هاري كلينش Harry Clynch
ترجمة: د.مجدي آدم
من المقرر تطبيق إصلاحات «بازل 3» Basel III التنظيمية، التي طال انتظارها في القطاع المصرفي، مطلع عام 2027م بعد عدة تأجيلات، في خطوة تهدف إلى تعزيز استقرار القطاع المصرفي العالمي. إلا أن النقاد يخشون من أن يكون لها آثار سلبية على البنوك والاقتصادات الإفريقية.
وقد وضعت لجنة بازل للرقابة المصرفية BCBS إصلاحات «بازل 3» لأول مرة في أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2008م. وبدأت الأزمة بانهيار بنوك أمريكية كبرى مثل «ليمان براذرز»، لكنها سرعان ما امتدت إلى جميع أنحاء العالم.
وبالتالي؛ كانت الفكرة وراء «بازل 3» Basel III هي وضع لوائح جديدة من شأنها منع تكرار هذه «العدوى»، وضمان أن تكون البنوك العالمية أكثر مرونةً في مواجهة الصدمات المستقبلية.
كان الموعد الأصلي لإنجاز البرنامج بالكامل- المعروف باسم «مرحلة بازل 3 النهائية»- هو يناير 2022م، إلا أن تفشي جائحة كوفيد-19 في عام 2020م أدى إلى تأجيله لمدة عام، ثم تأجل الموعد مرّةً أخرى، حيث صرحت معظم الاقتصادات الكبرى أنها تتوقع تطبيق الإصلاحات بالكامل بحلول عام 2027م.
«بازل 3» Basel III معايير أكثر صرامة:
يتمثل الإصلاح الرئيسي الذي أدخلته اتفاقية «بازل 3» في زيادة كلٍّ من جودة وكمية رأس المال الذي يجب على البنوك الاحتفاظ به. كما يُطلب من المؤسسات المالية الالتزام بمعايير سيولة أكثر صرامة، لضمان توفر أموال كافية لديها في غضون مهلة قصيرة لمواجهة الصدمات غير المتوقعة.
بموجب القواعد الجديدة؛ يتعين على البنوك الاحتفاظ بما لا يقل عن 4.5% من أصولها المرجحة بالمخاطر في أعلى أشكال رأس المال جودة، والمعروف باسم «رأس المال الأساسي من المستوى الأول» CET1. إضافةً إلى ذلك؛ يجب عليها الاحتفاظ بنسبة 2.5% في «احتياطي حفظ رأس المال».
من الناحية العملية؛ هذا يعني أنه يجب على البنوك الاحتفاظ بما لا يقل عن 7٪ من الأصول المرجحة بالمخاطر في رأس المال الأساسي، مما يجبرها على تمويل المزيد من أنشطتها بأموال المساهمين الحقيقية- بدلاً من الاعتماد على الاقتراض المفرط، وهي ممارسة ساهمت في انهيار عام 2008م.
كما تفرض «بازل 3» نسبة رافعة مالية قدرها 3%، ما يلزم البنوك بالاحتفاظ برأس مال يعادل 3% على الأقل من إجمالي انكشافها، بغض النظر عن مدى أمان تلك الأصول. ويهدف هذا إلى الحد من التوسع المفرط في الميزانية العمومية والاقتراض.
علاوةً على ذلك؛ يتعين على البنوك الاحتفاظ بأصول سائلة عالية الجودة كافية، كالسندات الحكومية، لتحمّل ما لا يقل عن 30 يوماً من الضغوط الشديدة، وذلك بموجب ما يُعرف بـ«نسبة تغطية السيولة» LCR. ويهدف هذا الإجراء إلى ضمان عدم نفاد السيولة لدى البنوك، كما حدث مع العديد منها خلال الأزمة المالية. وستُطبق قواعد أكثر صرامةً على البنوك ذات الأهمية العالمية الكبرى.
أكد المنظمون أن هذه الإصلاحات ضرورية لضمان تجنب تكرار الأزمة المالية لعام 2008م، التي أدت إلى خسارة أكثر من تريليونَي دولار من الاقتصاد العالمي.
