يُعدّ الدين الإسلامي، من الناحية التاريخية، واحداً من أهم محفزات إعادة تشكيل الثقافات المحلية التي تقاطع معها، ولاسيما في القارة الإفريقية؛ حيث كان دور الدين الإسلامي محورياً وحاسماً في عملية إعادة النظر في العقائد وعلاقة الإنسان بالسماء، وتصحيح الرؤى عن الإله، ونبذ العقائد الوثنية، بل وتخطى ذلك إلى إعادة كتابة المدونات القانونية المحلية، وصياغة المعاملات التجارية، حتى إعادة تشكيل الهوية الوطنية في تلك البلدان.
وعلى الرغم من تصاعد موجات العولمة والتحديث، والتي حملت معها الأفكار العلمانية الغربية وأنماط حضارتها، فإن الإسلام لا يزال جزءاً أصيلاً من الهويات الإفريقية المحلية بل والعابرة للحدود على حدٍّ سواء، ولا تزال أصداؤه وتجلياته مؤثرة ونافذة على الأنماط الاجتماعية والثقافية عبر القارة السمراء.
وخلافاً لكثير من الشرائع، السماوية منها وغير السماوية، فإن الإسلام أثبت على مدار التاريخ وعبر القارة الإفريقية أنه قوة لتحقيق الاستقرار الاجتماعي والثقافي، فإلى جانب بناء الذات المتدينة، فإنه عمل على ربط أبناء الأعراق والقبائل والفصائل المتناحرة تحت مظلة أعلى وأعظم من مظلة الهويات المحلية، وآخى بين بعضهم وبعض، وقدّم نموذجاً فريداً للرابطة الاجتماعية التي أدت في كثيرٍ من الأحيان إلى بناء مجتمعات مستقرة قائمة على الفضائل الأخلاقية؛ بدلاً من الأطر الصراعية التي سادت المجتمعات الوثنية قبل مجيء الإسلام.
ولا شك أن الظاهرة الإسلامية في إفريقيا باتت محل دراسة الكثير من المعاهد ومراكز الفكر الغربية، بل جادل البعض بأن التجارب الغربية الناجحة في إفريقيا كانت بالأساس مبنية على تاريخ نجاح الإسلام وانتشاره سلمياً وتلك العلاقة الفريدة من التآخي بين الفاتح وبين السكان المحليين، على عكس الأساليب الغربية الوحشية التقليدية والقائمة بالأساس على التطهير العرقي والإبادة الجماعية للسكان الأصليين ونهب ثرواتهم، ومن ثَمّ كانت ظاهرة الدين ولاسيما الدين الإسلامي تُعدّ ظاهرةً مهمة، تستحق الدراسة في إفريقيا، بسبب النجاح منقطع النظير لتلك العقيدة التي أسست حضارات وممالك ممتدة من شرق إفريقيا إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها.
اهتمت مراكز الفكر الغربي بدراسات الإسلام في إفريقيا، ومع ذلك؛ فقد أثيرت مخاوف بشأن احتمال التحيز الأوروبي، والنطاق المحدود، والتمثيل غير الكافي للواقع المتنوع للمسلمين الأفارقة.
وتهدف هذه الدراسة إلى إجراء تقييم نقدي لتمثيلات الحالة الإسلامية الإفريقية في الدراسات الغربية، وتحديد المجالات التي تناولتها هذه الدراسات.
وذلك من خلال الإجابة عن الأسئلة الآتية:
– كيف تطورت دراسات الإسلام في إفريقيا في معاهد ومراكز الفكر الغربي؟
– إلى أي مدًى اتسمت هذه الدراسات بالموضوعية أو التحيز في تناولها الإسلام في المجتمعات الإفريقية؟
– ما أبرز مراكز الدراسات الغربية التي تهتم بإفريقيا المسلمة؟
– ما أهم الموضوعات والقضايا المتعلقة بالإسلام في سياقه الإفريقي، ويتم تناولها في هذه الدراسات؟
– ما الأنشطة والفعاليات التي تقوم بها هذا المراكز في هذا الإطار؟
وقد تم تقسيم الدراسة إلى عدد من المحاور:
مدخل مفاهيمي: يتناول مفهوم مراكز الدراسات.
المبحث الأول: تاريخ الدراسات الغربية عن الإسلام في إفريقيا.
المبحث الثاني: الدراسات المعاصرة عن الإسلام في إفريقيا في مراكز الفكر الغربية.
المبحث الثالث: معهد دراسة الفكر الإسلامي في إفريقيا ISITA.. نموذجاً.
خاتمة: أهم النتائج والتوصيات.
مدخل مفاهيمي: مفهوم مراكز الفكر:
تتباين وجهات النظر حول تعريف مراكز الفكر، يعرّف قاموس كامبريدج مراكز الفكر بأنها: «مجموعة من الخبراء يجتمعون في الغالب مع الحكومة لتطوير أفكار حول قضايا ومشاكل عديدة لوضع حلول لها»[1].
إلا أن ما يلاحظ هو: أن القاموس لم يعطها الجانب المؤسساتي، وحصرها في مجموعة من الخبراء فقط، بينما المتعارف عليه أن هذه المراكز تضم باحثين وأساتذة وخبراء، والميزة التي تجمعهم أنهم نخبة مميزة ذات كفاءة.
وتعرّفها مؤسسة Rand للأبحاث بأنها: «تملك الجماعات أو المعاهد المنظمة التي تهدف إلى إجراء بحوث مركزة ومكثفة، وهي تقدم الحلول والمقترحات للمشاكل بصورة عامة، وخاصةً في المجالات التكنولوجية والاجتماعية والسياسية والإستراتيجية وشؤون التسليح».
يمكن القول بأن مراكز الفكر هي «منظمة أو مؤسسة أو معهد أو جماعة أو مركز، يكون مخصّصاً للقيام بالأبحاث والدراسات في مجالات معيّنة أو في علاقة بعدد من القضايا المتنوعة، سواء بهدف نشر الثقافة والمعرفة العامة، أو بغية خدمة أحد الأطراف الرسمية (الحكومة)، أو غير الرسمية (المجتمع بصورة عامة)، وتقديم المقترحات والحلول»[2].
يختلف الباحثون في تحديد التاريخ الذي نشأت فيه مراكز البحوث والدراسات، فمنهم من يقول إن نشأة تلك المراكز في صورتها الأولى كانت في الجامعات الأوروبية، وتحديداً في القرن الثامن عشر، وكانت تُعرف باسم «الكراسي العلمية»، وكان أولها نشأة كراسي الدراسات الشرقية في بولونيا وفي باريس.
وبدايةً من أواخر القرن 18م وأوائل القرن 19م؛ بدأت تظهر مراكز الفكر والبحث بصورة بعيدة عما ظهرت عليه في بدايتها الأولى، حيث تأسس أول مركز وهو المعهد الملكي للدراسات الدفاعية في بريطانيا سنة 1831م، ثم تلته جمعية فابيان سنة 1884م التي تُعنى بالدراسات الاجتماعية، في حين هناك من يعتبر مراكز الأبحاث ظاهرة جديدة نشأت في ظل الحرب العالمية الأولى[3].
المبحث الأول: تاريخ الدراسات الغربية عن الإسلام في إفريقيا:
دراسة الحالة الإسلامية الإفريقية في مراكز الفكر الغربية لها تاريخ طويل ومعقد، وهو مجال شكلته مجموعة متنوعة من العوامل، بما في ذلك المواجهة الاستعمارية، والحرب الباردة، وصعود العولمة. ونستعرض مراحل هذا التاريخ كما يأتي:
1) في القرن الثالث عشر:
في البداية تعود الدراسات الغربية الأولى عن الإسلام في إفريقيا للرحالة والتجار الأوروبيين في القرن الثالث عشر، وقد اتسمت هذه الدراسات بالسطحية، حيث كانوا يوثقون ما يرونه بعيداً عن التحليل والفهم الدقيق، وكان يغلب عليها التعصب الديني والعنصرية الأوروبية.
ومن أشهر هذه الكاتبات في تلك الفترة: (رحلة ماركو بولو) (1298م)، التي زار من خلالها العديد من الممالك الإسلامية في إفريقيا، بما في ذلك مصر ومالي وإثيوبيا، «واتسمت كتابته عن المسلمين بنظرة خوف، وسوء فهم، وكراهية في الغالب، وحاول تقديم الإسلام كدين زائف. لا يذكر أبداً أيّ شيء إيجابي عن الإسلام أو المسلمين، حتى اعتقد بعض الباحثين أن كتابه تم تحريره من قِبَل الكنيسة الكاثوليكية في ذلك الوقت (أو تمت كتابته مع وضع رقابة الكنيسة في الاعتبار)»[4].
