شهدت جوبا، عاصمة جنوب السودان، الثلاثاء، انتشاراً أمنياً مكثفاً، تزامناً مع إصدار الرئيس سلفا كير ميارديت مرسوماً يقضي بحل حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية التي تشكلت بموجب اتفاق السلام لعام 2018، إلى جانب حل الهيئة التشريعية الوطنية وحكومات الولايات والمجالس التشريعية المحلية، وإعفاء النائب الأول للرئيس رياك مشار ونواب الرئيس الأربعة من مناصبهم، وتعيين إدارة لتصريف الأعمال تمهيداً للانتخابات المقررة في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2026.
وجاء الإعلان عن هذه التغييرات في مرسوم رئاسي أصدره كير مساء الثلاثاء، وتلته هيئة بث جنوب السودان (SSBC) المملوكة للدولة. وبموجب المرسوم، الصادر وفقاً لقانون الانتخابات الوطنية لعام 2012 وتعديلاته لعام 2026، سيستمر سلفا كير في منصبه رئيساً للبلاد طوال الفترة الانتخابية وحتى أداء الرئيس المنتخب حديثاً اليمين الدستورية، في حين أُعفي النائب الأول للرئيس وجميع نواب الرئيس من مهامهم بأثر فوري.
وكان كير قد وقّع، الاثنين، تعديلات على قانون الانتخابات، أزالت العقبات القانونية التي كانت تربط إجراء الانتخابات باستكمال عملية صياغة الدستور الدائم وإجراء التعداد السكاني الوطني، وذلك قبل يوم واحد من إصدار مرسوم حل الحكومة والمؤسسات التشريعية.
وينص المرسوم على استمرار عمل المستشارين والمبعوثين الرئاسيين تحت سلطة الرئيس، كما عيّن كير الرئيس السابق للبرلمان، جوزيف نغيري باسيكو، مستشاراً لشؤون الحكم، بعد فقدانه منصبه إثر حل البرلمان.
كما نص القرار على «إعفاء جميع الوزراء ونواب الوزراء من مهامهم الوزارية»، مع توجيه الوزارات والمؤسسات الحكومية الأخرى بمواصلة أعمالها في ظل هيكل مؤقت أو نظام لتصريف الأعمال.
وعيّن كير وزراء لتصريف الأعمال للإشراف على عدد من الوزارات والمؤسسات الرئيسية، تشمل شؤون الرئاسة، وشؤون مجلس الوزراء، والخارجية، والدفاع، والداخلية، والعدل، والأمن القومي، والمالية، والبترول، والتجارة، والإعلام وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وشؤون مجموعة شرق إفريقيا، وبناء السلام.
وقضى المرسوم أيضاً بحل المجلس التشريعي الوطني الانتقالي ومجلس الولايات، كما شمل القرار حل حكومات الولايات العشر والمجالس التشريعية فيها، إلى جانب حل الإدارات والمجالس التشريعية للمناطق الإدارية الثلاث.
وعلى مستوى المقاطعات، نص القرار على إعفاء جميع مفوضي المقاطعات من مهامهم السياسية ووضع السياسات، إلى حين تعيين مفوضين مؤقتين، مع اقتصار دور المفوضين المنتهية ولايتهم على أداء المهام الضرورية للحفاظ على الخدمات الأساسية والنظام العام واستمرارية العمل الإداري.
كما نص القرار على استمرار عمل الهيئات المستقلة والقوات النظامية والسلطة القضائية والخدمة المدنية وغيرها من المؤسسات التي يقتضي القانون استمرار عملها.
وفرض المرسوم قيوداً على المسؤولين المكلفين بتصريف الأعمال، من بينها حظر إبرام اتفاقيات دولية طويلة الأجل، أو تكبد ديون عامة ضخمة، أو إبرام اتفاقيات امتياز استراتيجية، أو التصرف في الأصول العامة من دون تفويض رئاسي والالتزام بالقانون.
ويلزم القرار المسؤولين خلال فترة تصريف الأعمال بالحياد السياسي، وعدم استغلال المناصب العامة أو الموارد الحكومية أو مؤسسات الدولة للترويج لأحزاب سياسية أو مرشحين، أو الإضرار بهم.
ويستمر نظام تصريف الأعمال إلى حين تولي الرئيس المنتخب والهيئة التشريعية الوطنية والسلطات المنتخبة على مستوى الولايات والمناطق الإدارية والمحليات مهامهم، ما لم يُعدّل القرار أو يُلغَ.
وتزامن قرار حل الحكومة والمؤسسات التشريعية مع انتشار أمني كثيف في شوارع جوبا، حيث أُقيمت نقاط تفتيش، وفُرض طوق أمني حول المجمع الحكومي، كما أُغلقت بعض الطرق الرئيسية، في إجراء نادر تشهده عاصمة جنوب السودان.
وكان جهاز الأمن الداخلي في جنوب السودان قد أصدر أمراً إلى جميع عناصر قوات الأمن بارتداء الزي الرسمي والبقاء في حالة تأهب قصوى لمدة ثلاثة أيام. وقال مسؤول حكومي، طلب عدم الكشف عن هويته: «طُلب مني العودة إلى المنزل. لا أعرف ما يحدث».
ومن المقرر أن تجري جنوب السودان، التي نالت استقلالها عن السودان عام 2011، أول انتخابات لها في 22 ديسمبر (كانون الأول) 2026. وحذرت لجنة حقوق الإنسان في جنوب السودان، في تقرير أصدرته خلال أغسطس (آب) الماضي، من أن إجراء أول انتخابات في البلاد خلال العام الحالي قد يؤجج النزاع الذي اشتدت حدته خلال الأشهر الأخيرة، ويزيد من خطر ارتكاب انتهاكات وجرائم خطيرة.
ورأت اللجنة أن «تنظيم انتخابات من دون استراتيجية لترسيخ الديمقراطية» قد يسهم، بدلاً من ذلك، في إعادة إشعال النزاع وزيادة خطر ارتكاب جرائم مروعة.
ويأتي قرار حل الحكومة في ظل استمرار تداعيات اتفاق السلام الموقع عام 2018، الذي وضع حداً لخمس سنوات من الحرب الأهلية الدامية، وأدى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية بين الرئيس سلفا كير ميارديت ونائبه الأول آنذاك رياك مشار.
وكان من المفترض أن تنتهي المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات عام 2022، إلا أن الانتخابات أُرجئت عدة مرات. وفي مارس (آذار) 2025، أُلقي القبض على رياك مشار ووُضع رهن الإقامة الجبرية، في تطور زاد من تعقيدات المشهد السياسي في جنوب السودان.











































