شهد مطار نيامي الدولي في النيجر هجومًا واسع النطاق في الساعات الأولى من صباح الخميس 29 يناير 2026، في تطور أمني غير مسبوق أعاد العاصمة النيجرية إلى واجهة التوتر الإقليمي والدولي؛ حيث لا يمثل الحدث مجرد خرق أمني عابر أو إطلاق نار محدود في محيط منشأة حساسة، بل جاء محمّلًا بدلالات عميقة تتجاوز حدود النيجر نفسها. فاستهداف المطار، المتاخم لقاعدة جوية عسكرية استراتيجية، يعكس انتقال التهديدات في منطقة الساحل من الأطراف والهامش الجغرافي إلى قلب العواصم ومراكز السيادة، هذا التحول النوعي في مسرح العمليات يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة السلطة العسكرية الحاكمة على ضبط الأمن، وحول ما إذا كانت نيامي قد دخلت مرحلة جديدة يصبح فيها العمق الحضري هدفًا مباشرًا للجماعات المسلحة، في لحظة إقليمية شديدة الهشاشة.[1]
واللافت في الهجوم ليس فقط توقيته أو حجمه، بل طبيعة الأهداف التي طاولها، والتي توحي بعملية محسوبة بعناية وليست فعلًا عشوائيًا، فالمطار يمثل عقدة حيوية للربط الجوي واللوجستي، كما أنه نقطة تقاطع بين الأمن المدني والعسكري، ما يجعله رمزًا للسيادة وقدرة الدولة على التحكم في فضائها الاستراتيجي، استهداف طائرات على الأرض، وفق ما أفادت به مصادر متعددة، يحمل رسالة مزدوجة: تقويض الثقة في البيئة الأمنية، وضرب صورة الاستقرار التي تحاول السلطات ترسيخها منذ انقلاب 2023. كما أن وقوع الهجوم في ظل إجراءات أمنية مشددة مسبقًا يكشف فجوة خطيرة بين التقدير الاستخباراتي والقدرة الفعلية على الردع، ويعكس محدودية فعالية المقاربة الأمنية المعتمدة حتى الآن.
فيما قد أعلنت وزارة الدفاع النيجرية أن قوات الأمن نجحت في إحباط هجوم مسلح استهدف مطار ديوري هاماني الدولي وقاعدة جوية قريبة في العاصمة نيامي، مؤكدة مقتل ما لا يقل عن 20 مسلحًا واعتقال 11 آخرين. وأوضحت الوزارة أن المهاجمين، الذين وصفتهم بالمرتزقة، نفذوا الهجوم ليلًا مستخدمين دراجات نارية، قبل أن تتصدى لهم القوات خلال اشتباكات استمرت نحو نصف ساعة. وأسفرت العملية عن ضبط معدات عسكرية ودراجات نارية، مع إصابة أربعة جنود، إضافة إلى تضرر بعض المنشآت العسكرية وفتح نار على طائرات مدنية.[2]
في بعده الأعمق، لا يمكن فصل ما جرى في نيامي عن السياق الجيوسياسي المتشابك الذي تعيشه النيجر منذ إعادة تموضعها الاستراتيجي بعيدًا عن شركائها التقليديين، فالعاصمة لم تعد مجرد مركز حكم داخلي، بل تحولت إلى ساحة تتقاطع فيها رهانات دولية تتعلق بالطاقة والموارد والنفوذ، الحديث المتداول عن شحنات استراتيجية وحساسة، وما يرافقه حالة من الصمت الحكومي حتى اللحظة، كما يعزز فرضية أن الهجوم قد يكون مرتبطًا بصراع مصالح يتجاوز الجماعات المسلحة المحلية. وفي هذا الإطار، يصبح العنف أداة ضمن صراع أوسع، تُستخدم فيه الفاعلين من غير الدول، لتصفية حسابات سياسية واقتصادية، ما يضع الدولة النيجرية أمام تحدٍ مركب يفوق البعد الأمني التقليدي.[3]
أما داخليًا، فإن استهداف نيامي بهذه الصورة العلنية يوجه ضربة قوية لخطاب المجلس العسكري الذي بنى شرعيته على وعد استعادة الأمن والاستقرار. فانتقال العنف إلى العاصمة يهدد بتآكل ما تبقى من الثقة الشعبية، ويعيد طرح سؤال الشرعية والقدرة على الحكم في ظل تدهور أمني متواصل. كما أن تكرار سيناريوهات مشابهة لما حدث في عواصم مجاورة يؤشر إلى نمط إقليمي آخذ في التوسع، حيث لم تعد الانقلابات العسكرية كافية لوقف زحف الجماعات المسلحة أو تحييدها. من هنا، يبدو هجوم نيامي ليس مجرد حادث أمني، بل إنذارًا استراتيجيًا بأن النيجر تقف عند مفترق طرق خطير، تتداخل فيه أزمات الحكم والأمن والصراع الدولي على موارد الساحل.