كانت كتابات «بولو» ترسّخ فكرة أن المسلمين هم الأعداء، وأنهم متعصبون ويكرهون المسيحيين، وفي هذا الإطار يروي «بولو» قصة عن ملك الحبشة المسيحي (إثيوبيا في الوقت الحاضر)، الذي أراد الحج إلى القدس ولكن نُصح بإرسال أُسقفه بدلا ًمن ذلك؛ لأسباب أمنية خوفاً من المسلمين[5].
2) خلال القرن السادس عشر:
وخلال القرن السادس عشر زاد الاهتمام بدارسة الإسلام في إفريقيا، عندما بدأ المستكشفون البرتغاليون في مواجهة المجتمعات الإسلامية على طول الساحل الإفريقي.
كانت هذه الدراسات المبكرة تعتمد غالباً على ما يسمعونه من معلومات من أهل هذه البلاد وما يلاحظونه، وغالباً ما كانت كتاباتهم ملوثة بالتحيز وسوء فهم للإسلام ولطبيعة هذه المجتمعات.
من نماذج هذه الكتابات: (روايات) المستكشف «لفيس كداموستو»[6] (1432-1488م) عن مجتمعات غرب إفريقيا، حيث يصف المسلمين بأنهم معادون جداً للمسيحية، وأنهم أشداء، ويسيرون حفاة القدمين، ويجب الحذر منهم.
ومنها كتابات «جوميز إيانيس دي زورارا» (1410–1474م)[7]، في كتابه: (تاريخ اكتشاف غينيا وغزوها)، حيث يصف المسلمين الأفارقة بأنهم «كائنات بلا لغة»، أي: بدون روح، غير قادرين على التفاهم، يجب أن يكون الهدف العام هو تدميرهم.
وتُعتبر كتابات زورارا نموذجاً للمزج بين كراهية الإسلام والعنصرية، فنجده يؤكد على «الغيرية الدينية، مع التركيز على التقاطع بين الاختلاف الجسدي والدونية الثقافية»[8].
ومن هذه الكتابات ما كتبه «دوارتي باتشيكو بيريرا» (1460-1533م)، في كتابه: (زمردة العالم)، حيث يقدّم وصفاً تفصيلياً لممالك غرب إفريقيا والمراكز التجارية، بما في ذلك ملاحظاته حول ممارساتهم الدينية وتفاعلاتهم مع التجار البرتغاليين[9].
وكتابات «ألفارو فيلهو»، في كتابه: (خط سير رحلة ساحل غينيا) Roteiro da Costa da Guiné، الذي تناول الهياكل السياسية والاقتصادية للدول الإسلامية في غرب إفريقيا، ويسلط الضوء على تأثيرها في التجارة.
وكتاب «غاسبار كوريا»: (أساطير الهند) Lendas da India، حيث يوثق وصول البرتغاليين إلى شرق إفريقيا ولقاءاتهم مع المجتمعات الإسلامية الراسخة، ولاسيما في منطقة الساحل السواحلي[10].
وكتاب «دامياو دي جويس» (1502-1574م): (تاريخ الملك الأكثر حظاً د. مانويل) Chronica do Felicissimo Rei D. Manuel، الذي يقدّم من خلاله منظوراً تاريخياً أوسع حول المواجهة البرتغالية مع الإسلام، ويحلل مضامينها السياسية والدينية[11].
3) في القرنين السابع عشر والثامن عشر:
بدأ العلماء الأوروبيون- في القرنين السابع عشر والثامن عشر- في اتباع نهجٍ أكثر منهجية لدراسة الإسلام في إفريقيا، حيث قاموا بجمع المخطوطات العربية، وأجروا مقابلات مع المسلمين الأفارقة، وكتبوا روايات مفصلة عن الممارسات والمعتقدات الإسلامية، وساعدت هذه الدراسات في إرساء الأساس لفهمٍ أكثر دقة للإسلام في إفريقيا.
وركزت هذه الدراسات في البداية على الجوانب التاريخية واللغوية للإسلام في إفريقيا، ولكن سرعان ما توسعت لتشمل مجالات أخرى، مثل الثقافة والسياسة والاقتصاد.
لكن يلاحظ عليها أيضاً النزعة العنصرية والتعصب الديني، ومن أمثلة هذه الكتابات: كتاب (اكتشاف منبع النيل) (1770م) للمستكشف الإسكتلندي «جيمس بروس»، والكتاب يتناول أوصاف مملكة الحبشة المسيحية وتفاعلاتها مع الدول الإسلامية المجاورة. ويصور بروس الإسلام على أنه تهديد للمسيحية، ويؤكد على حاجة المبشرين لتحويل الأفارقة للمسيحية الكاثوليكية.
4) في القرن التاسع عشر:
شهد القرن التاسع عشر زيادة في الاهتمام بالإسلام في إفريقيا مع تكالب القوى الأوروبية الاستعمارية على القارة، وكان المسؤولون الاستعماريون حريصين على فهم الإسلام من أجل السيطرة بشكلٍ أفضل على رعاياهم المسلمين، كما رأوا في الإسلام تهديداً محتملاً لسلطتهم، وكثيراً ما سعوا إلى قمعه.
«كان الانتماء الديني عدسة مهمة ينظر من خلالها المسؤولون الاستعماريون إلى رعاياهم، ولم يكن هذا الأمر ذا أهمية أكبر مما كان عليه في المناطق الإسلامية، حيث كان المسلمون عادةً يُعتبرون رعايا حساسين بشكلٍ خاص وعرضة للثورة»[12].
كانت الدراسات الأوروبية حول الإسلام في إفريقيا في القرن التاسع عشر تدور حول محورين رئيسيين ومتناقضين في الوقت نفسه، «حيث الصور النمطية الاستشراقية للمسلمين على أنهم متعصبون دينيون متخلفون ومنحطون، وكانوا أكثر قابلية للعنف، ومن المرجح أن يتمردوا ضد المستعمرين المسيحيين حتى عند أدنى استفزاز. وفي الوقت نفسه؛ كان يُنظر إلى الإسلام على أنه دين تقدّمي نسبياً، وله قواسم مشتركة مع أوروبا المسيحية أكثر من العديد من الثقافات الأخرى في إفريقيا. ومن وجهة نظر استعمارية؛ جعل هذا من المسلمين وسطاء مثاليين في أي بيئة استعمارية»[13].
استفاد الاستعمار من الصور المتناقضة عن الإسلام التي رسمتها تلك الدراسات، «واستغل كلا الصورتين، فكلما سعوا إلى الاستفادة من المسلمين وهياكل حكمهم؛ أشاروا إلى صورة المسلمين الأفارقة على أنهم متحضرون وتقدّميون نسبياً. ومن ناحيةٍ أخرى؛ عندما سعوا إلى تغيير الهياكل القائمة لجعلها تتناسب مع احتياجاتهم الاستعمارية؛ استحضروا صورة المسلم المتخلف والمنحط»[14].
هناك الكثير من الدراسات عن الإسلام التي تم إنتاجها في الفترة الاستعمارية، كان الكتّاب الأكثر تأثيراً هم العلماء والإداريين، المرتبطين ارتباطاً وثيقاً بالإدارات الاستعمارية، وقد كلّفت بريطانيا وألمانيا وهولندا وفرنسا كثيراً من المتخصصين لدراسة المجتمعات الإسلامية التي كانت تحت حكمهم. قامت هذه الدراسات بدراسة الإسلام باعتباره محوراً لمقاومة الحكم الاستعماري، في بعض الأحيان سعى العلماء من خلال هذه الكتابات إلى تبرير المشروع الاستعماري.
فعلى سبيل المثال؛ كتبت «فلوراشو»، المراسلة الاستعمارية للندن، والتي تزوجت من اللورد لوغارد، المفوض السامي الأول لمحمية نيجيريا البريطانية، قائلةً: «إن الإسلام الإفريقي قد فقد عظمته الأولية وخان مُثُلَه العليا. وعلى هذا؛ لم يعد بوسع بريطانيا أن تتجاهل مسؤوليتها التاريخية في تولي المسؤولية»[15].
على الرغم من ذلك؛ شهد السياق الاستعماري أيضاً بعض التقدم المهم في دراسة الإسلام في إفريقيا، وبدأ العلماء الأوروبيون في دراسة المصادر العربية والإسلامية بشكلٍ جدّي، وأنتجوا عدداً من الأعمال المهمة حول التاريخ الإسلامي الإفريقي واللاهوت والقانون.
وتشير التصريحات السياسية لـ«ويليام بونتي»، الحاكم العام الفرنسي في السنغال (1915-1907م)، إلى ضرورة الدراسات الاستعمارية حول المجتمعات الإسلامية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، حتى تستطيع القوى الاستعمارية التحكم فيه، حيث يقول: »يكاد يكون من المستحيل إدارة شعب إسلامي بحكمة؛ إذا لم يفهم المرء عقيدته الدينية ونظامه القضائي وتنظيمه الاجتماعي، والتي ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً وتتأثر بشدة بالقرآن والحديث النبوي. إن هذا الفهم للمجتمع الأصلي هو وحده الذي سيُمَكّن من القيام بعمل سلمي وعميق في عقول الناس»[16].
