تأتي زيارة الرئيس الإسرائيلي «إسحاق هرتسوغ» إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، يومي 24 و25 فبراير 2026م، في إطار التحرك الدبلوماسي الذي تقوم به إسرائيل خارجياً ضمن سياق دولي وإقليمي مضطرب. فالزيارة لا تندرج ضمن السياق البروتوكولي فحسب، بل تُعبّر عن مسعى واضح لإعادة تموضع الوجود الإسرائيلي في القارة الإفريقية عبر البوابة الإثيوبية؛ باعتبارها واحدةً من أوثق حلفاء إسرائيل في إفريقيا.
وتكتسب الزيارة أهميةً خاصة في ظل تصاعد التنافس الدولي والإقليمي في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر، حيث تتداخل مصالح قوى إقليمية ودولية تسعى لترسيخ نفوذها في الممرات البحرية الحيوية ومناطق العبور الإستراتيجية. وفي هذا السياق؛ تبدو أديس أبابا بوابة رئيسة لإسرائيل في أيّ انخراط فعّال في سياسات الأمن الإقليمي بالبحر الأحمر والقرن الإفريقي، مما يمنح العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية بُعداً إستراتيجياً يتجاوز التعاون الثنائي، ليمتد إلى إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية في المنطقة.
وقد حظي «هرتسوغ» باستقبال رسمي لدى وصوله إلى مطار بولي الدولي من قِبل وزير الخارجية الإثيوبي «جيديون تيموثيوس» وعدد من كبار المسؤولين، في مؤشر على أهمية الزيارة بالنسبة للجانبين. كما أجرى مباحثات مع الرئيس الإثيوبي «تاي أتسكي سيلاسي» ورئيس الوزراء «آبي أحمد» وكبار صناع القرار بالحكومة الإثيوبية، لبحث سبل توسيع التعاون في مجالات عدة، إلى جانب التنسيق في قضايا الأمن الإقليمي. وقد استهل «هرتسوغ» الزيارة بجولة في متحف «عدوة التذكاري» للنصر، والذي يحمل دلالة رمزية تتصل بإبراز الاحترام للتاريخ الوطني الإثيوبي، بما يعكس حرصه على تعزيز البعد السياسي والثقافي للعلاقة، بالتوازي مع المصالح الإستراتيجية والاقتصادية المتنامية بين البلدين.
وبشكلٍ عام، يمكن قراءة هذه الزيارة وما تحمله من أهمية من خلال المحاور الآتية:
أولاً: دلالات التوقيت.. لماذا الآن؟
ثانياً: أهداف الزيارة.. زيارة تحمل أكثر من رسالة.
ثالثاً: سيناريوهات ما بعد الزيارة.. مسارات التحالف والتوازن والتصعيد.
▪ أولاً: دلالات التوقيت.. لماذا الآن؟
تأتي الزيارة التي قام بها الرئيس الإسرائيلي «إسحاق هرتسوغ» إلى أديس أبابا في سياق زمني ودبلوماسي يتسم بالتعقيد والتحركات الإستراتيجية المكثفة في القرن الإفريقي، فالإطار المعلن عن هذه الزيارة أنها تأتي في سياق تعزيز الصداقة والشراكة، إلا أنها تحمل دلالات زمانية يمكن الإشارة إليها على النحو التالي:
1- تزامنها مع تصاعد التوتر في شمال إثيوبيا:
تأتي زيارة الرئيس الإسرائيلي «هرتسوغ» في توقيت شديد الحساسية بالنسبة لإثيوبيا، ولا سيما مع احتمال تجدد الصراع في إقليم «تيغراي» وتزايد الاستعدادات العسكرية؛ إذ يؤكد هذا الحدث أن الزيارة ليست بروتوكولية، بل ترتبط بمحاولة إسرائيل قراءة الوضع الداخلي في إثيوبيا الحليف الأكبر لها في إفريقيا والقرن الإفريقي، بهدف إحداث تموضع سياسي وأمني يضمن عدم تفجر أي صراع في هذا التوقيت الحرج بالنسبة للمنطقة وللمصالح الإسرائيلية، خاصةً في ظل احتمالات حدوث تصادم إثيوبي إريتري.
