تُواجه جمهورية جنوب السودان، وهي أحدث دولة مستقلة ومُعترَف بها دوليًّا، أزمةً سياسيةً ممتدة، تفرضها التأجيلات المُتكررة لأول انتخابات عامة يتطلع إليها مواطنو هذا البلد لتعزيز الانتقال الديمقراطي وإنهاء الفترة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاقية السلام المُنشّطة لحل النزاع في جنوب السودان عام 2018م، ويرجع هذا التأجيل، الذي تكرَّر في أربع مناسبات خلال عقد واحد، إلى عدة تحديات تتعلق بعدم الاستقرار، ونقص التمويل، فضلًا عن غياب الإرادة السياسية، مما يعكس أزمةً هيكلية عميقة في نظام الحكم، ويُبرز مدى الهشاشة السياسية لدولة الجنوب التي عانت لسنوات من فوضى الحرب الأهلية المدمرة التي اندلعت رحاها بين القوات الحكومية وجماعات المُعارضة، ويزداد القلق اليوم من خطر انهيار السلام الهشّ، وسط تفاقم العنف واستمرار الاشتباكات المُسلَّحة بين الأطراف المُتنازعة.
ومع اقتراب موعد الانتخابات في ديسمبر 2026م، لا تزال احتمالات عَقْدها في الموعد المُحدَّد ضعيفة للغاية، خاصةً في ظل غياب أيّ إجراءات أو تدابير جدية مِن قِبَل الحكومة لتهيئة بيئة مواتية لإجراء انتخابات نزيهة وعادلة. فقد أشارت اللجنة الوطنية للانتخابات إلى أنها تلقت فقط 4% من الموارد المالية المطلوبة لتنفيذ مهامها، وهي نسبة لا تكفي للقيام بإعداد قوائم الناخبين أو تقسيم الدوائر الانتخابية، وتثير هذه المعطيات تساؤلًا جوهريًّا حول قدرة الحكومة الانتقالية على مواجهة التحديات اللوجستية والسياسية التي تقف عائقًا أمام تنظيم العملية الانتخابية ورسم مسار مستقر نحو ديمقراطية مستدامة، كما تفتح الباب أمام تساؤلات أخرى: هل يُعدّ التأجيل المُتكرر للانتخابات منطقيًّا ومُبرَّرًا كنتيجة للواقع المتأزم أم أنه مجرد تكتيك مقصود من الحكومة للمماطلة وتعزيز بقائها في السلطة؟ وهل ستُجرَى الانتخابات في موعدها المحدَّد وما الذي ينبغي فعله لتجنُّب تأجيل آخر؟
حربٌ تلو الأخرى… جنوب السودان ومتلازمة الفوضى:
في يوليو 2011م، أعلن جنوب السودان، بعد استفتاء شعبي لتقرير المصير، انفصاله رسميًّا عن دولة السودان بعد صراع طويل دام لعُقود بين جوبا والخرطوم، وعلى الفور أيَّدت الأمم المُتحدة هذه الخطوة، وقَبِلتْ انضمام الدولة الجديدة إلى عضويتها بوصفها آخر دولة مستقلة ومعترف بها، وبعد أسبوعين نالت جمهورية جنوب السودان عضوية الاتحاد الإفريقي باعتبارها الدولة الـ54 في المنظمة.
لم يمضِ أكثر من عامين على الاستقلال، حتى بدأت الدولة الجديدة بالانزلاق إلى فوضى الحرب الأهلية بعدما أعلن الرئيس “سلفاكير” في يوليو 2013م، إقالة نائبه “رياك مشار” وجميع أفراد حكومته، وسرعان ما تفاقمت الخلافات الشخصية بعد أنْ أعلن الأخير نيته الترشح لرئاسة الجمهورية في الانتخابات الرئاسية التي كان مقررًا عقدها عام 2015م، وما بدا في ظاهره نزاعًا سياسيًّا حول السلطة والنفوذ كان في جوهره صراعًا عرقيًّا بين قبيلة “الدينكا” التي ينتمي إليها الرئيس سلفاكير، وقبيلة “النوير” التي ينتمي إليها نائبه المُقال رياك مشار؛ حيث عمد كل طرف إلى استغلال المظالم الاجتماعية لقبيلته بهدف استقطابها إلى جانبه في صراعه مع الطرف الآخر([1])، وبالتالي توظيف الهوية القبلية كأداةٍ للتعبئة وعاملٍ لإضعاف مؤسسات الدولة وانتشار المليشيات العرقية.
