قضت المحكمة العليا في الصومال بأن تمديد ولاية الرئيس حسن شيخ محمود “غير قانوني”، في خطوة تصعّد الأزمة السياسية وتفتح مواجهة بين مؤسسة الرئاسة والسلطة القضائية، وسط خلافات بشأن شرعية المؤسسات الفيدرالية ومستقبل العملية الانتخابية.
جاء الحكم، أمس الخميس، بعد يوم واحد من إصدار الرئيس قرارًا بإقالة رئيس المحكمة العليا باشي يوسف أحمد، وتعيين إبراهيم عيدل سليمان خلفًا له.
لكن المحكمة أبطلت قرار الإقالة، معتبرة أنه صدر بالمخالفة للإجراءات الدستورية، وأكدت في الوقت نفسه انتهاء ولاية الرئيس والبرلمان والحكومة الفيدرالية، مع إلزام القوى السياسية بالتوصل إلى اتفاق انتخابي خلال 30 يومًا وإجراء الانتخابات خلال 90 يومًا.
تتجاوز هذه الأزمة الخلاف حول تمديد الولاية الرئاسية، لتشمل صلاحيات الرئاسة في التعامل مع السلطة القضائية، وشرعية المؤسسات الفيدرالية، والجدول الزمني للانتخابات المقررة في عام 2027، في وقت تتزايد فيه الخلافات بين الحكومة والمعارضة والإدارات الإقليمية.
المحتويات
أبعاد مواجهة الرئاسة والقضاء في الصومال
قضت الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا بانتهاء ولاية الرئيس حسن شيخ محمود في 15 مايو 2026، وولايتي مجلسي البرلمان والحكومة الفيدرالية في 14 أبريل من العام نفسه، رافضة تطبيق التعديلات الدستورية التي أُقرت في مارس بأثر رجعي على المؤسسات القائمة.
واستندت المحكمة إلى أن التعديلات رفعت مدة الولايات من أربع سنوات إلى خمس، دون النص على سريان المدة الجديدة على المؤسسات التي كانت تتولى مهامها بالفعل.
وبناءً على ذلك؛ اعتبرت أن هذه المؤسسات ظلت خاضعة للمدد المحددة في دستور 2012، وأن الإجراءات التي اتخذتها بعد انتهاء ولاياتها تفتقر إلى أساس قانوني.
كانت ولاية شيخ محمود، ومدتها أربع سنوات، قد انتهت في مايو الماضي، لكن إدارته مدّدتها عامًا إضافيًا بموجب تعديلات قانونية أقرها البرلمان في مارس.
وتؤكد الرئاسة أن التمديد يستند إلى التعديلات الدستورية، وأنه ضروري لاستكمال الإصلاحات السياسية والانتقال إلى نظام انتخابي ديمقراطي قائم على التصويت المباشر، بدلاً من نظام المحاصصة القبلية الذي يتولى فيه شيوخ العشائر اختيار ممثليهم.
في المقابل، تتهم قوى المعارضة الرئيس باستخدام التعديلات لإطالة أمد حكمه، وترفض تمديد ولاية المؤسسات الفيدرالية بموجبها.
ولم يشهد الصومال انتخابات مباشرة على مستوى البلاد منذ عام 1969، وظل النظام الانتخابي قائمًا على ترتيبات تقاسم السلطة والتمثيل القبلي.
وفي قرار منفصل، أبطلت المحكمة العليا مرسوم الرئيس الصادر مساء الأربعاء، والقاضي بإقالة رئيسها باشي يوسف أحمد وتعيين إبراهيم عيدل سليمان خلفاً له.
واستندت المحكمة إلى المادتين 135 و138 من الدستور، اللتين تشترطان لعزل أي قاضي صدور اقتراح من مجلس الخدمة القضائية وموافقة مجلسي البرلمان.
ولم يتضمن مرسوم الرئاسة إشارة إلى هذه الإجراءات، واكتفى بالحديث عن شكاوى غير محددة مقدمة من قضاة وموظفين قضائيين ومهنيين قانونيين، إلى جانب الإعلان عن إعادة هيكلة واسعة للسلطة القضائية دون إرفاق خطة تنفيذية.
