مقدمة:
أعاد وضع حجر الأساس لمصفاة نفط لامو Lamu Oil Refinery الكينية، في 30 سبتمبر 2026م، طرح سؤال مسارات الطاقة في شرق إفريقيا، في وقتٍ تتجه فيه المنطقة نحو مشروعات أكبر للربط بين الإنتاج النفطي وموانئ التصدير ومراكز التكرير.
وتبلغ الاستثمارات المعلنة للمشروع نحو 16 مليار دولار، مع طاقة تكريرية مستهدفة تصل إلى 700 ألف برميل يومياً، مما يجعله أحد أكبر مشروعات التكرير المخطط لها في القارة. وترتبط أهمية المشروع بموقعه في ميناء لامو بكينيا، الذي يشكل نقطة رئيسية في ممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا»، وهو ما يفتح المجال أمام تحول الميناء إلى مركز إقليمي للطاقة والتجارة.
وتكتسب هذه التطورات أهميةً خاصة بالنسبة لجنوب السودان، الذي يعتمد منذ استقلاله على البنية التحتية النفطية السودانية لنقل معظم إنتاجه إلى الأسواق الخارجية.
وقد كشفت الحرب في السودان منذ عام 2023م حجم المخاطر المرتبطة بهذا المسار، بعدما تعرضت البنية النفطية لأضرار واضطرابات أثرت في تدفقات الخام، وانعكست تداعياتها على اقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على عائدات النفط، وأصبح تنويع طرق التصدير بالنسبة لجوبا مرتبطاً بأمن الإيرادات واستقرار الاقتصاد، إلى جانب اعتبارات السيادة الاقتصادية.
في المقابل، تطرح لامو احتمالاً جديداً في الحسابات النفطية لجنوب السودان، فقد أدرج الاتحاد الإفريقي مشروع خط أنابيب يربط جنوب السودان بميناء لامو ضمن مشروعات البنية التحتية الإقليمية، فيما أعادت المصفاة الجديدة الاهتمام بإمكانات هذا المسار.
غير أن تحويل هذا الاحتمال إلى طريق فعلي لتصدير النفط يتطلب استثمارات ضخمة، وإنشاء شبكة نقل متكاملة، واتفاقات سياسية وتجارية، وضمانات أمنية، فضلاً عن جدوى اقتصادية قادرة على منافسة مسار التصدير عبر السودان.
ومن هنا تبرز المسألة الأساسية: هل تستطيع لامو أن تتحول تدريجياً إلى مسار جديد لصادرات نفط جنوب السودان، أم أن كلفة البنية التحتية والتحديات الأمنية والاقتصادية ستحد من هذا الاحتمال؟
محاور المقال:
أولاً: نفط جنوب السودان والمسار السوداني.
ثانياً: لامو والتحول الإقليمي للطاقة.
ثالثاً: مصفاة لامو ونفط جنوب السودان.
رابعاً: بين تنويع منافذ التصدير وكلفة المسار الجديد.
خامساً: لامو ومستقبل خريطة الطاقة في جنوب السودان.
أولاً: نفط جنوب السودان والمسار السوداني:
شكّل النفط منذ استقلال جنوب السودان عام 2011م الركيزة الأساسية للاقتصاد الوطني ومصدراً رئيسياً للإيرادات العامة والعملات الأجنبية، غير أن امتلاك موارد نفطية كبيرة جاء في ظل جغرافيا اقتصادية فرضت على البلاد الاعتماد على بنية تحتية تقع خارج حدودها؛ فجنوب السودان دولة حبيسة، بينما ترتبط حقوله النفطية بشبكة أنابيب تمر عبر الأراضي السودانية وصولاً إلى منشآت التصدير على ساحل البحر الأحمر.
ويؤكد البنك الدولي أن جنوب السودان يعتمد بصورة كاملة على البنية التحتية السودانية وميناء بورتسودان لتصدير نفطه، فيما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن أحد خطوط الأنابيب ينقل نحو 70% من صادرات البلاد النفطية[1].
وقد كشفت الحرب السودانية منذ أبريل 2023م حجم هذه المخاطر بصورة أكثر وضوحاً، ففي فبراير 2024م تعرض خط أنابيب بترودار، الذي ينقل خام دار بليند المنتج في مناطق امتياز شركة دار للبترول، لتوقفات متتالية، ثم أعقب ذلك حدوث كسر كبير في الخط داخل منطقة متأثرة بالقتال.