أولًا: الدلالات الأمنية وتحول النيجر لمسرح العنف
يمثل استهداف محيط مطار نيامي وما جاوره من منشآت عسكرية حساسة لحظة كاشفة عن انتقال الخطر من الأطراف إلى قلب العاصمة، وهو انتقال لا يُقاس بحدة إطلاق النار وحدها، بل بمعناه الاستراتيجي، فالمطار لا يُعد منشأة نقل مدني فحسب، بل يقع ضمن نطاق أمني شديد الحساسية لقربه من مركز الحكم واحتضانه قاعدة جوية ومرافق مسيّرات ومقر قيادة القوة الموحدة لدول الساحل، وحين يُسمع دوي انفجارات قرب هذا الثقل الأمني، فإن المضمون الأبرز هي اختبار قدرة الدولة على حماية الرموز السيادية داخل العاصمة نفسها، وليس فقط مناطق المواجهة التقليدية في المناطق الحدودية، كما أن غياب حصيلة رسمية واضحة حتى منتصف نهار الخميس يعمّق دلالات الارتباك والتواصل في الدولة، ويترك المجال للشائعات ولحرب المعلومات كي تتقدم على الوقائع، وهو بحد ذاته خلل أمني لأن إدارة السرد العام جزء من إدارة الأزمة.[4]
الصور المتداولة للانفجارات في العاصمة نيامي، وما تناقله البعض حول استخدامات لمنظومات دفاع جوي ضد تهديدات محتملة من طائرات مسيّرة، يعكس تطورًا نوعيًا في طبيعة التهديدات، ويشير إلى أن ساحة الاشتباك لم تعد محكومة بأسلحة خفيفة أو كمائن فقط؛ حيث أن الوصول إلى قلب العاصمة، وخاصةً المناطق الحيوية، فهذا يعني أن المخاطر أصبحت متعددة المجالات: برية وجوية وربما مركبة، وهو ما يفرض على الأجهزة الأمنية الانتقال من منطق الاستجابة، إلى منطق الاستباق والتأمين؛ حيث أن الأهم أن الحديث عن مقاطع لم تُتحقق منها وصور أقمار صناعية تُظهر آثار احتراق يسلط الضوء على فجوة المعلومات الرسمية، إذ يتحول المجال الرقمي والأقمار التجارية إلى مصدر توصيف منافس يسبق الدولة في توصيف الحدث، ما يضعف الردع الرمزي ويزيد هشاشة الثقة العامة.[5]
وفي سياق مختلف، فإن دعوة أنصار النظام العسكري للنزول إلى الشارع للدفاع عن البلاد بالتزامن مع إعلان وضع الثكنات في حالة تأهب، تكشف بعدًا داخليًا بالغ الحساسية، تداخل الأمن مع التعبئة السياسية، فحين تُدار لحظة أمنية عبر استنفار شعبي موازي للاستنفار العسكري، يصبح المشهد أقرب إلى تسييس الحالة الأمنية بدلًا من تحصينها، بما يحمله ذلك من مخاطر على الانضباط المؤسسي ووضوح خطوط القيادة، وهذا النمط قد يمنح السلطة زخمًا معنويًا قصير الأجل، لكنه يحمل كلفة طويلة؛ حيث يكرس الانقسام بين الأنصار والخصوم، بدل بناء إجماع وطني حول حماية المدينة. كما أن تحويل الخوف إلى تعبئة يخلق بيئة مواتية للتأويلات المتطرفة، ويُصعّب مهمة التحقيقات، لأن الفاعلين قد يستفيدون من الغموض في اتهام الخصوم وتوجيه الرأي العام. وفي لحظة تتسم أصلاً بصمت رسمي، تصبح التعبئة الشعبية بديلًا سرديًا قد يربك الرؤية الأمنية بدل توحيدها.[6]
