د. نِهاد محمود
باحثة متخصصة في الشؤون الإفريقية
دكتوراه في العلوم السياسية- جامعة القاهرة
مقدمة:
لا تزال ظاهرة الإرهاب حاضرة بقوة سواء داخل الدولة أو عبر حدودها، في ظل ارتباطها الوثيق بطبيعة الأوضاع السياسية والأمنية داخل الدول، خاصةً تلك التي تعاني من هشاشة وضعف في قدرة الدولة على بسط سيطرتها على أراضيها.
وفي هذا الإطار، تبدو القارة الإفريقية من أكثر المناطق تأثرًا بهذه الممارسات الإرهابية، ليس فقط من حيث حجمها واتساعها، بل أيضًا من حيث تنوُّع الفاعلين وتداخل الدوافع بين ما هو أيديولوجي وسياسي واقتصادي واجتماعي، فضلًا عن تأثير الصراعات الداخلية، وانتشار الفقر، وتراجع مستويات التنمية، وهي عوامل مجتمعة تُسهم في تهيئة بيئة مُواتية لتمدُّد الجماعات المسلحة، في مناطق عدة بالقارة الإفريقية (منطقة الساحل، حوض بحيرة تشاد، القرن الإفريقي، وغيرها).
ولا يقتصر الأمر على مجرد انتشار مثل هذه الجماعات الإرهابية، بل يمتد إلى تطوّر أنماط عملها وقدراتها على التكيّف مع الضغوط الأمنية؛ حيث باتت تعتمد على تكتيكات أكثر مرونة، وتتحرك عبر الحدود مستفيدة من اتساع المساحات غير الخاضعة للرقابة وضعف التنسيق الإقليمي. كما أن تصاعد وتيرة الاضطرابات في بعض الدول الإفريقية يعكس خللًا واضحًا يؤثر على تماسك الدولة وقدرتها على فرض الأمن، ما يجعل الإرهاب انعكاسًا لأزمات أعمق تتصل بمستويات الاستقرار الداخلي وبفاعلية الأطر الوطنية والإقليمية المعنية بمواجهته.
من هنا تبرز أهمية التقارير والمؤشرات الدولية التي تُعنَى بدراسة ظاهرة الإرهاب، وفي مقدمتها مؤشر الإرهاب العالمي Global Terrorism Index (GTI)؛ إذ توفّر مثل هذه الأدوات إطارًا تحليليًّا يساعد على فهم اتجاهات الظاهرة وتوزيعها الجغرافي، كما تُتيح المقارنة بين الدول وأبرز الفاعلين المهددين، ورصد تطور مستويات التهديد عبر الزمن، بما يسهم في بناء تصور أكثر دقة حول موقع إفريقيا في خريطة الإرهاب العالمية.
تأسيسًا على ما تقدَّم، يسعى هذا المقال إلى تقديم قراءة لأبرز ما ورد في مؤشر الإرهاب العالمي الصادر في مارس من العام 2026م، بالتركيز على منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، عبر المحاور الرئيسية التالية:
أولًا: مؤشر الإرهاب العالمي 2026م: جهة الإصدار- الأهميّة والمنهجيّة- البنية.
ثانيًا: مؤشر الإرهاب العالمي 2026م: قراءة عامة للاتجاهات والتحولات.
ثالثًا: ديناميات الإرهاب في إفريقيا جنوب الصحراء وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي 2026م.
خاتمة.
أولًا: مؤشر الإرهاب العالمي 2026م: جهة الإصدار- الأهميّة والمنهجيّة- البنية
يصدر مؤشر الإرهاب العالمي (GTI) Global Terrorism Index منذ عام 2012م، من خلال معهد الاقتصاد والسلام (IEP) Institute for Economics & Peace، بهدف تقديم تحليل شامل للاتجاهات العالمية لظاهرة الإرهاب، بما يُمَكِّن صانعي القرار والباحثين والجهات ذات الصلة، من تقييم طبيعة التهديدات الإرهابية وتطورها عبر الزمن، من خلال رصد تأثير الإرهاب وقياسه اعتمادًا على بيانات تشمل عدد الهجمات، الوفيات، الإصابات، والأضرار الاقتصادية، وذلك في شكل تقرير سنوي.
جدير بالذكر، أنه صدر عن المؤشر حتى الآن 13 إصدارًا منذ إطلاقه في العام 2012م، وذلك في الأعوام التالية: ٢٠١٢، ٢٠١٤، ٢٠١٥، ٢٠١٦، ٢٠١٧، ٢٠١٨، ٢٠١٩، ٢٠٢٠، ٢٠٢٢، ٢٠٢٣، ٢٠٢٤، ٢٠٢٥، 2026م.
وحول منهجيته، يعتمد مؤشر الإرهاب العالمي على تصنيف 163 دولة وفق 4 مؤشرات رئيسة يتم ترجيحها على مدى 5 سنوات، بما يُتيح قياس الأثر النسبي للعمليات الإرهابية عبر هذه الفترة الزمنية. وتُحتسب الدرجة السنوية لكل دولة من خلال نظام تقييم يأخذ في الاعتبار عدد الهجمات الإرهابية، وعدد الوفيات الناتجة عنها، وعدد المصابين، فضلًا عن عدد الرهائن خلال العام. وتُمنَح هذه المؤشرات أوزانًا متفاوتة تعكس حجم تأثيرها؛ حيث يحصل عدد الوفيات على أعلى وزن (3)، يليه عدد الهجمات (1)، بينما يُمنح كلٌّ من عدد الإصابات وعدد الرهائن وزنًا أقل (0.5 لكل منهما)، كما يوضح الجدولان التاليان. ويُطبَّق متوسط مرجّح لخمس سنوات بهدف عكس الأثر التراكمي والنفسي الممتد للعمليات الإرهابية، بما يجعل المؤشر أكثر دقة في قياس شدة الظاهرة وليس فقط تكرارها.