وصرح إريك ثيدين Erik Thedéen، رئيس لجنة بازل للرقابة المصرفية، قائلاً: «بإمكان نظام مصرفي سليم وممول تمويلاً جيداً دعم الاقتصاد، حتى في ظل ضغوط شديدة… لا أرى في بازل 3 عبئاً، بل أرى ضرورة ملحة لتطبيقها».
هل هذا غير عادل للبنوك الإفريقية؟:
مع ذلك؛ أعرب بعض المحللين عن مخاوفهم من أن هذه الإصلاحات، المصممة أساساً كرد فعل على أزمة بدأت في الولايات المتحدة ودول غربية أخرى، قد يكون لها تداعيات سلبية في إفريقيا. ويخشى البعض من أن تفرض «بازل 3» تكاليف باهظة على البنوك الإفريقية. وقد حذر كوميش مودليار Cumesh Moodliar، الرئيس التنفيذي لشركة إنفستيك جنوب إفريقيا Investec South Africa، من أن المؤسسات المالية الإفريقية- التي غالباً ما تعمل في أسواق ذات تصنيفات ائتمانية سيادية منخفضة، وبالتالي تكون فيها تكلفة الاقتراض أعلى- ستواجه تكاليف أعلى إذا أجبرتها «بازل 3» على الاحتفاظ بمزيد من رأس المال الاحتياطي.
قد يمنح هذا الأمر البنوك في الأسواق الأكثر تطوراً ميزةً غير عادلة، إذ إنها قادرة في الغالب على جمع الأموال بتكلفة أقل في أسواقها المحلية. وقد دعا مودليار لجنة بازل للرقابة المصرفية إلى ضمان «تكافؤ الفرص» لجميع البنوك.
تتمثل إحدى المشكلات المحتملة الأخرى المتعلقة بالإصلاحات في أن «بازل 3» تحسب متطلبات رأس المال بناءً على «الأصول المرجحة بالمخاطر»: فكلما زادت المخاطر التي يُعتبر الأصل بها أكثر خطورة؛ زادت الكمية التي يجب على البنك الاحتفاظ بها للتخفيف من هذه المخاطر.
ومع ذلك؛ ولأن العديد من الحكومات الإفريقية مصنفة دون الدرجة الاستثمارية، وبالتالي تُعتبر سنداتها أصولاً أكثر خطورة، فقد يضطر البنك الإفريقي الذي يحتفظ بديون سيادية لبلده إلى الاحتفاظ برأس مال أكبر مقابلها، مقارنةً، على سبيل المثال، ببنك أوروبي يحتفظ بسندات فرنسية.
حتى لو كان البنك نفسه قوياً وذا رأس مال جيد؛ فإن وجوده في السوق الإفريقية قد يجعله يبدو أكثر خطورة في نظر لجنة بازل للرقابة المصرفية، مما يؤدي إلى زيادة متطلبات رأس المال وبالتالي التكاليف.
فجوات مالية واسعة بالفعل:
ويأتي تطبيق إصلاحات «بازل 3» في وقتٍ تواجه فيه إفريقيا بالفعل فجوة تمويلية كبيرة، ولا سيما في المجالات الحيوية اقتصادياً مثل البنية التحتية.
بحسب الرابطة الإفريقية لرأس المال الخاص AVCA؛ تواجه إفريقيا فجوة تمويلية سنوية في البنية التحتية تبلغ 100 مليار دولار لتلبية الاحتياجات الأساسية، وتتسع هذه الفجوة لتتراوح بين 181 و221 مليار دولار؛ إذا ما أرادت القارة تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة. وتستثمر دول إفريقيا جنوب الصحراء حالياً 3.5% فقط من ناتجها المحلي الإجمالي في البنية التحتية سنوياً، بينما يُقدّر أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة يتطلب استثمار 7.1% من الناتج المحلي الإجمالي.
