تأتي مسألة مؤسسة الرق في إفريقيا، واضطلاع فئات وعناصر “إفريقية” موزعة جغرافيًّا في أرجاء القارة، وفي سياقات تاريخية متغيرة، سواء قبل قدوم الاستعمار الأوروبي أم بعده، بدور في هذه التجارة، في قلب الجدل الدائرة حاليًّا حول مطالب إفريقيا بالتعويضات عن هذه الحقبة، لصالح الشعوب الإفريقية بطبيعة الحال.
وقد يفيد فَهْم هذه السياقات في تحقيق رؤية أعمق وأكثر موضوعية لمؤسسة الرق، وربما لفهم التطور الحاد في تجارة الرق من سواحل غرب إفريقيا إلى الأمريكيتين بعد ترسيخ الأوروبيين أقدامهم في القارة.
ويهدف المقال إلى تبيُّن آراء وفتاوى المؤرخ والفقيه أحمد بابا التنبكتي (1556- 1627م) في الرق، ووضعها في السياق التاريخي الهام الذي جاءت فيه (مع توغُّل الشركات الأوروبية المختلفة في غرب إفريقيا وإطلاقها حركة نقل العبيد الأفارقة من الإقليم إلى الأمريكيتين)؛ الأمر الذي قد يضع أمامنا حقائق مهمة ليس أقلها أن “مؤسسة الرق” كانت في جانب منها إفريقية، وهو الجانب الذي عوَّلت عليه الإمبريالية ثم الاستعمار الأوروبي في تطوير مؤسسة الرق وصولًا إلى عملية نهب منتظمة.
ويُفكّك في المحصلة، بحسب الرؤية القائمة هنا، بعض أُسس هذه المؤسسة أملًا في تحقيق فهم أكبر لمسائل مثل اضطلاع العرب والمسلمين (حصرًا) بتجارة العبيد في إفريقيا قبل الاستعمار الأوروبي، وإغفال دور قبائل إفريقية كبيرة في هذه التجارة، وحدود الانتقال مما يمكن وصفه بتجارة العبيد “التقليدية” إلى تجارة حديثة وواسعة وبمستويات استنزاف بشري مرتفعة قادت إلى اختلالات مجتمعية وسكانية واضحة في مراكز استقدام العبيد.
ولا تُعدّ المسألة منقطعة الصلة عن تطورات راهنة؛ إذ يُعزّز فهم “مؤسسة الرق” تاريخيًّا الإحاطة الأوسع بالإشكالية الحالية في جهود دول القارة لتدويل القضية والمطالبة بتعويضات، كان من آخرها استصدار قرار أممي (25 مارس 2026م) يُعلن أن “الاتجار بالأفارقة المستعبدين واسترقاق الأفارقة واتخاذهم متاعًا بمُبرّر عِرْقي هو أفظع جريمة ارتُكِبَت ضد الإنسانية”([1])، وقد قدَّمت “غانا” القرار بدعم من 60 دولة من بينها تسع دول عربية-إفريقية (السودان، جيبوتي، الصومال، مصر، المغرب، موريتانيا، الجزائر، تونس، جزر القمر، وباستثناء لافت لليبيا)، بينما عارضت القرار، على نحو غير مباغت لمتابعي السياسات الأمريكية-الصهيونية في إفريقيا، كلّ من الولايات المتحدة وإسرائيل والأرجنتين، وامتنعت 52 دولة عن التصويت من بينها جميع الدول الأوروبية واليابان وعدد من الدول الصغيرة إضافة إلى دولة عربية واحدة، وهي سلطنة عمان التي كان لها حضور تاريخي ممتد في اقتصاد عالم المحيط الهندي، وهو المقابل الجغرافي والتاريخي لعالم المحيط الأطلنطي وتجارة الرقيق به.