وعلى الرغم من توصل الأطراف المتحاربة إلى اتفاقٍ لحل النزاع (ARCSS) عام 2015م، وما تلاه من تشكيل حكومة مؤقتة في أبريل 2016م، إلا أنه سرعان ما تجدَّد القتال مرةً أخرى بين القوات الحكومية والفصائل المتمردة الموالية لمشار، لتدخل البلاد نفقًا مظلمًا تحت وطأة الحرب الأهلية الممتدة، خاصةً وأنَّ الحرب أخذت طابعًا إقليميًّا مع اتجاه كل طرف إلى الاستقواء بالخارج والاستعانة بحلفائه الإقليميين، فقد سارعت أوغندا بإرسال قوة مسلَّحة لدعم القوات الحكومية التي طالبت بالتدخل لمنع سقوط آبار النفط في أيدي المتمردين، بينما استنجد “مشار” بحكومة الخرطوم، داعيًا الهيئات الدولية والقوى الفاعلة إلى اتخاذ ما يلزم من تدابير لحماية الجنوب من دكتاتورية سلفاكير([2]).
ومع تواصل جهود التهدئة والوساطة، انخرط طرفا الصراع في مفاوضات سلام جديدة، أسفرت في نهاية المطاف عن توقيع الاتفاقية المُنشَّطة لحل النزاع في جمهورية جنوب السودان (R-ARCSS)، المُبرمة في سبتمبر 2018م، والتي نصَّت على تشكيل حكومة انتقالية للوحدة الوطنية في جنوب السودان تضم قادةً للمُعارضة، وحدَّدت ولاية الحكومة وهيكلها وسلطاتها التنفيذية، وكذلك الأحكام المُتعلقة بتنظيم وإجراء الانتخابات الوطنية، كما تضمَّنت الاتفاقية خططًا مفصَّلةً بشأن مسائل إعادة الإعمار وحماية حقوق اللاجئين وإدارة الموارد الاقتصادية والمالية للبلاد، بما يسهم في تعزيز جهود مكافحة الفساد ويضمن التوزيع العادل للثروات، وبموجب الاتفاقية تم إنشاء لجنة مشتركة للرصد والتقييم بحيث تكون مسؤولة عن مراقبة الاتفاقية وضمان تنفيذها والالتزام بمخرجاتها.
ورغم أنَّ الاتفاقية المذكورة خفَّضت وتيرة العنف نسبيًّا، ونجحت في تشكيل حكومة مؤقتة وسمحت بعودة زعيم المُعارضة “رياك مشار” إلى منصبه نائبًا أول للرئيس، إلا أنها فشلت في إرساء سلام مستدام، نظرًا لتعثر الترتيبات الأمنية المتعلقة بتشكيل جيش وطني مُوحَّد، وفشل جهود إجراء الانتخابات وتنفيذ آليات العدالة الانتقالية، مما أضعف شرعية الاتفاقية وفعاليتها ومهَّد لعودة الاشتباكات المُسلَّحة([3])، وسط اتهامات متبادلة بين النظام والمعارضة بخرق بنود اتفاقية السلام، وبلغت التوترات بين الطرفين ذروتها في مارس 2025م، عندما أصدر الرئيس “سلفاكير” أمرًا باعتقال نائبه “رياك مشار” تمهيدًا لمحاكمته بتهمة دعم الإرهاب وارتكاب جرائم ضد الإنسانية، فضلًا عن تدبير هجمات شنّتها ميليشيا الجيش الأبيض الموالية له، ردًّا على ذلك، أعلنت “الحركة الشعبية لتحرير السودان – المعارضة” تعبئة قواتها والتقدم نحو العاصمة “جوبا” بهدف تغيير النظام واستعادة المسار الديمقراطي، ومع استئناف الاشتباكات بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة، يُخشى أن يُفضي هذا التصعيد العسكري إلى نسف إطار السلام الهشّ، ودفع البلاد نحو خطر توسع رقعة الصراع المُسلَّح، مما قد يُقوِّض أيّ فرصة لإجراء الانتخابات المُقرَّر عقدها في ديسمبر المُقبل.
