By Sheriff Bojang Jnr
ترجمة: د.مجدي ادم
مع تصاعد حدة الحرب مع إيران، تراقب الحكومات في مختلف أنحاء إفريقيا الأزمة المتفاقمة بقلق متزايد. نادراً ما تبقى الصراعات في الخليج محصورةً في المنطقة، وغالباً ما تنتشر تداعياتها الاقتصادية بسرعة عبر أسواق الطاقة العالمية وخطوط الشحن قبل أن تصل إلى الاقتصادات الإفريقية على بعد آلاف الأميال.
بدأ الصراع الحالي يمتد بالفعل عبر الخليج، فقد تعرضت البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة لهجمات صاروخية وطائرات مسيرة إيرانية رداً على الضربات الأمريكية والإسرائيلية على طهران.
– سيناريوهات مختلفة:
بالنسبة للدول الإفريقية؛ تظهر التداعيات في الأسواق، بما في ذلك ارتفاع أسعار الوقود، وتعطل خطوط الشحن، وضغوط جديدة على اقتصاداتها الهشة أصلاً.
تتلاشى الآمال المبكرة في أن تنتهي المواجهة سريعاً. يُقدِّر دان ألاماريو، كبير الإستراتيجيين الجيوسياسيين في شركة «ألبين ماكرو» التابعة لـ«أكسفورد إيكونوميكس»، أن الصراع قد يستمر نحو شهرين. ويقول ألاماريو: «قدّرنا في البداية أن يستمر الصراع من أسبوع إلى ثلاثة أسابيع، بحد أقصى شهرين. ومع تطور الحرب، نتوقع الآن مدة أقرب إلى شهرين تقريباً، مع أن ديناميكياتها لا تزال محدودة ذاتياً».
وفي تحليل معمق نُشر في صحيفة «دون» الباكستانية الرائدة، يُحدد الصحفي المخضرم والمحلل الإقليمي «إعجاز حيدر» ثلاثة مسارات محتملة: حرب استنزاف طويلة الأمد بين إيران والقوات الأمريكية الإسرائيلية، أو وقف إطلاق نار تحت ضغط من القوى الكبرى الساعية إلى الاستقرار الإقليمي، أو- في أسوأ الأحوال- تصعيد خارج عن السيطرة قد يُعطّل طرق الشحن الرئيسية مثل مضيق هرمز ويُؤدي إلى صدمة طاقة عالمية.
بالنسبة لإفريقيا؛ قد تتطور كل حالة بشكلٍ مختلف تماماً. لقد تجنبت القارة حتى الآن التداعيات العسكرية المباشرة، لكن بعض المناطق تقع على مقربة من امتداد الصراع الجغرافي، جيبوتي إحداها. تستضيف هذه الدولة الصغيرة في القرن الإفريقي معسكر ليمونير، القاعدة العسكرية الأمريكية الدائمة الوحيدة في إفريقيا، يقع المعسكر ضمن مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ التي تطلقها قوات الحوثيين في اليمن، ويلعب دوراً محورياً في العمليات الأمريكية عبر البحر الأحمر.
وقالت شركة «كونترول ريسكس» للاستشارات في إدارة المخاطر، في مذكرة حديثة لعملائها: «مع تصعيد إيران لحملتها الانتقامية بشن هجمات صاروخية وطائرات مسيّرة، تستهدف المنشآت العسكرية المرتبطة بالولايات المتحدة في المنطقة، فإن محاولة قوات الحوثيين ضرب المعسكر تبدو واردة». وأضافت: «قد تكون أرض الصومال أيضاً هدفاً محتملاً لعناصر الحوثيين رداً على تنامي علاقاتها مع إسرائيل، لكن افتقارها إلى منشآت عسكرية راسخة يقلل من احتمالية ذلك». لكن بالنسبة لمعظم الدول الإفريقية؛ من المرجح أن يأتي الخطر الحقيقي من الأسواق وليس من الصواريخ.
السيناريو الأول: صدمة قصيرة وتهدئة سريعة:
في هذا السيناريو، يندلع الصراع فجأةً ثم ينحسر سريعاً. وتتفاعل أسواق النفط فوراً مع مخاوف التجار من هجمات على ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز أو السفن التي تعبر البحر الأحمر. ترتفع أسعار الطاقة بشكلٍ حاد، وتتذبذب الأسواق المالية، ويتزايد الضغط السياسي في واشنطن مع اتضاح التداعيات الاقتصادية.
والآن، في أسبوعه الثالث، قد يكون الصراع قد تجاوز هذه المرحلة.
في هذا السيناريو، تتراجع الولايات المتحدة، ربما إلى جانب إسرائيل، في نهاية المطاف، ويؤدي الضغط الدبلوماسي إلى وقف إطلاق النار قبل أن يتسع نطاق المواجهة.
