عادت “القوات الديمقراطية المتحالفة” (ADF) إلى واجهة المشهد الأمني في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بعد سلسلة هجمات دامية أسفرت خلال الأيام الأخيرة عن مقتل عشرات المدنيين.
هجمات التنظيم تعد مؤشرًا جديدًا على تصاعد تهديده الذي تحول خلال سنوات من حركة تمرد محلية أوغندية محلية إلى أحد أخطر التنظيمات المسلحة المرتبطة بتنظيم “داعش” في منطقة البحيرات العظمى.
والخميس، أعلنت مصادر محلية وأمنية مقتل ما لا يقل عن 36 شخصًا خلال يومين فقط، بعدما شن عناصر التنظيم المسلح هجمات متفرقة على قرى معزولة في إقليم إيتوري شرقي الكونغو، في استمرار لنمط العنف الذي يستهدف المدنيين.
وتأتي هذه الهجمات في وقت تتزايد فيه التحذيرات الدولية من توسع نشاط التنظيم، خصوصًا مع انشغال الجيش الكونغولي بمواجهة جماعات مسلحة/ متمردة أخرى، أبرزها حركة “23 مارس”، ما أتاح لـ”القوات الديمقراطية المتحالفة” إعادة التموضع والتوسع داخل مناطق واسعة بشرق البلاد.
وفي هذا السياق، يمكن فهم خطورة التنظيم عبر خمس حقائق رئيسية تفسر نشأته، وتحولاته، وأسباب بقائه، وطبيعة تهديده المتصاعد في منطقة البحيرات العظمى.
5 حقائق وراء أخطر تنظيمات الكونغو
أولاً: تنظيم بدأ كتمرد أوغندي وانتهى فرعًا لـ”داعش”
ترجع جذور “القوات الديمقراطية المتحالفة” إلى تسعينيات القرن الماضي، عندما تشكلت في أوغندا من اندماج جماعات معارضة مسلحة ذات خلفية دينية وسياسية، أبرزها حركة “شباب التبليغ”، التي ظهرت بعد شعور قطاعات من مسلمي أوغندا بالتهميش السياسي والاجتماعي عقب سقوط نظام عيدي أمين عام 1979.
وخلال أوائل التسعينيات، برز اسم جميل موكولو، الذي أسس “مؤسسة السلف” ذات الجناح العسكري المعروف باسم “مقاتلي الحرية المسلمين الأوغنديين”، قبل أن تتطور لاحقًا إلى “القوات الديمقراطية المتحالفة”.
لكن الضربات التي وجهها نظام الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني دفعت الجماعة إلى الانتقال نحو شرق الكونغو الديمقراطية، حيث وجدت بيئة مثالية للنشاط المسلح بسبب الحروب الأهلية وضعف الدولة.
وخلال سنوات طويلة، احتفظ التنظيم بطابع محلي مرتبط بالتمرد ضد أوغندا، قبل أن يشهد تحوله الأكبر بعد عام 2014، حين شن الجيش الكونغولي حملة عسكرية واسعة ضد معاقله، ما أدى إلى تفكك أجزاء منه وهروب قائده جميل موكولو، الذي اعتُقل لاحقًا في تنزانيا عام 2015.
وبعد صعود موسى بالوكو إلى قيادة التنظيم، اتجهت الجماعة نحو تعزيز ارتباطها بتنظيم “داعش”، إلى أن أعلن التنظيم رسميًا عام 2019 مبايعته لـ”داعش”، ليصبح جزءًا من “ولاية وسط إفريقيا”.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد التنظيم يقتصر على أهدافه المحلية القديمة المرتبطة بإسقاط النظام الأوغندي، بل تحول إلى جماعة جهادية عابرة للحدود، تستقطب مقاتلين من دول عدة بينها كينيا وتنزانيا وموزمبيق.
ثانيًا: شرق الكونغو كبيئة مثالية لتمدد التنظيم
يُعد شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية واحدًا من أكثر مناطق إفريقيا هشاشة واضطرابًا، حيث تنشط أكثر من 120 جماعة مسلحة في ظل ضعف الدولة والصراعات الإقليمية والتنافس على الموارد الطبيعية.