Source: Adapted from: “Measuring the Impact of Terrorism Global Terrorism Index 2026”, Op.Cit, P.85.
وبخصوص بنية المؤشر (هيكله وأبرز محاوره) في نسخته لعام 2026م، يرتكز على 4 محاور تحليلية رئيسة تسعى إلى تقديم صورة شاملة لظاهرة الإرهاب عالميًّا. في البداية يتمثل المحور الأول في النتائج التي توصل لها المؤشر؛ حيث يَعرض خريطة انتشار الإرهاب، وأبرز الجماعات النشطة، والدول الأكثر تضررًا بالإرهاب خلال عام 2025م. أما المحور الثاني فيتناول اتجاهات الإرهاب، من خلال تحليل أنماط تطوره على المستويين العالمي والإقليمي، بما في ذلك التحولات في الغرب ومختلف الأقاليم. ويركز المحور الثالث على الإرهاب في المناطق الحدودية، باعتبارها بيئات حاضنة للنشاط الإرهابي نتيجة هشاشة الدولة وتشابكها مع الجريمة المنظمة، مع عرض دراسات حالة مثل الساحل الإفريقي وحوض بحيرة تشاد. بينما يناقش المحور الرابع تطرف الشباب، محللًا أسبابه وخصائصه والعوامل المساهمة في تغذية هذه الظاهرة.
ثانيًا: مؤشر الإرهاب العالمي 2026م: قراءة عامة للاتجاهات والتحولات
في مستهل هذا المحور، يُبيّن مؤشر الإرهاب أنه سجَّل هذا العام انخفاضًا ملحوظًا في الإرهاب على مستوى العالم. فقد تراجعت الوفيات الناجمة عن الإرهاب بنسبة 28% لتصل إلى 5,582 حالة، كما انخفض عدد الهجمات بنحو 22% ليبلغ 2,944 هجومًا. وكان هذا التحسُّن واسع النطاق؛ إذ سجّلت 81 دولة تحسنًا في أوضاعها، في حين تدهورت الأوضاع في 19 دولة فقط، وهو أدنى عدد من حالات التدهور في تاريخ المؤشر. ومع ذلك، شهدت الدول الأوروبية زيادة ملحوظة في حجم الأعمال الإرهابية لديها؛ حيث مثّلت 7 دول منها من بين الدول الـ19 التي سجلت تدهورًا.
عقب ذلك يستكمل التقرير، أن هناك 4 جماعات إرهابية كانت هي المسؤولة عن أكبر عدد من الوفيات في عام 2025م، هي تنظيم الدولة (داعش)، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين، وحركة طالبان باكستان، وحركة الشباب. لكن رغم ذلك، يُضيف مؤشر الإرهاب أن 3 من هذه الجماعات الإرهابية سجَّلت انخفاضًا في عدد القتلى في عام 2025م مقارنةً بعام 2024م. حيث انخفضت الوفيات المنسوبة إلى تنظيم الدولة (داعش) بنسبة 12.5%، وحركة الشباب بنسبة 23.9%، وجماعة نصرة الإسلام والمسلمين بنسبة 12.5%. وكان الاستثناء هو حركة طالبان باكستان -ثالث الجماعات الإرهابية خطورة في العالم-، والتي شهدت زيادة في عدد القتلى بنسبة 14.8%. كما انخفض التوسع العالمي للجماعات الإرهابية الأربع الأكثر فتكًا -سالفة البيان-؛ حيث انخفض عدد الدول التي تنشط فيها من 22 دولة في عام 2024م إلى 16 دولة في عام 2025م. وتركزت وفيات الإرهاب في العام الماضي بشكل كبير في 5 دول هي: بوركينا فاسو، وباكستان -التي صُنفت كأكثر الدول تضررًا من الإرهاب لأول مرة منذ إصدار المؤشر-، ونيجيريا، والنيجر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية؛ حيث شكَّلت هذه الدول الخمس مجتمعةً 70% من إجمالي الوفيات العالمية المرتبطة بالإرهاب.
على صعيد آخر، كانت أستراليا والإكوادور وأوكرانيا والولايات المتحدة والنمسا الدول الخمس التي شهدت أكبر زيادة في تأثير الإرهاب في عام 2025م؛ على سبيل المثال تدهور وضع أستراليا نتيجةً لحادثة إطلاق النار في شاطئ بوندي Bondi Beach في سيدني، حيث وقع هجوم مسلّح نفّذه اثنان من المتطرفين، أسفر عن مقتل 15 شخصًا وإصابة 42 آخرين في هجوم استهدف يهودًا أستراليين.
أما عن الولايات المتحدة، فقد سجلت ارتفاعًا مماثلًا في النشاط الإرهابي؛ حيث سجلت 13 هجومًا و28 قتيلًا في عام 2025م. وشملت هذه الحوادث هجومًا بسيارة تبنَّاه تنظيم الدولة “داعش” أسفر عن مقتل 14 شخصًا، واغتيال الأمريكي تشارلي كيرك Charles Kirk -الناشط السياسي اليميني-، و2 من موظفي السفارة الإسرائيلية في واشنطن، العاصمة الأمريكية.