ومن الإسهامات الكبرى التي قدّمتها هذه الدراسات ما قام به «أوكتاف هوداس»، الباحث الفرنسي، الذي درس وترجم إلى الفرنسية، منذ أكثر من مائة عام، اثنين من أهم كتب تاريخ غرب إفريقيا، وهما: كتاب (تاريخ الفتاش) وكتاب (تاريخ السودان)، وقد ساعده في ذلك «موريس ديلافوس»، عالم اللغويات والإثنولوجيا الفرنسي، والذي كان أيضاً مديراً استعمارياً فرنسياً[17].
5) أواخر القرن التاسع عشر:
في أواخر القرن التاسع عشر بدأت دراسة الإسلام في إفريقيا تكتسب المزيد من الدقة الأكاديمية والاستقلال عن الأجندات الاستعمارية، وبرزت الجمعية الإفريقية، ومقرها لندن، كأحد المراكز المهتمة بالدراسات الاستكشافية في إفريقيا. و«الجمعية الإفريقية: هي الاسم المختصر لجمعية تعزيز اكتشاف الأجزاء الداخلية من قارة إفريقيا، والتي أسسها «جوزيف بانكس» ومجموعة من رعاة العلوم البريطانيين الأثرياء في عام 1788م. كان الهدف الرئيسي لهذه الجمعية هو تشجيع الرحلات الاستكشافية لاستغلال الثروات التجارية لقلب إفريقيا، وهي منطقة غير معروفة بشكل أساسي للأوروبيين خلال عصر تجارة الرقيق عبر المحيط الأطلسي»[18].
ومن الشخصيات الغربية التي كتبت عن الإسلام في تلك المرحلة:
– مونجو بارك (1771-1806م):
كان مستكشفاً إسكتلندياً رحل إلى غرب إفريقيا، وكتب كتاباً تحت عنوان (رحلات في المناطق الداخلية من إفريقيا)، فرّق مونجو بين سلوكيات المسلمين وسلوكيات القبائل الوثنية، حيث سجّل ملاحظة أساسية في كل الأماكن التي زارها، وهي وجود فارقٍ واضح بين القبائل «المحمّدية» والقبائل الوثنية في قلب إفريقيا (يصوّره في الإفراط في شرب البيرة والخمور بين الوثنيّين، واقتصار المسلمين على شرب الماء فقط).
كما وصف بلدة سيجو، وهي بلدة معظم سكانها من المسلمين، قائلاً: «منظر هذا المدينة الواسعة، والزوارق العديدة على النهر، والازدحام السكاني، والحالة المزروعة في البلاد المحيطة، شكلت في مجملها آفاقاً للحضارة والروعة التي لم أتوقع أن أجدها في حضن إفريقيا»[19].
– هاينريش بارث (1821-1865م):
مستكشف ألماني، سافر عبر غرب ووسط إفريقيا، وكتب عن الإسلام في رحلاته[20].
– هنري لوت (1909-1991م):
عالم الآثار الفرنسي، الذي قام بالتنقيب في المواقع الإسلامية في غرب إفريقيا، وكتب عن تاريخ الإسلام في المنطقة[21].
تحدى هؤلاء العلماء جانباً من التحيزات الأوروبية للأجيال السابقة، وأكدوا على تنوع وديناميكية التقاليد الإسلامية في إفريقيا، كما أدركوا أهمية فهم الإسلام في إفريقيا في سياق التاريخ والثقافة والمجتمع الإفريقي.
6) في بدايات القرن العشرين:
استمرت دراسة الإسلام في إفريقيا في التطور في بدايات القرن العشرين، حيث شهدت هذه الفترة نمو الدراسات الاستشراقية، كما شهدت اعترافاً متزايداً بتنوع الإسلام في إفريقيا، وبدأ العلماء في دراسة التقاليد الإسلامية المختلفة الموجودة في القارة.
من أمثلة هذه الكتابات ما كتبته المؤرخة البريطانية «مارجري فريدا بيرهام» (1895–1982م): في كتابها (ممر غرب إفريقيا)، الذي توثق فيه رحلتها إلى نيجيريا وتشاد والكاميرون، وتفعلها مع سكان هذه البلاد من المسلمين وغير المسلمين، وكذلك كتابها (الإدارة الأهلية في نيجيريا)، خلال هذه الكتابات اعترفت «بيرهام» بالجذور التاريخية والثقافية العميقة للإسلام في غرب إفريقيا، مشيرةً إلى دوره في تشكيل المجتمعات والأنظمة السياسية.
لكنها أيضاً لم تتسم بالموضوعية في كتاباتها بشكلٍ تام، فهي تصف إفريقيا في عام 1951م قائلةً: «كان جزء من القارة بلا عجلة أو محراث أو حيوان ناقل؛ بلا بيوت حجرية ولا ملابس؛ بدون كتابات، وبالتالي بدون تاريخ»[22].
ومن الأمثلة على كتابات هذه الفترة: ما كتبه العالم الفرنسي الكاثوليكي «لويس ماسينيون» (1883–1963م)، حيث انجذب بشكلٍ خاص إلى الصوفية، وحاول من خلال كتاباته العمل على تقريب الإسلام الصوفي للغرب، كما كان من أشد المنتقدين للسياسات الاستعمارية الفرنسية في إفريقيا، ودعا إلى مزيدٍ من الاحترام للثقافات الأصلية والتقاليد الدينية. ودافع عن الحوار والتعاون بين الأديان كطريق نحو التفاهم المتبادل والتعايش السلمي، ومن أشهر مؤلفاته: كتابه (آلام الحلاج: شهيد الإسلام الصوفي)، وكتابه (المغرب الجديد).
تعرّض ماسينيون لانتقاداتٍ من المسيحيين الكاثوليك ومن المسلمين، حيث اعتبر الكاثوليك آراءه توفيقية، لذلك قالوا عنه إنه كان: «مسلماً كاثوليكياً»، كما انتقده المسلمون لإعطائه أهمية كبيرة لشخصيات إسلامية هامشية مثل الحلاج، ولإيلاء الكثير من الاهتمام للصوفية، والقليل جداً للشريعة الإسلامية[23].
تميزت هذه الفترة أيضاً بظهور دوريات أكاديمية متخصصة في الدراسات الإفريقية، وتشتمل على دراسات حول الإسلام في إفريقيا، من أبرزها مجلة «الشؤون الإفريقية»، تأسست عام 1901م، أسستها الجمعية الملكية الإفريقية بلندن.
كما بدأ علماء من أصول إفريقية يمارسون دوراً متزايد الأهمية في هذا المجال، وقد جلبوا وجهات نظر ورؤى جديدة لدراسة الإسلام، من أمثال «إدوارد ويلموت بلايدن» (1832–1912م)، الذي رأى في الإسلام مرحلة مؤقتة ووسيطة في رحلة الإفريقي الأسود من «الوثنية» إلى المسيحية[24].
7) في منتصف القرن العشرين:
كان للحرب الباردة تأثيرٌ كبير في دراسة الإسلام في إفريقيا، حيث سعت كلٌّ من الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إلى اكتساب النفوذ في إفريقيا، وكثيراً ما استخدما الإسلام كأداة للقيام بذلك، مما أدى إلى زيادة الاهتمام بدراسة الحالة الإسلامية في إفريقيا.
كما أن برامج الدراسات الإفريقية بشكلٍ عام– ومن ضمنها دراسات الإسلام في إفريقيا– بدأت تنتشر في جامعات بوسطن، وإنديانا، ونورث وسترن، وفلوريدا، وتهدف هذه الدراسات لتأمين المصالح الأمريكية في القارة[25].
وينبغي النظر إلى هذا ضمن السياق الأوسع لدراسات المناطق، حيث كان هناك توجه كبير في الولايات المتحدة لدعم دراسات المناطق للحفاظ على الأمن والاستقرار والحيوية الاقتصادية لواشنطن.
وكان المبدأ التوجيهي وراء هذه البرامج هو: أن دراسات المناطق من شأنها أن تسفر عن المعرفة العملية التي يمكن استخدامها لوضع سياسات أفضل. وقد تبنّت مؤسسات فورد، ومؤسسة روكفلر، ومؤسسة كارنيجي، معالجة هذا العجز المعرفي والاستثمار في الدراسات الدولية، بما في ذلك الدراسات الإفريقية، وبطبيعة الحال دراسة الإسلام في إفريقيا باعتباره أحد المكونات الرئيسية التي شكّلت عدداً من هذه المجتمعات[26].