2- التتابع مع زيارة الرئيس التركي:
تكتسب الزيارة أهمية خاصة كونها تأتي في أعقاب زيارة الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» إلى إثيوبيا؛ فتقديراً للمشهد، عززت تركيا وجودها هناك على مدى العقدين الماضيين عبر تطوير البنية التحتية، وتوسيع آفاق التجارة والشراكات الدفاعية. إذ يجمع نموذج أنقرة بين الدبلوماسية الاقتصادية والانخراط الإستراتيجي، مما جعل من إثيوبيا شريكاً رئيسياً في سياستها الإفريقية الأوسع. ويشير تعاقب الزيارات التركية والإسرائيلية رفيعة المستوى إلى أن إثيوبيا قد تحولت إلى ساحةٍ تسعى فيها مختلف القوى الإقليمية لترسيخ نفوذها عبر مسارات التعاون بدلاً من المواجهة المباشرة، مما يخلق بيئةً دبلوماسية تنافسية[1]، ولا سيما أن الزيارة التركية في 19 فبراير 2026م قد كشفت عن جانب من هذا التنافس؛ حيث شددت أنقرة على رفضها الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، مع توجيه تحذيرات من تحويل قضية أرض الصومال إلى ساحة للتنافس الإقليمي، وهو ما يتعارض بشكل جذري مع التوجهات والسياسات الإسرائيلية في المنطقة.
3- رغبة إسرائيل في استعادة سمعتها الدولية بعد حرب الإبادة في غزة:
تهدف هذه الزيارة إلى تعزيز النفوذ الإسرائيلي في القارة الإفريقية، خاصةً بعد تراجع سمعتها الدولية جراء حرب الإبادة الجماعية التي شنتها في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر 2023م؛ ولا سيما في ظل حالة من الاستقطاب الدولي غير المسبوق تجاه القارة، وتنامي الرفض الإفريقي للسياسات الإسرائيلية في قطاع غزة على المستوى الشعبي[2]، ومما يؤكد ذلك أن البرنامج الدبلوماسي للرئيس الإسرائيلي يتضمن اجتماعات مع الجالية اليهودية في إثيوبيا.
كذلك؛ لا تنفصل هذه الزيارة ودلالات توقيتها عن التحركات الإسرائيلية الشاملة في إفريقيا لاستعادة وجودها في أعقاب الحرب على قطاع غزة، وهي التحركات التي تشمل إعادة فتح السفارات، وتوسيع آفاق التعاون الأمني والتكنولوجي، وذلك في مسعى لمواجهة الانتقادات الإفريقية المتصاعدة، حيث سعت إسرائيل لتعزيز علاقاتها مع كلٍّ من (زامبيا، وجنوب السودان، ونيجيريا، وإثيوبيا، وكينيا) بهدف تخفيف حدة الضغوط الإفريقية عليها في المحافل الدولية[3].
4- لا تنفصل الزيارة عن الأجواء الخاصة بالهجوم على إيران:
إذ تسعى إسرائيل إلى الاقتراب أكثر من منطقة البحر الأحمر، في محاولةٍ لتأكيد وجودها الأمني في إثيوبيا، كرسالة تهديد ضمنية موجهة إلى جماعة «الحوثيين» التي قد تستهدف العمق الإسرائيلي في ظل أجواء المواجهة مع إيران. ومن هذا المنطلق؛ تسعى إسرائيل لبناء قاعدة أمامية للمراقبة الاستخباراتية في المنطقة[4].