أحمد بابا التنبكتي: المؤرخ ابن عصره؟
إجابة بديهية أن يكون المؤرخ ابن عصره، بوعي أو بدونه، وكذا بمحصلة نتاج واعٍ وناقد أم ناقل أسير لما قال به سابقون. وقد نشأ أحمد بابا التنبكتي (أو أحمد باب حسبما ينطقه المغاربة والموريتانيون كما أورد الأستاذ محمد مطيع في مقدمة تحقيقه لكتاب “كفاية المحتاج لمعرفة من ليس له في الديباج”) في مدينة تمبكتو في ظل حكم أسكي داود (1459- 1537 تقريبًا) وسط أسرة آل أقيت التي اشتهرت بالعلم والصلاح وتولّي أمور القضاء والإمامة. وكانت تمبكتو([2]) حينذاك من أهم مدن مملكة سُنغي منذ عقود قبل ميلاده، وأرجع مؤرخون إسلام أهلها إلى القرن الحادي عشر الميلادي، ووصفها المؤرخ عبد الرحمن السعدي في كتابه “تاريخ السودان” بأنها لم تأتها الحضارة إلا من المغرب “لا في الديانة ولا في المعاملات”([3]).
وتلقّى التنبكتي تعليمه في البيئة السودانية التكرورية على يد والده الذي أخذ عنه الحديث سماعًا، وكان مما درس عليه: الصحيحان وكتاب الشفاء للقاضي عياض، وغيرهما، كما أجازه من مكة الشيخ يحيي بن محمد الحطاب، وكان أبرز أساتذته، بحسب تتبُّع الدكتور عبد الحميد الهرامة مُحقّق كتابه “نيل الابتهاج بتطريز الديباج” (طرابلس، 2000)، محمد بغيغ (وهو محمد بن محمود بن أبي بكر الونكري التنبكتي المعروف ببغيغ، وُلِدَ 930هـ، وتوفي سنة 1002هـ) “الذي لازمه سنتين قرأ عليه فيهما علوم التفسير والحديث والفقه والأصول العربية والبيان والتصوف والتنجيم والمنطق والعروض وغيره من كُتب تُعدّ أمهات في بابها يزيد عددها عن أربعة وعشرين كتابًا ذكَرها مُفصّلة ضمن ترجمته الواردة في كتابه “كفاية المحتاج”([4]).
وأجمع مَن ترجَم له على وصفه بالعلامة الحافظ، والمُحدّث المؤرخ، الذي يصل نسبه إلى أبي بكر بن عمر الصنهاجي الذي يرجح بعض المؤرخين أن يكون هو مُؤسِّس الدولة المرابطية. وقد وُلِدَ بـ”أروان” الواقعة على الطريق التجاري الرابطة بين تنبكت وتوات. وبعد سقوط إمبراطورية السنغاي عام 1591م واستيلاء الجيش المغربي على مدينة تنبكت وقع هو وأهله في الأسر على يد القائد المغربي محمد زرقون، وجيء بهم في الأغلال إلى مراكش التي دخلوها سنة 1594م، وظلوا في السجن لمدة عامين قبل إطلاق سراحهم واستقرارهم في مراكش في حكم الإقامة الجبرية لمدة اثنتي عشرة عامًا أخرى، ولم يُسمح له وآله بمغادرة المغرب إلا بعد وفاة السلطان أحمد المنصور وتولي ابنه –وتلميذ أحمد بابا- المولى زيدان الحكم سنة 1607م، وكانت عودة أحمد بابا إلى تنبكت في العام 1608م ليستقر بها حتى وفاته في أبريل 1627م([5]). ولفت هانويك Hunwick (2003م) إلى تمكين السلطان زيدان بابا أحمد من التدريس في “جامع الشرفاء”، وسُمِحَ له بإعطاء الفتوى([6]).
ويُلاحِظ بروفيسور شوقي الجمل، في بحثه عن “التمبكتي” في ضوء بعض مخطوطاته بدار الوثائق بالرباط([7])، أن الأخير قد نشأ في بيت علم وصلاح “توارث العلم فيه نحو خمسمائة سنة، وأنه “قد ذكر في نيل الابتهاج بالذيل على الديباج” جماعة من أقاربه الذين تقدَّموا في العلم وعرفوا به، وتولوا خطة القضاء في بلدهم، وهم يتعدون الحصر.