وأما في المعسكر الشرقي؛ فقد تم إنشاء المزيد من المعاهد المهتمة بالدراسات الإفريقية في الاتحاد السوفييتي السابق، لموازنة هيمنة أوروبا الغربية في هذا المجال، ومنها: قسم الدراسات الإفريقية في جامعة سانت بطرسبرغ (1944م)، ومعهد الدراسات الآسيوية والإفريقية في جامعة لومونوسوف، جامعة موسكو الحكومية (1956م)[27].
8) خلال فترة الستينيات والسبعينيات:
بعد استقلال المستعمرات الإفريقية؛ شهدت الدراسات الاستشراقية الإسلامية بإفريقيا آنذاك إنعاشاً مطّرِداً، وتميّزت بكثرة الباحثين الأكاديميّين، وباهتمامهم بمراجعة مخلّفات عصر الكولونيالية مراجعةً جادّة، تتّصف بالكثير من الموضوعية والحياد، ونبذ الأوهام التي نسجها الباحثون الأنثروبولوجيّون الأوائل.
وفي رأي الباحث «لوني»؛ فإنَّ بداية البحث الاستشراقي بإفريقيا کانت على يد «غريتْز» Clifford Greetz (1926-2006م)، في کتابه Islam Observed (1968م)، يقول: «ومن هنا؛ أخلى الأنثروبولوجيّون دراسة الإسلام، بوصفه ديناً، للمستشرقين»[28].
9) وبعد أحداث 11 سبتمبر في عام 2001م:
ازداد الاهتمام بهذا الحقل المعرفي بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، والتي دفعت باحثين غربيين كثيرين إلى الاهتمام بدراسة الإسلام والمسلمين، كما تم تخصيص منح دراسية للمهتمين بالموضوع، وتم طرح وظائف لأساتذة متخصصين في الدراسات الإسلامية، وما يرتبط بها من أفكار وتنظيمات وجماعات.
دشنت أحداث سبتمبر 2001م مرحلةً جديدة في تطور دراسات الإسلام في الغرب، سواء في دول الشرق الأوسط أو في الدول الإفريقية، مدفوعةً بخوف غير عقلاني «الإسلاموفوبيا». وانخرطت النخب في نقاش حول طبيعة الإسلام ودوره في العالم الحديث، وزادت الدراسات حول الحركات الإسلامية الإفريقية التي تنتهج العنف، في محاولةٍ لفهم جذورها وأسباب انتشارها وتبنيها لمنهج التغيير المسلح.
ملاحظات عامة حول الدراسات الغربية للإسلام في إفريقيا في المراحل التاريخية السابقة:
من خلال هذا العرض التاريخي يمكن رصد أربع محطات، أثّرت بشكلٍ رئيس في الدراسات الغربية عن الإسلام في إفريقيا:
1- التعصب الديني:
تناول المبشرون والمستكشفون المسيحيون الأوائل الإسلام من خلال عدسة معتقداتهم الدينية الخاصة، مما أدى إلى تفسيرات متحيزة للنصوص والممارسات الإسلامية. وكثيراً ما كان هذا التحيز يصوّر الإسلام في صورةٍ سلبية، ويتم تعميم الممارسات الخاطئة من بعض المسلمين على البقية، مع تسليط الضوء على التهديدات المتصورة من النفوذ الإسلامي في إفريقيا على انتشار المسيحية.
2- الاستعمار:
كان لتراث الاستعمار أيضاً تأثيرٌ عميق في دراسة الإسلام في سياقه الإفريقي، كثيراً ما استخدم المستعمرون الإسلام كأداة للسيطرة على المجتمعات الإفريقية واستغلالها أو كعدوّ يهدد مستعمراتهم، مما أدى إلى فهمٍ مشوّه للدين وممارساته. لقد عمل العديد من الباحثين الغربيين على إدامة هذه التشوهات من خلال النظر إلى الإسلام عَبر عدسة الاستعمار والإمبريالية، بدلاً من الاعتراف بدور المسلمين الأفارقة واستقلالهم الذاتي.
3- الاستشراق:
كان العلماء الغربيون ينظرون تاريخياً إلى الإسلام والمجتمعات الإسلامية على أنهم «آخرون» وغريبون، ويميلون إلى اعتبار الإسلام في إفريقيا شكلاً منحرفاً أو أدنى مستوى من الدين. وقد أدى هذا إلى التركيز على الاختلافات الملموسة بين الإسلام في إفريقيا والإسلام «السائد» الذي يمارس في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، بدلاً من التركيز على القواسم المشتركة والتنوع داخل المجتمع الإسلامي العالمي.
يقول الباحث «بانْغورا»- الذي وصف الدراسات الاستشراقية بـ«قمَّة التناقض والتخبُّط»-: إنَّ هذه الرُّؤى لها ارتباط.. «بالحالات الفردية التي تمَّ تعميمها، وبالظُّروف السياسية المتقلّبة للمجتمعات المستَعْمَرة، التي أُريد سحبها على الحقائق الإسلامية العالمية غير المتبدِّلة»[29].
4- المركزية الأوروبية:
تنعكس هذه النظرة في الطريقة التي فرض بها الباحثون الغربيون في كثيرٍ من الأحيان سياقاتهم الثقافية والتاريخية على الإسلام في إفريقيا، بدلاً من محاولة فهم الدين وممارساته في سياق المجتمعات الإفريقية. وقد أدى ذلك إلى النظر إلى الإسلام من خلال عدسة التقاليد الفكرية والثقافية الغربية، بدلاً من الاعتراف بالسياقات التاريخية والثقافية الفريدة للإسلام في القارة الإفريقية.
لكن على الرغم من تحكم هذه العوامل في الكتابات الغربية التي تناولت الإسلام، خاصةً في المرحلة المبكرة، فقد تباينت تأثيرات هذه العوامل اعتماداً على الفترة الزمنية والمنطقة والجهات الفاعلة المحددة المعنية.
المبحث الثاني: الدراسات المعاصرة عن الإسلام في إفريقيا في مراكز الفكر الغربية:
بعد أكثر من عقدين على أحداث سبتمبر، أصبحت دراسة الإسلام في إفريقيا- في وقتنا الحاضر- مجالاً حيوياً ومتنامياً، وتعمل مؤسسات الفكر والرأي الغربية المتخصصة في دراسة الإسلام في سياقه الإفريقي على لعب دورٍ حاسم في تحليل وفهم الديناميكيات المعقدة للإسلام في إفريقيا. تقوم مراكز الأبحاث هذه بإجراء الأبحاث، وتقديم التحليلات، وتقديم توصيات سياسية حول جوانبه المختلفة، بما في ذلك تطوره التاريخي، وممارساته الدينية، وتأثيره الاجتماعي، وتداعياته السياسية.
ومن خلال التركيز على هذا المجال المحدد من الدراسة؛ تحاول مؤسسات الفكر والرأي أن تساهم في فهم أعمق للمظاهر المتنوعة للإسلام في جميع أنحاء القارة الإفريقية، وتفاعلاته مع الثقافات والتقاليد المحلية والسياقات الاجتماعية والسياسية.
وتستخدم هذه المراكز والمعاهد مجموعة متنوعة من الأساليب البحثية في دراسة الإسلام في إفريقيا، بما في ذلك:
– البحث التاريخي.
– البحث الأنثروبولوجي.
– البحث الاجتماعي.
– البحث السياسي.
- ومن أبرز مراكز التفكير الغربية الرائدة، التي تركز على دراسة الإسلام في إفريقيا، بشكل مستقل أو ضمن الدراسات الإفريقية عامة، ما يأتي:
1- مركز سياسة الشرق الأوسط التابع لمعهد بروكينغز:
يُجري المركز أبحاثاً مكثفة حول الحركات الإسلامية والإسلام السياسي في إفريقيا، ويلقي الضوء على الأبعاد الأيديولوجية والاجتماعية والسياسية للإسلام في المنطقة. ومن خلال منشوراتها وفعالياتها وتحليلات الخبراء؛ تقدّم المؤسسة رؤى منوّعة حول دور الإسلام في المجتمعات الإفريقية وآثاره على الحكم والأمن والتنمية[30].
2- مجلس العلاقات الخارجية CFR (برنامج إفريقيا):
يركز برنامج إفريقيا التابع لمجلس العلاقات الخارجية على مجموعة واسعة من القضايا المتعلقة بإفريقيا، بما في ذلك دراسة الإسلام في القارة. ويدرس التفاعل بين الدين والسياسة في البلدان الإفريقية التي تضم عدداً كبيراً من السكان المسلمين، ويتناول موضوعاتٍ مثل: الحرية الدينية والتطرف وتأثير المؤسسات الإسلامية على الحكم والمجتمع[31].
3- مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد:
ركزت الدراسات التي أُجريت في مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة هارفارد على جوانب متنوعة من الإسلام في إفريقيا، بما في ذلك تطوره التاريخي، ومظاهره الثقافية، وممارساته الدينية، وتفاعلاته مع التقاليد الدينية الأخرى في القارة الإفريقية. وقد بحث الباحثون في المركز في طبيعة النظم العقائدية الإسلامية وتكيفها مع السياق الإفريقي، وسلطوا الضوء على الطبيعة المتعددة الأوجه للإسلام في إفريقيا[32].