مما تقدم، يمكن القول: إنَّ حالة الفوضى وانعدام الاستقرار التي يعاني منها جنوب السودان منذ إعلان انفصاله عن الشمال عام 2011م، قد ضاعفت مستوى الهشاشة السياسية والاقتصادية، وفاقمت من عجز الحكومة عن الوفاء بالتزاماتها ووعودها بتحقيق التنمية ومعالجة غياب الأمن والتفاوتات الاجتماعية وعدم المساواة، مما زاد من تعقيد الأوضاع السياسية والأمنية التي رسَّخت بدورها بيئة غير مُواتية لإجراء انتخابات نزيهة تضمن استئناف الانتقال الديمقراطي وتجاوز الولاءات السياسية الضيقة، تحقيقًا لمفهوم دولة المواطنة([4]) التي تُلبِّي طموحات شعب جنوب السودان وتطلعاته بعد عقد ونصف من الاستقلال.
جنوب السودان بين مأزق الانتخابات المؤجَّلة ودوامة الفترة الانتقالية:
من المتفق عليه أنَّ عملية الانتخابات في أيّ دولة، ولا سيَّما تلك الدول التي تمر بفترات انتقالية، تمثل ركيزةً أساسيةً لدعم المسار الديمقراطي، وإجراءً دستوريًّا لمنح الحكومة شرعيتها السياسية بوصفها مسوغًا لبقائها وقدرتها على ممارسة سلطاتها والوفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها، ورغم أنَّ تأجيل الانتخابات في جنوب السودان يجد ما يبرره لدى البعض، باعتبار أنَّ الأوضاع السياسية والتحديات الأمنية والاقتصادية التي يمر بها هذا البلد، منذ عام 2013م إلى اليوم، غير مواتية لإجراء انتخابات ديمقراطية سليمة ونزيهة، إلا أنه لا يمكن استبعاد فرضية أخرى، مؤداها أنَّ هذه التأجيلات المتكررة تمثل في جوهرها تكتيكات للمماطلة من جانب الحكومة الانتقالية التي تشكَّلت عام 2020م بموجب اتفاقية السلام المنشَّطة لعام 2018م، لتكريس بقائها السياسي وإطالة أمد الفترة الانتقالية.
فقد شهدت دولة جنوب السودان أربعة تأجيلات متعاقبة لانتخاباتها العامة، بدءًا من عام 2015م عندما حُدد موعد الانتخابات للمرة الأولى، لكن تم تأجيلها على خلفية تجدُّد النزاع ومزاعم بتدبير انقلاب ضد السلطة، وبعد توقف أعمال القتال، نصَّت اتفاقية السلام المنشَّطة المبرمة عام 2018م على اجراء الانتخابات قبل 60 يومًا من نهاية فترة انتقالية مدتها 36 شهرًا، ومرةً أخرى لم يتم الالتزام بهذا الموعد لتؤجل الانتخابات إلى عام 2022م نظرًا لمخاوف من تصاعد أعمال العنف، وفي عام 2022م قرَّرت الحكومة الانتقالية تأجيل الانتخابات للمرة الثالثة بحيث تُعقد في ديسمبر 2024م، مرجعةً هذا القرار إلى التحديات اللوجستية وعدم الجاهزية، قبل أنْ تصدر الحكومة، في سبتمبر 2024م، قرارها بالتأجيل للمرة الرابعة لمدة 24 شهرًا، أي بحلول ديسمبر من عام 2026م([5]).
