أطلق الرئيس الكونغولي السابق جوزيف كابيلا تحالفًا سياسيًا عسكريًا جديدًا تحت اسم “الجبهة من أجل إعادة تأسيس الأمة” (FRN)، ليتولى قيادة تشكيل يخلف تحالف نهر الكونغو (AFC) وحركة 23 مارس (M23)، اللذين يقاتلان القوات الحكومية في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.
وتمنح الخطوة كابيلا دورًا مباشرًا في التمرد، بعد اتهامات متكررة من السلطات الكونغولية بدعمه، وهي اتهامات كان ينفيها سابقًا.
وأثار تشكيل الجبهة الجديدة ردود فعل سياسية متباينة في كينشاسا، شملت شخصيات سبق أن عملت مع كابيلا قبل أن تنضم إلى المعسكر الداعم للرئيس الحالي فيليكس تشيسكيدي.
وبينما يقدم قادة الجبهة تحركهم باعتباره مسعى لتحرير البلاد وإعادة تأسيس الدولة، يتهمهم خصومهم بتوسيع نطاق الصراع المسلح والسعي إلى تغيير السلطة بالقوة.
ويأتي الإعلان في ظل استمرار النزاع في شرق البلاد، حيث سيطرت حركة 23 مارس المدعومة من رواندا وفق اتهامات أممية وغربية تنفيها كيغالي، على مساحات واسعة من الأراضي.
كما يثير تولي كابيلا القيادة تساؤلات بشأن قدرة الجبهة على توسيع قاعدتها السياسية، وموقف القوى الكونغولية منها، وانعكاسات تشكيلها على المفاوضات الجارية لإنهاء الصراع.
المحتويات
أولاً: ما الجبهة الجديدة، ولماذا يتولى كابيلا قيادتها؟
قبل نحو أسبوع، أعلن كلود إيبالانكي، مستشار الجبهة الجديدة، تأسيس “الجبهة من أجل إعادة تأسيس الأمة” (FRN) خلال مؤتمر صحفي، موضحًا أنها حركة سياسية عسكرية برئاسة جوزيف كابيلا، فيما يتولى قادة في التمرد مناصب نواب الرئيس.
وتضم قيادة الجبهة كورنييه نانغا، الرئيس السابق للجنة الانتخابات والمنسق السابق لتحالف نهر الكونغو، وبرتراند بيسيموا، القائد السياسي لحركة 23 مارس، وفريدي كانيكي، وسلطاني ماكينغا، أحد القادة العسكريين للحركة، الذي يحتفظ بدوره في قيادة جناحها المسلح.
وقال إيبالانكي إن مؤسسي الجبهة قرروا، في مواجهة “المشهد المأساوي” الذي تعيشه البلاد، توحيد قواهم ومواردهم وإمكاناتهم لإنشاء إطار يتيح للكونغوليين التحرك بصوت واحد من أجل تحرير بلادهم، واستند في إعلان التأسيس إلى المادة 64 من الدستور الكونغولي.

وتنص المادة المذكورة على واجب المواطنين في التصدي لأي فرد أو مجموعة تستولي على السلطة بالقوة أو تمارسها بصورة تخالف الدستور.
ويستند مؤسسو الجبهة إلى هذه المادة؛ لتقديم تحركهم باعتباره مواجهة لما يرونه انتهاكًا دستوريًا، في حين يرى خصومهم أن تشكيل تحالف سياسي عسكري مرتبط بحركة تمرد يثير تساؤلات بشأن شرعية الوسائل التي يتبناها لتحقيق أهدافه.
ويمثل تولي كابيلا القيادة تغييرًا كبيرًا في بنية التحالف، إذ يمنح التمرد شخصية سياسية سبق أن تولت رئاسة البلاد بين عامي 2001 و2019، ويوفر له واجهة كونغولية ذات خبرة في مؤسسات الدولة وشبكات العلاقات السياسية والإقليمية.
وكانت السلطات الكونغولية قد اتهمت كابيلا مرارًا بدعم تحالف المتمردين، الذي سيطر على مساحات واسعة من شرق البلاد خلال هجوم شنه في عام 2025.
