د. نِهاد محمود
باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية
دكتوراه في العلوم السياسية – جامعة القاهرة
مقدمة:
رغم ما تمتلكه إفريقيا من موارد طبيعية ضخمة وقاعدة رأسمالية متنامية تجاوزت 4 تريليونات دولار، موزعة بين البنوك وصناديق التقاعد والمؤسسات السيادية، فإن ذلك لم ينعكس بالقدر الكافي على مستويات التصنيع أو خلق فرص العمل أو تطوير البنية التحتية القادرة على دفع التحول الاقتصادي وتنمية إفريقيا.
فالمعضلة لا ترتبط بندرة الموارد أو غياب التمويل بقدر ما ترتبط بكيفية توظيف هذه الموارد وربطها ضمن منظومات إنتاجية متكاملة. فلا تزال اقتصاداتٌ إفريقية عديدة تعتمد على تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات النهائية، مما يرسّخ أنماطاً من التبعية الاقتصادية ويحدّ من فرص بناء سلاسل قيمة محلية قادرة على توليد النمو والتشغيل.
وفي هذا السياق، تبرز «البنية التحتية» باعتبارها أحد المفاتيح المحورية لفهم تحديات التنمية في إفريقيا؛ ليس فقط كمشروعات منفصلة في مجالات النقل أو الطاقة أو الاتصالات، ولكن باعتبارها منظومةً مترابطة تربط الموارد بالأسواق والإنتاج بالتجارة، فالكثير من الممرات التجارية الإفريقية تعاني من ضعف التكامل بين المواني والطرق والسكك الحديدية والإجراءات الحدودية، بما يقلل من كفاءة حركة السلع والاستثمارات.
كما أن غياب الترابط بين البنية التحتية والقاعدة الصناعية يؤدي إلى استمرار تصدير الموارد الخام دون تحقيق قيمة مضافة محلية.
ومن ثَمّ؛ فإن تطوير البنية التحتية في إفريقيا لم يعد قضية خدمية أو فنية فقط، بل أصبح مرتبطاً مباشرةً بقدرة القارة على تحقيق التصنيع، وتعزيز التكامل الإقليمي، وخلق فرص العمل، والتحول من اقتصاد قائم على الاستخراج إلى اقتصاد أكثر إنتاجية وقدرة على الاحتفاظ بالقيمة داخل القارة. ومن هذا المنطلق؛ يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لتقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا 2026م».
محاور المقال:
أولاً: تقرير حالة البنية التحتية 2026م.. البنية والأهمية وجهة الإصدار:
في البداية، وفيما يتعلق بجهة إصدار تقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا الصادر عام 2026م، فقد تم إطلاقه من خلال مؤسسة تمويل إفريقيا Africa Finance Corporation، وهي مؤسسة تنموية متعددة الأطراف تنشط على مستوى القارة الإفريقية، تأسست عام 2007م من قِبَل الدول الإفريقية بهدف تقديم حلول عملية لمعالجة فجوة البنية التحتية في إفريقيا والتحديات المرتبطة ببيئة العمل فيها، ويقع مقرها الرئيس في مدينة لاغوس النيجيرية.
أما من حيث بنية التقرير، فيتناول مجموعة من المحاور المرتبطة بمستقبل التنمية الاقتصادية والتحول الهيكلي في القارة الإفريقية، كما يبين شكل رقم (1)، إذ يبدأ بعرض عام يُبرز التحديات التي تواجه القارة، ثم ينتقل إلى محور رأس المال وما يرتبط به من قضايا التمويل وتعبئة الموارد وتعزيز القاعدة الرأسمالية الإفريقية.
كما يناقش قطاع النقل واللوجستيات بوصفه عنصراً أساسياً في دعم التكامل التجاري والإقليمي، من خلال تحليل أوضاع الممرات التجارية وسلاسل الإمداد والبنية التحتية للنقل.
ويخصص التقرير مساحةً لقطاع الطاقة، متناولاً أزمات الإمداد وارتفاع التكلفة والحاجة إلى تطوير شبكات الكهرباء وتحسين كفاءتها، إلى جانب محور الصناعة والقيمة المضافة الذي يركز على تحديات التصنيع وضعف البنية الصناعية وسلاسل القيمة. وفي الأخير، يتناول البنية التحتية الرقمية ودورها في دعم التحول الاقتصادي والإنتاجي وتقليص الفجوة الرقمية داخل القارة.