ولا شك أنَّ هذا التأجيل المتكرر يقوض شرعية السلطة، ويهدد بتآكل ثقة المواطنين في العملية الديمقراطية، وهو ما يمكن الوقوف عليه لدى مطالعة تقرير حالة الديمقراطية العالمية، الذي يصدر بشكل سنوي عن المعهد الدولي للديمقراطية والمساعدة الانتخابية؛ حيث كشف تقرير عام 2025م أنَّ دولة جنوب السودان تشغل ترتيبًا متدنيًا للغاية في الفئات الأربع التي يقيسها التقرير للوقوف على حالة ومستوى العملية الديمقراطية في الدول المستهدفة؛ إذ تحتل المرتبة 165 في فئة الحقوق من أصل 173 دولةً، والمرتبة 164 في سيادة القانون، والمرتبة 151 في فئة التمثيل، والمرتبة 161 في فئة المشاركة السياسية، مما يعكس الحاجة المُلحة إلى الإصلاح الديمقراطي([6]).
انتخابات ديسمبر 2026م… الفرص والتحديات:
رغم اقتراب الموعد المُحدَّد لبدء الاستحقاق الانتخابي في جنوب السودان، المقرر إجراؤه في ديسمبر 2026، لا يزال هناك غياب واضح لأي خطوات جادة أو ملموسة من جانب السلطة السياسية، تعكس جديتها أو رغبتها في الوفاء بتعهداتها بإجراء الانتخابات في موعدها الرسمي. من ناحيةٍ أخرى لا تزال التحديات، التي تذرعت بها حكومة الوحدة الوطنية الانتقالية لتأجيل الانتخابات قبل عامين، قائمةً ولم تتم معالجتها بشكل فعَّال منذ قرار التمديد الأخير، ويؤشر هذا الواقع إلى أنَّ فرص إجراء الانتخابات في ديسمبر المقبل تبدو ضئيلةً للغاية.
وضمن هذا السياق، يرى مراقبون أنَّ التصريحات الحكومية المتواصلة بشأن الانتخابات ليست صادقةً، بل هي مجرد إستراتيجية لإدارة ضغوط الرأي العام والجهات الفاعلة الإقليمية والدولية، وبحسب تقرير صادر عن منظمة مراقبة محلية، حصلت اللجنة الوطنية للانتخابات بجنوب السودان على 4% فقط من الميزانية التي تحتاجها لمباشرة مهامها التنظيمية المتعلقة بالانتخابات، وفي حال لم تحصل اللجنة على الدعم المالي الكافي بحلول أبريل 2026م فإنَّ الانتخابات قد تُواجه مخاطر التأجيل مرةً أخرى([7]).
ويمكن أنْ نُحدِّد أربعة عوامل تُهدِّد بتأجيل الانتخابات وتقويض سير العملية الانتخابية المزمع إجراؤها في ديسمبر القادم، وتتمثل هذه العوامل فيما يلي:

الشكل من إعداد الباحث
1- غياب الإرادة السياسية:
يشكل غياب الإرادة السياسية لدى النخبة الحاكمة في جنوب السودان سببًا رئيسًا لأزمة التأجيل المتكرر للانتخابات، فالنخبة السياسية الحالية التي تطمح إلى تكريس بقائها في السلطة ليس لديها أي حافز لتنظيم انتخابات قد تُغيّر الوضع الراهن وتحول دون احتفاظ أفرادها بمناصبهم ونفوذهم إلى أجل غير مسمَّى، ويعزز غياب هذه الإرادة رغبة هؤلاء القادة السياسيين في الإفلات من المساءلة والعقاب؛ لذا فهم ليسوا بحاجةٍ إلى تفويض شعبيٍّ يُؤكد شرعية استمرارهم في السلطة([8]).