وقد استفادت “القوات الديمقراطية المتحالفة” من هذه البيئة المعقدة لتوسيع نفوذها، خصوصًا في إقليمي إيتوري وكيفو الشمالية، اللذين يشهدان نزاعات مستمرة منذ عقود.
كما ساعدت الطبيعة الجغرافية الوعرة، خاصة الغابات الكثيفة والمناطق الحدودية المعقدة، التنظيم على بناء معسكرات يصعب الوصول إليها، إضافة إلى تأسيس شبكات تهريب وتمويل مرتبطة بالمعادن والموارد الطبيعية.
وتشير دراسات وتقارير أممية إلى أن التنظيم لم يكن معزولاً عن الصراعات الإقليمية، بل استُخدم أحيانًا كأداة في نزاعات النفوذ بين دول المنطقة.
وفي التسعينيات، حصل التنظيم على دعم من نظام الرئيس الكونغولي الأسبق موبوتو سيسي سيكو (1971: 1997)، الذي استخدمه كورقة ضد أوغندا، كما ارتبط اسمه لاحقًا بالصراعات بين الكونغو ورواندا وأوغندا.
وفي المقابل، استخدمت أوغندا ورواندا خطر التنظيم لتبرير التدخل العسكري داخل الكونغو خلال الحرب الكونغولية الثانية (1998: 2003)، التي ارتبطت أيضًا بالصراع على الثروات المعدنية في شرق البلاد.

ثالثًا: القوات الديمقراطية المتحالفة والعنف الممنهج
التحول الأخطر في نشاط “القوات الديمقراطية المتحالفة” تمثل في تصاعد استهداف المدنيين بصورة مباشرة، خاصة منذ منتصف العقد الماضي.
فبحسب تقرير حديث أصدرته منظمة العفو الدولية، ارتكب التنظيم انتهاكات ترقى إلى “جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، شملت القتل الجماعي، والتعذيب، والعمل القسري، والاستعباد الجنسي، وتجنيد الأطفال.
ووثق التقرير سلسلة من الهجمات الدموية التي نفذتها الجماعة خلال عامي 2024 و2025 في إقليمي إيتوري وكيفو الشمالية.
ومن أبشع الوقائع التي وثقها التقرير، الهجوم على مجلس عزاء بقرية نتويو في سبتمبر 2025، حين تسلل مقاتلو التنظيم وسط المعزين قبل أن يهاجموهم بالفؤوس والمطارق والأسلحة النارية، ما أسفر عن مقتل أكثر من 60 شخصًا.
كما وثق التقرير هجومًا استهدف مركزًا صحيًا في قرية بيامبوي خلال نوفمبر 2025، وأسفر عن مقتل 17 مدنيًا على الأقل وإحراق أجزاء واسعة من المركز.
وأكد ناجون أن عناصر التنظيم “كانوا يطلقون النار على أي شيء يتحرك”، بينما تحدث آخرون عن مشاهد مروعة لجثث متناثرة وعمليات قتل جماعي داخل القرى.
ولم تقتصر جرائم التنظيم على القتل، بل اعتمد بصورة واسعة على الاختطاف، إذ وثقت المنظمة 46 حالة اختطاف، بينها عمليات احتجاز رهائن مقابل فدية.

رابعًا: قدرة التنظيم على الانتشار
رغم سنوات من العمليات العسكرية المشتركة بين الجيش الكونغولي والجيش الأوغندي، فإن “القوات الديمقراطية المتحالفة” ما تزال تحتفظ بقدرة كبيرة على تنفيذ الهجمات وإعادة الانتشار.
وفي نوفمبر 2021، أطلقت القوات المسلحة الكونغولية بالتعاون مع قوات الدفاع الشعبي الأوغندية عملية عسكرية واسعة ضد معاقل التنظيم في شرق الكونغو.
وحققت العمليات بعض النجاحات، من بينها تحرير مئات المختطفين وتدمير معسكرات تابعة للجماعة.
وقبل أسابيع فقط، أعلنت القوات الأوغندية والكونغولية تحرير أكثر من 200 مدني كانوا محتجزين لدى التنظيم، بينهم أطفال، خلال عملية استهدفت أحد معسكراته بشرق الكونغو.