وأدى توقف الخط إلى انخفاض حاد في صادرات جنوب السودان، ووفق مراجعة المالية العامة لجنوب السودان الصادرة عن البنك الدولي، تراجع الإنتاج من نحو 150 ألف برميل يومياً إلى قرابة 62 ألف برميل يومياً، ما أدى إلى انخفاض الصادرات بنحو الثلثين خلال بقية عام 2024م[2].
وتكشف هذه التطورات أن مسألة تصدير النفط بالنسبة لجوبا تتجاوز القدرة على استخراج الخام من الحقول، فاستدامة الإيرادات تعتمد كذلك على سلامة خطوط النقل، وانتظام عمليات الضخ، وقدرة محطات المعالجة والمنشآت المرتبطة بالتصدير على العمل في بيئة إقليمية مستقرة.
وقد انعكست اضطرابات قطاع النفط على الاقتصاد الكلي؛ إذ ربط صندوق النقد الدولي بين توقف خط الأنابيب وانخفاض تدفقات العملات الأجنبية وتراجع الإيرادات الحكومية وتدهور سعر الصرف وارتفاع التضخم، بينما قدّر البنك الدولي خسائر عائدات الصادرات النفطية بنحو 7 ملايين دولار يومياً نتيجة اضطراب الإنتاج والصادرات[3].
ومع استئناف عمليات الإنتاج والتصدير عبر خط بترودار في أبريل 2025م، ظلت تجربة التوقف السابقة كاشفةً عن حجم المخاطر المرتبطة بتركيز صادرات النفط في مسار واحد. وتشير مراجعة المالية العامة للبنك الدولي إلى أن الإنتاج ارتفع لاحقاً إلى مستويات تقارب 156 ألف برميل يومياً، بعدما كان قد انخفض إلى نحو 62 ألف برميل يومياً خلال أزمة 2024م، مع تعرض عمليات التصدير لاحقاً إلى اضطرابات أخرى خلال عام 2025م نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة.
وتوضح هذه التطورات أن استعادة الإنتاج لا تلغي الحاجة إلى معالجة مخاطر النقل والتصدير المرتبطة بالبيئة الأمنية في السودان[4].
ومن هذه الزاوية، تكتسب فكرة تنويع منافذ تصدير النفط أهمية إستراتيجية بالنسبة لجنوب السودان، فامتلاك طريق إضافي نحو المحيط الهندي يمكن أن يمنح جوبا مساحة أوسع لإدارة مخاطر النقل والتصدير، ويقلل درجة ارتباط إيراداتها النفطية بسلامة مسار واحد، غير أن الانتقال من الاعتماد على المسار السوداني إلى مسار آخر يحتاج إلى استثمارات ضخمة واتفاقات طويلة الأجل وبنية تحتية متكاملة، تشمل خطوط الأنابيب ومرافق التخزين والمعالجة والتصدير، إضافةً إلى ضمانات اقتصادية وأمنية تسمح باستدامة المشروع.
وهنا تبرز لامو الكينية وممرها الإقليمي باعتبارهما جزءاً من نقاش أوسع حول مستقبل جغرافيا الطاقة في شرق إفريقيا.
ومن ثَمّ، يمكن النظر إلى لامو باعتبارها خياراً محتملاً لتنويع منافذ النقل والطاقة أمام جنوب السودان، مع بقاء تحويل هذا الخيار إلى مسار تصدير نفطي فعلي مرتبط بجدوى الاستثمار، وحجم الإنتاج، والاتفاقات بين الدول المعنية، وقدرة الأطراف على توفير البنية التحتية والتمويل والضمانات الأمنية اللازمة[5].
ثانياً: لامو والتحول الإقليمي للطاقة:
يمثل ميناء لامو أحد المكونات الرئيسية لممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا»، الذي يستهدف ربط الساحل الكيني بجنوب السودان وإثيوبيا من خلال شبكة متكاملة للنقل والطاقة والتجارة. ويضم المشروع ميناء لامو، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، وخطوط أنابيب النفط الخام والمنتجات النفطية، إلى جانب المطارات والمناطق الصناعية ومكونات اقتصادية أخرى. ويصنف البرلمان الكيني الممر باعتباره مشروعاً إقليمياً بين كينيا وجنوب السودان وإثيوبيا، يستهدف تعزيز التجارة والتكامل الإقليمي. كما أظهرت التطورات الخاصة بميناء لامو أن ثلاثة أرصفة دخلت مراحل متقدمة من التطوير، مع تشغيل الرصيف الأول في أعمال مناولة البضائع[6].