وفي هذا الصدد، فإن ما حدث في نيامي يعد مؤشرًا على تحول النيجر تدريجيًا إلى مسرح عنف أقرب إلى نمط العمليات الرمزية، والتي تستهدف المواقع الاستراتيجية لإحراج السلطة وإظهار عجزها، بدل الاكتفاء باستنزاف القوات في الأرياف. استهداف محيط مطار يضم بنية عسكرية وقيادة مشتركة لدول الساحل يوحي بأن الجماعات المسلحة، أو أي طرف يقف وراء الهجوم، بات يعيد تعريف أهدافه نحو مؤسسات الدولة ومفاصلها الحساسة، بما يهدد مركزية العاصمة كحيز آمن. في الوقت نفسه، وجود مخزون حساس من اليورانيوم في محيط الموقع يرفع من قيمة الهدف ويدفع إلى سيناريو تعدد الدوافع الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية. وهذا التعقيد يجعل نيامي أمام معضلة مركبة: تأمين العاصمة لم يعد مسألة نقاط تفتيش ودوريات، بل ملف سيادة موارد، وحماية بنى استراتيجية، وإدارة تحالفات إقليمية، وكل ذلك تحت ضغط تهديدات تتطور بسرعة وتستثمر الفجوات الاتصالية والمؤسسية.
ثانيًا: اليورانيوم في قلب الصراع
تُعدّ شحنة اليورانيوم المخزنة في محيط مطار نيامي واحدة من أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا في المشهد النيجري الراهن، ليس فقط لقيمتها الاقتصادية المرتفعة، بل لرمزيتها السياسية والاستراتيجية، فالمعطيات المتداولة تشير إلى وجود مخزون يُقدَّر بنحو ألف طن من اليورانيوم الخام، نُقل من مناجم الشمال، وتحديدًا من مدينة أرليت بشمال النيجر، إلى منشأة قريبة من المطار في ظروف استثنائية من السرية والتكتم. هذا المخزون، الذي تبلغ قيمته السوقية نحو 300 مليون يورو، لا يمثل مجرد مادة أولية للطاقة النووية، بل ورقة ضغط سيادية بيد السلطة العسكرية في نيامي، في مواجهة أطراف دولية كانت لعقود تتحكم في دورة إنتاجه وتصديره.[7]
فيما تكمن خطورة هذا المخزون في كونه عالقًا عند تقاطع نزاع قانوني وسياسي دولي مفتوح، بعد قرار السلطات النيجرية نزع ملكية شركة أجنبية كانت تدير مواقع الاستخراج. فغياب الوضوح حول الجهة المالكة النهائية للشحنة، ووجهتها المحتملة، وآلية إخراجها من البلاد، حوّل اليورانيوم من مورد اقتصادي إلى عبء أمني بالغ الحساسية. تخزينه في محيط مطار مدني–عسكري يعكس ضيق الخيارات اللوجستية لدى النظام، لكنه في الوقت نفسه يرفع منسوب المخاطر، إذ يجعل المنشأة هدفًا مغريًا لجماعات مسلحة، أو ساحة محتملة لتصفية حسابات غير مباشرة بين قوى متنافسة تسعى للتأثير في مستقبل موارد الساحل.