شكل رقم (1):

Source: Africa Finance Corporation, «State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026», (Lagos: Africa Finance Corporation “AFC”).
ومن حيث أهمية التقرير، فتبرز في كونه يربط بين أزمة التنمية في إفريقيا وبين اختلالات البنية التحتية بمفهومها الواسع، سواءٌ في مجالات النقل والطاقة أو البنية الرقمية والتمويلية، باعتبارها أحد أبرز العوامل المفسرة لضعف التكامل الاقتصادي وتراجع القدرة الإنتاجية وارتفاع تكلفة التجارة والاستثمار. ومن ثَمّ؛ يُقدّم التقرير رؤيةً تعتبر تطوير البنية التحتية مدخلاً أساسياً لتعزيز النمو الاقتصادي، وتحقيق قدرٍ أكبر من الترابط الإقليمي، ورفع قدرة الاقتصادات الإفريقية على مواجهة الأزمات والصدمات الخارجية.
ثانياً: تعبئة رأس المال المحلي وتحديات توجيهه نحو البنية التحتية والتنمية:
يشير القسم الأول من تقرير البنية التحتية لإفريقيا 2026م إلى واحدة من أبرز معضلات التنمية في القارة، وهي كيفية توجيه رؤوس الأموال المحلية نحو القطاعات الإنتاجية ومشروعات البنية التحتية. فالقارة تمتلك قاعدة مالية متنامية مدفوعة بتوسع أصول صناديق التقاعد والتأمين والبنوك التنموية والصناديق السيادية، تجاوزت قيمتها تريليونَي دولار، إلا أن جانباً كبيراً من هذه الموارد لا يزال يتركز في أدوات الدين الحكومية قصيرة الأجل منخفضة المخاطر، بدلاً من توظيفه في استثمارات طويلة المدى قادرة على دعم التصنيع وخلق فرص العمل.
ومن ثَمّ؛ يرى التقرير أن المشكلة لا ترتبط بغياب رأس المال أو محدودية الموارد، بقدر ما تعكس ضعف آليات الوساطة المالية وعدم كفاءة توجيه المدخرات نحو مشروعات التنمية والإنتاج.
وفي هذا السياق، تتجه بعض الاقتصادات الإفريقية الكبرى، مثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا وغانا، إلى توسيع الأطر التنظيمية بما يسمح بتوجيه نسبة أكبر من الأصول المحلية نحو مشروعات البنية التحتية والأصول الخاصة، بينما تسعى اقتصاداتٌ أخرى، مثل بوتسوانا وناميبيا، إلى الحد من خروج المدخرات إلى الخارج وتعزيز توظيفها داخل الأسواق المحلية والإقليمية.
إلا أن استمرار ضعف أدوات تقاسم المخاطر والضمانات الائتمانية يحدّ من قدرة هذه الإصلاحات على تحويل المدخرات إلى استثمارات واسعة النطاق، وهو ما يُعزز أهمية مؤسسات التمويل التنموي الإقليمية في تعبئة رؤوس الأموال وربطها بالمشروعات الإنتاجية.
ويتزامن ذلك مع تراجع نسبي في موثوقية التمويل الخارجي، سواءٌ من خلال انخفاض المساعدات التنموية أو صعوبة الوصول المنتظم إلى أسواق السندات الدولية، فضلاً عن محدودية الاستثمارات الأجنبية المباشرة مقارنةً بحجم الاحتياجات التنموية للقارة.
وقد دفع هذا الواقع إلى تصاعد الطرح الداعي إلى بناء نموذج تنموي يعتمد بصورة أكبر على تعبئة الموارد المحلية وتعزيز الاقتصاد الرسمي لزيادة المدخرات والاحتياطيات النقدية. ومن ثَمّ؛ بات تطوير البنية التحتية وتحسين كفاءة الوساطة المالية جزءاً أساسياً من أي مسار يستهدف تحقيق التحول الاقتصادي ورفع القدرة الإنتاجية داخل إفريقيا.
شكل رقم (2):

Source: Africa Finance Corporation, «State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026», Op.Cit.