وتبرز أهمية لامو بصورة أكبر في قطاع الطاقة مع تطور مشروع مصفاة شرق إفريقيا للنفط في المنطقة. فقد أعلنت السلطات الكينية أن المصفاة المخطط إنشاؤها في لامو ستبلغ طاقتها المستهدفة نحو 700 ألف برميل من النفط الخام يومياً، وستوفر منتجات نفطية للسوق الكينية والأسواق الإقليمية.
وتربط الحكومة الكينية المشروع بميناء لامو وممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا»، بما يضيف إلى الميناء وظيفة صناعية تتجاوز دوره اللوجستي في نقل البضائع[7]، كما أكدت تقارير حديثة أن مراسم وضع حجر الأساس للمشروع جرت في 30 سبتمبر 2026م، مع تقدير قيمة الاستثمار بنحو 2.2 تريليون شلن كيني[8].
وفي الجانب النفطي، يحتل خط أنابيب «لامو–جنوب السودان» موقعاً مهماً في التصور الأصلي للممر، ويشير برنامج تنمية البنية التحتية في إفريقيا إلى أن خط أنابيب النفط الخام المقترح يستهدف نقل إنتاج جنوب السودان وحوض لوكيشار في كينيا إلى ميناء لامو، مع تقدير الطاقة الأولية للخط بنحو 250 إلى 300 ألف برميل يومياً، وتبلغ التكلفة الاستثمارية المقدرة للمشروع نحو 3.064 مليارات دولار.
كما يضع المصدر المشروع ضمن مكونات ممر لامو، ويشير إلى أن تنفيذه يتطلب استكمال الدراسات الفنية، وتقييم الآثار البيئية والاجتماعية، ووضع الإطار التجاري، وإنهاء الاتفاقات الحكومية بين كينيا وجنوب السودان، إلى جانب تأمين التمويل.
وتؤكد الوثائق البرلمانية الكينية أن فكرة ربط جنوب السودان بميناء لامو سبقت اكتشاف النفط في منطقة توركانا عام 2012م. كما أوضح مسؤولو هيئة ممر لامو أمام اللجنة البرلمانية أن أعمال المسح والفحص والتقييم لمسار خط لوكيشار–لامو، البالغ نحو 820 كيلومتراً، قد أُنجزت، مع استمرار الإجراءات المرتبطة بامتلاك الأراضي.
وتظهر أهمية المسار الكيني في إمكانية بناء سلسلة متكاملة تبدأ من مناطق الإنتاج، وتمتد عبر خط الأنابيب إلى مرافق التخزين والميناء، ثم إلى التكرير والتصدير والأسواق الإقليمية. ويضيف مشروع المصفاة بُعداً صناعياً إلى هذه المنظومة، إذ يمكن أن يرفع قيمة النفط المنتج في المنطقة عبر توسيع عمليات المعالجة والتصنيع بالقرب من الساحل.
وعليه، فإن القيمة الإستراتيجية لممر لامو بالنسبة لجنوب السودان ترتبط بقدرته على التحول إلى منظومة نقل وطاقة متكاملة، توفر منفذاً إضافياً نحو المحيط الهندي، وتوسع الخيارات المتاحة أمام البلاد في تصدير النفط ومعالجة جزء منه داخل الإقليم.
ثالثاً: التحديات المرتبطة بتأمين الخام للمصفاة:
يمنح مشروع مصفاة لامو بُعداً جديداً لمعادلة الطاقة في شرق إفريقيا، بالنظر إلى حجم الاستثمار والطاقة التكريرية المستهدفة. فقد بدأت أعمال المشروع في 30 سبتمبر 2026م باستثمارات تُقدّر بنحو 16 مليار دولار، وطاقة تكريرية تصل إلى 700 ألف برميل يومياً، مع مدة بناء تُقدّر بنحو 40 شهراً. ويأتي المشروع ضمن توجه أوسع لتوسيع قدرات التكرير في شرق إفريقيا، مع توفير منتجات مثل الوقود والديزل ووقود الطائرات للأسواق الكينية والإقليمية[9]. كما يرتبط المشروع بموقع ميناء لامو ومكونات ممر لامو، ما يضيف إلى الميناء وظيفة صناعية إلى جانب دوره في النقل والتجارة.