من هذا المنظور، لا يمكن فصل الهجوم الذي استهدف محيط المطار عن السياق المتوتر المحيط بشحنة اليورانيوم، حتى في غياب تأكيد رسمي على وجود ارتباط مباشر. فمجرد تزامن الانفجارات مع وجود مخزون استراتيجي متنازع عليه يكشف هشاشة إدارة هذا الملف، ويطرح تساؤلات حول قدرة الدولة على تأمين مورد سيادي بهذا الحجم في بيئة إقليمية مضطربة. كما أن الغموض الذي يلف مسار الشحنة، سواء أكان برًّا أم جوًّا، يعكس مأزقًا استراتيجيًا أعمق: كيف يمكن للنيجر أن توظف ثروتها من اليورانيوم كأداة استقلال وسيادة، دون أن تتحول هذه الثروة نفسها إلى عامل استنزاف أمني وسياسي يهدد استقرار العاصمة والدولة ككل. [8]
وفيما يتعلق بموقف الحكومة في النيجر، فقد سعت السلطات العسكرية إلى تفسير ما جرى في محيط مطار نيامي ضمن رؤية وطنية أوسع، تعتبر أن ما تشهده البلاد هو محاولة ضغط مباشر لمحاولة استعادة التحكم في مواردها الاستراتيجية، وعلى رأسها اليورانيوم، فالمجلس العسكري يرى أن الهجوم لا يمكن فصله عن قرار تأميم قطاع المناجم، وإنهاء عقود من الهيمنة الأجنبية على ثروات البلاد، مؤكدًا أن ملف اليورانيوم بات مسألة سيادة وطنية غير قابلة للتفاوض. وفي هذا السياق، شددت نيامي على حقها في تسويق إنتاجها في الأسواق الدولية، وبناء شراكات جديدة خارج الإطار التقليدي، بما في ذلك الانفتاح على روسيا، وهو ما يضع البلاد في قلب صراع دولي محتدم على الموارد، غير أن هذا الخطاب، رغم زخمه السياسي، يصطدم بتحديات أمنية داخلية عميقة، إذ تجد الدولة نفسها مطالبة بحماية خيارها السيادي في بيئة إقليمية مضطربة، تتداخل فيها التهديدات الإرهابية مع حسابات النفوذ الجيوسياسي. [9]
وفي وقت سابق، كانت النيجر قد أعلنت عن طرح مخزونها من اليورانيوم في السوق الدولية، في خطوة وُصفت بأنها تحدٍّ مباشر لفرنسا ورسالة سياسية واقتصادية تعكس التحول العميق في توجهات النظام العسكري الحاكم. فقد أكد رئيس المجلس الانتقالي، الجنرال عبد الرحمن تشياني، أن بلاده تمتلك الحق الكامل في التصرف بثرواتها الطبيعية وفق قواعد السوق، بعيدًا عن أي وصاية خارجية. ويأتي هذا القرار في سياق نزاع متصاعد مع شركة أورانو الفرنسية، التي فقدت امتيازات تشغيل عدد من أكبر مناجم اليورانيوم بعد إلغائها رسميًا من قبل السلطات النيجرية. وتسعى باريس، عبر مسارات التحكيم الدولي، إلى استعادة نفوذها في هذا القطاع الحيوي، بينما تتجه نيامي نحو تنويع شركائها، ولا سيما عبر تعزيز التعاون مع روسيا. وتكتسب هذه الخطوة بعدًا استراتيجيًا إضافيًا بالنظر إلى الدور المحوري الذي لعبته النيجر سابقًا في تزويد الأسواق الأوروبية باليورانيوم. [10]
ثالثًا: الموقف الدولي والإقليمي من الهجوم
أدانت العديد من الأطراف الدولية والإقليمية الهجوم، لكن تباينت لهجات الإدانة وحدودها تبعًا لحسابات النفوذ والأمن وملف الموارد، فبينما ركزت بعض الجهات على البعد الإنساني وضرورة حماية المدنيين والتحقيق العاجل، قرأت أطراف أخرى الحدث بوصفه اختبارًا مباشرًا لقدرة السلطة العسكرية على تأمين منشآت سيادية شديدة الحساسية، تتداخل فيها مهام الدفاع الجوي والقيادة العسكرية الإقليمية والوجود اللوجستي المرتبط بملف اليورانيوم، وفي ظل نقص المعلومات الرسمية في الساعات الأولى، تحولت التصريحات والبيانات إلى جزء من إدارة الأزمة، إذ سعى كل طرف إلى تثبيت تفسير يخدم أولوياته: مكافحة الإرهاب، أو تثبيت الشرعية، أو حماية مصالح اقتصادية وقانونية. ولعل أبرز هذه المواقف ما صدر أو يُفهم ضمنًا من روسيا، وفرنسا، واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وكذلك الحكومة النيجرية.