من ناحيةٍ أخرى، وضعت اتفاقية السلام المنشَّطة لعام 2018م مسألة تأجيل الانتخابات بيد الحكومة الانتقالية والمجلس التشريعي؛ حيث قضت بضرورة موافقة ثلثي مجلس الوزراء، الذي يضم الرئيس ونوابه الخمسة، وكذلك ثلثي نواب المجلس التشريعي الوطني من أجل اعتماد قرار التأجيل، ونظرًا لأن أفراد هذه النخبة لديهم مصلحة راسخة في الحفاظ على الوضع الراهن، فإنهم لا يدعمون إجراء الانتخابات كونها قد تُعرِّض عودتهم إلى مناصبهم الحالية للخطر([9])، وضمن هذا السياق، أعربت حكومات دول الترويكا الثلاث الداعمة للمرحلة الانتقالية في جنوب السودان (بريطانيا، الولايات المتحدة، والنرويج)، عن شعورها بخيبة أمل عميقة إزاء قرار التأجيل الأخير، واتهمت حكوماتها القادة السياسيين في جوبا بأنهم يفتقرون إلى الإرادة السياسية، وأنهم يفضلون تجاهل مصالح مواطنيهم وتكريس السلطة في أيدي نخبة صغيرة([10]).
2- عدم كفاية التمويل:
تُواجه اللجنة الوطنية للانتخابات في جنوب السودان، والتي أُعيد تشكيلها في ديسمبر 2023م، نقصًا حادًّا في التمويل رغم حاجتها إلى تمويل مستدام يضمن قيامها بالإجراءات اللازمة للعملية الانتخابية؛ إذ أعلنت اللجنة الوطنية أنها تلقت فقط 4% حتى الآن من الحصة المالية المُخصَّصة لها، مما يُهدّد قدرتها على الاضطلاع بمهامها الانتخابية؛ والتي من بينها: إعداد قاعدة بيانات الناخبين، وتلقي طلبات الترشح، وغيرها من المهام الأخرى.
ويرجع نقص التمويل إلى عاملين رئيسيين؛ يتمثل العامل الأول في إعطاء الأولوية للعمليات العسكرية التي تشنّها الحكومة ضد المعارضة، وما يترتب عليه ذلك من تخفيض نفقات القطاعات والمؤسسات الأخرى، أما العامل الآخر فيُعزَى إلى تراجع عائدات النفط التي توفر أكثر من 90 في المائة من إيرادات حكومة جنوب السودان، على خلفية الصراع المستمر في دولة السودان بين الجيش وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023م؛ حيث تسبَّبت الحرب الجارية في تفجير خط الأنابيب الرئيسي الذي يربط آبار ومراكز إنتاج النفط في الجنوب السوداني بموانئ التصدير في دولة السودان.
3- تواصل الاشتباكات المُسلَّحة:
يواجه جنوب السودان تدهورًا أمنيًّا متسارعًا منذ أواخر عام 2025م، على خلفية تجدُّد الاشتباكات بين القوات الحكومية (قوات الدفاع الشعبي لجنوب السودان) وجماعات المعارضة (الحركة الشعبية لتحرير السودان) في عددٍ من أقاليم وولايات الجنوب السوداني، وقد خلَّف هذا التصعيد آلاف الضحايا، فضلًا عن نزوح عشرات الآلاف من السكان الذين أجبروا على مغادرة منازلهم خوفًا من أعمال العنف، الأمر الذي يُهدّد باتساع رقعة الصراع وانهيار اتفاقية السلام المنشَّطة التي يبدو أنها عاجزة عن إرساء سلام مستدام، نتيجة لإخفاقها في معالجة الأسباب الجذرية للحرب، ولا ريب أنَّ هذه الأوضاع الأمنية المضطربة توفر بيئةً غير مواتية لإجراء انتخابات حرة ونزيهة، فمن شأن استمرار الصراع أن يؤدي إلى تقويض الأمن اللازم لتسجيل الناخبين وتأمين العملية الانتخابية، كما تتسبب أعمال العنف في نزوح آلاف المواطنين، مما يحول بالتالي دون مشاركتهم في التصويت.