وحول حجم الوفيات الناجمة عن الإرهاب خلال عام 2025م، على مستوى العالم ككل، فيوضحها الشكل أدناه كما يلي:
شكل رقم (1)
الوفيات المرتبطة بالإرهاب وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي 2026م

Source: Adapted from: “Measuring the Impact of Terrorism Global Terrorism Index 2026”, Op.Cit, P.14.
من جهة أخرى، يشير التقرير إلى أن تزايد حالة الاستقطاب والخلافات في النظام الدولي بشكل عام، قد انعكس خلال ارتفاع عدد الهجمات الإرهابية ذات الدوافع السياسية، والتي زادت بنسبة 20% تقريبًا في عام 2025م. وفي هذا الإطار، شكَّلت أمريكا الجنوبية 75% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالأيديولوجية السياسية.
أما الدول الـ10 الأكثر تأثرًا بالإرهاب خلال عام 2025م فيوضحها الإنفوجرافيك أدناه كما يلي:

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م.
يوضح الإنفوجرافيك أعلاه ترتيب الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب خلال عام 2025م؛ حيث تتصدر باكستان القائمة، وتأتي 6 دول من إفريقيا جنوب الصحراء ضمن المراتب العشرة الأولى، ما يعكس تفشي الهجمات الإرهابية في هذه المنطقة مقارنة بدول أخرى حول العالم، وهو ما يستدعي الوقوف على وضعية القارة الإفريقية ككل في المؤشر، وهو ما سيتطرق له المحور التالي.
ثالثًا: ديناميات الإرهاب في إفريقيا جنوب الصحراء وفقًا لمؤشر الإرهاب العالمي 2026م
شهدت خريطة الإرهاب العالمي خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية، تمثلت في انتقال مركز الثقل تدريجيًّا نحو مناطق جديدة، على رأسها إفريقيا جنوب الصحراء. ولم يعد الإرهاب ظاهرة متركزة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كما كان في السابق، بل باتت منطقة الساحل الإفريقي تمثل بؤرة رئيسية للنشاط الإرهابي، مدفوعة بتعقيدات سياسية وأمنية واجتماعية متشابكة.
وفي هذا السياق، يسعى هذا المحور إلى تحليل موقع إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر الإرهاب العالمي، من خلال استعراض الاتجاهات العامة، والعوامل المحفزة، وأبرز الدول الأكثر تأثرًا بالظاهرة.
- الاتجاهات والنتائج الرئيسية:
في البداية، تُظهر البيانات الممتدة للمؤشر منذ عام 2007م تحولًا واضحًا في مركز ثقل الإرهاب عالميًّا نحو إفريقيا، وبالتحديد منطقة الساحل في إفريقيا جنوب الصحراء. فبعد أن كان الإرهاب متركزًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أصبحت منطقة الساحل تستحوذ -في عام 2025م-، على أكثر من نصف إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب، مقارنة بأقل من 1% فقط في عام 2007م. كما يبرز المؤشر أن إفريقيا جنوب الصحراء، كانت المنطقة الوحيدة التي لم تشهد تراجعًا في متوسط تأثير الإرهاب خلال العقد الأخير. وفي هذا السياق، شكّلت إفريقيا جنوب الصحراء، إلى جانب الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب آسيا، ما يقرب من 94% من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب، خلال عام 2025م.
وعليه، يضيف التقرير أن إفريقيا جنوب الصحراء -وفقًا لبيانات عام 2025م-، لا تزال تمثل البؤرة الرئيسية للإرهاب عالميًّا، رغم تسجيل بعض التحسن النسبي، والذي تمثل في انخفاض عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب في 10 دول إفريقية، مقابل ارتفاعها في 4 دول. ومع ذلك، تظل مستويات العنف مرتفعة؛ حيث تركز ما يقرب من 70% من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإرهاب في 5 دول، من بينها 4 دول إفريقية هي: بوركينا فاسو، نيجيريا، النيجر، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. كما شهدت نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية أكبر زيادات في عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب، بارتفاع بلغ 237 و102 حالة وفاة على الترتيب، في حين سُجلت زيادة ملحوظة في هجمات تنظيم الدولة داخل الكونغو الديمقراطية؛ حيث ارتفع عدد القتلى إلى 467 في عام 2025م مقارنة بـ360 في عام 2024م. وعلى الجانب الآخر، حققت بوركينا فاسو تحسنًا لافتًا؛ إذ سجلت أكبر انخفاض في عدد الوفيات الناجمة عن الإرهاب، بتراجع قدره 686 حالة وفاة، أي بنسبة 45% خلال العام نفسه.
وبالنظر إلى ما سبق، لن يكون مستغربًا أن جميع الهجمات الإرهابية العشرين الأكثر فتكًا خلال عام 2025م وقعت في دول إفريقيا جنوب الصحراء، وهي موزعة كما يلي: بوركينا فاسو (6 حوادث)، النيجر (5 حوادث)، الكونغو الديمقراطية (4 حوادث)، نيجيريا (حادثتان)، مالي، الصومال، وبنين (حادثة واحدة لكل دولة).