لكن حتى صدمة قصيرة قد تُصيب إفريقيا بسرعة، حيث تستورد العديد من الاقتصادات الإفريقية كميات كبيرة من المنتجات البترولية المكررة والغاز الطبيعي المسال، وعندما ترتفع أسعار الطاقة العالمية، ينتشر التأثير بسرعة في الاقتصادات المحلية، ترتفع تكاليف النقل، وتتعرض أنظمة الكهرباء المعتمدة على الوقود المستورد لضغوط كبيرة، وتتأثر أسعار المواد الغذائية تبعاً لذلك.
يقول فوملاني م. ماجوزي، كبير الاقتصاديين في معهد الأسواق الإفريقية AMI: «بالنسبة للحكومات الإفريقية؛ تصبح الأزمة حقيقية عندما تُؤدي إلى ضغوط مالية ونقدية. ومع ازدياد حالة عدم اليقين العالمية، يلجأ المستثمرون عادةً إلى عملات «الملاذ الآمن» مثل الدولار الأمريكي، مما يُؤدي إلى انخفاض قيمة العملات الإفريقية المحلية».
مع ذلك، إذا هدأت حدة الصراع سريعاً، فقد تكون الأضرار محدودة، فبمجرد أن تُدرك الأسواق أن المواجهة لن تتصاعد ستستقر أسعار الطاقة، وسيخف الضغط على الاقتصادات الإفريقية.
سياسياً؛ قد تخرج إيران أقوى. إذا نجت طهران من مواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة، فقد تدّعي صموداً إستراتيجياً، وهي رسالة، بحسب المحللين، قد تلقى صدىً واسعاً في أجزاء من الجنوب العالمي، بما في ذلك إفريقيا.
السيناريو الثاني: مواجهة إقليمية لمدة شهرين:
السيناريو الثاني- وهو الأكثر ترجيحاً حالياً وفقاً لألاماريو- هو صراع يمتد لعدة أسابيع. في هذه الحالة، تستمر الحرب لفترة كافية لتأثير الصدمة الاقتصادية، تبقى أسعار النفط مرتفعة، وتزداد مخاطر الشحن، وتبدأ الحكومات بالشعور بالضغوط.
بالنسبة لإفريقيا؛ من المرجح أن يأتي التأثير الأول عبر طرق التجارة. يمر ما بين 10% و12% من التجارة العالمية عبر البحر الأحمر وقناة السويس، رابطين أوروبا بآسيا وشرق إفريقيا. إذا استمر الصراع؛ فقد ترتفع تكاليف التأمين على الشحن، وقد تُغيّر بعض السفن مسارها حول رأس الرجاء الصالح.
أغلقت إيران فعلياً حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم. ويحذر خبراء الاقتصاد من أن التداعيات قد تُؤثر سريعاً على الاقتصادات الإفريقية.
تعتمد دولٌ مثل كينيا وإثيوبيا وتنزانيا اعتماداً كبيراً على طرق الشحن في البحر الأحمر للتجارة مع أوروبا والشرق الأوسط. وستؤدي تكاليف الشحن المرتفعة إلى ضغوط على المُصدّرين الذين يعانون أصلاً من ضعف الطلب العالمي، بينما ستواجه الاقتصادات المعتمدة على الاستيراد ارتفاعاً في أسعار السلع الاستهلاكية والمستلزمات الصناعية والوقود.
وستبقى أسواق الطاقة تحت ضغط. يمر ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ما يعني أن مجرد التهديد بتعطيل الملاحة قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع.
وأفادت شركة «كونترول ريسكس» بأن «استمرار إيران في استهداف منشآت الطاقة في الخليج وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز؛ سيؤثر بشكلٍ رئيسي على إفريقيا من خلال ارتفاع أسعار الطاقة»، مضيفةً أن أكبر مستوردي المنتجات البترولية المكررة في القارة، بما في ذلك جمهورية الكونغو الديمقراطية وإثيوبيا وموزمبيق، من بين أكثر الدول عرضةً لارتفاع أسعار النفط.
كما حذّر وزير المالية في جنوب إفريقيا في 5 مارس/آذار من أن الارتفاع المطول في أسعار النفط قد يؤدي إلى زيادة التضخم إذا استمر النزاع لأكثر من أربعة أسابيع.
وقد بدأت أسعار الوقود بالفعل في التأثر، وقالت «كونترول ريسكس»: «ارتفعت أسعار البنزين في نيجيريا، وسيختبر الارتفاع المطول التزام الحكومة بترك قوى السوق تحدد أسعار البنزين». أما بالنسبة للأسر؛ فقد تكون الآثار فورية.