واعتبرت المحكمة أن الإقالة استهدفت “عرقلة سير العدالة في القضية الدستورية” المعروضة عليها، مؤكدة أن البيان الذي نشرته الرئاسة لا يترتب عليه أي أثر قانوني.
وكانت مؤسسة الرئاسة قد بررت قرار الإقالة بوجود شكاوى تتعلق بإدارة شؤون القضاء، وقالت إن الخطوة تستهدف تحقيق سلطة قضائية عادلة وشفافة، لكن المحكمة رفضت هذا التبرير، وشددت على أن إقالة رئيسها لا تتم إلا وفق الإجراءات الدستورية المحددة.
وسبق أن تسلم إبراهيم عيدل سليمان رئاسة المحكمة العليا، قبل أن يعزله الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو عام 2018، ويعين باشي يوسف أحمد بدلاً منه.
وفي حين انتقلت المحكمة إلى الرئيس الجديد -آنذاك- رغم اعتراض سليمان على قانونية إقالته، رفضت الهيئة القضائية هذه المرة تنفيذ التغيير خلال أقل من يوم، وقبل أن يتمكن المعين الجديد من إصدار أي قرار.
وبذلك أصبح هناك شخصان مرتبطان بالمنصب؛ إبراهيم عيدل سليمان الذي عيّنه الرئيس، وباشي يوسف أحمد الذي أعادته المحكمة إلى موقعه.
وكان باشي أحمد خارج البلاد عند صدور المرسوم الأخير، قبل أن تفيد تقارير بعودته من نيروبي إلى مقديشو الخميس.
تحركات أمنية واتهامات بالتدخل في القضاء
تزامن صدور الحكمين مع تقارير عن تحركات أمنية داخل مقر المحكمة العليا في مقديشو، إذ أفادت روايات بدخول قوات أمنية إلى المجمع بعد ظهر الخميس، على متن أكثر من 30 سيارة عسكرية، ومطالبتها باشي يوسف أحمد بمغادرة المبنى.
كما ذكرت تقارير أن ثمانية من أعضاء المحكمة الأحد عشر كانوا موجودين عند وصول القوات.
وأشارت تقارير أخرى إلى إغلاق الصفحة الرسمية للمحكمة على فيسبوك، التي نشرت بيان إبطال قرار الإقالة، بعد ظهر اليوم نفسه.
كما أفادت بأن باشي يوسف أحمد والقضاة الذين أصدروا الحكم لجأوا إلى منزل الرئيس السابق شريف شيخ أحمد في مقديشو، خشية تعرضهم للاعتقال.
ولم تؤكد الحكومة هذه الروايات أو تنفها، رغم تداول صور في وسائل إعلام صومالية بدت وكأنها تظهر عناصر مسلحة داخل المجمع.
وكانت مصادر قد ذكرت مساء الأربعاء أن الرئاسة الصومالية تدرس اتخاذ إجراءات لمنع باشي يوسف أحمد من العودة إلى مقديشو، قبل أن تتحدث التقارير عن عودته من نيروبي في اليوم التالي.
وفي السياق، اتهم رئيس الوزراء السابق حسن علي خيري الرئيس شيخ محمود بإرسال قوات أمنية إلى مقر المحكمة ومحاولة اعتقال رئيسها، واصفًا ما حدث بأنه “هجوم على المحكمة العليا”.
وقال حسن خيري إن “الصومال يقف عند منعطف خطير، وإن تفكيك السلطة القضائية يمثل تهديدًا مباشرًا لسيادة القانون”.
كما اتهم عبد الرحمن عبد الشكور ورسمي، زعيم حزب “ودجر” والمرشح الرئاسي المعارض، الرئيس بإرسال قوات لاعتقال رئيس المحكمة.
ورحبت قوى المعارضة بحكم المحكمة، ووصفت إقالة رئيسها ونشر القوات داخل مقرها بأنهما إجراءان غير قانونيين.
من جانبه، رحّب الرئيس السابق شريف شيخ أحمد بالحكم، قائلاً إن “البلاد تواجه أزمة سياسية خطيرة” وداعيًا الرئيس إلى تبني نهج قائم على التوافق بين الأطراف السياسية.