- هشاشة الحدود وتطرف الشباب.. محفزات التهديدات الإرهابية:
يُعدّ القرب من الحدود سمة مميزة للإرهاب في وقتنا المعاصر، وهو ما يتجلى بوضوح في السياق الإفريقي؛ حيث تتركز نسبة كبيرة من الهجمات بالقرب من المناطق الحدودية، مستفيدة من هشاشة السيطرة الحكومية في هذه المناطق. فغالبًا ما تعاني هذه المناطق -لا سيما في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد-، من فراغات في السلطة وضعف في الوجود الأمني، نتيجة بُعدها الجغرافي وصعوبة تضاريسها، ما يتيح للجماعات الإرهابية بيئة مناسبة للتجنيد والتدريب والتحرك بحرية نسبية. كما تسهم الحدود في تقييد قدرة القوات الأمنية على ملاحقة هذه الجماعات، التي تستفيد من سهولة التنقل بين الدول، في ظل ضعف التنسيق أو تضارب المصالح بين الحكومات المتجاورة، الأمر الذي يحوّل هذه المناطق إلى مساحات رمادية، أي شبه غير محكومة، ويعزز من تمركز بؤر الإرهاب فيها، خاصة في منطقة الساحل الأوسط (الحدود بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر) وحوض بحيرة تشاد، كما يبين الإنفوجرافيك أدناه.

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م.
على صعيد آخر، يشير التقرير إلى مسألة تجنيد الشباب ضمن صفوف الجماعات الإرهابية أو الظاهرة التي يسميها المؤشر بـ”تطرف الشباب”، والتي تشهد تصاعدًا ملحوظًا، مدفوعة بعوامل محلية مرتبطة بالبيئة الإفريقية المحيطة (ومحفزاتها السياسية والاجتماعية). ففي إفريقيا جنوب الصحراء، أشار نحو 71% من المنضمين إلى الجماعات المتطرفة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان من قِبَل قوات الأمن الحكومية كانت العامل الحاسم في توجههم نحو الانضمام لهذه الجماعات الإرهابية، في حين ذكر نحو ربعهم أن الافتقار الكامل لفرص العمل شكّل دافعًا رئيسيًّا للتجنيد. وتعكس هذه المؤشرات أن تطرف الشباب في القارة لا يرتبط فقط بعوامل أيديولوجية، بل يتغذى بدرجة كبيرة على المظالم المرتبطة بسوء الحوكمة والعنف المؤسسي والتهميش الاقتصادي، كما سيوضح الإنفوجرافيك أدناه كما يلي:

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م.
ثالثًا: بؤر التركز الإرهابي في إفريقيا جنوب الصحراء
كما سبقت الإشارة، ضمّت قائمة الدول العشر الأكثر تأثرًا بالإرهاب 6 دول من إفريقيا جنوب الصحراء، هي: بوركينا فاسو، النيجر، نيجيريا، مالي، الصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية. وفيما يلي عرض أكثر تفصيلًا لواقع الإرهاب في كلٍّ منها (أي: الدول الـ6 الأكثر تأثرًا بالإرهاب في إفريقيا جنوب الصحراء وعلى مستوى العالم):
- بوركينا فاسو
على صعيد بوركينا فاسو -الدولة الواقعة في غرب إفريقيا- يشير التقرير الصادر عن معهد السلام إلى تراجعها للمرتبة الثانية على مؤشر الإرهاب العالمي في عام 2025م، بعد أن تصدّرت القائمة لعامين متتاليين، وذلك في ظل انخفاض ملحوظ في مستويات العنف؛ فقد تراجع عدد الوفيات المرتبطة بالإرهاب بنسبة 45%، من 1532 حالة في عام 2024م إلى 846 حالة في 2025م، كما انخفض عدد الهجمات بنسبة 47%، من 111 إلى 59 هجومًا خلال الفترة نفسها. ويُعدّ هذا التراجع لافتًا؛ إذ إنها المرة الأولى منذ ثلاث سنوات التي يقل فيها عدد الضحايا عن ألف قتيل سنويًّا. ورغم هذا التحسن النسبي، لا تزال الهجمات تتركز جغرافيًّا في الشمال والشمال الشرقي، لا سيما على الحدود مع مالي والنيجر؛ حيث استحوذت هذه المناطق على أكثر من نصف إجمالي الهجمات، وسُجّل فيها 513 قتيلًا، مع تصدُّر إقليم الساحل قائمة المناطق الأكثر تضررًا.
وعلى صعيد الجماعات المسلحة الأكثر انخراطًا في الأعمال الإرهابية -والتي كانت الفئات المدنية في مقدمة أهدافها كما يوضح الشكل رقم (2)-؛ تُواصل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين هيمنتها على المشهد؛ إذ تقف وراء أكثر من 80% من الهجمات، رغم تراجع نشاطها نسبيًّا مقارنة بالعام السابق. في المقابل، شهد نشاط تنظيم “داعش” زيادة طفيفة. ورغم انخفاض المؤشرات الكمية للعنف؛ فإن التهديد لا يزال قائمًا بقوة، خاصة في ظل استمرار التدهور الاجتماعي والاقتصادي منذ انقلابَي 2022م، وتصاعد الاضطرابات الداخلية. كما تكشف التقديرات غير الرسمية عن محدودية سيطرة الدولة، التي قد لا تتجاوز 30% من أراضي بوركينا فاسو، في ظل قيام الجماعات المسلحة بمحاصرة مئات المدن وقطع الطرق الحيوية، وهو ما يُقوِّض جهود الحكومة ويعكس هشاشة الوضع الأمني في البلاد.
شكل رقم (2)
ضحايا الإرهاب بحسب الفئات المستهدَفة في بوركينا فاسو- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص21.