4- مركز الدراسات الإفريقية بجامعة كاليفورنيا، بيركلي:
يقدّم المركز مجموعة متنوعة من الدورات والموارد لدراسة الإسلام في سياقه الإفريقي، بما في ذلك المحاضرات وورش العمل وفرص البحث، ويُعدّ المركز مصدراً للمهتمين بدراسة الإسلام في إفريقيا وتراثه الثقافي والديني[33].
5- معهد الدراسات الإفريقية بجامعة كولومبيا:
شارك معهد الدراسات الإفريقية بجامعة كولومبيا في العديد من المبادرات والمشاريع البحثية المتعلقة بالإسلام في إفريقيا. وقد شملت هذه المساعي مناهج متعددة التخصصات، مستمدة من مجالات مثل التاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والدراسات الدينية والعلوم السياسية. ومن خلال هذه المشاريع درس الباحثون الانتشار التاريخي للإسلام في إفريقيا، ودور المؤسسات الإسلامية في المجتمعات المحلية، وتأثير الصوفية، وديناميكيات النهضة الإسلامية في إفريقيا المعاصرة.
بالإضافة إلى الأنشطة البحثية؛ يقدّم المعهد برامج ودورات أكاديمية توفر للطلاب فرصاً للمشاركة في دراسة الإسلام في إفريقيا، غالباً ما تتضمن هذه البرامج العمل الميداني والتدريب اللغوي والندوات التي تركز على موضوعات محددة ضمن الدراسات الإسلامية الإفريقية، حيث يتمتع الطلاب بفرصة استكشاف المصادر الأولية وإجراء أبحاث مستقلة، واكتساب فهم دقيق للتعقيدات الكامنة في دراسة الإسلام في إفريقيا[34].
6- مركز الدراسات الإفريقية بجامعة أكسفورد:
من أشهر مراكز الدراسات التي اهتمت بعمل أبحاث مكثفة حول جوانب مختلفة من الثقافة والتاريخ والدين الإفريقي، بما في ذلك الإسلام في إفريقيا. وتشمل دراسة الإسلام في سياقه الإفريقي في مركز الدراسات الإفريقية مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك التطور التاريخي للإسلام في إفريقيا، وتأثيره الثقافي والاجتماعي، والممارسات الدينية، والتفاعل بين الإسلام والأنظمة العقائدية الأخرى في القارة[35].
7- مركز دراسات الإسلام والمجتمعات الإسلامية بجامعة إدنبرة:
بالإضافة إلى الدراسات التاريخية والثقافية التي يقدمها المركز عن الإسلام في إفريقيا؛ فقد انخرط في القضايا المعاصرة التي تواجه المجتمعات الإسلامية الإفريقية، ويشمل ذلك البحث في السلطة الدينية، وديناميكيات النوع الاجتماعي، والعلاقات بين الأديان، والاستجابات للتحديات العالمية مثل التحديث والعولمة. وتُقدّم نتائج هذه الدراسات لصناع السياسات، ومنظمات المجتمع المدني، والوكالات الدولية العاملة في المناطق الإفريقية التي تضم عدداً كبيراً من السكان المسلمين[36].
سنحاول خلال هذه الدراسة تناول واحداً من المراكز المتخصصة في دراسة الإسلام في إفريقيا، وهو «معهد دراسة الفكر الإسلامي في إفريقيا» Institute For The Study Of Islamic Thought In Africa: ISITA، التابع لجامعة «نورث وسترن» الأمريكية[37]، حيث سنسلط الضوء على المعهد وأهدافه ومخرجاته، كأحد النماذج الغربية لدراسة دور الدين الإسلامي في إفريقيا.
المبحث الثالث: معهد دراسة الفكر الإسلامي في إفريقيا ISITA.. نموذجاً:
1) تعريف بالمعهد:
يُعدّ معهد ISITA من أوائل مراكز الأبحاث في أمريكا الشمالية المخصص لدراسة الإسلام في إفريقيا، والتابع لجامعة نورث وسترن الأمريكية العريقة التي أُسّست عام 1851م في إيفانستون بولاية إلينوي، حيث إنها مدرجة على لائحة أفضل 25 جامعة في العالم بحسب تصنيف مجلة تايمز لجامعات العالم للتعليم العالي، وعلى المرتبة الثانية عشرة في الولايات المتحدة بحسب تقرير «يو إس نيوز» و«وورلد ريبورت».
أسَّس معهد دراسة الفكر الإسلامي في إفريقيا كلٌّ من: «جون أو. هونويك»، أستاذ التاريخ والأديان بجامعة نورث وسترن، و«ريكس سيان أوفاهي»، من جامعة بيرجن Bergen، واعتمدَا على جهودهما المهنية الطويلة لتوثيق ودراسة التراث الفكري الإسلامي في إفريقيا، وكذلك على تقاليد جامعة نورث وسترن العريقة المتمثلة في التميز في هذا المجال.
وعلى الرغم من أن المعهد حديث النشأة نسبياً، حيث أُسّس في عام 2000م، فإنه يتميز بتخصصه الدقيق المتعلق بتتبع الإسلام في إفريقيا وكل ما يتعلق به من الناحية الأكاديمية، وقد أُنشئ بمنحة ورعاية من مؤسسة فورد الأمريكية العريقة، وكان من الأهداف الرئيسية للمعهد هو: توثيق ودراسة تقاليد الفكر الإسلامي في إفريقيا. ويعتمد المعهد، إلى جانب الخبرات الطويلة لمؤسّسيه، على مكتبة للدراسات الإفريقية تحتوي على الكثير من المخطوطات العربية من غرب إفريقيا[38]، بما يجعل جامعة نورث وسترن واحدة من أهم محطات البحث والتدريس والتدريب فيما يتعلق بدراسة الإسلام في إفريقيا.
ويركز المعهد على دراسة الإسلام في إفريقيا كدين سماوي، وكذلك كنظام فكري واعتقادي، والذي لم يسلط عليه الضوء بدرجة كافية بالمقارنة إلى الأبحاث المعمّقة في تاريخ وسوسيولوجيا السياسات الإسلامية في إفريقيا أو الحركات الإسلامية في القارة.
ومن الأهداف الرئيسية لإنشاء المعهد هو: التحفيز على التوسع في الحقل الأكاديمي المتخصص في الإسلام في إفريقيا، وهو حقل لم يُدرس بصورة كافية، سواء من جانب الدراسات الإفريقية أو حتى الدراسات الإسلامية، في الغرب على الأقل، وكذلك يهدف إلى تشجيع استخدام الكم المهول من المصادر والمخطوطات الإسلامية التي لم تُدرس حتى الآن بصورة كافية، لكي يتم إدماجها في أدبيات تحليل العلاقة بين تاريخ الإسلام والقارة الإفريقية.
وكانت الخطة الرئيسة لمنحة مؤسسة فورد هي تمويل عدة برامج لمدة أربع سنوات فقط، تتضمن مؤتمرات ومنشورات، وإيفاد باحثين زائرين لرعاية عملية التعاون العلمي بشأن الفكر الإسلامي والإبداع الروحاني في إفريقيا، من خلال استكشاف عدد من الموضوعات، من بينها: نشر التعليم الإسلامي في إفريقيا، دراسة استجابة المسلمين الأفارقة للدولة الكولونيالية (الاستعمارية) في إفريقيا، الحوار الإسلامي المسيحي في إفريقيا، والإسلام ودراسات النوع (الجندر).
وقد تعاقب على قيادة المعهد أجيال مختلفة من الباحثين والعلماء، فقد انتقلت قيادة ISITA إلى جيل جديد من العلماء بعد تقاعد هونويك، حيث أدار «محمد ساني عمر» معهد ISITA في الفترة من 2007م إلى 2013م، وعمل بشكلٍ وثيق مع أعضاء هيئة التدريس «روديجر سيسمان» (الدراسات الدينية)، و«رودولف وير» (التاريخ). وقد عمل «محمد ساني عمر» على سدّ الفجوة بين المنح الدراسية المنتجة في إفريقيا وتلك المنتجة في الأوساط الأكاديمية الغربية، وقد تعاون مع مطبعة جامعة نورث وسترن للحصول على منحة من مؤسسة ميلون التي أطلقت «مجلة إفريقيا الإسلامية»- وهي المجلة الوحيدة باللغة الإنجليزية المخصصة لهذا المجال، وموّلت زمالات مراجعة أطروحات ما بعد الدكتوراه للباحثين الأفارقة.
