أحاطت الخارجية الروسية في نهاية سبتمبر الجاري[1] السفراء الأفارقة في موسكو بمضمون وأجندة قمة «روسيا-إفريقيا» الثالثة والمنتدى الاقتصادي والإنساني في روسيا (28-29 أكتوبر 2026م)، وأكد نائب وزير الخارجية الروسي جورجي بوريسنكو أن مضامين القمة وبروتوكولها ولوجيستياتها باتت «في مرحلة أخيرة»، وأن أغلب القادة الأفارقة الذين تمت دعوتهم ورؤساء كتل التعاون الإقليمي قد أكدوا حضورهم القمة.
وإلى جانب الطابع الاحتفالي بهذه القمة، بالنظر إلى ضآلة ما تحقق من القمتين السابقتين قياساً لمخرجاتهما، فإنه من المتوقع أن يصل القادة الأفارقة إلى موسكو للاستماع– بالأساس- لما ستقرره أجندة القمة، وعَقْد لقاءات ثنائية مع المسؤولين الروس تنطوي على مزيد من الوعود بتعميق التعاون وتقويته.
بأي حال، فإن القمة تأتي مع تصاعد التنافس الأمريكي-الصيني في إفريقيا، وتكرار التساؤلات الإفريقية عن جدوى هذه الشراكة الإفريقية-الروسية، ومنها أسئلة عن سبب عدم انعقاد القمة في أي نسخة منها على أرض إفريقية حتى الآن خلافاً لما قرره إعلان سوتشي 2019م من عقد القمة كل ثلاثة أعوام بالتبادل بين روسيا وإحدى دول إفريقيا، مع تأجيل القمة التي كانت مقررة في أديس أبابا في أكتوبر 2022م (بسبب حرب إقليم تيغراي التي انتهت رسمياً في نوفمبر 2022م) وعُقدت في سان بطرسبرج في يوليو 2023م، والقمة الحالية في موسكو أكتوبر 2026م؛ وسؤال عما فعلته موسكو إزاء تراجع مستوى القمة التي حضرها في نسختها الأولى 43 رئيس دولة أو حكومة إفريقي، وانخفض عددهم في قمة سان بطرسبرج إلى 17، وهناك مؤشرات على تراجع إضافي في القمة الحالية.
كما اتضح على سبيل المثال من تراجع الرئيس الأوغندي يوري موسيفني عن حضور القمة ولقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين- على أن يرسل نائبته جيسيكا ألوبو بدلاً منه- أن مسألة تعاون «الجنوب-الجنوب» (التي يرى موسيفني أنه من أبرز قادتها حالياً) تأخذ حيزاً محدوداً مقارنةً ببنود التعاون الروسي الثنائي مع دول القارة، والأمر نفسه بالنسبة للجابون ودول إفريقية أخرى كانت تعطي أولوية للعلاقات مع روسيا في السنوات الأخيرة.
روسيا وإفريقيا: سباق القوة المتوسطة!:
يبدو من قراءة الجهود الروسية- الحثيثة في واقع الأمر- لتعميق التعاون مع الدول الإفريقية أن موسكو قد انتبهت لأهمية دعم سياساتها الاقتصادية والأمنية والعسكرية في القارة ببُعد تنموي بالغ الأهمية، وأن هذه الجهود ستظل فاعلة في السنوات المقبلة نظراً لمردوداتها المرتفعة على تحسين العلاقات الروسية-الإفريقية ودفعها لمستويات جديدة.
لكنّ جمع روسيا علاقاتها الاقتصادية والسياسية والأمنية-العسكرية مع المساعدات متعددة الأوجه لا يمثل الحالة العامة لهذه العلاقات، بل إنها تجد تعبيراً أكبر في منطقة إفريقيا الجنوبية؛ إذ تُعدّ العلاقات الاقتصادية التي تقيمها موسكو في المنطقة أكثر شمولاً مقارنةً بتلك القائمة في معظم أنحاء القارة الأخرى (باستثناء شمال إفريقيا)، وإن كانت لا تزال محصورة في قطاعات محددة. وقد برزت في المنطقة بشكل خاص الشركات المدعومة من الدولة- مثل «روساتوم» Rosatom و«ألروسا» ALROSA و«روس أوبورون إكسبورت» Rosoboronexport – التي تتوزع مصالحها وعملياتها بين قطاعات التعدين والطاقة والدفاع.
وتمتد المصالح الثانوية الأوسع نطاقاً لتشمل مجالات متنوعة، بدءاً من تجارة المنتجات الزراعية والأسمدة (ولا سيما عبر شركتَي «أورالكيم» Uralchem و«فوس أجرو» PhosAgro)، ووصولاً إلى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، والطب النووي والرعاية الصحية عبر شراكات مهمة مع شركات جنوب إفريقية تقوم بدورها بتوزيع منتجاتها في السوق الإفريقية الأكبر وبأسعار وتكاليف تنافسية للغاية مقارنةً بالمنتجات الدوائية الغربية.