- النيجر
سجّلت النيجر أعلى ترتيب لها على مؤشر الإرهاب العالمي، للعام الثاني على التوالي ضمن الدول الـ5 الأكثر تأثرًا، وذلك رغم تراجع نسبي في مستويات العنف خلال عام 2025م، فقد انخفض عدد الهجمات الإرهابية إلى 88 هجومًا مقارنة بـ102 في 2024م (بتراجع 14%)، كما تراجعت أعداد القتلى بنسبة 26% من 944 إلى 703. ويُلاحظ تحوُّل مُهِمّ في أنماط الضحايا المستهدَفة؛ حيث تجاوزت الوفيات بين المدنيين نظيرتها في صفوف العسكريين، لتُشكِّل أكثر من نصف إجمالي ضحايا الإرهاب، كما سيوضح شكل رقم (3)، وفي هذا السياق، تُعدّ هجمات مسجد قرية ماندا في تيلابيري، التي أسفرت عن مقتل 71 مدنيًّا، المثال الأبرز على تصاعد مسألة استهداف المدنيين.
شكل رقم (3)
ضحايا الإرهاب وفقًا للقطاعات المستهدفة في النيجر- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص22.
وعلى صعيد الفاعلين الأكثر تورطًا في العمليات الإرهابية، تصاعد نشاط تنظيم “داعش” بشكل كبير، إذ تبنَّى 33 هجومًا أسفرت عن 416 قتيلًا، وهو أعلى مستوى له في البلاد، بينما واصلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين نشاطها بوتيرة أقل نسبيًّا، كما انخفضت نسبة الهجمات غير المنسوبة مقارنة بالعام السابق.
على نحو آخر، يُبيِّن المؤشر أن تداعيات انقلاب يوليو 2023م قد أسهمت في تعقيد المشهد الأمني؛ حيث تراجعت علاقات النيجر مع شركائها الغربيين، واتجهت نحو تعزيز التعاون مع روسيا، في ظل دعم إقليمي من مالي وبوركينا فاسو. غير أن هذه التحولات لم تنعكس إيجابًا على الاستقرار، بل تزامنت مع تزايد النشاط الإرهابي، بما يعكس استمرار هشاشة البيئة الأمنية وتحديات مكافحة الإرهاب.
- نيجيريا
على صعيد نيجيريا، يُبرز التقرير تسجيلها مرتبتين مرتفعتين على مؤشر الإرهاب العالمي في عام 2025م -الصادر عام 2026م- في انعكاس مباشر للتصاعد الملحوظ في النشاط الإرهابي داخل البلاد. على سبيل المثال: ارتفع عدد الهجمات بنسبة 43%، من 120 هجومًا في عام 2024م إلى 171 في عام 2025م، كما ارتفعت حصيلة القتلى بنسبة 46% لتصل إلى 750، وهو أعلى مستوى منذ عام 2020م. ويُعزَى هذا التصاعد إلى حالة عدم الاستقرار الداخلي، إلى جانب الصراع المستمر بين تنظيم داعش في غرب إفريقيا وجماعة “بوكو حرام”، اللذين شكَّلا معًا نحو 80% من إجمالي الوفيات المرتبطة بالإرهاب. أما جغرافيًّا، فقد تركزت الهجمات بشكل كبير في ولاية بورنو شمال شرق البلاد، التي استحوذت على 67% من الهجمات و72% من الضحايا، ما يعكس استمرار كونها بؤرة رئيسية للعنف.
وعلى مستوى أنماط الاستهداف التي يُوضّحها شكل رقم (4)، ظل المدنيون الفئة الأكثر تضررًا من الإرهاب في نيجيريا؛ حيث شكّلوا 67% من إجمالي الضحايا مقابل 19% فقط من العسكريين، في مؤشر واضح على تحوّل متزايد نحو استهداف المدنيين خلال السنوات الأخيرة.
شكل رقم (4)
ضحايا الإرهاب بحسب الفئات المستهدفة في نيجيريا- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص23.
أما على صعيد الفاعلين الأكثر انخراطًا في العمليات الإرهابية داخل البلاد، فقد استعاد تنظيم “داعش في غرب إفريقيا” موقعه كأكثر الجماعات خطورة، منفذًا 92 هجومًا أسفرت عن 384 قتيلًا، كذلك واصلت “بوكو حرام” نشاطها بوتيرة تصاعدية، رغم تراجعها نسبيًّا. كما برزت جماعة “لاكوراوا” كفاعل جديد صاعد في الممارسات الإرهابية.
وإجمالًا، لا تزال الجماعات المتطرفة تُسبِّب اضطرابات كبيرة في نيجيريا والدول المجاورة لها. وفي هذا السياق، شُكِّلت قوة المهام المشتركة متعددة الجنسيات في عام 2015م للتصدي لتصاعد الهجمات الإرهابية، لا سيما حول محور بحيرة تشاد. ومع ذلك، ورغم الجهود الحثيثة التي تبذلها هذه القوة الإقليمية، لا يزال الإرهابيون يُرهبون أهالي المنطقة.
- مالي
شهدت مالي تراجعًا ملحوظًا في مستويات الإرهاب للعام الثالث على التوالي في عام 2025م؛ حيث سُجِّل 341 قتيلًا جراء 106 هجمات، بانخفاض قدره 42% في عدد الوفيات و47% في عدد الهجمات مقارنة بالعام السابق. ومع ذلك، لا يزال هذا التراجع النسبي يُخْفي استمرار قدرة الجماعات المتطرفة على استغلال حالة عدم الاستقرار السياسي، خاصةً في ظل غياب الحكم المدني منذ انقلاب 2021م وتأجيل الانتخابات دون تحديد موعد جديد.