حصل «سيسمان» و«وير» و«عمر» على دعمٍ جديد ومستمر من مؤسسة فورد لمشروع بعنوان «تشكيل هيئات المعرفة الإسلامية»، الذي استكشف كيف يُشكّل المسلمون الأفارقة بنشاط الحياة الدينية من خلال التفاعل مع هيئات المعرفة الدينية، بدءاً من المخطوطات التاريخية إلى المواد المعاصرة الشعبية. وبين عامي 2005م و2011م؛ قام «سيسمان» و«وير» و«عمر» ومعاونوهم بمسح المكتبات الإسلامية الخاصة في السنغال، وقاموا بتجميع نصوصٍ توثق ردود أفعال المسلمين تجاه فرض الحكم الاستعماري في غرب إفريقيا. وبعد ذلك تبادلوا نتائج الأبحاث في ورش عمل متعددة في إفريقيا، والتي يمكن الاطلاع على مخرجاتها بقراءة الكتاب الذي نشره المعهد بعنوان «الهيئات التأسيسية للمعرفة الإسلامية»[39].
واصلت مؤسسة فورد دعم الأعمال المرجعية التأسيسية التي بدأها «هونويك» و«أوفاهي»، حيث قاد المتخصص «تشارلز ستيوارت»، أستاذ التاريخ الفخري بجامعة إلينوي في أوروبانا شامبين، عملية تجميع وتحرير المجلد الخامس من سلسلة الأدب العربي الإفريقي، كتابات موريتانيا والصحراء الغربية، الصادرة عام 2015م. ويجري حالياً إعداد مجلد إضافي في السلسلة، بقيادة «روديجر سيسمان»، الذي يوثق الإنتاج العلمي الغزير للطريقة التيجانية، إحدى الطرق الصوفية الأكثر أهمية في إفريقيا.
ومنذ أكتوبر 2017م؛ يقود المعهد الأستاذ المشارك في العلوم السياسية دكتور زكريا أحمد سالم[40]، والذي قام بعدة مبادرات أكاديمية وبحثية.
2) نشاطات المعهد:
يقوم المعهد بإنتاج سلسلة واسعة من النشاطات الأكاديمية الخاصة بالإسلام في إفريقيا، مثل الندوات والإصدارات والمحاضرات والمؤتمرات والورش، من بينها قراءة وبحث المخطوطات، بالتعاون مع معاهد المخطوطات الإفريقية وبعض الجامعات الغربية، مثل جامعة هامبورج الألمانية. كما يقدّم المعهد عروض كتب جديدة بشأن الإسلام في إفريقيا، ويفتح الباب للنقاش بين الدارسين والطلاب والباحثين والأكاديميين، بالإضافة إلى المؤتمرات الدورية التي تجلب مختلف الباحثين من حول العالم لتبادل الخبرات والأفكار بشأن الإسلام في إفريقيا في الماضي والحاضر.
كما يقوم المعهد بتقديم منح للباحثين الشباب في مجال الإسلام في إفريقيا، وتوفير فرص الوصول إلى المخطوطات الإفريقية النادرة، سواء في الجامعة أو بالتعاون مع الجامعات والمراكز البحثية في القارة الإفريقية.
ويتراوح الإنتاج الأكاديمي والنشر بين موضوعات تتمحور حول الكتابات العربية عن إفريقيا جنوب الصحراء، بالإضافة إلى الكتب والأوراق العلمية التي تُنشر بمبادرة من المعهد أو مخرجات المؤتمرات والنشاطات الأخرى، كما ينشر المعهد كذلك دورية أكاديمية محكّمة متعددة التخصصات بإشراف جامعة نورث وسترن.
أ- المخطوطات الإسلامية:
يقوم المعهد بعدة نشاطات أكاديمية بحثية متخصصة في دراسة المخطوطات الإسلامية في إفريقيا، حيث تُعدّ اللغة العربية ركناً ركيناً من الثقافة الإفريقية، فهي لغة القرآن ولغة الشريعة. وبينما يركز معظم الاهتمام الدولي في العقود القليلة الماضية على مخطوطات تمبكتو، إلا أن ذلك الموقع يُعدّ واحداً فقط ضمن الكثير من المناطق التي عُثر فيها على المخطوطات العربية في القارة، والتي تمتلئ بها دور المخطوطات الغربية، ولا تزال بحاجةٍ إلى دراسة وتدقيق.
ويقوم المعهد بعمل إطار مرجعي لتفسير وترجمة المخطوطات العربية في إفريقيا ودراسة سياقاتها ومحتواها ومعناها، بما يعزز العمل على نشرها للعالم، وتوثيقها، وجعلها أكثر إتاحةً للباحثين عن طريق عمل مراجع وقوائم لرصدها وتنظيمها وترجمتها. كما يقدّم المعهد دورات للباحثين وأمناء المكتبات الأمريكيين والأجانب لأرشفة وتنظيم المخطوطات.
ويقدّم المعهد ورش عمل تدريبية حول كيفية التعامل مع المخطوطات ذات الكتابة العربية الإفريقية، وهذه الورش ذات أهداف مزدوجة، تتمثل في زيادة فهم الأمريكيين لثقافة المخطوطات الغنية في إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، مع دعمٍ أيضاً لجهود أمناء المخطوطات الأفارقة في الحفاظ على المخطوطات.
كما تُنظّم ورشٌ للتدريب على ترجمة وتحرير المواد النصية من القارة الإفريقية المكتوبة باللغتين العربية والأعجمية، بهدف نشر مختارات منها، ويرافق كلَّ نصٍ منشور شروحٌ ومقدمات مختصرة للسياق التاريخي الذي أدى إلى إنتاج هذه الأعمال.
ب- الدراسات والبحوث:
ومن ضمن مخرجات المعهد تشجيع التأليف والبحث في المجالات المتعلقة بالإسلام في إفريقيا، حيث قام المعهد بنشر كتب مثل: «جهاد القلم: جهود علماء الصوفية في إفريقيا في الترجمة»، و«الصوفية والإنتاج الأدبي والطباعة في القرن التاسع عشر في إفريقيا»، و«المسلمون في السياسة الكينية: المشاركة السياسية والتهميش ووضع الأقلية»، و«النوع الاجتماعي والإسلام في إفريقيا: الحقوق والجنس والقانون»، و«الحوارات الإسلامية المسيحية في إفريقيا»، و«نشر التعلم في إفريقيا الإسلامية»، بالإضافة إلى عددٍ من الأبحاث والأوراق العلمية، من بينها على سبيل المثال: «إفريقيا والعولمة والعالم الإسلامي»، ويتضمن أوراقاً من مؤتمر 2019م، الذي نظمته الجمعية الإسلامية الدولية للصناعات والتجارة برعاية ISITA ومدرسة هارفارد للعلوم اللاهوتية، تحت عنوان «إفريقيا والعولمة والعالم الإسلامي»[41].
ج- دورية محكّمة:
كما ينشر المعهد دورية أكاديمية محكّمة بعنوان «إفريقيا الإسلامية» Islamic Africa، وهي دورية علمية محكّمة متعددة التخصصات، أطلقها «محمد ساني عمر» في جامعة نورث وسترن في عام 2009م، كانت المجلة عبارة عن مشروع نشر تعاوني بين برنامج الدراسات الإفريقية ومطبعة جامعة نورث وسترن التي أنشأتها مؤسسة ميلون، وقد تولت دار نشر بريل الأكاديمية (ليدن) نشر مجلة «إفريقيا الإسلامية» في عام 2015م.
وتنشر المجلة أبحاثاً تتعلق بالإسلام في إفريقيا من العلوم الاجتماعية والإنسانية، بالإضافة إلى المواد الأولية والمقالات التعليقية المتعلقة بالدراسات الإسلامية في إفريقيا[42]. وتهتم المجلة بالعديد من الموضوعات الخاصة بالأقليات المسلمة في إفريقيا، مثل الأقلية الشيعية والأقلية الأحمدية، وقد تناولت المجلة هذه الأقليات في عدد من الملفات. كما تهتم المجلة بموضوعات الحركات الإسلامية، والمخطوطات العربية الإسلامية، وموضوعات التاريخ الإسلامي في إفريقيا، وموضوعات النوع الاجتماعي، وقوانين الأسرة المسلمة، والعلاقات الإسلامية مع غير المسلمين، والمشاركة الإسلامية في المجال العام.
د- أوراق العمل:
كما يقوم المعهد بإصدار عدد من أوراق العمل من خلال معالجة إحدى قضايا الإسلام في القارة الإفريقية بشكل متكامل، بحيث يوصّل للقارئ المفاهيم والمعاني والأفكار الأساسية المتصلة بالموضوع.