وتتعزز هذه المصالح التجارية الروسية بفضل علاقات سياسية راسخة وممتدة منذ فترة طويلة. كما ساهمت البيئة السياسية والأمنية- التي تتسم باستقرار نسبي أكبر في المنطقة- إلى جانب المؤسسات المالية والبنية التحتية الأكثر تطوراً (والتي تتركز في جنوب إفريقيا)[2]، في تعميق الروابط الاقتصادية مع الشركات الروسية، وهو النموذج الذي تسعى روسيا لتعميمه في بقية دول القارة عبر نقل الخبرات الفنية المهمة لهذه الدول وتعميق الشراكات معها على المدى البعيد.
ورغم جهود روسيا الحثيثة لبناء شراكات أعمق مع إفريقيا فإن الاستجابة الإفريقية نفسها، وتراجع قدرة الدول الإفريقية على حسم خياراتها بوضوح كامل، وكذلك عجز روسيا الواضح عن تلبية تطلعات تلك الدول اقتصادياً وسياسياً في بعض الأحيان، كلها عوامل حالت دون تعميق هذه الشراكات.
أجندة قمة أكتوبر 2026م: طموحات كبرى:
أجرت روسيا سلسلة مشاورات مع الاتحاد الإفريقي (يوليو 2026م)[3] في مقره بأديس أبابا، قادها كل من محمود علي يوسف رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي ووزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بهدف مراجعة حالة التعاون بين الاتحادين الإفريقي والروسي، واستشراف مجالات لمزيد من تقوية شراكتهما. ووفرت المشاورات فرصة لتبادل مفتوح وبناء لوجهات النظر حول التطورات الدولية والإقليمية، بما في ذلك، حسب بيان الاتحاد الإفريقي، البيئة الجيوسياسية الدولية المتغيرة، وحالة التعاون متعدد الأطراف وإصلاح الحوكمة العالمية وتحديات السلم والأمن التي تؤثر في إفريقيا والعالم.
ولم تُقدّم بَعدُ تفاصيل حول الأجندة النهائية للقمة؛ ويتوقع أن تدور حول محاور رئيسة كما في القمتين الأولى والثانية على النحو التالي:
– تأكيد المسؤولية المشتركة للاتحاد الروسي والدول الإفريقية من أجل تشكيل نظام عالمي عادل ومستقر يقوم على مبادئ السيادة المتساوية للدول، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام سيادة وسلامة أراضي جميع دول العالم، والحاجة للحفاظ على الهوية الوطنية والموارد الوطنية والتنوع الثقافي والحضاري وحماية القيم التقليدية.
– تعزيز التعاون السياسي والقانوني بين الاتحاد الروسي والدول الإفريقية من أجل المساهمة في تكوين نظام عالمي متعدد الأقطاب ويتسم بقدر أكبر من الاستقرار والتوازن والعدل. وتنسيق المقاربات نحو سياسات العقوبات الموجهة للدول الإفريقية داخل مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة.
– دعم التعاون الأمني بهدف تقوية الصلات بين روسيا والدول الإفريقية لمواجهة التحديات والتهديدات الجديدة ولا سيما الإرهاب والتطرف، بما في ذلك التطرف العنيف الذي يتم عبر الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود وعمليات التهريب الإجرامية والقرصنة والسرقة المسلحة في البحر.
– دعم الاتحاد الروسي لمطلب إفريقيا بتمثيل دائم في مجلس الأمن الدولي، وجهود إفريقيا الممتدة لتحقيق إصلاح شامل في مجلس الأمن من أجل ضمان تمثيل عادل للقارة في «عمليات صنع القرار» العالمي.
– تعميق التعاون في قطاعات البنية الأساسية والطاقة والتحول الصناعي والنقل وفق برنامج تنمية البنية الأساسية في إفريقيا Programme for Infrastructure Development in Africa- PIDA.
– ويتوقع أن تتضمن أجندة القمة تجديد روسيا دعمها لأجندة 2063 والتعهد بتعزيز التعاون الروسي الإفريقي على المدى الطويل لتفعيل اتفاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وأجندة التحول الصناعي في القارة.
– يُتوقع، حسب المشاورات المبكرة بين روسيا والاتحاد الإفريقي التي شهدتها أديس أبابا في يوليو الماضي، تفعيل الاتفاق على مأسسة مشاورات سياسية سنوية رفيعة المستوى بين الجانبين من أجل خلق ما وصفه الجانبان بـ«إطار التعاون الممتد والمتوقع».
ويبدو أن أجندة القمة المقبلة ستكون متخمة بالتوقعات المبالغ فيها إلى حد كبير، والتي ستظل بنودها محكومة بشكل واضح بقدرات روسيا الاقتصادية (والمحدودة في واقع الأمر مقارنةً بالقوى الكبرى والمتوسطة الأخرى الفاعلة في القارة مثل الصين والولايات المتحدة وتركيا والإمارات وغيرها).