وتطرح هذه الطاقة التكريرية مسألة مصادر الخام التي ستعتمد عليها المنشأة. فكينيا لا تمتلك في الوقت الراهن إنتاجاً تجارياً قادراً على تغطية احتياجات مصفاة بهذا الحجم، ولذلك يمثل تأمين الإمدادات عاملاً رئيسياً في نجاح المشروع. وقد تناولت رويترز في سبتمبر 2026م التحديات المرتبطة بتأمين الخام للمصفاة، مشيرةً إلى اعتماد المشروع المتوقع على مصادر محلية وإقليمية ودولية، مع وجود تحديات تتعلق بالنقل والبنية التحتية ومسارات الإمداد[10]. كما أوضحت رويترز أن المشروع يستهدف خدمة السوق الشرق إفريقية، مع إمكانية الحصول على الخام من مصادر خارج المنطقة[11].
ويكتسب جنوب السودان أهميةً خاصة ضمن هذه المعادلة بسبب امتلاكه احتياطيات وإنتاجاً نفطياً، إلى جانب وجود تصور إقليمي لإنشاء خط أنابيب يربط حقوله النفطية بميناء لامو. وتوضح وثائق برنامج تنمية البنية التحتية في إفريقيا أن مشروع خط أنابيب لامو–جنوب السودان صُمّم لنقل الخام من حقول جنوب السودان إلى ميناء لامو، مع إمكانية استخدام الخط أيضاً لنقل إنتاج حوض لوكيشار في كينيا. كما تحدد الوثيقة حكومتي كينيا وجنوب السودان والمؤسسات النفطية في البلدين ضمن الأطراف الرئيسية المرتبطة بالمشروع، وتُدرج اتفاقات النقل والمعالجة والاتفاقات الحكومية ضمن المتطلبات اللازمة لتطويره.
وإذا تطورت هذه البنية التحتية ووصل خط الأنابيب إلى مرحلة التشغيل، يمكن أن تنشأ علاقة اقتصادية جديدة بين جوبا ونيروبي تقوم على نقل الخام نحو الساحل الكيني وربط الإنتاج بالتكرير والتصدير.
وتوفر المصفاة في هذه الحالة منفذاً صناعياً محتملاً أمام الخام الجنوب سوداني، بينما يوفر خط الأنابيب مساراً برياً يربط مناطق الإنتاج بمرافق التكرير والتصدير في لامو. ويمنح هذا الترابط المحتمل جنوب السودان مجالاً لتوسيع خياراته النفطية، في حين تحصل كينيا على إمكانية الاستفادة من إمدادات خام إقليمية تدعم مشروعها التكريري.
مع ذلك، يرتبط تحول هذه الإمكانية إلى مسار تجاري فعلي باستكمال شبكات النقل، وتوفير التمويل، وإنجاز الدراسات الفنية، وإبرام الترتيبات الحكومية والتجارية، إلى جانب تأمين البنية التحتية العابرة للحدود.
رابعاً: بين تنويع منافذ التصدير وكلفة المسار الجديد:
يمنح مشروع «لامو–جنوب السودان» جوبا مجالاً لإعادة النظر في جغرافيا تصدير النفط، مع معادلة اقتصادية ترتبط بكلفة إنشاء المسار الجديد وقدرته على منافسة المسار القائم عبر السودان.
وتعود فكرة ربط النفط الجنوب سوداني بميناء لامو إلى مرحلة سبقت اكتشاف النفط في منطقة توركانا الكينية، فيما أصبح المشروع لاحقاً جزءاً من تصور أوسع لممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا». كما ينص الإطار القانوني الكيني الخاص بهيئة الممر على وجود خط أنابيب للخام يربط لامو بجنوب السودان، إلى جانب مصفاة نفط في لامو[12].