غير أن الرئيس السابق كان ينفي تورطه في دعم التمرد، قبل أن يعلن توليه قيادة الجبهة الجديدة التي تضم أبرز قادة التحالف.
وفي خطاب ألقاه قبل أسبوع، اتهم كابيلا الحكومة الحالية بالفساد وسوء الإدارة والإخفاقات العسكرية في شرق البلاد، كما انتقد الاتفاق المتعلق بالمعادن الذي أبرمته حكومة تشيسكيدي مع الولايات المتحدة.
وتعود العلاقة السياسية بين كابيلا ونانغا إلى فترة الانتخابات الرئاسية لعام 2018، التي أشرف عليها نانغا بصفته رئيسًا للجنة الانتخابية، وأفضت إلى وصول تشيسكيدي إلى الرئاسة ونهاية حكم كابيلا.
وكان كابيلا قد سافر إلى مدينة غوما، الخاضعة لسيطرة المتمردين، في عام 2025، كما تولى عدد من حلفائه السابقين مناصب في تحالف المتمردين، ما عزز الانطباعات بشأن وجود تقارب بينه وبين الحركة.
ثانيًا: هل يستطيع كابيلا توسيع الدعم السياسي للتمرد؟
يراهن كابيلا على مكانته السياسية السابقة وعلاقاته داخل الكونغو وخارجها لتوسيع نطاق التأييد للجبهة الجديدة، وتقديمها باعتبارها حركة وطنية تتجاوز نطاقها الجغرافي في شرق البلاد.
وينحدر كابيلا من إقليم كاتانغا الجنوبي، حيث يتزايد الاستياء من إدارة تشيسكيدي، وفق التقارير المتعلقة بالمشهد السياسي المحلي.
وقد يتيح ذلك للجبهة محاولة استقطاب مؤيدين خارج مناطق سيطرة 23 مارس، إلا أن التمرد لم يصل إلى الإقليم حتى الآن، ولا توجد مؤشرات مؤكدة على أن تولي كابيلا القيادة سيؤدي إلى توسع فوري في قاعدته الشعبية.
وتتمثل إحدى نقاط القوة المحتملة لكابيلا في علاقاته السياسية داخل البلاد وفي دول إقليمية، من بينها ناميبيا وكينيا وجنوب إفريقيا.
كما يتمتع بخبرة في إدارة مؤسسات الدولة، وهي عناصر قد تساعده على تقديم خطاب سياسي يتجاوز المطالب العسكرية المباشرة للمتمردين.
لكن هذه العوامل لا تضمن حصوله على دعم فعلي، فقد غادر كابيلا السلطة بعد بقائه في الحكم عامين إضافيين عقب انتهاء ولايته، وكان قد فقد قدرًا كبيرًا من شعبيته في مناطق من البلاد، بما فيها كاتانغا.
كما تراجعت شبكته السياسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقل حلفاء سابقون إلى معسكر تشيسكيدي، أو غادروا البلاد، أو تعرضوا للسجن.
وعقب الإعلان عن الجبهة الجديدة، أعلنت شخصيات معروفة من المعسكر السياسي السابق لكابيلا معارضتها للخطوة، بما يشير إلى أن علاقاته القديمة لا تزال تواجه تحديات في تحويلها إلى قاعدة سياسية داعمة للمشروع الجديد.
وتواجه الجبهة أيضًا مشكلة تتعلق بكيفية الفصل بين هويتها السياسية والعسكرية، فرغم تقديمها تحت اسم جديد وخطاب يركز على إعادة تأسيس الأمة، فإن قيادتها تضم الشخصيات الرئيسية في تحالف المتمردين ما قد يحد من قدرتها على إقناع قطاعات من الكونغوليين بأنها تمثل إطارًا وطنيًا مستقلاً عن حركة التمرد.
كما أن الاتهامات الموجهة إلى رواندا بدعم حركة 23 مارس تظل عامل مؤثر؛ فقد اتهمت الأمم المتحدة وحكومات غربية كيغالي بدعم الحركة وممارسة القيادة والسيطرة على المتمردين، بينما تنفي رواندا تقديم الدعم لهم، مع إقرارها بالتنسيق معهم في بعض المسائل الأمنية.