تحديات الدور الروسي والاستجابة الإفريقية:
يرى مسؤولون روس عرضوا أفكارهم عن قمة روسيا-إفريقيا أن جهد روسيا المستمر لتمتين العلاقات مع إفريقيا يُقابَل بنوع من التردد الإفريقي في حالات كثيرة. وفي المقابل لا يمكن حقيقةً تلمُّس سياسة إفريقية متماسكة تقوم بها روسيا في القارة، كما أن غلبة النشاط العسكري والأمني على هذه السياسة في الكثير من دول القارة يُكسِب الدور الروسي محدودية واضحة.
وحسب مصادر روسية، فإن موسكو استعدت للقمة المقبلة بتكوين مجموعة عمل روسية-إفريقية، ووضعت كثيراً من الخطط التي تركز على تيسير ومراقبة الاستثمارات الإستراتيجية والتحول الصناعي في إفريقيا وتطوير البنية الأساسية ودعم الزراعة الإفريقية (ولا سيما بتوفير صادرات الأسمدة وتعويض أي نقص سببته الحرب الروسية الأوكرانية)، واستكمال مراجعة ما تم وفق خطة العمل الإستراتيجية 2023-2026م (التي تم وضعها خلال القمة الروسية الإفريقية الثانية).
ومن أبرز تحديات الدور الروسي، أو التعاون الروسي الإفريقي حسب روح القمة المقبلة، ضعف الرافعة الاقتصادية الروسية المصحوب بحاجة إفريقية لاستثمارات سخية وبعائدات سريعة للتغلب على أزماتها الآنية. ولمواجهة هذا التحدي عقدت وزارة الخارجية الروسية نهاية يونيو 2026م الاجتماع الدوري لمجلس الأعمال الإفريقي Business Council on Africa، وعملت على تقديم حلول لمسائل التجارة والتعاون الاقتصادي والاستثماري الروسي مع إفريقيا، ودعت مخرجات الاجتماع إلى التركيز على مساعدة روسيا لدول القارة في تقوية سيادتها الاقتصادية والطاقية والتكنولوجية والغذائية، وتدريب أعداد كبيرة من المتخصصين الأفارقة (ولا سيما في قطاع الصحة في إقليم وسط إفريقيا).
وعلى سبيل المثال يرتكز التعاون الروسي مع أوغندا على إيجاد حلول لتحديات الطوارئ والأمن البيولوجي والمخاوف الصحية؛ إذ تتنوع مجالات عمل اللجنة الدائمة المشتركة بين البلدين (منذ العام 2022م في واقع الأمر ومع تفشي جائحة كوفيد-19) لتشمل الجوانب الاقتصادية والطبية والتدريب العسكري.
وتشمل المبادرات الروسية في أوغندا (إلى جانب كل من الكونغو برازافيل وجمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا بشكل أكثر تحديداً) دعم القطاع الصحي، وتحسين حلول الأمن البيولوجي وآليات الاستجابة للأوبئة، وتعزيز أنظمة الرصد الطبي، فضلاً عن توفير مختبرات متنقلة لتلبية الاحتياجات الطبية.
وقد شكلت اللقاحات جزءاً كبيراً من الدعم الصحي الذي قدّمته روسيا خلال جائحة كوفيد-19، حيث تمكنت موسكو من سد الفجوة في توفير اللقاحات في ظل عجز الدول الغربية- التي كانت تقدم مساعدات طبية سابقاً وأبرزها الولايات المتحدة التي جمدت عدداً من برامج مساعداتها الصحية لإفريقيا- عن تلبية الطلب.
ويتيح هذا الدعم الروسي لأوغندا تعزيز مكانتها وخبراتها في قطاع الرعاية الصحية الإفريقي، كما يوفر لها شريكاً دبلوماسياً في وقتٍ تواجه فيه حكومة موسيفيني انتقادات داخلية حادة.
ورغم نجاح روسيا النسبي في هذا القطاع فإنه يظل محصوراً في رقعة جغرافية ضيقة ومرتبطاً بمدى نجاح موسكو في تمرير مشروعاتها الطاقية في أوغندا (على سبيل المثال عبر شركة روساتوم التي توصلت مع كمبالا إلى تفاهمات لبدء استثمارات هناك)، وهو ما نشير له بغياب جزئي لسياسات روسية إفريقية متماسكة أو إستراتيجية لصالح تبنّي موسكو مواقف انتقائية، أو حسب الهوامش المتاحة لحركتها كما في إقليم الساحل ووسط إفريقيا في أكثر من مجال؛ الأمر الذي يُبرز التحديات القائمة بالفعل أمام روسيا، ونجاح قمتها الثالثة مع إفريقيا نهاية أكتوبر الجاري.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
[1] https://businesspost.ng/world/preparations-for-third-russia-africa-summit/
[2] https://carnegieendowment.org/research/2026/02/russia-role-west-southern-africa-junta-wagner-africa-corps#introduction
[3] https://au.int/en/pressrelease/joint-statement-african-union-russian-federation-high-level-consultations









