وتبدأ التحديات من حجم الاستثمار المطلوب لإنشاء منظومة نقل متكاملة تشمل خط الأنابيب ومحطات الضخ والتخزين ومرافق التصدير والمنشآت البرية المرتبطة بها. وتوضح الخطة الإستراتيجية لوزارة الطاقة والبترول الكينية أن خط لوكيشار–لامو Lokichar–Lamu يبلغ طوله نحو 820 كيلومتراً، وأن أعمال التصميم الهندسي والدراسات البيئية ومسح مسار الخط وتحديد الأراضي المرتبطة به كانت ضمن الأعمال التحضيرية للمشروع[13]. وتفرض هذه المتطلبات حسابات دقيقة بشأن تكلفة الإنشاء والتشغيل والصيانة، إلى جانب الرسوم التي يمكن أن يتحملها منتجو النفط ومصدروه عند استخدام المسار الجديد.
وتتصل الجدوى الاقتصادية كذلك بقدرة البنية التحتية على توفير خدمة مستقرة وآمنة، فالممر النفطي المقترح يتطلب ترتيبات واضحة بشأن حقوق العبور وملكية الأصول والتشغيل والصيانة ومسؤوليات الأطراف، كما يحتاج إلى تنسيق بين المؤسسات المعنية بالنفط والنقل والموانئ في الدول المشاركة.
ويؤكد الإطار القانوني الكيني أن هيئة ممر لابسيت LAPSSET Corridor مُكلَّفة بتخطيط مشروعات الممر وتنسيقها وتسلسل تنفيذها، إلى جانب تعبئة الموارد المالية من الميزانية العامة والقروض والتمويل الخاص[14].
ومن ثَمّ ترتبط قدرة المسار الجديد على المنافسة بمدى نجاح الأطراف في بناء منظومة مؤسسية وتمويلية قادرة على استيعاب احتياجات المشروع على المدى الطويل.
وتظهر أمام جوبا أيضاً مسألة حجم الخام المتاح للتصدير مقارنةً بالطاقة التكريرية المخطط لها في لامو، فقد أشارت رويترز إلى أن المصفاة المقترحة بطاقة تصل إلى 700 ألف برميل يومياً تواجه تحدياً يتعلق بتأمين الخام، في ظل محدودية الإنتاج التجاري الكيني، مع طرح جنوب السودان وأوغندا وكينيا ضمن مصادر محتملة للإمداد.
ويعني ذلك أن توفير الخام للمصفاة سيحتاج إلى مزيج من المصادر الإقليمية والدولية خلال المراحل الأولى من تشغيلها.
ومن ثَمّ، فإن تنويع منافذ تصدير النفط لا يعني التخلي عن المسار السوداني، وإنما يفتح أمام جنوب السودان خياراً إضافياً يمكن أن تزداد قيمته الاقتصادية مع تطور البنية التحتية الإقليمية. وتبقى قيمة هذا الخيار مرتبطة بحجم الإنتاج، وكلفة النقل، ورسوم العبور، وأمن المنشآت، والقدرة على جذب التمويل، واستقرار الأسواق. وإذا اكتملت الترتيبات الفنية والمالية والحكومية المطلوبة، يمكن لمسار لامو أن يتحول إلى جزء من منظومة تصدير متعددة الخيارات، تربط الإنتاج الجنوب سوداني بالساحل الكيني وتُوسِّع هامش الحركة أمام جوبا في إدارة مخاطر الاعتماد على منفذ تصدير واحد.
خامساً: لامو ومستقبل خريطة الطاقة في جنوب السودان:
يفتح صعود لامو كمركز محتمل للطاقة والتجارة أمام جنوب السودان نقاشاً يتجاوز البحث عن طريق جديد لتصدير النفط، فميناء لامو يمثل أحد المكونات الرئيسية لممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا»، وتربطه هيئة الموانئ الكينية بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمطار وخط أنابيب النفط ومصفاة النفط، بما يمنحه موقعاً مهماً في منظومة النقل والتجارة الإقليمية، ويضم الميناء حالياً ثلاثة أرصفة عاملة، بينما يستهدف المخطط النهائي الوصول إلى 23 رصيفاً للتعامل مع الحاويات والبضائع والمنتجات النفطية[15].
وتتجاوز أهمية لامو نقل الخام إلى بناء منظومة متكاملة للطاقة والتجارة، وبالنسبة لجنوب السودان، يمكن لهذا التطور أن يفتح مجالاً للحصول على المنتجات البترولية من سوق إقليمي قريب، إلى جانب إمكانية ربط صادرات النفط مستقبلاً بمركز تكرير يقع على ساحل المحيط الهندي. كما أن موقع المصفاة ضمن أراضي ممر لابسيت، وقدرة ميناء لامو على استقبال السفن الكبيرة، يوفران أساساً مادياً لتوسيع النشاط النفطي والتجاري في المنطقة. وتوضح هيئة الموانئ الكينية أن الميناء مصمم لاستقبال سفن كبيرة، وأن توسعه النهائي يستهدف التعامل مع أنواع متعددة من البضائع، بما فيها المنتجات النفطية[16].