4- التحديات الفنية:
لا تزال تعترض عملية تنظيم الانتخابات عدة عقبات فنية، ومن غير المرجح تجاوز تلك العقبات أو معالجتها خلال الأشهر القليلة التي تسبق بدء الانتخابات في ديسمبر 2026م، أحد هذه التحديات يتمثل في إجراء تعداد سكاني لجنوب السودان، وهو أمرٌ ضروري لضمان نزاهة العملية الانتخابية وديمقراطيتها، كونه يتيح تقسيم الدوائر الانتخابية بشكل عادل، ويضمن التخطيط اللوجستي السليم للانتخابات؛ حيث يعود آخر تعداد سكاني لدولة الجنوب إلى عام 2008م عندما كانت لا تزال جزءًا من دولة السودان الموحدة، وقد يستغرق هذا الإجراء بحسب تقديرات رئيس المكتب الوطني للإحصاء 16 شهرًا، ما يعني عمليًّا صعوبة القيام بهذا الإجراء خلال المهلة المتبقية، سيَّما وأنَّ ما يقرب من ثلث سكان جنوب السودان إما نازحين داخليًّا أو لاجئين في دول الجوار، مما يجعل مهمة التعداد السكاني بالغة الصعوبة([11]).
ما الذي ينبغي فعله لتجنُّب تأجيل آخر للانتخابات؟
لضمان إجراء الانتخابات في موعدها المُحدَّد وتفادي تأجيل آخر، في ظل تنامي الاستياء الشعبي وتطلع مواطني جنوب السودان إلى تجاوز الفترة الانتقالية وممارسة حقوقهم الدستورية عبر صناديق الاقتراع، فإنه من غير المنطقي أنْ تتحمَّل اللجنة الوطنية للانتخابات المسؤولية الكاملة عن تنظيم الانتخابات والتخطيط لها؛ نظرًا لقدراتها المحدودة والتحديات اللوجستية التي تواجهها، ولتجاوز هذه المعضلة ينبغي إشراك منظمات المجتمع المدني، لدعم جهود التوعية المدنية وتثقيف الناخبين، أو من خلال ايجاد هيئة حكومية شبه مستقلة، على غرار الهيئة الوطنية للتماسك والتكامل، بهدف تعزيز التعاون مع منظمات المجتمع المدني في مجال تنظيم الانتخابات وتذليل العقبات التي تعترضها([12]).
علاوةً على ذلك، لا بد من وجود إستراتيجية متكاملة تشمل إيجاد آلية أكثر صرامةً للتحضير للعملية الانتخابية، أو يُعهَد بهذه المسؤولية إلى اللجنة المشتركة المُعاد تشكيلها بموجب اتفاقية السلام لعام 2018م للرصد والتقييم، وأنْ تُمنح الجهات المحلية الفاعلة، أدوارًا أكثر فاعليةً في عمليات الرصد والمتابعة، منعًا لاتخاذ إجراءات أحادية الجانب، مثل تلك الاجراءات التي اتخذتها النخب السياسية ومدَّدت بموجبها ولايتها دون رقابة، بالإضافة إلى ذلك، من الضروري أن يخضع أيّ تمديد للفترة الانتقالية لاستفتاء وطني، بما يضمن توفير الشرعية الديمقراطية اللازمة لأيّ تمديد للولايات السياسية، ويمنح شعب جنوب السودان حقوقه بالمشاركة في تقرير مصير حكوماته وفقًا لما نصَّ عليه الدستور الانتقالي بصيغته المُعدَّلة([13]).
في الختام، لا يزال جنوب السودان عاجزًا عن إجراء أول انتخابات عامة منذ استقلاله عن دولة السودان قبل خمسة عشر عامًا، ورغم الضغوط الدولية والمحلية التي تتعرَّض لها الحكومة الانتقالية منذ إبرام اتفاقية السلام المنشَّطة، التي يُعزَى إليها إسكات البنادق بين القوات الحكومية والمعارضة عام 2018م، لا تزال أُفُق إجراء هذه الانتخابات غامضة كما كانت على الدوام، كما لا يزال التقدم المُحْرَز لدعم الانتقال الديمقراطي وتجاوز الفترة الانتقالية بطيئًا للغاية، الأمر الذي بات يُشكِّل إحباطًا واستياءً كبيرًا لدى مواطني جنوب السودان الذين يتوقون لممارسة حقوقهم الديمقراطية والدستورية عبر صناديق الاقتراع.
