دخلت السنغال مرحلة جديد من “لعبة الكراسي الموسيقية” بعد انتخاب عثمان سونكو رئيسًا للجمعية الوطنية (البرلمان)، في خطوة تعيد الرجل الأقوى شعبيًا داخل معسكر السلطة إلى قلب المشهد السياسي، وتفتح الباب أمام مواجهة مؤسساتية غير مسبوقة مع الرئيس باسيرو ديوماي فاي، حليفه السابق وشريكه في الوصول إلى الحكم.
وجاء انتخاب سونكو، مساء اليوم الثلاثاء، بأغلبية ساحقة بلغت 132 صوتًا من أصل 133 داخل البرلمان، بعد أيام فقط من إقالته من منصب رئيس الوزراء.
ASSEMBLÉE NATIONALE : Réintégration du Député Ousmane Sonko / Élection du nouveau Président de l’Assemblée https://t.co/P2l831IsLi
— Assemblée nationale du Sénégal (@assembleesn) May 26, 2026
من الإقالة إلى رئاسة البرلمان
بدأت التحولات المتسارعة يوم الجمعة، عندما أقال الرئيس باسيرو ديوماي فاي رئيس وزرائه عثمان سونكو بعد أشهر من الخلافات السياسية والاقتصادية المتصاعدة بينهما.
وبعد أقل من 72 ساعة، أعلن رئيس الجمعية الوطنية المالك ندايي، أحد أبرز المقربين من سونكو، استقالته من منصبه، ما فتح الطريق أمام إعادة دمج سونكو نائبًا برلمانيًا ثم انتخابه رئيسًا للبرلمان مستفيدًا من الأغلبية الساحقة التي يملكها حزب “باستيف” داخل الجمعية الوطنية، حيث يسيطر الحزب على 130 مقعدًا من أصل 165.
وكان سونكو قد تخلى سابقًا عن مقعده البرلماني بعد تعيينه رئيسًا للوزراء في أبريل 2024، عقب وصول فاي إلى الرئاسة بدعم مباشر منه، غير أن القانون السنغالي يسمح لعضو الحكومة باستعادة مقعده النيابي بعد مغادرة المنصب التنفيذي، رغم الجدل القانوني والسياسي حول تفسير هذه المادة.
واعتبرت المعارضة ما جرى “انقلابًا مؤسساتيًا”، متهمة الأغلبية الحاكمة بفرض أمر واقع داخل البرلمان لخدمة طموحات سونكو السياسية.
شكّل باسيرو ديوماي فاي وعثمان سونكو خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة أبرز ثنائي سياسي معارض في السنغال.
وكان سونكو، الذي مُنع من الترشح للرئاسة بسبب إدانة سابقة في قضية تشهير، قد اختار حليفه المقرب فاي مرشحًا بديلاً لخوض الانتخابات، قبل أن يقوده إلى الفوز بالرئاسة بدعم شعبي واسع، خاصة بين الشباب.
غير أن التحالف الذي قام على مواجهة الرئيس السابق ماكي سال بدأ يتفكك تدريجيًا بعد الوصول إلى السلطة.
وخلال الأشهر الأخيرة، خرجت الخلافات بين الرجلين إلى العلن، خصوصًا بشأن إدارة الاقتصاد، وملاحقة شخصيات من النظام السابق بتهم فساد، إضافة إلى طريقة التعامل مع أزمة الدين العام.
واتهم سونكو الرئيس فاي بالتباطؤ في تنفيذ وعود التغيير، كما انتقد ما وصفه بضعف الدعم السياسي في مواجهة خصومه داخل مؤسسات الدولة.
وفي المقابل، بدا الرئيس فاي أكثر ميلاً إلى التهدئة مع المؤسسات المالية الدولية، في وقت رفض فيه سونكو بشكل واضح أي توجه نحو إعادة هيكلة ديون البلاد.
أزمة ديون وضغوط اقتصادية
تزامن الانقسام السياسي مع تفاقم الأزمة الاقتصادية في السنغال، بعدما جمّد صندوق النقد الدولي برنامج إقراض بقيمة 1.8 مليار دولار إثر اكتشاف أخطاء في بيانات الدين العام.