الخاتمة:
تكشف التطورات المرتبطة بمشروع مصفاة لامو وممر «لامو–جنوب السودان–إثيوبيا» عن تحول محتمل في الجغرافيا النفطية لشرق إفريقيا، وتمنح جنوب السودان فرصة لإعادة النظر في ارتباط صادراته بمسار واحد.
………………………….
[1] Kamer Karakurum Ozdemir, Laura Sofia Olivera Garrido, Kishan Abeygunawardana, Tehmina Khan, Zerihun Getachew Kelbore, David Santos Ruano, Lubomir Mitov, and Masami Kojima, “A Narrow Path to Recovery: The Key Role of Restoring Public Finances – South Sudan Public Finance Review”, World Bank, January 2026. at:
[2] Reuters, “Sudan War Causes Stoppages on South Sudan Oil Pipeline, Officials Say”, Reuters, 25 March 2024. at:
[3] International Monetary Fund, “IMF Staff Completes Mission to South Sudan for the Third Review of a Staff-Monitored Program with Board Involvement”, International Monetary Fund, 2 October 2024. at:
[4] Kamer Karakurum Ozdemir, Laura Sofia Olivera Garrido, Kishan Abeygunawardana, Tehmina Khan, Zerihun Getachew Kelbore, David Santos Ruano, Lubomir Mitov, and Masami Kojima, “A Narrow Path to Recovery: The Key Role of Restoring Public Finances – South Sudan Public Finance Review”, World Bank, January 2026. at:
[5] African Development Bank, “Lamu Port South Sudan – Ethiopia Transport (LAPSSET) Corridor Project – Project Appraisal Report”, African Development Bank, 30 January 2020. at:
[6] Parliament of Kenya, “Report on Progress Made in Fulfilling International Obligations of the Republic of Kenya”, Parliament of Kenya, November 2024. at:
[7] Kenya State Department for Shipping and Maritime Affairs, “East African Oil Refinery Set to Reshape Kenya’s Maritime Economy and Skills Market”, 29 September 2026. at:
[8] Kenya Ministry of Defence, “Security Enables Strategic Investment as Lamu Refinery Takes Shape”, Ministry of Defence, Kenya, 30 September 2026. at:
[9] Edwin Okoth and Duncan Miriri, “Nigeria’s Dangote Breaks Ground on $16 Billion East African Oil Refinery in Kenya”, Reuters, 30 September 2026. at:
[10] Vincent Mumo Nzilani and Wendell Roelf, “Dangote’s Proposed Kenyan Oil Refinery Faces Hurdles, Not Least with Crude Supply”, Reuters, 9 September 2026. at:
[11] Duncan Miriri, “Nigeria’s Dangote Says Refinery IPO Demand ‘Enormous’ as Kenya Project Advances”, Reuters, 29 September 2026. at:
[12] Kenya, “LAPSSET Corridor Development Authority Order, Legal Notice No. 58 of 2013”, Kenya Gazette, 28 March 2013. at:
https://new.kenyalaw.org/akn/ke/act/ln/2013/58/eng@2022-12-31
[13] Ministry of Energy and Petroleum, “Kenya, Strategic Plan 2023–2027”, Ministry of Energy and Petroleum, July 2023. at:
[14] Kenya, “LAPSSET Corridor Development Authority Order, Legal Notice No. 58 of 2013”, Kenya Gazette, 28 March 2013. at:
https://new.kenyalaw.org/akn/ke/act/ln/2013/58/eng@2022-12-31
[15] Kenya Ports Authority, “Port of Lamu”, Kenya Ports Authority, 2026. at:
https://www.kpa.co.ke/Ports/PortOfLamu?utm_source=chatgpt.com
[16] Kenya Ports Authority, “Port of Lamu”, Kenya Ports Authority, 2026. at:
https://www.kpa.co.ke/Ports/PortOfLamu?utm_source=chatgpt.com











