من جهة أخرى، يشير التقرير إلى تركُّز الهجمات الإرهابية في مالي على المناطق الحدودية مع النيجر وبوركينا فاسو، التي استحوذت على 65% من إجمالي الهجمات والضحايا، بينما شهدت مناطق أخرى مثل موبتي وجاو وكوليكورو وباماكو وكيدال تراجعًا في النشاط الإرهابي، في حين برز إقليم سيكاسو كمنطقة صاعدة شهدت تضاعفًا في عدد الهجمات والوفيات.
وحول الفئات الأكثر استهدافًا في العمليات الإرهابية في مالي خلال العام 2025م، فيوضحها الشكل رقم (5) أدناه كما يلي:
شكل رقم (5)
ضحايا الإرهاب حسب الفئات المستهدفة في مالي- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص24.
وعلى مستوى الفاعلين الأكثر انخراطًا في العمليات الإرهابية ظلت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين التنظيم الأكثر نشاطًا وتأثيرًا، رغم وجود تراجع طفيف في وتيرة عملياتها، في حين شهد نشاط تنظيم “داعش” انخفاضًا ملحوظًا. كما استحوذت الهجمات غير المنسوبة لأيّ جماعات إرهابية على نسبة معتبرة، ما يعكس تعقيد المشهد الأمني وتداخل الفاعلين. وفي سياق كهذا، نفَّذت جماعة نصرة الإسلام والمسلمين أعنف هجماتها خلال العام، لا سيما في منطقتي موبتي وسيجو، مستهدفة قرى ومواقع عسكرية.
على جانب آخر، يبرز التقرير كيف أسهمت الانقلابات المتكررة منذ عام 2012م، وتأخر العودة للحكم المدني، إلى جانب انسحاب بعض القوى الدولية، وتنامي الاعتماد على الشراكة مع روسيا ومجموعة “فاغنر”، في إضعاف قدرة الدولة على بسط سيطرتها، خاصة في شمال البلاد. وعليه، يشير المؤشر أن مثل هذه الأوضاع الهشَّة قد تُوفّر أرضية خصبة لاستمرار نشاط الجماعات المسلحة، مع مخاوف من تصاعد الإرهاب مستقبلًا إذا استمر غياب الاستقرار السياسي وشركاء موثوقين.
- الصومال
بخصوص الصومال، فقد شهدت خلال عام 2025م تراجعًا ملحوظًا في تأثرها بالإرهاب، مواصلةً لاتجاه انخفاضي بدأ منذ نحو 7 سنوات؛ حيث بلغ عدد الوفيات 317 حالة و90 حادثًا إرهابيًّا، بانخفاض نسبته 14.3% و37.1% على التوالي. ويُعدّ هذا المستوى الأدنى منذ عام 2019م، ويُعزَى بشكل رئيسي إلى تراجع هجمات حركة الشباب، التي ظلت الفاعل الإرهابي الأكثر دموية في البلاد؛ إذ كانت مسؤولة عن 86% من الهجمات و82% من الوفيات. كما انخفضت الوفيات المنسوبة إليها بنسبة 24% مقارنة بالعام 2024م، نتيجة نجاح الحملات العسكرية التي قادتها الحكومة الصومالية بدعم من الميليشيات المحلية، إلى جانب مهام بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال والتدخلات العسكرية الأمريكية، وهو ما عزَّز قدرات الدولة على مواجهة التهديدات الإرهابية.
ورغم هذا التحسن، لا تزال التهديدات قائمة؛ حيث تركّز النشاط الإرهابي بشكل أكبر في إقليم هيران وسط البلاد، الذي شهد ارتفاعًا حادًّا في عدد الحوادث والضحايا، إلى جانب تصاعُد ملحوظ في إقليم باري شمال شرق الصومال، في حين تراجَع النشاط الإرهابي بشكل كبير في إقليم بنادر الذي يضم العاصمة مقديشو. كما واصلت حركة الشباب تنفيذ هجمات نوعية، من بينها تفجير استهدف مركزًا لتجنيد الجيش في حي هدن بمقديشو، وأسفر عن سقوط قتلى وجرحى. وفي الوقت ذاته، كثَّفت الحركة من تحركاتها المسلحة؛ حيث سيطرت على بلدات إستراتيجية واقتربت من العاصمة، مستغلة الانقسامات بين الحكومة الفيدرالية والولايات الإقليمية، وتحديات انتقال مهام بعثة الاتحاد الإفريقي، فضلًا عن تدفقات السلاح من اليمن، ما يثير مخاوف من إمكانية استعادة زخمها وتهديد الاستقرار، خاصةً في مقديشو التي تُمثّل مركز السلطة.
وأخيرًا، حول الفئات الأكثر استهدافًا مِن قِبَل الجماعات الإرهابية، فيوضحها الشكل رقم (6) أدناه كما يلي:
شكل رقم (6)
ضحايا الإرهاب بحسب الفئات المستهدفة في الصومال- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م
المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص26.