اتساع الدعم للجبهة قد يعتمد على قدرتها على كسب تأييد خارج مناطق سيطرة المتمردين، وعلى مدى استعداد القوى السياسية والاجتماعية للتعامل معها بوصفها مشروعًا وطنيًا، بدلاً من اعتبارها إعادة تنظيم للتمرد القائم.
ثالثًا: كيف استقبلت القوى السياسية الكونغولية قيادة كابيلا للجبهة؟
أثار تولي كابيلا قيادة الجبهة الجديدة انتقادات في كينشاسا، شملت شخصيات سبق أن عملت معه في مؤسسات الدولة، قبل أن تصطف إلى جانب الرئيس الحالي فيليكس تشيسكيدي.
من بين هؤلاء فيتال كاميرهي، الرئيس السابق للجمعية الوطنية في عهدي كابيلا وتشيسكيدي، نظرًا إلى علاقاته السياسية السابقة بالرئيس السابق.
ووصف كاميرهي تحرك كابيلا بأنه “خطير”، منتقدًا دعوته إلى السلام في خطابه، في الوقت الذي يختار فيه طريق السلاح.
كما ذكّر كاميرهي بالحصيلة التي خلفتها فترة حكم كابيلا، مؤكدًا أن “لا طموح سياسيًا يبرر التضحية بمزيد من الأرواح الكونغولية”.
وسلط المسؤول الكونغولي الضوء على التداعيات الإنسانية المستمرة للنزاعات المسلحة، مشيرًا إلى الأسر التي فقدت أفرادًا منها، والأطفال المحرومين من التعليم، والسكان الذين اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بسبب القتال.
كما جدد دعمه لتشيسكيدي، داعيًا قادة الحركات المسلحة إلى إعطاء الأولوية للحوار لتسوية الخلافات وتجنب المزيد من الخسائر البشرية.
واتخذ تحالف القوى الديمقراطية للكونغو (AFDC)، بقيادة مودست باهاتي لوكويبو، موقفًا مشابهًا، إذ أدان الخطوة التي أقدم عليها كابيلا وحذّر من الدمار الناجم عن المواجهات المسلحة وما يصاحبها من نزوح للسكان.
وكان لوكويبو قد شغل منصبًا وزاريًا خلال عهد كابيلا، ثم تولى رئاسة مجلس الشيوخ الكونغولي بين عامي 2021 و2024 في عهد تشيسكيدي.
وأكد التحالف ضرورة إطلاق حوار جاد وشامل لمعالجة الأزمة السياسية والأمنية، معلنًا استمرار ارتباطه بـ”الاتحاد المقدس للأمة”، وهو الائتلاف السياسي والبرلماني الداعم للرئيس الحالي.
تشير هذه المواقف إلى اتساع دائرة الرفض السياسي للجبهة الجديدة، خصوصًا بين شخصيات سبق أن عملت مع كابيلا قبل انتقالها إلى المعسكر المؤيد لتشيسكيدي.
وتُظهر الانتقادات أن استقطاب شخصيات من النظام السابق لا يعني بالضرورة أن الجبهة ستتمكن من استعادة شبكة التحالفات التي كانت تدعم الرئيس السابق خلال فترة حكمه.
في المقابل، لم يصدر موقف علني عن المعارضة بشأن تولي كابيلا قيادة الجبهة، فقد عقد “ائتلاف المادة 64” (C64)، الذي يضم أحزابًا تعارض تعديل الدستور، اجتماعًا مساء الثلاثاء من دون إصدار بيان بشأن التطورات.
يأتي ذلك في ظل حسابات سياسية معقدة، تتداخل فيها المواقف من الصراع المسلح مع الاعتبارات المرتبطة بمستقبل العملية السياسية والفرص التي قد تتيحها التطورات الراهنة.
ولا يزال موقف الائتلاف غير معلن، في وقت تتزايد فيه الضغوط على القوى السياسية لتحديد موقفها من الجبهة الجديدة وتداعياتها المحتملة.