ثالثاً: النقل واللوجستيات.. تحديات الربط الإقليمي وفرص التكامل الاقتصادي:
يشير تقرير البنية التحتية في هذا القسم إلى قطاع النقل واللوجستيات في إفريقيا، موضحاً أنه يشهد تطوراً ملحوظاً على مستوى البنية التحتية الأساسية، مع التوسع في اتفاقيات تطوير المواني وخطوط السكك الحديدية في عدد من الدول الإفريقية، مثل جنوب إفريقيا والسنغال والكاميرون وكينيا والمغرب وتنزانيا. غير أن التحدي الرئيسي لم يعد مقتصراً على إنشاء الأصول المادية ذاتها، بقدر ما يرتبط بمدى قدرتها على العمل ضمن منظومات مترابطة وفعّالة قادرة على تسهيل حركة السلع والتجارة العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية إدارة الممرات التجارية والمؤسسات المشرفة عليها، حيث أظهرت بعض تجارب شرق وجنوب إفريقيا أن التنسيق المؤسسي ومتابعة الأداء وإشراك القطاع الخاص يمكن أن يرفع من كفاءة الممرات اللوجستية، في حين لا تزال العديد من ممرات غرب ووسط إفريقيا تعاني من ضعف الحوكمة وتشتت الأولويات واستمرار الاختناقات التشغيلية.
ويكشف تحليل خريطة الممرات التجارية الإفريقية عن استمرار وجود فجوات هيكلية تعيق انسياب التجارة، سواءٌ عبر نقص الربط بين شبكات الطرق والسكك الحديدية أو ضعف البنية التحتية الحدودية ونقاط العبور الموحدة. وتظهر هذه الاختلالات بوضوح في ممرات حيوية مثل لاغوس–أبيدجان، والممر الشمالي، وممر داكار–باماكو، حيث تؤدي مشكلات الربط والنقل إلى رفع تكاليف التجارة وإبطاء حركة الإمداد.
وفي المقابل؛ يبرز قطاع الطيران باعتباره أحد أكثر القطاعات قدرةً على دعم التكامل الإفريقي على المدى القصير، خاصةً في القطاعات ذات الحساسية الزمنية العالية مثل المنتجات الزراعية الطازجة والأدوية والتجارة الإلكترونية، في ظل تنامي الطلب على حلول نقل أسرع وأكثر كفاءة مع توسع التجارة البينية في إطار منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
ورغم الإمكانات الكبيرة لقطاع الطيران؛ فلا تزال السوق الجوية الإفريقية تعاني من القيود التنظيمية وضعف المنافسة وارتفاع تكاليف التشغيل، إلى جانب تمركز حركة النقل والشحن حول عدد محدود من المراكز الإقليمية مثل أديس أبابا ونيروبي وجوهانسبرغ والقاهرة والدار البيضاء.
ومع ذلك، توضح تجارب دول مثل كينيا ورواندا وإثيوبيا كيف يمكن لدمج سياسات تحرير النقل الجوي مع الاستثمار في البنية التحتية والانفتاح الاقتصادي أن يعزز السياحة والتجارة ويوفر فرص عمل واسعة النطاق.
كما تكشف هذه التجارب عن أهمية تطوير أنظمة شحن جوي متكاملة تُقلّل التكاليف وتُحسّن كفاءة الربط داخل القارة، في وقتٍ لا تزال فيه بعض الرحلات بين مدن غرب إفريقيا تمر عبر أوروبا بسبب غياب الربط المباشر، مما يضاعف تكاليف النقل ويطيل زمن الشحن.
جدول رقم (1):

Source: Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026”, Op.Cit.
رابعاً: البنية التحتية ودعم الصناعة في إفريقيا:
في هذا القسم، يُبرز تقرير البنية التحتية 2026م أن مسألة الاستقرار الاقتصادي وأمن سلاسل الإمداد، أصبحت من أبرز العوامل الدافعة نحو توسيع التصنيع وتعزيز القيمة المضافة داخل إفريقيا، خاصةً بعد الأزمات العالمية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى اضطرابات أسواق الطاقة والتجارة الدولية.