يخشى النقاد من أن تؤدي إصلاحات «بازل 3» إلى اتساع هذه الفجوة. وقد حذّر سيم تشابالالا Sim Tshabalala، الرئيس التنفيذي لمجموعة ستاندرد بنك في جنوب إفريقيا، من أن «إفريقيا تحتاج إلى حوالي 170 مليار دولار سنوياً للاستثمار في البنية التحتية، لكنها لا تستطيع حالياً سوى جمع حوالي 85 مليار دولار».
«يجب تغيير قواعد بازل 3 بحيث تؤدي الأصول المرجحة بالمخاطر إلى احتفاظ البنوك برأس مال أقل. إذا تمكنت البنوك من الاحتفاظ برأس مال أقل؛ فسيكون بإمكانها تمويل المزيد من المشاريع».
لكنّ آخرين لديهم تقييم مختلف، يقول زولاني سيباندي Xolani Sibande، كبير الاقتصاديين في بنك الاحتياطي الجنوب إفريقي SARB، والذي بحث في تداعيات «بازل 3»، لمجلة African Business: «إن هذه المشكلات كانت موجودة قبل اللوائح الجديدة».
يقول سيباندي: «لطالما مالت البنوك الإفريقية إلى الاحتفاظ بمستويات رأسمال أعلى مما تشترطه الجهات التنظيمية بسبب المخاطر المتصورة. فعلى سبيل المثال، في سبتمبر، أعلن بنك إنفستيك أن نسبة رأس المال الأساسي من المستوى الأول CET1 لديه تبلغ 14.6%، بينما لم تشترط الجهات التنظيمية سوى حوالي 8%».
مع أن سيباندي لا يعزو المشكلة إلى اتفاقية «بازل 3»؛ إلا أنه يوافق على ضرورة بذل المزيد من الجهود لتوفير رؤوس أموال أكبر للاستثمار في إفريقيا. ويقول: «أعتقد أن هناك مبرراً قوياً الآن، بدلاً من الاحتفاظ بمزيد من رأس المال داخلياً لتغطية الحد الأدنى من متطلبات رأس المال، يمكن استخدامه لتمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة، مثلاً، مما سيساهم في دعم نمو الاقتصادات الإفريقية».
ويضيف سيباندي: «هذا ضروري أيضاً لتمويل البنية التحتية، وهو أمرٌ مطلوب في جميع الدول الإفريقية تقريباً. حتى جنوب إفريقيا، وهي دولة متقدمة نسبياً، لديها احتياجات هائلة في مجال البنية التحتية- فإذا نظرنا إلى مستوى الطرق ومشكلة انقطاع التيار الكهربائي بسبب شركة إيسكوم؛ فإن ذلك يدل بوضوح على وجود قصور في البنية التحتية».
سواء أرجعنا المشكلة إلى لوائح «بازل 3»، أو إلى تحديات مزمنة في القطاع المصرفي الإفريقي، فمن الواضح أن رأس المال لا يصل حالياً إلى الأفراد والشركات التي تحتاج إلى التمويل لتحقيق نمو القارة. وقد يتفاقم هذا الوضع، دون قصد، نتيجةً لمحاولات الجهات التنظيمية العالمية الحد من تجاوزات عمالقة المصارف العالمية.
لكنّ تحقيق توازن أفضل قد يكون أسهل قولاً من الفعل. يقول سيباندي: «لحل مشكلات مثل البنية التحتية والتنمية، التي تفتقر إليها إفريقيا، ربما تستطيع البنوك توفير بعض رأس المال لتغطية فجوات التمويل هذه».
«لكن يجب الموازنة بين ذلك والمخاطر، فالعديد من الاقتصادات الإفريقية شديدة التقلب. لذا؛ إذا لم تكن البنوك مستعدة أو ممولة بشكلٍ كافٍ؛ فإن أي تغييرات طفيفة في أساسيات الاقتصاد قد تُسبب مشكلات للعديد من هذه البنوك».
………………………………
رابط المقال:
Harry Clynch, Fears that Basel III regulations could penalise Africa, 17/2/2026. at:
https://african.business/2026/02/finance-services/fears-that-basel-iii-retulations-could-penalise-africa











