▪ ثانياً: أهداف الزيارة.. زيارة تحمل أكثر من رسالة:
تشير هذه الزيارة إلى ما هو أبعد من مجرد اللقاءات البروتوكولية والرمزية؛ إذ تتجاوز في دلالاتها إظهار حسن النية، لتعكس عمق الشراكة الإستراتيجية التي اتسمت بها العلاقات الإسرائيلية الإثيوبية، وسعي أديس أبابا الحثيث نحو تأكيد محورية دورها في البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي كحليف إستراتيجي لإسرائيل؛ حيث يظل الأمن البحري الإقليمي، والتنسيق الأمني، والحوار الاستخباراتي، مجالات تعاون مستمرة ومثمرة لكلا البلدين. ومن هذا المنطلق؛ تعكس أهداف هذه الزيارة إعادة تقييم للشراكات الإقليمية، وتعزيز التعاون الأمني والتبادل التكنولوجي والاقتصادي، وهو ما يمكن إجماله في النقاط التالية:
1- التأكيد الإسرائيلي لأهمية إثيوبيا كحليف إفريقي:
تعكس الزيارة التأكيد الإسرائيلي لمحورية إثيوبيا كحليف في القرن الإفريقي والقارة بشكلٍ عام؛ حيث تتماهى السياسات الإسرائيلية والإثيوبية في الكثير من القضايا، ولا سيما تلك المتعلقة بمنطقة القرن الإفريقي والتحركات الإسرائيلية فيها[5]. ونتيجةً لذلك؛ نادراً ما تقتصر الزيارات رفيعة المستوى على الطابع الرمزي، بل هي تعبير عن اهتمام إستراتيجي عميق. وقد أكد الرئيس الإسرائيلي أن هذه الزيارة تهدف إلى التصدي لما أسماها «محاولات البعض لتقويض العلاقات التاريخية بين تل أبيب وأديس أبابا»، مشدداً على ضرورة مواجهة هذه المحاولات؛ حيث وصف «هرتسوغ» إثيوبيا بأنها «دولة عظيمة ومحورية في إفريقيا». ومن هذا المنطلق؛ حرص في هذه الزيارة على لقاء كبار المسؤولين الإثيوبيين، وفي مقدمتهم الرئيس «أتسكي سيلاسي» ورئيس الوزراء «آبي أحمد»، حيث ركزت المباحثات على تعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي. وفي السياق السياسي ذاته، تأتي هذه الزيارة ضمن مساعٍ إسرائيلية لدفع أديس أبابا نحو الاعتراف الدبلوماسي بـ«أرض الصومال»*، حيث إن من شأن الاعتراف الإثيوبي- ولا سيما بدعم إسرائيلي- أن يُحدث تغييراً جذرياً في الخريطة السياسية بالقرن الإفريقي، فباعتبار إثيوبيا عضواً مؤسساً في الاتحاد الإفريقي وقوةً إقليمية مؤثرة؛ فإن اعترافها الرسمي قد يُحفز عدداً من الدول الإفريقية على اتخاذ خطوات مماثلة[6].
2- دعوة إثيوبيا للانضمام للتحالف السداسي:
على الرغم من أنه لم يُعلن- حتى كتابة هذه السطور- بشكلٍ رسمي عن تشكيل ما يُعرف بـ«التحالف السداسي»، الذي تحدث عنه رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» حول اقتراب تأسيسه لمواجهة القوى الرافضة للسياسات الإسرائيلية، فإن القراءات الأولية لمسار هذا التحالف تشير إلى أنه قد يضم دولاً عديدة؛ كاليونان وقبرص، بالإضافة إلى قوى فاعلة في القارة الإفريقية مثل «أرض الصومال» وإثيوبيا[7].
وتتقاطع مصالح أديس أبابا في هذا التحالف مع تل أبيب ضمن مسعى الطرفين إلى ما يطلقان عليه تأمين «ساحة البحر الأحمر». فبالنسبة لإثيوبيا، تكمن جاذبية هذا التحالف في سعيها الحثيث للحصول على منفذ بحري سيادي. أما فيما يتعلق بإسرائيل؛ فإنها تهدف من جراء هذه الدعوة إلى تأكيد إستراتيجية «شد الأطراف»، والتي تقوم على بناء تحالفات مع دول غير عربية على أطراف الشرق الأوسط، لمواجهة من تراهم خصومها الإقليميين[8]. وفي هذا السياق؛ فإن رغبة إسرائيل في ضم إثيوبيا وأرض الصومال إلى هذا التحالف تعكس مسعًى لتطويق الوجود العربي في منطقة البحر الأحمر.