- الكونغو الديمقراطية
شهدت جمهورية الكونغو الديمقراطية خلال عام 2025م تدهورًا ملحوظًا في أوضاعها الأمنية؛ حيث تقدمت 4 مراتب في مؤشر الإرهاب العالمي الصادر عام 2026م، لتدخل ضمن الدول الـ10 الأكثر تأثرًا بالإرهاب، وهو أعلى ترتيب تُحقّقه على الإطلاق. وقد سجّلت معظم المؤشرات تدهورًا، باستثناء عدد الحوادث الذي انخفض بشكل طفيف، في حين ارتفع عدد الوفيات بنسبة 28% ليصل إلى 467 حالة مقارنة بـ365 في عام 2024م، كما زادت الإصابات المرتبطة بالإرهاب بنسبة 37%. وفي هذا السياق، كانت الكونغو الديمقراطية من بين 4 دول فقط في إفريقيا جنوب الصحراء شهدت ارتفاعًا في وفيات الإرهاب، إلى جانب أوغندا وبنين ونيجيريا. وقد بلغ تأثير الإرهاب ذروته في النصف الثاني من العام 2025م، خاصةً في شهر سبتمبر الذي سجل 109 قتلى، من بينهم ضحايا الهجوم الأكثر دموية عندما استهدف عناصر من جماعة “القوات الديمقراطية المتحالفة” جنازة في منطقة نيوتو، ما أسفر عن مقتل 71 شخصًا.
وتُعدّ كل من القوات الديمقراطية المتحالفة وحركة 23 مارس أبرز الجماعات المُسلَّحة النشطة في البلاد، لكن رغم ذلك لم تدخل في صراع مباشر رغم تداخل مناطق نفوذها. لكن رغم ذلك، فقد أعاق تمرُّد حركة 23 مارس قدرة الحكومة على مواجهة القوات الديمقراطية المتحالفة، خاصةً بعد عودة نشاط الحركة منذ عام 2021م وتوسُّعها السريع في إقليمي كيفو الشمالي والجنوبي، وصولًا إلى السيطرة على مدينة غوما عام 2025م، ما اضطر الجيش الكونغولي إلى تحويل موارده بعيدًا عن عمليات مكافحة القوات الديمقراطية.
وحول الفئات والقطاعات الأكثر استهدافًا في البلاد، مِن قِبَل الجماعات المسلحة، فيوضحها الشكل رقم (7) أدناه كما يلي:
شكل رقم (7)
ضحايا الإرهاب بحسب القطاعات المستهدفة في الكونغو الديمقراطية- مؤشر الإرهاب العالمي 2026م

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص 27.
إجمالًا، برزت منطقة إفريقيا جنوب الصحراء خلال العقد الماضي (2015- 2025م) كمركز جديد للإرهاب؛ حيث تقع 6 من بين الدول الـ10 الأكثر تأثرًا في المؤشر العالمي للإرهاب ضمن هذه المنطقة. ومع ذلك، ورغم الاتجاه التصاعدي طويل الأمد للنشاط الإرهابي، شهد العام 2025م تراجعًا ملحوظًا؛ إذ انخفض عدد الوفيات بنسبة 23.5%، كما تراجعت الهجمات بنحو 28%. ولم تُسجّل سوى 4 دول تدهورًا على المؤشر خلال العام، في حين حققت 18 دولة تحسنًا.
وكان التحسن الأبرز في منطقة الساحل الأوسط؛ حيث سجلت كل من بوركينا فاسو ومالي انخفاضًا كبيرًا في عدد الهجمات والوفيات. على سبيل المثال، تراجعت الوفيات في بوركينا فاسو بنحو 45% خلال عامين، من 1532 إلى 846. ويُعزَى هذا التراجع جزئيًّا إلى تغيُّر تكتيكات الجماعات المتطرفة، التي اتجهت بشكل أكبر نحو فرض الحصار الاقتصادي وأنشطة أخرى تستهدف إضعاف قدرات الدولة.
كما شهدت كل من الصومال والكاميرون انخفاضًا ملحوظًا في النشاط الإرهابي. ففي الصومال، تراجعت الوفيات بنسبة 14% والإصابات بنحو 52% مقارنة بعام 2024م، إلا أن حركة الشباب لا تزال نشطة للغاية، ونجحت رغم تراجع عملياتها في تحقيق مكاسب ميدانية، بل والانخراط في محاولة اغتيال رئيس الدولة. أما الكاميرون، فقد انخفضت لديها الوفيات المرتبطة بالإرهاب، من 222 في عام 2024م إلى 81 في عام 2025م، بنسبة تراجع بلغت 64%، ويرتبط ذلك أساسًا بانخفاض نشاط جماعة بوكو حرام.
في المقابل، سُجّلت أكبر الزيادات في الوفيات المرتبطة بالإرهاب في كل من نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ففي نيجيريا، ارتفعت الوفيات بأكثر من 46%، والهجمات بنحو 43%، مدفوعة بزيادة نشاط بوكو حرام وتنظيم الدولة “داعش” في غرب إفريقيا، اللذين شكّلا 80% من إجمالي الضحايا. كما ارتفع عدد هجمات هذا التنظيم بشكل كبير خلال عام واحد.
أما جمهورية الكونغو الديمقراطية، فقد تقدَّمت 4 مراتب في المؤشر، لتدخل لأول مرة ضمن الدول العشر الأكثر تأثرًا. وارتفعت الوفيات بنحو 28%، مدفوعة بشكل رئيسي بنشاط “القوات الديمقراطية المتحالفة” المرتبطة بتنظيم الدولة، والتي استغلت انشغال الجيش الكونغولي بمواجهة توسع حركة “23 مارس” لتكثيف هجماتها في إقليمي إيتوري وشمال كيفو. واتسمت هذه الهجمات بعنف شديد ضد المدنيين، خاصةً في المجتمعات المسيحية الريفية، عبر القتل الجماعي والاختطاف والحرق. ومن أبرزها: استهداف جنازة أسفر عن مقتل 71 شخصًا في سبتمبر من العام 2025م، ومجزرة داخل كنيسة راح ضحيتها 43 شخصًا في يوليو من العام نفسه. كما فشلت العمليات المشتركة بين أوغندا والكونغو في احتواء العنف، بل ربما أسهمت في انتشار المقاتلين إلى مناطق أوسع داخل البلاد.