فقد كشفت هذه الأزمات هشاشة الاعتماد الإفريقي على الخارج في عدد من القطاعات الحيوية، إذ لا تزال القارة تستورد معظم احتياجاتها من الوقود المكرر والأسمدة والمواد الغذائية رغم امتلاكها موارد طبيعية وزراعية ضخمة.
ويؤدي هذا الاعتماد إلى زيادة الضغوط على الاحتياطيات الأجنبية وارتفاع تكاليف الواردات، مما يجعل توسيع القدرات التصنيعية المحلية ضرورة اقتصادية تتجاوز مجرد تحقيق النمو إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من التعرض للصدمات الخارجية.
وفي المقابل؛ بدأت بعض القطاعات الصناعية في تقديم نماذج أكثر نجاحاً في بناء القيمة المضافة داخل القارة، خاصةً في مجالات الأسمنت والأسمدة والتكرير. فقد انتقلت صناعة الأسمنت في عدد من الأسواق الإفريقية من الاعتماد على الواردات إلى تحقيق مستويات مرتفعة من الاكتفاء المحلي، مستفيدةً من توافر الطلب والموارد والبنية التحتية الداعمة.
كما برزت شركات كبرى في قطاع الأسمدة والتكرير، مثل المكتب الشريف للفوسفات في المغرب ومصفاة دانغوتي في نيجيريا، كنماذج لمحاولات بناء صناعات قادرة على تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرات الإنتاجية المحلية. وتوضح هذه التجارب أن نجاح التصنيع يرتبط بوجود تكامل بين السياسات الصناعية والبنية التحتية والطاقة والقدرات التمويلية.
ورغم ذلك؛ لا تزال سلاسل القيمة المرتبطة بالمعادن والصناعات الثقيلة تعاني من اختلالات واضحة، حيث تستمر إفريقيا في تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة ذات القيمة الأعلى، مما يحدّ من استفادتها الاقتصادية من مواردها الطبيعية.
وترتبط هذه الفجوة بضعف البنية التحتية، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وغياب التكامل الصناعي بين الدول الإفريقية. لذا؛ بات من الضروري الانتقال من المقاربات الوطنية الضيقة إلى بناء منظومات إنتاج إقليمية تربط بين الموارد الطبيعية وشبكات النقل والطاقة والأسواق، بما يسمح بإنشاء سلاسل قيمة أكثر قدرة على المنافسة وتحقيق قيمة مضافة أوسع داخل القارة.
خامساً: البنية التحتية الرقمية.. تحديات التحول الاقتصادي ومتطلبات رفع الإنتاجية:
في القسم الأخير، يبين التقرير أن إفريقيا تشهد تحولات اقتصادية متسارعة فرضتها التغيرات في طبيعة الاقتصاد العالمي، حيث لم تعد مسارات التصنيع التقليدية وحدها قادرةً على استيعاب النمو السكاني أو خلق فرص العمل بالوتيرة المطلوبة، خاصةً مع تزايد الاعتماد على التكنولوجيا وتقليص كثافة العمالة في القطاعات الصناعية.
وفي هذا السياق، تبرز البنية التحتية الرقمية باعتبارها عنصراً أساسياً في دعم التحول الاقتصادي، ليس فقط من خلال توسيع الاتصال بالإنترنت، وإنما عبر دورها في رفع الإنتاجية وتحسين جودة العمل وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصادات الإفريقية. ومن ثَمّ؛ فقد أصبحت الرقمنة تُمثل جزءاً من إستراتيجية التنمية الاقتصادية أكثر من كونها مجرد قضية تقنية أو خدمية، كما يوضح الشكل التالي.
شكل رقم (3):

Source: Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026”, Op.Cit.
ووفقاً لتقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا 2026م، فقد حققت القارة خلال السنوات الأخيرة تقدماً ملموساً في توسيع شبكات الألياف الضوئية وزيادة سعات الكابلات البحرية والاستثمار في مراكز البيانات، إلا أن الاستفادة الاقتصادية من هذه البنية لا تزال دون الإمكانات المتاحة، في ظل استمرار فجوة الاستخدام الرقمي وضعف توظيف التكنولوجيا داخل الأنشطة الاقتصادية اليومية.