لكن هذه العمليات لم تنهِ التهديد، بسبب عدة عوامل، أبرزها الطبيعة الجغرافية المعقدة، وضعف مؤسسات الدولة الكونغولية، واستمرار الصراعات المسلحة الأخرى، إضافة إلى قدرة التنظيم على التجنيد والحركة عبر الحدود.
كما أن انشغال الجيش الكونغولي منذ مطلع 2025 بمواجهة تمرد “حركة 23 مارس” المدعومة من رواندا، أتاح لـ”القوات الديمقراطية المتحالفة” فرصة توسيع نشاطها ضد المدنيين.
وأشار تقرير منظمة العفو الدولية إلى أن الجماعة استغلت انشغال القوات الحكومية وتحول الاهتمام الدولي نحو أزمة “23 مارس”، لتصعيد هجماتها وارتكاب مزيد من الانتهاكات.

خامسًا: ليس مجرد جماعة إرهابية تقليدية
رغم تصنيف القوات الديمقراطية المتحالفة رسميًا كتنظيم إرهابي مرتبط بـ”داعش”، فإن خبراء في الشأن الإفريقي يرون أن فهم “القوات الديمقراطية المتحالفة” يتطلب النظر إليه باعتباره جزءًا من شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية في منطقة البحيرات العظمى.
فبحسب قراءات أكاديمية وتحليلية لأستاذة العلوم السياسية بكلية الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، إيمان عبد العظيم، استُخدمت الجماعة في مراحل مختلفة كأداة من قبل أطراف إقليمية ومحلية، سواء في صراعات النفوذ أو المنافسة على الموارد.
علاوة على وجود علاقات معقدة بين التنظيم وبعض رجال الأعمال وشبكات التهريب وشخصيات داخل المؤسسات العسكرية المحلية، كما أن جزءًا من المذابح التي شهدتها منطقة بيني منذ عام 2014 ارتبط أيضًا بصراعات اقتصادية وتجارية محلية، وليس فقط بأهداف أيديولوجية.
لكن في المقابل، فإن الارتباط المتزايد بـ”داعش”، وتوسع شبكات التجنيد العابرة للحدود، وتصاعد الطابع العقائدي للعنف، جعل من التظنظيم تهديدًا أمنيًا إقليميًا حقيقيًا يتجاوز حدود الكونغو الديمقراطية.
وفي هذا الإطار، حذر مسؤولون أوغنديون مرارًا من امتداد علاقات التنظيم إلى مناطق أخرى في القارة، بما في ذلك شمال موزمبيق، حيث تنشط جماعات مرتبطة بـ”داعش”.
تهديد مفتوح على مستقبل المنطقة
تشير التطورات الأخيرة إلى أن “القوات الديمقراطية المتحالفة” ما تزال قادرة على التكيف والبقاء رغم الضغوط العسكرية، مستفيدة من هشاشة الدولة الكونغولية وتعقيدات الصراعات الإقليمية.
كما أن استمرار الفوضى في شرق الكونغو، وتعدد الجماعات المسلحة، وضعف التنمية والخدمات، كلها عوامل تمنح التنظيم بيئة خصبة لإعادة إنتاج نفسه.
ولهذا، يرى مراقبون أن مواجهة “القوات الديمقراطية المتحالفة” لا يمكن أن تقتصر على المقاربة العسكرية فقط، بل تتطلب معالجة أوسع للأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تغذي العنف المزمن في شرق الكونغو ومنطقة البحيرات العظمى بأكملها.
مراجع:
إيمان عبد العظيم، الكونغو الديمقراطية لعنة الموارد وإرث الاستعمار (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2024)
محاضرات غير منشورة للدكتورة إيمان عبد العظيم، أستاذة العلاقات الدولية والفكر السياسي بجامعة القاهرة (القاهرة: جامعة القاهرة، قسم السياسة والاقتصاد، كلية الدراسات الإفريقية العليا، 2023).
Armed Conflict Location and Event Data (ACLED)










