- موقف حكومة النيجر: اتهمت حكومة النيجر أطرافًا إقليمية ودولية بالضلوع غير المباشر في الهجوم الذي استهدف مطار ديوري هاماني الدولي وقاعدة عسكرية مجاورة في نيامي، معتبرة أن العملية تحمل أبعادًا تتجاوز العمل الإرهابي التقليدي. فقد وجّهت القيادة النيجيرية اتهامات صريحة إلى فرنسا وبنين وساحل العاج، واعتبرت أن الهجوم يرتبط بصراعات جيوسياسية حول موارد اليورانيوم والتحول الاستراتيجي للنيجر نحو شراكات جديدة، خاصة مع روسيا. وأشادت الحكومة بالدعم الروسي العسكري والأمني خلال التصدي للهجوم، مؤكدة أن هذا التعاون يعكس سيادة قرارها الوطني بعد القطيعة مع النفوذ الغربي. كما ربطت السلطات بين الهجوم ومحاولات الضغط الخارجي لإعاقة سياساتها المتعلقة بتأميم قطاع اليورانيوم وحماية منشآتها الاستراتيجية.[11]
- موقف الدول المعنية دوليًا بالاتهامات: فيما لم تعلق دول بنين وساحل العاج وفرنسا رسميًا على الاتهامات التي وجهتها نيامي، التزمت هذه الأطراف الصمت حيال المزاعم المتعلقة بدورها في الهجوم أو دعم منفذيه. ويُفسَّر هذا الموقف إما كرفض ضمني للاتهامات أو كخيار دبلوماسي لتفادي التصعيد مع السلطات النيجرية في ظل توتر إقليمي متزايد في منطقة الساحل. فرنسا، التي فقدت نفوذها العسكري والاقتصادي في النيجر بعد الانقلاب، تواجه وضعًا حساسًا خاصة مع ملف اليورانيوم، لكنها اكتفت سابقًا بالتعبير عن قلقها من المخاطر الأمنية المرتبطة بتخزين ونقل المواد النووية. ويعكس هذا الصمت حالة من الحذر الدولي أمام تحولات التحالفات الجديدة في النيجر.[12]
- روسيا: أعلنت السفارة الروسية في مالي إدانتها الشديدة للهجوم الإرهابي، مؤكدة موقف موسكو الثابت في رفض جميع أشكال الإرهاب واستهداف المنشآت العسكرية والأمنية في النيجر. وشددت السفارة على دعمها غير المشروط لجهود الحكومة النيجرية في تعزيز الأمن والاستقرار، ليس فقط داخل البلاد، بل في كامل منطقة الساحل الإفريقي التي تواجه تهديدات متصاعدة من الجماعات المتطرفة، كما عبّرت روسيا عن تضامنها مع أسر الضحايا وتقديم تعازيها الرسمية، في رسالة تعكس حرص موسكو على ترسيخ صورة الشريك الأمني الداعم للسلطات القائمة، وتعزيز تعاونها مع نيامي في إطار مكافحة الإرهاب وحماية السيادة الوطنية.[13]
- فرنسا: تعاملت باريس مع الهجوم على مطار نيامي بحساسية شديدة، إدراكًا منها لتشابك البعد الأمني مع النزاع القائم حول شحنة اليورانيوم المتنازع عليها، فرغم إدانتها الرسمية لأي عمل يهدد أمن الطيران المدني واستقرار العاصمة، فإن القلق الفرنسي انصبّ بالأساس على مصير الشحنة التي تعتبرها مرتبطة قانونيًا بشركة “أورانو”، وعلى تداعيات نقلها المحتمل إلى روسيا. وترى فرنسا أن استهداف المطار يؤكد خطورة تسييس ملف الموارد في بيئة أمنية هشة، محذّرة من أن تصاعد العنف حول منشآت استراتيجية قد يفتح الباب أمام فوضى أمنية تُقوّض أي مساعٍ قانونية أو اقتصادية، وتزيد من تعقيد الصراع على النفوذ في الساحل.[14]
- اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان: جاء موقف اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب أقرب إلى مقاربة معيارية تُحمّل الدولة مسؤولية حماية المدنيين ومنع الانتهاكات والتحقيق المستقل. فهي تُدين الاعتداءات بوصفها انتهاكًا جسيمًا للحق في الحياة والكرامة، وتربط الإرهاب بتقويض السلم والتنمية والديمقراطية، لكنها في الوقت ذاته تضع شروطًا واضحة للاستجابة: تحقيقات سريعة ومحايدة، وملاحقة قانونية، وتعزيز التدابير الوقائية في المناطق الأكثر هشاشة، وتقديم دعم إنساني ونفسي للضحايا. وبهذا، لا تكتفي اللجنة بإدانة الهجوم، بل تستخدمه كرافعة لتأكيد أن مكافحة الإرهاب لا تُبرر الإهمال المؤسسي ولا الإفلات من العقاب، وأن فعالية الأمن تُقاس أيضًا بمدى احترام الحقوق الأساسية وشفافية الدولة في إدارة الأزمات.[15]
رابعًا: النيجر وتحولات الصراع في الساحل
عاد الساحل الإفريقي ليحتل موقعه في قلب الاهتمام الأمني الدولي، ليس بوصفه هامشًا جغرافيًا معزولًا، بل كساحة مركزية تتقاطع فيها التهديدات الإرهابية مع حسابات النفوذ العالمي. وتُجسّد الحالة النيجرية هذا التحول بوضوح، حيث لم يعد العنف محصورًا في المناطق الحدودية أو الريفية، بل بات يلامس العواصم والمنشآت الاستراتيجية. هذا التحول يعكس فشل المقاربات التقليدية في احتواء جماعات مسلحة تستفيد من هشاشة الدولة وتراخي الحدود، وتحوّل الجغرافيا المفتوحة إلى مسرح عمليات متداخل، تتراجع فيه السيادة الوطنية أمام واقع أمني عابر للدول، يجعل من النيجر حلقة محورية في معادلة ساحلية أكثر تعقيدًا.[16]
وفي موازاة التحولات الميدانية، يشهد الساحل إعادة تشكيل لخريطة الصراع بين التنظيمات الإرهابية نفسها، وعلى رأسها الجماعات المرتبطة بالقاعدة وتلك الموالية لتنظيم داعش، والتي تتنافس على النفوذ والموارد والمساحات الاجتماعية. ففي النيجر، يتقاطع هذا التنافس مع اقتصاد ظلّ قائم على التهريب والجبايات والسيطرة على الموارد، ما يمنح هذه التنظيمات قدرة على الاستدامة والتغلغل داخل المجتمعات المحلية. وتكشف هذه الدينامية أن المعركة لم تعد عسكرية فقط، بل اجتماعية واقتصادية، حيث تنجح الجماعات المتطرفة في ملء فراغ الدولة وفرض أنماط حكم موازية، مستفيدة من ضعف التنمية وغياب الخدمات في الهوامش.[17]
أما على المستوى الدولي، فتُظهر النيجر كيف تحوّل الساحل إلى ساحة تنافس مفتوح بين قوى كبرى، تسعى كل منها إلى تثبيت موطئ قدم تحت عنوان مكافحة الإرهاب. فبعد تراجع الحضور الفرنسي، وتبدّل المقاربة الأميركية، وصعود الدور الروسي، باتت دول الساحل في قلب توازنات دولية متحركة. غير أن هذا التزاحم الخارجي، كما تُبرز التجربة النيجرية، لا يضمن بالضرورة استقرارًا مستدامًا، ما لم يُقترن بفهم عميق للبنى الاجتماعية والاقتصادية المحلية. فغياب مشروع تنموي شامل يعالج جذور الهشاشة، يحوّل الساحل إلى مسرح صراع دائم، تتبدل فيه الرايات الدولية بينما يستمر العنف في إعادة إنتاج نفسه.