ويُعدّ مضيق باب المندب من أكثر الممرات المائية أهميةً على مستوى العالم؛ لذا تبرز مصلحة مشتركة لكل من إسرائيل وإثيوبيا في الوجود الدائم عبر هذا الممر الدولي. إن وصول إثيوبيا إلى منفذ بحري عبر «أرض الصومال» من شأنه أن يعيد تشكيل التحالفات في منطقة القرن الإفريقي، ويُحدث تحولاً إستراتيجياً ينقل إثيوبيا من كينونتها دولةً حبيسة إلى قوة بحرية صاعدة، وهو ما يصب في مصلحة إسرائيل عبر إنشاء موقع متقدم لرصد الأنشطة البحرية في المنطقة.
وينسجم هذا التوجه مع رؤية «بنيامين نتنياهو» القائمة على إنشاء شبكة إقليمية مترابطة أمنياً، بما يعيد رسم خريطة الاصطفافات في الشرق الأوسط والقرن الإفريقي. ومن ثَمّ؛ فإن التحرك الإسرائيلي نحو إثيوبيا يجسد الرغبة في إدماج أديس أبابا ضمن شبكة تحالفات مضادة لمحاور إقليمية منافسة، بما يوازن محور (أنقرة–القاهرة–الرياض)، ويمنح تل أبيب عمقاً جيوسياسياً حيوياً في القارة الإفريقية.
3- تعزيز التعاون الاقتصادي:
إلى جانب تعزيز التعاون الدبلوماسي بين الطرفين، في إطار رؤية إسرائيل بوجود مساعٍ للعبث بعلاقاتها مع أديس أبابا، هدفت الزيارة إلى تأكيد متانة الشراكة الاقتصادية بين الجانبين، إذ بلغت الواردات الإسرائيلية من إثيوبيا عام 2024م أكثر من 91 مليون دولار، بينما تجاوزت الصادرات الإسرائيلية نحو الأسواق الإثيوبية ما قيمته 24 مليون دولار[9]. وقد تمثلت المباحثات في تعزيز التعاون في المجالات ذات الاهتمام المشترك، وبخاصةٍ في توظيف الابتكار والتكنولوجيا الإسرائيلية في قطاع الزراعة وإدارة المياه والأمن السيبراني، حيث لا تزال الخبرة الإسرائيلية في تقنيات الري والابتكار الزراعي تمثل عامل جذبٍ مع سعي إثيوبيا الحثيث لتحقيق أمنها الغذائي. بالإضافة إلى ذلك؛ تبرز الشراكات الإنسانية والتنموية والتوسع المحتمل للمشاريع المشتركة في قطاعات الصحة والتعليم والاستجابة للطوارئ، كمجالاتٍ حيوية للمشاركة المتبادلة بين الطرفين.
4- تأكيد الأمن الإقليمي لإسرائيل وإثيوبيا في البحر الأحمر:
تنظر إسرائيل إلى إثيوبيا بوصفها لاعباً أساسياً في سياسات البحر الأحمر، وتحرص على تعزيز العلاقات الأمنية معها بشكلٍ دائم. ومن هذا المنطلق؛ تُمثّل أحد الأهداف التي ترجمتها هذه الزيارة في تأكيد أهمية تعزيز الأمن الإقليمي لإثيوبيا، ومناقشة تداعيات الاعتراف بـ«أرض الصومال»، حيث يروّج الرئيس الإسرائيلي في زيارته للتصور الإسرائيلي لأمن البحر الأحمر، بما يشمل إدماج إثيوبيا ضمن رؤية أمنية أوسع تمتد من البحر الأحمر إلى غرب المحيط الهندي ووصولاً إلى شرق المتوسط. والهدف هو منع تحوّل القرن الإفريقي إلى ساحة نفوذ لـ«قوى معادية»، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يضمن توازناً يخدم المصالح الإسرائيلية بعيدة المدى، إذ تخشى تل أبيب من تحول القرن الإفريقي والبحر الأحمر إلى مجال نفوذ لمحور (تركي–عربي) متماسك، ولذا تهدف الزيارة إلى تحصين إثيوبيا ضمن شبكة توازنات مضادة قبل اندلاع أيّ مواجهة عسكرية قد تعيد خلط الأوراق في المنطقة.