تتصل هذه التطورات بخلافات سابقة حول دور المحكمة العليا في النزاعات الانتخابية داخل الولايات الفيدرالية؛ فقد صدّقت المحكمة هذا العام على نتائج انتخابات ولاية جنوب غرب الصومال، بعد دخول القوات الفيدرالية إلى مدينة بيدوا، كما أبطلت في 24 أغسطس نتائج انتخابات ولاية غلمدغ التي كانت تصب في مصلحة حزب العدالة والتضامن (حزب الرئيس).
وقبلت الرئاسة الصومالية الحكم المتعلق بانتخابات جنوب غرب الصومال، ونفذت قرار إبطال نتائج غلمدغ.
وبعد نحو عشرة أسابيع، حاولت الرئاسة استبدال رئيس المحكمة الذي أصدر قرار غلمدغ بمسؤول في حزب العدالة والتضامن، قبل أن تبطل المحكمة قرار تعيينه وتصدر حكمها بشأن انتهاء الولايات الفيدرالية.
مهلة 90 يومًا وإرباك انتخابات 2027
لم تقتصر قرارات المحكمة على تحديد تواريخ انتهاء الولايات، بل وضعت جدولاً زمنيًا جديدًا للعملية الانتخابية، إذ منحت الأحزاب والقوى السياسية 30 يومً للتوصل إلى اتفاق بشأن إطار انتخابي، وأمرت بإجراء الانتخابات خلال 90 يوماً من صدور الحكم.
بحسب هذه المهلة، تنتهي فترة التوصل إلى اتفاق انتخابي خلال الأسبوع الأول من ديسمبر 2026، بينما يحل موعد إجراء الانتخابات في أوائل فبراير 2027.
ويتعارض الأمر مع الجدول الذي أعلنته اللجنة الانتخابية، والذي حدد 15 أبريل 2027 موعدًا للانتخابات البرلمانية، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية بعد شهر، في 15 مايو.
وكانت حكومة شيخ محمود قد أعلنت فترة انتقالية تنتهي بإجراء الانتخابات في أبريل ومايو 2027، استنادًا إلى التعديلات الدستورية التي رفعت مدد الولايات من أربع سنوات إلى خمس سنوات.
لكن حكم المحكمة أعاد فتح الخلاف حول الأساس القانوني لهذا الجدول، بعدما اعتبر أن الولايات الحالية انتهت بالفعل، وأن الحكومة لا تملك سوى صلاحيات تصريف الأعمال، التي تقتصر على إدارة الشؤون الاعتيادية.
في المقابل، ترفض قوى المعارضة وإدارتي بونتلاند وجوبالاند الجدول الانتخابي الذي وضعته اللجنة، كما ترفضان الترتيبات الدستورية التي تستند إليها الحكومة.
وكان الرئيس السابق محمد عبد الله فرماجو، زعيم حزب السلام والحياة، قد حذّر من احتمال إجراء انتخابات موازية، في ظل استمرار الخلاف بشأن النظام الانتخابي والجهة المخولة بإدارته.
وتشمل التعديلات الدستورية التي أُقرت في مارس الانتقال إلى نظام “صوت واحد لكل مواطن” وتأسيس نظام تعددي حزبي، وهو الإطار الذي سُجّل بموجبه حزب العدالة والتضامن.
غير أن المحكمة أبقت هذه الترتيبات قائمة، بينما قضت بانتهاء ولايات المسؤولين الذين سيتولون إدارة الانتخابات بموجبها.
ولم تحدد المحكمة آلية تضمن الالتزام بالمهل التي وضعتها، كما أن الأجهزة الأمنية المكلفة بتأمين الانتخابات تتبع الحكومة التي اعتبرت المحكمة أن ولايتها انتهت، ولا تملك سوى صلاحيات تصريف الأعمال.

الحوار السياسي والتحديات الأمنية
تأتي الأزمة القضائية في وقت تتواصل فيه الخلافات بين الحكومة الفيدرالية والمعارضة والإدارات الإقليمية بشأن ترتيبات المرحلة المقبلة.
وكان شيخ محمود قد دعا إلى عقد حوار وطني خلال الفترة من 14 إلى 18 نوفمبر، بهدف إنهاء حالة الجمود السياسي والتوصل إلى تفاهم بشأن المسار الانتخابي.
لكن قادة المعارضة شككوا في شرعية الرئيس لعقد هذه المناقشات، بعد حكم المحكمة بانتهاء ولايته في مايو الماضي.