وحول ترتيب دول إفريقيا جنوب الصحراء في مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، من الأكثر تضررًا بالإرهاب إلى الأقل، فيوضحها الجدول رقم (3) كما يلي:

المصدر: بتصرف، بحسب مؤشر الإرهاب العالمي 2026م، ص 42.
يتضح من الجدول أعلاه أن هناك تركزًا واضحًا لظاهرة الإرهاب في نطاق جغرافي محدد داخل إفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث تتصدر دول غرب إفريقيا -وفي مقدمتها بوركينا فاسو والنيجر ونيجيريا ومالي- قائمة الدول الأكثر تأثرًا بالظاهرة، بدرجات مرتفعة وترتيب عالمي متقدّم. وفي المقابل، يتراجع مستوى التأثر تدريجيًّا كلما اتجهنا نحو دول شرق وجنوب القارة، وصولًا إلى عدد كبير من الدول التي سجّلت درجات صفرية، بما يُشير إلى غياب أو محدودية النشاط الإرهابي فيها خلال العام 2025م. ويكشف هذا التباين أن الإرهاب في القارة لا يتوزع بشكل متكافئ، بل يتمركز في بؤر ساخنة ترتبط في الغالب بهشاشة الأوضاع الأمنية والسياسية، خاصة في غرب إفريقيا.
خاتمة:
بصورة إجمالية، يعكس مؤشر الإرهاب العالمي في نسخته لعام 2026م، استمرار حضور ظاهرة الإرهاب ضمن التحديات الرئيسية التي تواجه النظام الدولي وليس فقط القارة الإفريقية، رغم ما شهده عام 2025م من تراجع نسبي في بعض المؤشرات على المستوى العالمي، خاصة فيما يتعلق بعدد الحوادث والوفيات المرتبطة بالإرهاب. كذلك، يظل التحسُّن غير متكافئ جغرافيًّا؛ إذ تستمر بعض الأقاليم، وعلى رأسها إفريقيا جنوب الصحراء، في تحمُّل النصيب الأكبر من تداعيات الإرهاب، بما يعكس تركُّز الظاهرة في بؤر محددة دون غيرها.
علاوة على ذلك، تشير نتائج المؤشر إلى أن الإرهاب لم يَعُد ظاهرة نمطية فحسب، بل أصبح يتسم بدرجة عالية من التحوُّل والتكيُّف، سواء من حيث أنماط النشاط المستهدَف، أو طبيعة الفاعلين، أو البيئات الحاضنة والدوافع المغذية للظاهرة. ويظهر ذلك بوضوح في السياق الإفريقي، لا سيما فيما يتعلق بتغير أنماط تجنيد الشباب؛ حيث باتت العوامل المحلية المرتبطة بسوء الحوكمة، والانتهاكات الأمنية، وغياب الفرص الاقتصادية تُمثّل محركات رئيسية للانخراط في الجماعات المتطرفة، متجاوزة التفسيرات التقليدية التي تركز على البُعْد الأيديولوجي. كما برزت أهمية المناطق الحدودية كمراكز رئيسية للعمليات الإرهابية، في ظل ما تعانيه من ضعف السيطرة الحكومية وقصور التنسيق الإقليمي، الأمر الذي أتاح للجماعات المسلحة تطوير أساليب عملها، مستفيدة من الفراغات الأمنية والتعقيدات الجغرافية لهذه المناطق.
في المحصلة، يمكن القول: إن مؤشر الإرهاب العالمي لا يقتصر على كونه أداة إحصائية لرصد الاتجاهات أو تصنيف الدول، بل يُمثل إطارًا تحليليًّا يُسهم في فَهْم التحولات العميقة في أنماط الظاهرة وتطورها، ومن هذا المنطلق تبرز أهمية التعامل مع مخرجاته بوصفها إشارات -ناقوس خطر- تستدعي مراجعة شاملة لآليات المواجهة؛ بحيث لا تظل محصورة في المقاربة الأمنية الضيقة، بل تمتد لتشمل الأبعاد السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ إذ إن التعامل الفعّال مع الإرهاب يقتضي تبنّي مقاربة متعددة المستويات تبدأ بمعالجة العوامل البنيوية المحفزة على التجنيد، وفي مقدمتها التهميش وضعف الحوكمة، وتمر بتعزيز كفاءة إدارة المناطق الحدودية التي تمثل بيئات رخوة لنشاط الجماعات المتطرفة، ولا تنتهي إلا بتطوير أطر التعاون الإقليمي والدولي لمواكبة الطبيعة العابرة للحدود لهذه التهديدات.
وبذلك لا يُسهم هذا الفهم المُركّب في تقديم قراءة أكثر دقة للواقع الأمني فحسب، بل يُتيح استيعاب دينامياته المتغيرة والتعامل معها بقدر أكبر من المرونة والفاعلية، بما يدعم الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء استجابات أكثر استباقية واستدامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر المؤشر:
“Measuring the Impact of Terrorism Global Terrorism Index 2026”, (Sydney: Institute for Economics & Peace (IEP), Mar 2026) Available at: https://www.visionofhumanity.org/wp-content/uploads/2026/03/Global-Terrorism-Index-2026-Report.pdf











