إلى جانب ذلك؛ ناقشت الزيارة ملف «سد النهضة» وما يحيط به من تعقيدات في علاقات إثيوبيا مع دول المصب، وبخاصةٍ مصر؛ حيث يسعى الجانب الإسرائيلي لفهم آفاق هذا الملف وتأثيراته على الاستقرار الإقليمي، في ظل تشابك المصالح الإستراتيجية في حوض النيل[10]، يأتي ذلك في إطار حرص إسرائيل الدائم على الترويج لتقاطع مصالحها مع إثيوبيا في ملف «سد النهضة»، وهو هدف ثابت للسياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه أديس أبابا؛ خاصةً عبر طرح نفسها كخبير تقني في إدارة الموارد المائية. ومن خلال انخراطها فيما تسميه الأوساط الأكاديمية الإسرائيلية «دبلوماسية حوض النيل»، تُقحم إسرائيل نفسها في أحد أكثر خطوط الصدع الجيوسياسي حساسيةً في القارة الإفريقية.
▪ ثالثاً: سيناريوهات ما بعد الزيارة.. مسارات التحالف والتوازن والتصعيد:
تأتي زيارة الرئيس الإسرائيلي «إسحاق هرتسوغ» في سياق إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه ملفات الأمن في البحر الأحمر والقرن الإفريقي مع التنافسات الشرق أوسطية المتصاعدة، ما يجعل إسرائيل تنظر إلى إثيوبيا بوصفها فاعلاً محورياً في تحركاتها المستقبلية. لذا؛ فإن مآلات هذه الزيارة لا تقتصر على كونها حدثاً بروتوكولياً، بل هي مؤشر على اتجاهات إستراتيجية كبرى. وفي هذا الصدد؛ يمكن استشراف جملة من السيناريوهات المتوقعة:
1- السيناريو الأول: مأسسة التحالف الأمني الإستراتيجي:
يقوم هذا السيناريو على صياغة تفاهمات إستراتيجية صلبة بين أديس أبابا وتل أبيب، تشمل تعميق التعاون الاستخباراتي وتوسيع برامج التدريب العسكري. وفي هذا الإطار؛ قد تنضم إثيوبيا إلى «التحالف السداسي» الذي تروّج له إسرائيل، ليكون ورقة ضغط في ملفاتها الإقليمية، ولا سيما «سد النهضة»، وبما يرسخ مكانتها كحجر زاوية للمصالح الغربية في مواجهة المحور (التركي–العربي).
2- السيناريو الثاني: التوازن الحذر والمناورة البراغماتية:
وفق هذا المسار؛ قد تستثمر إثيوبيا نتائج الزيارة دون الانخراط في تحالف رسمي معلن، متبنيةً سياسة «تعدد الشركاء». وقد تكتفي أديس أبابا بتعميق الشراكة الأمنية الوظيفية مع إسرائيل، مع الإبقاء على قنوات مفتوحة مع القوى الإقليمية الأخرى، وتوظيف ملف «أرض الصومال» كمناورة للحصول على مكاسب عسكرية أو اقتصادية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الصومال أو حلفائه.
3- السيناريو الثالث: إعادة ترتيب الأولويات (سيناريو الانكفاء المحسوب):
يرتكز هذا التصور على مراقبة إسرائيل لمخاطر الهشاشة الداخلية في إثيوبيا، وتحديداً الصراع في إقليم «تيغراي». في حال تصاعدت الاضطرابات؛ قد تتجه تل أبيب إلى تقليص انخراطها مؤقتاً، متبنيةً مقاربة انتقائية تقتصر على التعاون التقني ومراقبة الحدود والتعاون الاستخباراتي، تجنباً للتورط في صراعات داخلية قد تستنزف نفوذها.
4- السيناريو الرابع: التموضع البراغماتي طويل الأمد:
يفترض هذا السيناريو اقتراباً إثيوبياً تدريجياً وصامتاً من المحور الأمني الإسرائيلي، بعيداً عن الصخب الدبلوماسي. ويكون المحرك الأساسي هنا هو المصالح الصرفة، وتحديداً تأمين المنفذ البحري المنشود، بحيث يظل التحالف قائماً على قاعدة «المنفعة المتبادلة» لا على الاصطفاف الأيديولوجي.