آراء التنبكتي في أحكام “الرق”:
حقَّقت فاطمة الحراق وجون هانويك نصًّا مهمًّا جمَعا فيه أجوبة أحمد بابا التنبكتي حول الاسترقاق([8])، وتضمن النص مقدمة مهمة حول مؤسسة الرق في “الغرب الإسلامي” من جهة تناولها القواعد الشرعية التي كانت تحكم ممارسة الاسترقاق هناك كما وردت في عدد من المُسائل والمناقشات التي تبادلها علماء هذه المنطقة فيما بينهم أو مع أولي الأمر.
وتأتي أهمية النص من وعيه بأنه استكمال لعدد من النصوص المُؤسّسة في هذا الباب، مثل أجوبة محمد بن عبد الكريم المغيلي (ت: 1503م)، وجلال الدين السيوطي (ت: 1505م) على أسئلة الأمين الحاج محمد أسكيا السنغي، وأن هذه النصوص مجتمعة تُشكّل مصدرًا أساسيًّا من مصادر تاريخ بلاد السودان في العصر الحديث (إضافة إلى أهميتها الفقهية المالكية)؛ إذ تتضمن أجوبة أحمد بابا التنبكتي معلومات مُفصَّلة عن بلاد السودان وتاريخ انتشار الإسلام بها والشعوب القاطنة فيها، وما يمكن استنتاجه منها عن الخصائص الدينية لهذه الشعوب([9]).
وقد أوجز مُحقِّقا أجوبة أحمد بابا المواضيع التي تناولتها تلك الأجوبة في سبع نقاط هي موقف الفقه المالكي من الرقيق المجلوب من البلاد السودانية المعروفة بإسلامها؛ وحُكم الشرع في الرقيق مجهول الهوية، والسيرة النبوية وتعامل الصحابة مع الرقيق المجلوب من الحبشة، وتفنيد أسطورة دعاء نوح على ابنه حام ونسله([10])، والضوابط الأخلاقية للاسترقاق عند المسلمين، و(حكم) استرقاق العرب، ووضعية المولدين. وعلى سبيل المثال: رأى كل من آلان فيشر وهمفري فيشر (1971م) أن مراجعة أحمد بابا التنبكتي الواضحة لفكرة “لعنة حام” كانت ذات أهمية فائقة في عصرها، إضافةً إلى أن رؤيته أن “سبب الاسترقاق هو عدم الإيمان (بالإسلام)” أفادت أن الزنجي الذي يعتنق الإسلام طواعية لا يجوز أَسْره، وأن لعنة حام لا يمكن أن تكون مُبرِّرًا لاسترقاق الزنوج المسلمين([11]).
ويُستخلص من مجموع فتاوى أحمد بابا التنبكتي أنه لا يجوز، وفق المذهب المالكي، استرقاق الذمي أو المعاهد، أو الرقيق المجلوب من البلاد المعروفة بالإسلام، وأن “سبب الرق الظَّفر، ولا فرق في ذلك بين الكافر من العرب (باستثناء من قريش) أو العجم، وأن الأصل في الإنسان الحرية، والرق حالة طارئة عليه وامتحان له؛ “لذلك أوصى الإسلام بمعاملة المماليك معاملة إنسانية، وجعل الاجتهاد في تحريرهم (عمليًّا عبر سلوك السبل المؤدية إلى ذلك بحسب تعاليم الإسلام) من باب العبادة.
وفي صياغته لموقف “ثوري” من الرق لا يكتفي أحمد بابا بمنطوق الشرع، الذي يُحرّم استعباد المسلم والذمي والمعاهد، بل يذهب أبعد من ذلك فيحتكم إلى روح هذا الشرع الذي يُقِرّ بأن “الجميع من ولد آدم”، وأن مجرد الملكية يكسر القلوب لما فيه من القهر والاستيلاء والتغرب عن الوطن. ودعا أحمد بابا التنبكتي، استنادًا إلى بعض أصول الفقه المالكي مثل “سد الذرائع”، إلى الإحجام عن الاسترقاق، وإلى “الاحتياط والورع” في هذه المسألة([12]).