رابعًا: ماذا تعني قيادة كابيلا للجبهة الجديدة بالنسبة إلى الحرب ومفاوضات السلام؟
تأتي قيادة كابيلا للجبهة الجديدة في وقت يستمر فيه القتال في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، بالتزامن مع جهود دبلوماسية تهدف إلى احتواء الأزمة والتوصل إلى تسوية بين الحكومة وتحالف المتمردين في شرق الكونغو.
وكان التحالف والحكومة الكونغولية قد انخرطا في مفاوضات بوساطة قطرية، ووقعا إعلانًا العام الماضي يتضمن الالتزام بوقف دائم لإطلاق النار وإجراء مفاوضات سلام أوسع نطاقًا.
وعقب تأسيس “الجبهة من أجل إعادة تأسيس الأمة”، أعلنت الجبهة أنها تتولى جميع الحقوق والالتزامات والتعهدات السابقة لتحالف المتمردين، بما في ذلك تلك المرتبطة بمفاوضات الدوحة.
ويشير هذا الإعلان إلى رغبة القيادة الجديدة في تأكيد استمرار التزامات التحالف السابقة، رغم تغيير اسمه وهيكله القيادي.
وخلال اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، شددت الحكومة الكونغولية على ضرورة وفاء جميع الأطراف بتعهداتها، فيما دعت الولايات المتحدة إلى مواصلة المفاوضات.
لكن مدى التزام الطرفين بالعملية السياسية لا يزال موضع تساؤل، في ظل تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن استمرار القتال.
وتضيف قيادة كابيلا تعقيدًا جديدًا إلى مسار التسوية؛ فالرئيس السابق ليس مجرد شخصية سياسية انضمت إلى تحالف قائم، بل يتولى رئاسة تشكيل يضم القادة السياسيين والعسكريين الأساسيين في التمرد.
وقد يترتب على ذلك إعادة ترتيب مراكز النفوذ داخل التحالف، وإدخال حسابات سياسية مرتبطة بمستقبل السلطة في كينشاسا ضمن مسار الصراع.
ويواجه كابيلا بدوره تبعات حكم قضائي صدر بحقه غيابيًا في سبتمبر 2025، قضى بإعدامه بعد إدانته بتهم الخيانة وجرائم الحرب.
وكان القضاء العسكري الكونغولي قد اتهمه بالمشاركة في تأسيس تحالف “نهر الكونغو”، الذي يمثل الجناح السياسي لحركة 23 مارس.
كما فرضت الولايات المتحدة عليه عقوبات في أبريل بسبب اتهامات بتقديم دعم مادي للمتمردين وزعزعة استقرار شرق البلاد.
وينفي كابيلا الاتهامات الموجهة إليه، ويصف القضية القضائية بأنها ذات دوافع سياسية.
ختامًا، تثير تطورات الأوضاع في الكونغو تساؤلات بشأن مدى إمكانية مشاركة كابيلا في أي تسوية مستقبلية، ومدى تأثير وضعه القانوني على علاقات الجبهة الجديدة بالحكومة الكونغولية والوسطاء الإقليميين والدوليين.
وفي الوقت نفسه، لا يعني إعلان الجبهة التزامها بتعهدات تحالف المتمردين أن المفاوضات ستتقدم بالضرورة، إذ يظل نجاحها مرتبطًا بوقف القتال واستعداد الأطراف لتنفيذ ما اتفقت عليه.
كما أن استمرار الخلاف بشأن دور رواندا، وطبيعة العلاقة بين الجبهة الجديدة والحكومة، ومصير المناطق الخاضعة لسيطرة المتمردين، يمثل تحديات أمام أي مسار سياسي.
كما يضع تولي كابيلا قيادة الجبهة الجديدة الصراع الكونغولي أمام مرحلة سياسية مختلفة، تتداخل فيها إعادة تنظيم التمرد مع محاولة استعادة النفوذ السياسي للرئيس السابق.
غير أن مدى تأثير الخطوة في موازين القوى على الأرض، وقدرة الجبهة على توسيع دعمها، وانعكاساتها على مفاوضات السلام، ستظل مسائل مرتبطة بالتطورات العسكرية والسياسية المقبلة.










































