شنّت «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» (TPLF) وحلفاؤها هجوماً منسقاً على عدة جبهات في أقاليم تيغراي وأمهرة وعفار، بعد أيام من الإعلان عن تشكيل تحالف معارض جديد يهدف إلى إسقاط الحكومة الفيدرالية، في تصعيد يثير مخاوف من تجدد الصراع المسلح في إثيوبيا، بعد نحو أربع سنوات من انتهاء الحرب في إقليم تيغراي.
وسيطر المسلحون على مدينة «أبالا» في إقليم عفار، كما استولت القوات التيغراوية على مطارات «ميكيلي» و«أكسوم» و«شاير» في إقليم تيغراي، في حين تحاصر ميليشيا «فانو» مدينة «ولدييا» الاستراتيجية في إقليم أمهرة منذ الأربعاء 23 سبتمبر/أيلول.
وفي إقليم عفار، سيطرت «قوات دفاع تيغراي» (TDF)، بالتحالف مع «الجبهة الديمقراطية الثورية الموحدة لعفار»، على مدينة «أبالا» الواقعة على الحدود مع إقليم تيغراي، والتي كانت تخضع حتى ذلك الحين لسيطرة قوات متحالفة مع الجيش الفيدرالي.
وقال مصدر إنساني إن أصوات إطلاق النار سُمعت في المدينة احتفالاً بالسيطرة عليها، فيما أقيمت نقاط تفتيش في محيطها. وأصبحت الطرق التي تربط «أبالا» بمدينة «ميكيلي» شرقاً ومدينة «سميرا» جنوباً تحت سيطرة الجماعات المسلحة.
وفي إقليم أمهرة، تحاصر ميليشيا «فانو» القومية، التي تخوض صراعاً مسلحاً مع الحكومة الفيدرالية منذ أبريل/نيسان 2023، مدينة «ولدييا» الاستراتيجية الواقعة شمال غربي البلاد، بدعم من «قوات دفاع تيغراي».
وفي اليوم نفسه، استولت القوات التيغراوية على ثلاثة مطارات رئيسية في إقليم تيغراي، وهي مطارات مدن «ميكيلي» و«أكسوم» و«شاير»، ما أدى إلى تعليق رحلات الخطوط الجوية الإثيوبية المتجهة إلى المنطقة.
وسبق أن صرح قادة تيغراي بأنهم دخلوا في حرب “دفاعية” للتصدي للعدوان الذي تمارسه الحكومة الفيدرالية، فيما قال مسؤول إثيوبي رفيع المستوى إن قوات من إقليم تيغراي (شمال إثيوبيا) شنت هجوماً واسع النطاق ضد الحكومة الفيدرالية يوم الأربعاء، مما أدى إلى تقويض اتفاق سلام دام أربع سنوات والتلويح باحتمال نشوب صراع إقليمي أوسع.
يُذكر أن الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2020 بين “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” والقوات الفيدرالية قد أسفرت عن مقتل مئات الآلاف، وذلك قبل توقيع “اتفاق بريتوريا” -الذي رعاه الاتحاد الأفريقي- في نوفمبر 2022.
وتأتي هذه الأعمال العدائية الجديدة عقب أشهر من تصاعد التوتر والعداء بين الجانبين، وتوجت بإعلان صدر يوم الأحد يفيد بأن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي شكلت تحالفاً مع ست جماعات مسلحة أخرى من مختلف أنحاء إثيوبيا بهدف الإطاحة بحكومة رئيس الوزراء أبي أحمد.
وذكرت الإدارة الإقليمية التي تقودها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي أن هناك “تكثيفاً للغزو الذي تنفذه حكومة أبي بأساليب شتى” ضد شعب تيغراي. وجاء في بيان صادر عنها: “لقد صدرت تعليمات لقوات تيغراي بالتصدي للهجوم، وقد دخلت بالفعل في حرب دفاعية”.
وكتب غيتاتشو رضا -وهو مستشار لأبي أحمد ومسؤول سابق في الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي- على منصة “إكس” أن الجبهة سيطرت على مطارات كانت خاضعة للحكومة الفيدرالية في تيغراي، وشنت “هجوماً شاملاً” على مواقع حكومية في إقليمي عفر وأمهرا المجاورين. وقال: “من الواضح أن القيادة السياسية والعسكرية للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي قد بلغت مستويات غير مسبوقة من عدم المسؤولية”.