خلاصة:
تحتاج إفريقيا في مسعاها الحثيث راهنًا لكشف مدى الظلم الذي عاد على شعوب القارة جراء العبودية واستعباد ملايين الأفارقة منذ القرن السادس عشر حتى نهايات القرن التاسع عشر، ونقلهم إلى العالم الجديد كآلات بشرية تُسهم في تطور اقتصاد “العالم الجديد”؛ تحتاج إلى فَهْم أعمق للقضية أو ما تصفه كتابات مهمة “بمؤسسة الرق” في القارة، بمعنى فَهْم مدخلات هذه القضية ومظاهرها، وكذلك مدى ارتباطها بالأوضاع الاجتماعية السائدة في أرجاء القارة في الفترات المختلفة لتمدُّد هذه الظاهرة وتصاعد وتيرتها بقوة غير مسبوقة توطئةً لحركة الاستعمار الأوروبي التي دارت بكامل قوتها بعد مؤتمر برلين 1884- 1885م.
……………………..
[1]– إحياء ذكرى ضحايا تجارة الرقيق – اعتماد قرار يصفها بـ”أفظع جريمة ارتُكبت ضد الإنسانية”: الأمم المتحدة، نيويورك، 25 مارس 2026 https://news.un.org/ar/story/2026/03/1144399
[2]– راجع الورقة الموجزة حول أهمية مدينة تمبكتو في احتضان العلماء وتوفير بيئة علمية ملائمة لهم في بلاد السودان الغربي:
- Hunwick, John, Timbuktu: A Refuge of Scholarly and Righteous Folk, Sudanic Africa , 2003, Vol. 14 (2003), pp. 13-20.
[3]– أحمد بابا التنبكتي: كفاية المحتاج لمعرفة من ليس في الديباج (دراسة وتحقيق محمد مطيع)، الجزء الأول، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية (المغرب)، الرباط، 2000، ص 19.
[4]– أحمد بابا التنبكتي: نيل الابتهاج بتطريز الديباج (عناية وتقديم عبد الحميد عبد الله الهرامة)، منشورات دار الكاتب، طرابلس، 2000م، ص14.
-[5] معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق (تحقيق وترجمة فاطمة الحراق وجون هانويك)، معهد الدراسات الإفريقية، الرباط، 2000م، ص ص 14-15.
[6] -Hunwick, John, Timbuktu: A Refuge of Scholarly and Righteous Folk, Op. Cit. p. 17.
[7]– شوقي عطا الله الجمل: أحمد بابا التمبكتي السوداني في ضوء بعض مخطوطاته بدار الوثائق بالرباط، المناهل، العدد رقم (6)، يوليو 1976، ص ص 146-147.
[8]– معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق، مرجع سابق.
ويتشابه النص السابق بشكل ملفت مع دراسة سابقة:
- Bernard Barbour and Michelle Jacobs: The Miraj: A Legal Treatise on Slavery by Ahmed Baba (in: Willis, John Ralph, editor, Slaves and Slavery in Muslim Africa, Vol. I, Islam and the Ideology of Enslavement) Frank Cass & Co. Ltd. London, 1985, pp. 106-124.
[9]– المرجع السابق، ص ص 13-14.
[10]– راجع في تفصيل هذه المسألة تحديدًا (تفنيد أسطورة دعاء نوح)، وموقف عدد من المؤرخين والعلماء المسلمين ومنهم أحمد بابا:
- Bashit, Haroon, Black Excellence and the Curse of Ham: Debating Race and Slavery in the Islamic Tradition, ReOrient , Autumn 2019, Vol. 5, No. 1 (Autumn 2019), pp. 92-116.
[11]– Fisher, Allan G. B. and Fisher, Humphrey J. Slavery and Muslim Society in Africa: Institution in Saharan and Sudanic Africa and the Trans-Saharan Trade, Doubleday & Company, INC. New York, 1971, p. 34.
[12]– معراج الصعود: أجوبة أحمد بابا حول الاسترقاق- نصوص ووثائق، مرجع سابق، ص ص 22-24.











