من نماذج أوراق العمل التي أصدرها المعهد: ورقة بعنوان «الدول والصراع والإسلام: إعادة النظر في الجهاد في منطقة نهر غامبيا: 1850-1900م»، وورقة بعنوان «مقدمة للحركات الإسلامية وأنماط التفكير في نيجيريا»، وورقة «دليل عن أزمة مالي في الفترة 2012-2013م»، وورقة «الإسلام والمجال العام في إفريقيا: التغلب على الانقسامات»، وورقة بعنوان «المسلمون والسياسة الحزبية والحملات الانتخابية في كينيا»، وأخرى بعنوان «الحجاب في نيجيريا، جسد المرأة والخطاب النسوي الخاص والعام»، وورقة بعنوان «الإسلام والساحة السياسية في نيجيريا: العلماء وانتخابات 2007م»، وورقة «لماذا يُعتبر الإسلام المتشدد ظاهرة ضعيفة في السنغال؟»، وورقة بعنوان «العلمانية في السنغال: مواجهة تحدي الواقع المحلي»، وورقة «العلمانية والتعليم الديني وحقوق الإنسان في السنغال»، وورقة «الدين والمجال العام في السنغال: تطور مشروع الحداثة».
هـ- المؤتمرات:
وقد عقد المعهد عدة مؤتمرات، تتعلق بالتطورات في إفريقيا وعلاقتها بالفكر الإسلامي، وكذلك بالثقافة الإسلامية والخط الإسلامي والزخرفة الإسلامية، كما عقد مؤتمراً عن إفريقيا والعولمة والعالم الإسلامي، كما تطرق كذلك إلى الأدب الصوفي «التيجاني»، كما عقد المعهد مؤتمراً بالمشاركة مع جامعة هارفارد عن الأفكار الإسلامية وانتشارها في إفريقيا، وكذلك الهويات الإفريقية المسلمة في السياق العالمي، وكذلك مؤتمر مستقبل الصحراء: الهجرات والهويات والاقتصادات.
و- الندوات:
نظّم المعهد عدداً من الندوات حول الحالة الإسلامية في إفريقيا، ويقوم نظام الندوة على استضافة متخصصين، خاصةً في القضايا الإسلامية في إفريقيا، في جامعة نورث وسترن، مرّةً واحدة على الأقل كل ثلاثة أشهر، للحوار فيما بينهم ومع الجمهور، حول كتبهم ومؤلفاتهم المنشورة، وتضم كل ندوة مؤلفين ومناقشاً من نورث وسترن.
ومن أهم الندوات التي عُقدت: ندوة تحت عنوان «إعادة النظر في الانقسام بين الصوفية والإصلاحيين»، وندوة «تثقيف الشباب المسلم في آسيا وإفريقيا»، وندوة «الجهاد وأعداؤه: وجهات نظر جديدة من غرب إفريقيا»، وندوة «سياسة الشريعة في نيجيريا المعاصرة».
ز- سلسلة الأدب:
كما ينشر المعهد دورية «سلسلة الأدب العربي في إفريقيا»، والتي تحاول أن تفكك وتحلل الكتابات العربية في إفريقيا جنوب الصحراء، كما تجعل التراث الفكري الإسلامي في إفريقيا أكثر سهولةً للباحثين والأكاديميين الدارسين للإسلام في إفريقيا جنوب الصحراء. وتراوحت السلسلة ما بين كتابات شرق إفريقيا السودانية حتى القرن الثامن عشر، وكتابات إفريقيا الوسطى السودانية، وتأثيرها على الثقافات المحلية في منطقة شرق القارة السمراء، بالإضافة إلى كتابات الشعوب الإسلامية في شمال شرق إفريقيا، وكتابات إفريقيا الغربية السودانية، وكتابات موريتانيا والصحراء الغربية[43].
ح- مبادرة فنون الإسلام في إفريقيا AIA:
أطلق المعهد مبادرة «فنون الإسلام في إفريقيا AIA»، وهي مبادرة جديدة متعددة التخصصات، من شأنها فحص وزيادة الوعي بالتقاليد الفنية التي تُعدّ من بين الجوانب الأكثر عمقاً، والتي يمكن الوصول إليها بشكل ملحوظ في التراث الإسلامي الإفريقي.
وتتنوع أنشطة ودراسات المبادرة من الخط إلى الملابس، ومن الموسيقى إلى عمارة المساجد، ومن الشعر إلى الفخار، والرسم، والنسيج. تجسّد هذه الفنون وتجمع ما بين علوم الكون الإسلامية الإفريقية، والعلوم، والميتافيزيقا، والأساطير، والثقافات المادية، والأخلاق، والتاريخ، وغير ذلك. وتحاول المبادرة التعرف على فهمٍ أعمق للتاريخ والسياسة والاقتصاد الاجتماعي، والقيم، ووجهات النظر العالمية، والتجارب الشخصية، وفلسفات الفنانين ومجتمعاتهم وتقاليدهم.
ملاحظات حول معهد دراسة الفكر الإسلامي في إفريقيا ISITA:
يعكس المعهد تطوراً ونمواً في حقل دراسات الإسلام في إفريقيا إذا تمّت مقارنته بالمراحل السابقة لهذا الحقل المعرفي، وإن كان المعهد وقع في أخطاء معظم مراكز الفكر الغربي المهتمة بالدراسات الإفريقية، حيث يهيمن غير الأفارقة على هذه الدراسات، فمؤسسو المعهد وعدد غير قليل من باحثيه ومستشاريه ليسوا أفارقة، حتى العلماء الأفارقة الذين يدرسون القارة يدرسونها من وجهات نظر مختلفة، لذلك من الضروري أن يتم الارتكاز في التنظير للدراسات الإفريقية على نظرية المعرفة الإفريقية الأصلية، لذلك نجد في بعض دراسات المعهد قضايا ومواضيع تهمّ النخب الغربية في الأساس، مثل قضايا النوع الاجتماعي (الجندر).
لكن في المقابل؛ هذا لا يمنع من الدور المهم الذي يقوم به المعهد، فيُحسب له اهتمامه المتنوع بعلاقة الإسلام بالقارة الإفريقية، ولاسيما على النطاق الثقافي، حيث يرصد علاقة الدين وأنماط التدين بالواقع الثقافي الإفريقي، وعلاقة الحركات الإسلامية بالمجال العام ونشاطاتها وأثرها في المجتمع، وكذلك يدرس المعهد وضع المسلمين في بعض البلدان ومشاركاتهم السياسية ومدى تهميشهم ووضعهم كأقليات في بعضها الآخر، كما يولي المعهد اهتماماً بالحوارات الإسلامية المسيحية في إفريقيا، والتي تُعدّ مهمةً للغاية في نزع فتيل الأزمات وتعمل على التعايش والتسامح الديني، وعلاقة ذلك بالسياسيات الداخلية في البلدان الإفريقية، كما يدرس المعهد علاقة الإسلام بالعملية التعليمية في إفريقيا، وانعكاسات ذلك على الوعي العام وعلى الهويات الوطنية وعلى الاستقرار الاجتماعي في بلدان إفريقيا جنوب الصحراء.
كما يولي المعهد أهميةً لقضايا العولمة، وكل ما تأتي به من تحولات على السياقات الاجتماعية والدينية، ويدرس الأرشيف الإسلامي في إفريقيا المليء بالوثائق والمخطوطات، من أجل دراسة جذور التدين وانعكاساته على الواقع المعاصر، كما يدرس العلاقة المهمة بين العلماء المسلمين والدولة في إفريقيا، بالإضافة إلى أثر اللغة والأدب والكتابات السودانية في مختلف مناطق وسط إفريقيا ومنطقة الساحل، وأنماط تعامل المسلمين الأفارقة مع قوى الاستعمار بمختلف أدواتها.
كما قدّم المعهد أوراق عمل تتعلق بالأحداث الجارية، مثل النشاط الجهادي في منطقة نهر غامبيا من وجهة نظر تاريخية، وكذلك دراسة الحركات الإسلامية في نيجيريا وأنماط تفكيرها، وكذلك معظم الأحداث الجارية، والتي تراوحت ما بين مشكلات الساحل والإسلام في نيجريا، والمسلمون والسياسات الحزبية في كينيا، وغيرها من الموضوعات المهمة المتعلقة بالفكر الإسلامي في إفريقيا وعلاقته بالمجال العام.
خاتمة:
من خلال هذا العرض للدراسات الغربية حول الإسلام في إفريقيا؛ نؤكد أن صورة إفريقيا المسلمة في الدراسات الغربية قضية معقدة ومتعددة الأوجه، تشكلت بفعل عوامل تاريخية وسياسية وثقافية.
كما يمكننا تأكيد تطوُّر النظرة الغربية للإسلام في إفريقيا، وأنها تحولت بالتدريج وعبر عقود طويلة من الصورة النمطية الاستشراقية المتحيزة إلى مناهج أكثر دقةً وتنوعاً، وإن كانت ما تزال تعاني من الخلل والقصور، الذي يحتاج لجهود أبناء القارة لتصحيحه وتشكيل فهم صحيح وموضوعي لعقيدتهم ومكانتها في النسيج الثقافي للقارة.