وحث رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، الأطراف المتحاربة على خفض التوتر فوراً وإجراء محادثات مباشرة، كما دعا الدول المجاورة إلى عدم المساهمة في مزيد من التصعيد.
ومن ناحيته، اتهم السفير الأمريكي لدى إثيوبيا، إرفين جيه. ماسينغا، قيادة “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” – التي فرضت عليها وزارة الخارجية الأمريكية عقوبات في يونيو/حزيران – بـ “خوض معركة خاسرة”، ودعا إلى حوار سياسي.
وحذر دبلوماسيون ومحللون إقليميون، على مدى أشهر، من أن استئناف الصراع في تيغراي قد يتصاعد بسرعة ليتحول إلى حرب أوسع نطاقاً، تتداخل مع القتال الدائر في السودان المجاور وتزيد من زعزعة استقرار منطقة البحر الأحمر المضطربة أصلاً.
وقد أدت الحرب الأهلية التي اندلعت في السودان عام 2023 إلى انخراط دول قوية من خارج منطقة القرن الإفريقي، وتسببت فيما تصفه الأمم المتحدة بأكبر أزمة إنسانية في العالم.
وخلال حرب تيغراي (2020-2022)، دعمت إريتريا – جارة إثيوبيا وخصمها التاريخي – الحكومة عسكرياً ضد الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، لكن العلاقات بين البلدين تدهورت منذ ذلك الحين.
وصرحت بيلين سيوم، المتحدثة باسم رئيس الوزراء أبي أحمد، يوم الاثنين بأن أعضاء التحالف المُعلن عنه حديثاً كانوا يتعاونون منذ فترة بدعم مالي من إريتريا.
من جانبها، نفت إريتريا الاتهامات بدعم جماعات مسلحة إثيوبية، كما رفض وزير إعلامها التعليق يوم الأربعاء على التطورات الأخيرة. وأفاد مسؤول حكومي إثيوبي رفيع المستوى، ومصدر دبلوماسي، ومصدر إنساني، ومصدر آخر على صلة بالجبهة الشعبية لتحرير تيغراي وميليشيا “فانو”، بأن قوات تيغراي تقاتل إلى جانب جماعة مسلحة محلية في إقليم عفر، وإلى جانب ميليشيا “فانو” في إقليم أمهرة.
يُذكر أن ميليشيا “فانو” كانت قد انحازت للحكومة الفيدرالية خلال حرب 2020-2022، لكنها تمردت عليها في عام 2023 في صراع مستمر أسفر عن مقتل الآلاف، وهي الآن عضو في التحالف الجديد مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي.
ولم تتضح بعد النطاق الأوسع للقتال أو حدته. وقال جوار محمد، وهو محلل سياسي وحليف سابق ومقرب من آبي، إن الحكومة الفيدرالية تحصر نطاق تدخلها في محاولة لإثبات للمجتمع الدولي أن “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي” (TPLF) هي الطرف المحرض.
وفي هذا السياق، قال إدوارد باخ، كبير المحللين المختصين بالشؤون الإفريقية في شركة “فيريسك مابل كروفت” (Verisk Maplecroft) المتخصصة في استخبارات المخاطر، إن الحكومة الفيدرالية تتمتع بموقف تكتيكي أقوى مما كانت عليه في عام 2020، وذلك بفضل ما تمتلكه من مخزون كبير من الطائرات المسيرة والانقسامات الداخلية داخل “الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي”.
ولا تزال منطقة تيغراي تعاني من التبعات الإنسانية للحرب التي دارت رحاها بين عامي 2020 و2022، والتي دفعت بمئات الآلاف من السكان إلى ظروف المجاعة. ووفقاً لمفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، كان نحو 750 ألفاً من سكان تيغراي لا يزالون نازحين داخلياً حتى شهر فبراير، كما تواجه المنطقة موجة جفاف مرتبطة بظاهرة “النينيو”.
وقد شن الجيش الإثيوبي عدة غارات بطائرات مسيرة استهدفت قوات تيغراي خلال الأشهر الأخيرة، وذلك استناداً إلى بيانات صادرة عن “مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة” (ACLED)؛ في حين لم تُعقّب الحكومة الفيدرالية على أي من تلك الغارات المُبلغ عنها.











