وبحسب التقديرات الرسمية، ارتفع الدين العام السنغالي إلى نحو 132% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول نهاية 2024، ما وضع الحكومة تحت ضغوط مالية غير مسبوقة.
وفي محاولة لاحتواء الأزمة، عيّن الرئيس فاي الاقتصادي أحمد الأمين لو رئيسًا جديدًا للوزراء خلفًا لسونكو.
ويُعرف لو بخلفيته المالية وخبرته السابقة في البنك المركزي لدول غرب إفريقيا، فيما اعتُبر تعيينه رسالة طمأنة للأسواق والمؤسسات الدولية.
وأكد لو، في أول تصريحاته، أن السنغال تمر بـ”مرحلة طوارئ مالية”، مشددًا على ضرورة الحفاظ على ثقة المستثمرين والقطاع الخاص.
سونكو يطمئن.. ويبعث برسائل قوة
رغم تصاعد الحديث عن احتمال دخول البلاد في أزمة مؤسساتية، سعى سونكو بعد انتخابه رئيسًا للجمعية الوطنية إلى تقديم نفسه كضامن للاستقرار السياسي.
وقال في خطاب حمل رسائل مزدوجة للرئاسة والبرلمان إنه لن يستخدم منصبه الجديد “لتنظيم فوضى مؤسساتية”، مؤكدًا أن البرلمان لن يتحول إلى أداة للانتقام السياسي.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن الجمعية الوطنية “لن تكون غرفة تسجيل”، بل ستقوم بمراقبة الحكومة وممارسة كامل صلاحياتها الدستورية في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العامة.
Ousmane Sonko has been reinstated to Senegal's National Assembly and officially installed as deputy in the Assembly.
— Kennedy Wandera (@KennedyWandera_) May 26, 2026
The vote to elect him President of the National Assembly is now underway.
President Bassirou Diomaye Faye has reportedly moved swiftly to the Constitutional… pic.twitter.com/bnGpYbXCGG
برلمان قوي ورئيس مقيد!
تزداد حساسية المشهد السياسي بسبب القيود الدستورية التي تمنع الرئيس باسيرو ديوماي فاي من حل البرلمان قبل نوفمبر المقبل، أي بعد مرور عامين على آخر انتخابات تشريعية.
ويعني ذلك أن الرئيس سيظل مضطرًا للتعامل مع برلمان يسيطر عليه بالكامل معسكر سونكو، ما قد يفتح الباب أمام مرحلة من “التعايش السياسي الصعب” داخل مؤسسات الحكم.
كما يعني أن سونكو، الذي ظل لسنوات الشخصية الأكثر شعبية داخل التيار المعارض، لم يغادر مركز القوة الحقيقي رغم إقالته من رئاسة الحكومة، بل انتقل إلى موقع يمنحه نفوذًا دستوريًا واسعًا وقدرة أكبر على التأثير في السياسات العامة.
علاوة على ذلك، فإن التعديل الأخير لقانون الانتخابات، الذي أعاد لسونكو أهلية الترشح للرئاسة مستقبلاً، ربما يزيد من احتمالات تحوله إلى منافس مباشر للرئيس فاي في أي استحقاق انتخابي مقبل، بما في ذلك انتخابات 2029.
إقالة عثمان سونكو تكشف تصدع تحالف الحكم وتفتح باب الصراع السياسي في السنغال.
— قراءات إفريقية (@qiraatafrican) May 26, 2026
مقال: إقالة عثمان سونكو.. كيف انهارت ثنائية الحكم في السنغال؟
بقلم: أ. ربيع محمد محمود
باحث ماجستير متخصص في الشؤون السياسية الإفريقية
يمكن قرائته عبر الرابط التاليhttps://t.co/gbWbjmdqqG pic.twitter.com/nPtuoQSr1F











