وختاماً، يمكن القول:
إن زيارة الرئيس الإسرائيلي «إسحاق هرتسوغ» إلى إثيوبيا تعكس اهتماماً إستراتيجياً عميقاً ببناء شراكة محورية، فهي تمثل محطة دبلوماسية فارقة تسعى تل أبيب من خلالها إلى تأكيد التزام الطرفين بتوسيع آفاق التعاون، ولا سيما في سياق المساعي الإسرائيلية الحثيثة لاستعادة نفوذها القاري في أعقاب الحرب على قطاع غزة.
كما كشفت الزيارة عن تقاطع الحسابات الإثيوبية مع الصراعات الإقليمية المحتدمة حول إعادة تشكيل منظومة الأمن في البحر الأحمر، ما يضع أديس أبابا أمام اختبار حقيقي لقدرتها على الموازنة بين الانخراط في تحالفات ناشئة تقودها إسرائيل، وبين اعتماد سياسة براغماتية متزنة تجاه القوى الإقليمية الأخرى.
إن ارتباط هذه الزيارة بمساعي تعزيز الاعتراف بـ«أرض الصومال» يضع إثيوبيا في قلب التجاذبات بين مصالح القوى الدولية ومصالحها القومية؛ ما يجعلها اختباراً تاريخياً لقدرة إثيوبيا على ممارسة دور إقليمي فاعل في إعادة رسم المشهد الجيوسياسي للقرن الإفريقي، حيث تتشابك الجغرافيا الإستراتيجية والإمكانات الاقتصادية مع الضغوط الدبلوماسية لصياغة مستقبل المنطقة على المديين المتوسط والطويل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر:
[1] Kuchim Silesh, Beyond Ceremony: Presidential Visit to Ethiopia Reshapes Strategic Dynamics in the Horn of Africa, Institute of Foreign Affairs- IFA, Feb 25, 2026.
[2] هرتسوغ في إثيوبيا: استثمار في الأزمات أم بحث عن أحلاف مستدامة؟، جيسيكا، 25 فبراير/2026م، متاح على الرابط الآتي:
[3] Herzog in Ethiopia as Israel Expands Footprint in Divided Horn of Africa, The Palestine Chronicle, February 25, 2026, at:
[4] هرتسوغ في إثيوبيا بعد أردوغان.. ماذا تريد إسرائيل من القارة السمراء؟، الجزيرة، 24/2/2026، متاح على الرابط الآتي:
[5] محمد عادل، السياسة الخارجية الإسرائيلية تجاه إثيوبيا” التاريخ.. الأهداف.. الأدوات” (القاهرة: العربي للنشر والتوزيع، أكتوبر 2024)، ص119.
* لم تعترف إثيوبيا رسميًا بأرض الصومال على الرغم من إعلان النوايا الذي وقعته في يناير 2024م، والذي يتيح لإثيوبيا منفذاً بحرياً في مقابل الاعتراف باستقلال أرض الصومال، حيث وقعت في ديسمبر من العام نفسه على اتفاق يقضي بتعليق الاعتراف.
[6] Analysis: The Strategic Calculus of Herzog’s Ethiopia Visit – Implications for Somaliland and the Horn of Africa, somtribune, February 19, 2026, at: https://shorturl.at/fesfc
[7] Shola Lawal, Will Ethiopia be part of Israel’s ‘hexagon’ alliance rivalling its enemies?, Aljazeera, 25 Feb 2026, at:
[8] محمد عادل، مرجع سبق ذكره، ص82.
[9] شيماء البكش، نفوذ متنامٍ: أبعاد ومجالات التعاون الإسرائيلي الإثيوبي، المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، 27 مارس/2025م، متاح على الرابط الآتي:
[10] Herzog in Ethiopia as Israel Expands Footprint in Divided Horn of Africa, Op.Cit.











