كما ندعو من خلال هذه الورقة إلى ضرورة أن يتولى أبناء القارة من الباحثين والدارسين هذه الدراسات؛ لأنهم الأقدر على فهم السياقات الاجتماعية والفكرية والثقافية في المجتمعات الإفريقية.
………………………….
[1] Think Tank, Cambridge dictionary, at:
https://dictionary.cambridge.org/dictionary/english/think-tank
[2] دور مراكز الفكر الاستراتيجي “Tank Think” في صنع القرار في السياسة الخارجية الإسرائيلية- المركز المتعدد الاتجاهات بھرتسیلیا أنموذجاً، أمير محمد الأمين، جامعة محمد بوضیاف – المسیلة، ص (29-31).
[3] المرجع السابق، ص32.
[4] Marco Polo on Islam – by: Muhammad Arrabi, at:
https://medium.com/@arrabi/marco-polo-on-islam-54c17f31aba8
[5] The Travelogues of Marco Polo and Sir John Mandeville: The Muslim Other and Islam in Medieval Literature- Hana Mowafy, p.13.
[6] ألفيس كداموستو: كان مستكشفاً وتاجر عبيد من مدينة البندقية، تم تعيينه من قبل الأمير البرتغالي هنري الملاح، وقام برحلتين معروفتين إلى غرب إفريقيا في عامي 1455م و1456م، برفقة الجنوي الكابتن أنطونيو أوسوديمار، يُنسب إلى كاداموستو ورفاقه اكتشاف جزر الرأس الأخضر والنقاط الواقعة على طول غينيا.
[7] جوميز إيانيس دي زورارا: مستكشف ومؤرخ برتغالي، في عام 1453م، كتب تاريخ اكتشاف غينيا وغزوها.
[8] Crespo e Nuu e Negro: Gomes Eanes de Zurara and the Racialization of Non-Christians by Portuguese Authors Marcelo E. Fuentes University of Minnesota–Twin Cities, p.21.
[9] The First Globalization: Portugal, the Age of Exploration, and Engaging the “Other” in the Fifteenth and Sixteenth Centuries- Peter Ellerkamp, p.13.
[10] انظر:
[11] يمكن الاطلاع على الكتاب على الرابط:
https://ia600209.us.archive.org/9/items/chronicadofelici00gi/chronicadofelici00gi.pdf
[12] ISLAM AND THE EUROPEAN EMPIRES. DAVID MOTADEL, The Historical Journal/ Volume 55/ Issue 03/ September 2012, p.832.
[13] Colonialism and Islam: German and British Rule in West Africa, (1900-1914), Sebastian Gottschalk, https://trafo.hypotheses.org/18972
[14] Ibid.
[15] AFRICAN AND BLACK ORIENTALISM – In: New Dictionary of the History of Ideas p.1678.
[16] Ibid.
[17] Ibid.
[18] The tropics and the rise of the British Empire: Mungo Park’s perspective on Africa in the late eighteenth century – by Larissa Viana, p.8.
[19] المرجع السابق، ص11.
[20] هاينريش بارث: مستكشف وباحث ألماني معروف برحلاته المكثفة عبر غرب ووسط إفريقيا خلال القرن التاسع عشر. ساهمت استكشافاته وكتاباته بشكل كبير في الفهم الأوروبي للقارة الإفريقية، وخاصةً في مجالات الجغرافيا والإثنوغرافيا والثقافة الإسلامية. في عام 1849م، انضم بارث إلى رحلة استكشافية رعتها الحكومة البريطانية لاستكشاف ورسم خرائط للمناطق المجهولة في إفريقيا، أخذته رحلته عبر مناطق أصبحت الآن جزءاً من دول مثل نيجيريا والكاميرون وتشاد والنيجر والسودان. خلال رحلاته؛ وثق بارث بدقة ملاحظاته عن الثقافات واللغات والتقاليد المتنوعة للشعوب الإفريقية التي التقى بها، كما أبدى اهتماماً خاصاً بالإسلام وتأثيره في المناطق التي زارها، قدمت كتاباته عن الإسلام في إفريقيا رؤى قيمة حول انتشار الدين وممارسته في سياق العادات والمعتقدات المحلية. انظر:
وانظر:
https://library.princeton.edu/visual_materials/maps/websites/africa/barth/barth.html
[21] هنري لوت: عالم آثار فرنسي بارز معروف بعمله المكثف في التنقيب في المواقع الإسلامية في غرب إفريقيا وبمساهماته العلمية في تاريخ الإسلام في المنطقة. أثرت أبحاثه وكتاباته في فهم انتشار وتأثير الإسلام في غرب إفريقيا، وتسليط الضوء على أبعاده التاريخية والثقافية والأثرية، وكانت الحفريات الأثرية التي قام بها لوت في غرب إفريقيا مفيدة في الكشف عن رؤى قيمة حول الوجود الإسلامي في المنطقة، لقد وفر عمله الميداني الدقيق والتحليل العلمي فهماً أعمق للثقافة المادية والهندسة المعمارية والديناميات المجتمعية المرتبطة بالمجتمعات الإسلامية في غرب إفريقيا. انظر:
https://en.m.wikipedia.org/wiki/Henri_Lhote
[22] The sophisticated Islamic civilisations of Western Sub-Saharan Africa between the 13th and 19th centuries – by: Dr Abdul-Samad Abdullah, https://melbourneasiareview.edu.au/the-sophisticated-islamic-civilisations-of-western-sub-saharan-africa-between-the-13th-and-19th-centuries/
[23] Histoire positive et histoire sacrée autour de la pensée de Louis Massignon- by Dominique Avon, https://journals.openedition.org/cerri/1603?lang=fr
وانظر:
– Louis Massignon’s influence on the teaching of Vatican II on Muslims and Islam – by Christian S. Krokus, at: https://www.researchgate.net/publication/241719996_Louis_Massignon’s_influence_on_the_teaching_of_Vatican_II_on_Muslims_and_Islam
[24] AFRICAN AND BLACK ORIENTALISM. op. cit.
[25] viewing Studies on Africa – Black Lives Matter, and Envisioning the Future of African Studies – Akosua Adomako Ampofo, p.13.
[26] المرجع السابق.
[27] المرجع السابق، ص14.
[28] رصد تأثير الإسلام في الثقافة الإفريقية عند الباحثين الـمستفرقين والمستشرقين.. دراسة لأهدافه وأبرز مخرجاته، د. آدم بمبا، العدد 39، مجلة قراءات إفريقية.
[29] رصد تأثير الإسلام في الثقافة الإفريقية عند الباحثين الـمستفرقين…، مرجع سابق.
[30] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
https://www.brookings.edu/centers/center-for-middle-east-policy/
[31] يمكن الاطلاع على المجلس وبرنامج إفريقيا من خلال الرابط الآتي:
https://www.cfr.org/programs/africa-program
[32] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
https://cmes.fas.harvard.edu/home
[33] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
[34] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
[35] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
https://podcasts.ox.ac.uk/units/centre-african-studies
[36] يمكن الاطلاع على المركز وبرامجه من خلال الرابط الآتي:
https://www.ed.ac.uk/literatures-languages-cultures/islamic-middle-eastern
[37] يمكن الاطلاع على المعهد على الرابط الآتي:
https://isita.northwestern.edu/
[38] موقع المكتبة يمكن الوصول إليه على الرابط الآتي:
http://libguides.northwestern.edu/arabic-manuscripts.
[39] يمكن الاطلاع على المكتبة ومخرجات المعهد على الرابط الآتي:
https://isita.northwestern.edu/publications/index.html
[40] الدكتور زكريا أحمد سالم: حصل على الدكتوراه من جامعة ليون الفرنسية، ويعمل أستاذاً للعلوم السياسية بجامعة نورث وسترن، ويبحث في العلاقة الشائكة ما بين الدين والسياسة، وبخاصة التداخل بين الدولة والسلطة الدينية، وما بين الهوية السياسية والمعرفة الإسلامية والسلطة السياسية في المجتمعات الإفريقية المعاصرة. وقبل أن يأتي إلى جامعة نورث وسترن كان يعمل مدرساً للعلوم السياسية والدراسات الإفريقية لما يقرب من العقدين في جامعة نواكشوط الموريتانية.
[41] يمكن الاطلاع على نماذج من منشورات المعهد، وكذلك يمكن تحميل بعض الدراسات، على الرابط الآتي:
https://isita.northwestern.edu/publications/from-isita-initiatives.html.
[42] يمكن الوصول إلى المجلة عبر الرابط الآتي:
https://brill.com/view/journals/iafr/iafr-overview.xml
[43] يمكن الاطلاع على أعمال السلسلة على الرابط الآتي:
https://isita.northwestern.edu/publications/ala-series.html.
المصدر: العدد التاسع والخمسون من مجلة “قراءات إفريقية” (يناير- 2024م)











