ويقول ماجوزي: «نظراً لأن العديد من الدول الإفريقية تستورد المنتجات البترولية المكررة والأسمدة الكيميائية؛ فإن تصاعد التوترات في الشرق الأوسط سيرفع فوراً تكلفة النقل وإنتاج الغذاء». عندما يرتفع سعر لتر البنزين، أو كيس الذرة في سوق محلية في نيروبي أو لاغوس، لا يعود الصراع مجرد خبر عابر، بل يصبح انخفاضاً في القدرة الشرائية للأسر.
يقول «فولا أينا»، محلل الأمن الدولي، إنه بالإضافة إلى الاضطرابات الاقتصادية؛ فإن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط تاريخياً يُنتج تداعيات أمنية غير مباشرة في جميع أنحاء إفريقيا، مشيراً إلى تحولات في التدخل العسكري الخارجي، وإعادة تخصيص موارد الأمن الدولي، والتوسع المحتمل لديناميكيات الوكلاء في المناطق الهشة.
ويضيف: «قد تواجه الدول التي تعاني بالفعل من ضغوط الصراع، ولا سيما في منطقة الساحل والقرن الإفريقي، تزايداً في نقاط ضعفها إذا ما تم تحويل الاهتمام الدبلوماسي العالمي والمساعدات الأمنية نحو أزمة الشرق الأوسط».
السيناريو الثالث: تصعيد كارثي:
بدأ السيناريو الأكثر خطورة بالفعل في الظهور. يتسع نطاق الصراع ليشمل دولاً خليجية وحزب الله في لبنان، فضلاً عن انخراط الولايات المتحدة عسكرياً بشكل أعمق، في حين أدت الاضطرابات الكبيرة في مضيق هرمز إلى اضطراب أسواق الطاقة العالمية. وقد تباطأت حركة ناقلات النفط بشكلٍ حاد، وارتفعت أسعار النفط بشكلٍ كبير، دون وجود نهاية واضحة في الأفق.
يؤكد كلٌّ من واشنطن وطهران قدرتهما على مواصلة القتال. وقد حذّر دونالد ترامب من أن الولايات المتحدة قد تُصعّد ردها إذا استمرت إيران في تعطيل الملاحة، بينما يقول القادة الإيرانيون إن بلادهم مستعدة لمواجهةٍ طويلة الأمد.
في غضون ذلك، أشارت إسرائيل إلى أن حملتها قد تستمر حتى يتم إضعاف القوة العسكرية الإيرانية، وربما النظام نفسه، بشكلٍ كبير. مما يثير مخاوف من أن يتحول الصراع إلى حرب إقليمية أوسع نطاقاً.
إذا استمرت الأزمة لأشهر؛ فقد يصبح الضغط المالي شديداً. ووفقاً لماجوزي؛ قد تواجه الدول الإفريقية «ضغوطاً مضاعفة» نتيجةً لتزايد تكاليف دعم الوقود، وضعف العملات، وتزايد أعباء الديون.
مع بلوغ متوسط نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إفريقيا نحو 63% في عام 2026م، فإن استمرار أسعار النفط فوق 100 دولار قد يدفع الاقتصادات الهشة نحو مفاوضات جديدة لإعادة هيكلة ديونها.
ويقول ماجوزي لمجلة «ذا أفريكا ريبورت»: «بالنسبة للدول المعرضة أصلاً لخطر المديونية المفرطة، كإثيوبيا وزامبيا، قد تكون صدمة الطاقة الممتدة لعدة أشهر بمثابة نقطة تحوّل تستدعي إعادة هيكلة رسمية للديون ضمن أطر دولية، حيث تستنزف تكاليف الوقود والتمويل المتزايدة الموارد المحلية بالكامل».
ونظراً لانتشار الفقر والهشاشة المالية في أجزاء من القارة، يرى «فولا أينا» أن الارتفاعات الحادة في أسعار الوقود والغذاء لطالما أدت إلى اندلاع احتجاجات واضطرابات سياسية في العديد من الدول الإفريقية. وبالتالي؛ فإن استمرار الصراع في الشرق الأوسط قد «يُفاقم المظالم الاقتصادية القائمة، وفي ظل بيئاتٍ سياسية أكثر هشاشة؛ قد يُترجم إلى مخاطر متزايدة لعدم الاستقرار».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مصدر المقال:
Sheriff Bojang Jnr, Three Iran war scenarios and what each means for Africa.17/3/2026. at:
https://www.theafricareport.com/411991/three-iran-war-scenarios-and-what-each-means-for-africa/











