وفي حين أنَّ التحديات السياسية والاقتصادية التي يعاني منها جنوب السودان منذ فترة طويلة قد تُمثِّل مبررًا مقبولًا ومنطقيًّا لتأجيل الانتخابات، إلا أنَّ الواقع السياسي يشير إلى أنَّ هذه التحديات ليست سوى غطاء لتبرير فشل النخبة السياسية التي يبدو أنها تستعمل ورقة تأجيل الانتخابات كإستراتيجية للمُماطلة وتكريس بقائها السياسي؛ إذ إنَّ إجراء الانتخابات من شأنه تقويض مصالح السياسيين وامتيازاتهم الحالية ويُعرّضهم لخطر المساءلة عن أفعالهم وسياساتهم السابقة.
وأخيرًا، فإنَّ أيّ تأجيل آخر للانتخابات قد يُضْعِف بشكلٍ كبير مصداقية اتفاقية السلام ويزيد من خطر تفاقم الصراع في جنوب السودان؛ لذلك من الضروري اعتماد إستراتيجية متكاملة تشمل إيجاد آلية أكثر صرامةً للتحضير للعملية الانتخابية والمُضي قدمًا في تنفيذها، وهذا يستدعي تكاتف الجهود المحلية والإقليمية، ومضاعفة الضغوط الدولية، لدعم الانتخابات وتعزيز المسار الديمقراطي، باعتباره الضمانة الرئيسية لمُعالجة أسباب النزاع وتشجيع الحوار البنَّاء بين الفرقاء.
………………………………
([1]) “الصراع في جنوب السودان: خلفياته وتداعياته المُحتملة”، المركز العربي لدراسة الأبحاث والسياسات، منشور في 2 يناير 2014م، متاح على https://n9.cl/3z485a
([2]) صلاح الدين باحريز، الحرب الأهلية في جمهورية جنوب السودان وأثرها في تردّي الأوضاع وتحولها لنموذج الدولة الفاشلة، مجلة دفاتر السياسة والقانون، مجلد (12)، عدد (1)، 2020م، ص (188- 189).
([3]) South Sudan’s Endless Strife: A Crisis of Power, Ethnicity and Broken Promises, Horn Review, Published on 30 July 2025, available at https://n9.cl/d4lnd
([4]) صلاح الدين باحريز، مرجع سابق، ص (186).
([5]) Binto Bali, “South Sudan’s Electoral Dilemma: What Lies Ahead?”, International IDEA, Published on 11 November 2024, available at https://n9.cl/ly5sl
([6])The Global State of Democracy 2025 : Democracy on the Move, International Institute for Democracy and Electoral Assistance, Stockholm – Sweden, 2025, PP. 121- 147.
([7]) Africa Media Review for March 12, 2026, African Centre for Strategic Studies, Published on 12 March 2026, available at https://n9.cl/220jms
([8]) Joseph Siegle, “Hany Wahila, South Sudan: Resistance to Holding Elections Perpetuates Insecurity”, Africa Center For Strategic Studies, Published on 13 January 2026, available at https://n9.cl/bqotah
([9]) Luka Biong Deng, “What Could End the Long Postponement of South Sudan’s First Elections?”, Global Observatory, Published on 15 October 2024, available at https://n9.cl/6eu5h
([10]) Peter Fabricius, “South Sudan’s game of thrones continues”, Center for Security Studies, Published on 29 November 2024, available at https://n9.cl/yw1qzk
([12]) Nic Cheeseman, Luka Biong, and Edmund Yakani, How (not) to hold elections in South Sudan, Friedrich-Ebert-Stiftung South Sudan Office, (April 2023), PP. 3-4.
([13]) Catherine Charles Vitaliano, “South Sudan’s Postponed Elections: A Symptom of a Deeper Crisis”, Accord, Published on 30 September 2024, available at https://n9.cl/k5k0nx











