وتكمن المشكلة الرئيسية في غياب ما يُعرف بـ«الحلقة الوسطى» التي تربط البنية التحتية بالمستخدمين والأنشطة الإنتاجية، وتشمل المنصات الرقمية، والخدمات الإلكترونية، والبنية التحتية الرقمية العامة، والمهارات التقنية، وهو ما يحدّ من قدرة الاتصال الرقمي على التحول إلى قيمة اقتصادية فعلية.
وتزداد أهمية هذا التحول في ظل الدور الكبير الذي تلعبه المشروعات الصغيرة والاقتصاد غير الرسمي داخل الاقتصادات الإفريقية، حيث تستوعب هذه القطاعات نسبةً كبيرة من العمالة لكنها تعاني من انخفاض الإنتاجية وضعف الوصول إلى التمويل والأسواق.
وهنا توفر الأدوات الرقمية، مثل أنظمة الدفع الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، فرصةً لتعزيز الكفاءة ودمج الأنشطة غير الرسمية داخل الاقتصاد المنظم. لذلك؛ يرتبط نجاح التحول الرقمي في إفريقيا بقدرة الدول على بناء منظومات رقمية متكاملة تجمع بين البنية التحتية والمهارات والمنصات والخدمات، بما يسمح بتحويل الاتصال الرقمي إلى محرك للنمو الاقتصادي وخلق فرص العمل وتحسين التنافسية على المدى الطويل.
خاتمة:
في ضوء ما سبق، يتضح أن أزمة البنية التحتية في إفريقيا لا ترتبط فقط بمحدودية التمويل أو نقص المشروعات، وإنما تتصل بطبيعة النظم الاقتصادية والهيكلية التي تحكم توظيف الموارد وربطها بالإنتاج والتجارة والتصنيع، فالتقرير يُقدّم تصوراً أشمل للبنية التحتية باعتبارها شبكة مترابطة تضم النقل والطاقة والرقمنة والتمويل، وهي جميعاً عناصر تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الاقتصادات الإفريقية على خلق القيمة المضافة وتحقيق التكامل الإقليمي ورفع مستويات الإنتاجية.
كما يكشف أن امتلاك القارة لرؤوس أموال محلية وموارد طبيعية ضخمة لا يضمن وحده تحقيق التنمية، ما لم تُصاحب ذلك سياساتٌ قادرة على تحويل هذه الموارد إلى استثمارات طويلة الأجل تدعم الصناعة وسلاسل القيمة والبنية التحتية العابرة للحدود.
وفي هذا الإطار، تبدو المرحلة المقبلة مرهونةً بقدرة الدول الإفريقية على الانتقال من المقاربات القطاعية الضيقة إلى بناء منظومات اقتصادية أكثر ترابطاً، تربط بين المواني والطرق والطاقة والبنية الرقمية والأسواق الإقليمية.
كما أن نجاح القارة في الاستفادة من منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على خفض تكاليف النقل والطاقة، وتعزيز التكامل بين الاقتصادات الوطنية، وتطوير البنية التحتية الداعمة للتصنيع والتكنولوجيا. ومن ثَمّ؛ فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بإنشاء مزيد من المشروعات، بل ببناء نموذج تنموي أكثر قدرة على الاحتفاظ بالقيمة داخل القارة، وتقليل الاعتماد على الخارج، وتحويل البنية التحتية إلى أداةٍ إستراتيجية لدعم النمو والاستقرار الاقتصادي في إفريقيا.
ــــــــــــــ
مراجع وإحالات:
– مصدر تقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا» لعام 2026م:
Africa Finance Corporation, “State of Africa’s INFRASTRUCTURE REPORT the Africa We Build: From Capital to Systems 2026“, (Lagos: Africa Finance Corporation “AFC”), Available at:
https://www.africafc.org/our-impact/our-publications/state-of-africas-infrastructure-report-2026
– للاطلاع على تقرير «حالة البنية التحتية في إفريقيا» لعام 2025م، انظر:
نِهاد محمود، «قراءة في تقرير حالة البنية التحتية في إفريقيا لعام 2025م: دروس الحاضر ورهانات المُستقبل»، قراءات إفريقية (لندن: مركز أبحاث جنوب الصحراء، أغسطس 2025)، متاح على الرابط











































