من تصاعد أعمال العنف التي تنفذها جماعات مسلحة، إلى جانب عصابات الخطف التي تستهدف المدنيين مقابل فديات، وسط اتهامات متكررة بوجود متعاونين داخل الأجهزة الأمنية.
وقال المحلل الأمني والضابط المتقاعد بشير غالما إن الاعتقاد بوجود عناصر من الجيش تقدم الدعم لبعض الجماعات المسلحة ليس أمرًا مستبعدًا، مشيرًا إلى أن معلومات عن عمليات عسكرية كانت تتسرب في بعض الحالات إلى جماعة بوكو حرام أو إلى عصابات إجرامية قبل تنفيذها، بما يرجح وجود مصادر داخلية تنقل المعلومات.
وتشير بيانات اللجنة الوطنية النيجيرية لحقوق الإنسان إلى تسجيل ما لا يقل عن 3000 حالة اختطاف و3580 جريمة قتل نفذتها جماعات مسلحة خلال الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2024 حتى أبريل/نيسان 2025.
كما أفاد المركز الدولي للتقارير الاستقصائية (ICIR) بأن البلاد شهدت بين أبريل/نيسان 2014 ومايو/أيار 2026 26 هجومًا كبيرًا على مدارس، أسفرت عن اختطاف ما لا يقل عن 2416 طالبًا، بينما تقدر السلطات أن الجماعات المسلحة تحصل سنويًا على ملايين الدولارات من عائدات الفديات.
وفي أبريل/نيسان 2025، اتهم حاكم ولاية بورنو، باباغانا زولوم، وجود مخبرين ومتعاونين مع جماعة بوكو حرام داخل القوات المسلحة والطبقة السياسية والمجتمعات المحلية، داعيًا إلى تعزيز العمل الاستخباراتي والتعامل بحزم مع المتورطين.
وفي وقت لاحق، أصدرت محكمة عسكرية خاصة أحكامًا بالسجن المؤبد بحق ثلاثة جنود بعد إدانتهم بالتورط في شبكة لتهريب الأسلحة والذخائر، حيث أدينوا بالسرقة والاتجار غير المشروع بالذخيرة وتقديم العون للعدو.
ويرى محللون أمنيون أن تدني رواتب بعض العسكريين، إلى جانب الدوافع الأيديولوجية لدى عدد محدود من الأفراد، قد يسهمان في انخراط بعضهم في أنشطة غير قانونية أو التعاون مع الجماعات المسلحة.
واعترف أحد الجنود، في تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية (BBC) شريطة عدم كشف هويته، بوقوع حالات تورط لعسكريين في التعامل مع الجماعات المسلحة، لكنه قال إن مثل هذه القضايا غالبًا ما تُعالج داخليًا دون الإعلان عنها.
كما روى عدد من ضحايا الاختطاف تجارب عززت شكوكهم بوجود تواطؤ بين بعض العناصر الأمنية والخاطفين. وقال أحد المفرج عنهم، بعد دفع أسرته فدية قدرها 57 مليون نايرا، إنه شاهد عناصر أمنية يصافحون الخاطفين ويتبادلون الضحكات معهم عقب إطلاق سراحه، لكنه أقر بعدم امتلاكه دليلًا يثبت حصولهم على جزء من الفدية.
وقال مزارع يدعى ياهوزا عيسى، سبق أن اختُطف في ولاية زامفارا، إنه يعرف أماكن وجود بعض المجرمين، متسائلًا عن سبب عدم القضاء عليهم بشكل نهائي.
كما تحدث ناجٍ آخر عن سماعه مروحية تهبط أكثر من مرة بالقرب من معسكر احتجازه، معتقدًا في البداية أنها جاءت لإنقاذ الرهائن، قبل أن يغادر الطيران دون تنفيذ أي عملية، وهو ما أثار لديه شكوكًا بوجود مستوى أعلى من التعاون اللوجستي مع العصابات.
من جانبه، قال الخبير الأمني عبد الله عبد الله إن الجماعات المسلحة لا تعتمد فقط على متعاونين من داخل الأجهزة الأمنية، وإنما أيضًا على شبكة من المخبرين المدنيين، معتبرًا أن ذلك أحد أسباب استمرار الأزمة الأمنية في البلاد.
ويرى مراقبون أن اعتقال الجندي محمد يوسف يعكس اعتراف الجيش بوجود اختراقات داخل صفوفه، إلا أن مدى ترجمة هذا الاعتراف إلى إجراءات فعالة لمكافحة الفساد والتواطؤ لا يزال محل اختبار.
وأكد الجيش أن يوسف لا يزال رهن الاحتجاز، فيما تتواصل التحقيقات للكشف عن حجم نشاطه وما إذا كانت هناك أطراف أخرى متورطة في القضية.











