وكان منتدى الإنقاذ الوطني قد أعلن تشكيل لجنة للتواصل مع المؤتمر التشاوري، بينما لم يكن مجلس المستقبل، الذي يضم بونتلاند وجوبالاند، قد رد على الدعوة عند مطالبة الرئيس سعيد عبد الله دني، في الأول من نوفمبر، شيخ محمود بالاستقالة.
ويأتي المؤتمر المرتقب في ظل مهلة الثلاثين يومًا التي حددتها المحكمة للتوصل إلى اتفاق انتخابي، ما يضع المشاركين أمام ضرورة بحث ترتيبات المرحلة الانتقالية، والجهة التي ستتولى إدارة الانتخابات، والأساس الدستوري الذي ستستند إليه العملية.
ولا تنفصل هذه التطورات عن التحديات الأمنية التي تواجه الصومال، في ظل استمرار العمليات العسكرية ضد حركة الشباب، التي تسيطر على مناطق ريفية شاسعة رغم سنوات من العمليات الحكومية والدولية.
كما يواجه الجيش الصومالي تحديات على جبهات أخرى، من بينها المواجهات مع قوات الرئيس السابق لولاية جنوب غرب الصومال عبد العزيز حسن محمد المعروف باسم “لفتاغرين” على الطريق المؤدي إلى مدينة بورهكبا التي شهدت مؤخرًا عمليات عسكرية واشتباكات مستمرة بين الجيش الصومالي وحركة الشباب في إطار جهود استعادة السيطرة الحكومية.
وتتزامن الأزمة أيضًا مع ترتيبات أمنية إقليمية مؤثرة، إذ تنتهي ولاية بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار في الصومال (AUSSOM) في 31 ديسمبر 2026، أي قبل انتهاء مهلة التسعين يومًأ التي حددتها المحكمة لإجراء الانتخابات.
كما أعلنت أوغندا، أكبر مساهم بقوات في البعثة الإفريقية التي تقاتل حركة الشباب، اعتزامها سحب قواتها بحلول نهاية العام، كما بدأت سحب الجنود المنتشرين في الصومال بموجب اتفاق ثنائي مع الحكومة الفيدرالية.
تزامن هذه التطورات يضع الحكومة الصومالية أمام ملفات متداخلة، تشمل تنفيذ حكم المحكمة، والتوصل إلى اتفاق انتخابي، وتأمين العملية الانتخابية، وإدارة الترتيبات الأمنية في ظل تقليص الوجود العسكري الأوغندي واقتراب انتهاء ولاية البعثة الإفريقية.
وحتى مساء الخميس لم تكن الرئاسة الصومالية قد أصدرت موقفًا بشأن حكمي المحكمة العليا، وظل بيان الرئاسة المنشور مساء الأربعاء بشأن إقالة باشي يوسف أحمد هو موقفها العلني الوحيد، رغم إعلان المحكمة بطلانه.
كما لم يعلن شيخ محمود ما إذا كانت حكومته ستلتزم بالمهل الانتخابية التي حددها الحكم، في وقت أفادت فيه تقارير بلجوء رئيس المحكمة والقضاة الذين أصدروا القرار إلى منزل شريف شيخ أحمد في مقديشو.
مع ذلك، دعا الرئيس الصومالي، مساء الخميس، القيادات والسياسيين الصوماليين إلى طرح مخاوفهم ومواقفهم عبر الحوار، والمشاركة في المشاورات الوطنية التي أطلقها، بهدف تعزيز الوحدة والتوصل إلى توافق وطني.
وأكد شيخ محمود، في كلمة ألقاها خلال مشاركته في مأدبة عشاء بمدينة دوسمريب، عاصمة ولاية غلمدغ، أهمية الحوار والتشاور بين مختلف الأطراف السياسية، بما يسهم في تجاوز الخلافات وتعزيز التفاهم الوطني.
هذه الكلمة جاءت خلال مشاركة شيخ محمود في مراسم تنصيب القيادة الجديدة للولاية، بحضور مسؤولين من الحكومة الفيدرالية والإدارات الإقليمية.
المصدر: صونا وصومالي ديغست وبي بي سي وقراءات إفريقية











