مستقبل الاستقرار في النيجر: سيناريوهات ما بعد الهجوم
يفتح الهجوم الذي استهدف محيط مطار نيامي الباب واسعًا أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاستقرار في النيجر، ليس باعتباره حادثًا أمنيًا معزولًا، بل كنقطة انعطاف قد تعيد رسم مسار الدولة خلال المرحلة المقبلة، فالحدث كشف هشاشة المنظومة الأمنية في العاصمة، وفضح تداخل الملفات الأمنية مع الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية، وعلى رأسها ملف الموارد الطبيعية والتحالفات الدولية. كما أعاد طرح سؤال قدرة المجلس العسكري على الوفاء بوعده المركزي: إعادة الأمن والاستقرار. في هذا السياق، تتعدد السيناريوهات المحتملة لما بعد الهجوم، وتتراوح بين تشديد القبضة الأمنية، والانزلاق نحو مزيد من العنف، أو إعادة ضبط المقاربة الأمنية والسياسية، وصولًا إلى سيناريو إقليمي أوسع يربط استقرار النيجر بمآلات الصراع في كامل فضاء الساحل الإفريقي. ولعل أبرز السيناريوهات المتوقعة ما يلي:
- تشديد القبضة الأمنية وتكريس الحكم العسكري: يفترض هذا السيناريو أن يتعامل المجلس العسكري مع الهجوم بوصفه تهديدًا وجوديًا يبرر مزيدًا من التشدد الأمني وتوسيع صلاحيات الأجهزة العسكرية والاستخباراتية. في هذا المسار، قد تُفرض إجراءات استثنائية في العاصمة، وتُقيد الحريات العامة، ويُعاد إنتاج خطاب الحرب على الإرهاب، لتبرير تأجيل أي استحقاقات سياسية وانتخابية مقبلة، ورغم أن هذا النهج قد يمنح السلطة قدرة مؤقتة على احتواء التهديد ومنع تكرار هجمات مماثلة في المدى القصير، إلا أنه يحمل مخاطر بعيدة المدى، أبرزها تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتغذية مشاعر التهميش والسخط، ما يوفر بيئة خصبة لتجنيد مزيد من العناصر لصالح الجماعات المسلحة، ويحوّل الاستقرار إلى حالة أمنية هشة قائمة على الردع لا على الثقة.
- تصاعد العنف وتناميه: يرجّح هذا السيناريو أن يشكّل الهجوم بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها الجماعات المسلحة من استهداف الأطراف والحدود إلى ضرب مراكز الثقل في العاصمة، فإذا عجزت الدولة عن تقديم ردع فعّال ورواية أمنية مقنعة، قد تتحول نيامي إلى ساحة عمليات رمزية متكررة تهدف إلى إظهار عجز السلطة وتقويض شرعيتها. هذا المسار يعني ارتفاع كلفة الأمن، وتراجع الاستثمار، وازدياد القلق الشعبي، فضلًا عن احتمال توسع دائرة العنف لتشمل منشآت اقتصادية وبنى تحتية حيوية. وفي هذه الحالة، يصبح الاستقرار رهين منطق الاستنزاف المتبادل، حيث لا تنتصر الدولة بشكل حاسم، ولا تنجح الجماعات المسلحة في السيطرة، بل يدخل البلد في حلقة عنف طويلة الأمد.
- إعادة ضبط المقاربة الأمنية–السياسية: يقوم هذا السيناريو على استيعاب صدمة الهجوم بوصفها إنذارًا يستدعي مراجعة شاملة للمقاربة المعتمدة منذ 2023، وقد يدفع ذلك السلطات إلى الجمع بين التشدد الأمني المحدود وإصلاحات سياسية واقتصادية محسوبة، تشمل تحسين التنسيق الاستخباراتي، وتعزيز حماية المنشآت الحساسة، مع فتح قنوات تواصل داخلية تخفف من الاحتقان الاجتماعي، فيما قد يترافق هذا المسار مع مقاربة أكثر شفافية في إدارة ملف اليورانيوم والتحالفات الخارجية، بما يقلل من توظيف العنف كأداة ضغط. ورغم صعوبة هذا السيناريو في ظل حكم عسكري، إلا أنه يبقى الخيار الأكثر قدرة على إنتاج استقرار نسبي، إذا ما أُرفق بإجراءات تنموية تعالج جذور الهشاشة في الهوامش.
- تدويل الأزمة وربط استقرار النيجر بمصير الساحل: يفترض هذا السيناريو أن يؤدي الهجوم إلى مزيد من انخراط الفاعلين الدوليين والإقليميين في الملف النيجرِي، سواء عبر دعم أمني مباشر، أو عبر تحويل البلاد إلى عقدة مركزية في صراع النفوذ في الساحل. في هذا الإطار، يصبح استقرار النيجر مرتبطًا بتوازنات خارجية أكثر من كونه نتاجًا لخيارات داخلية، ما قد يوفر دعمًا تقنيًا وعسكريًا، لكنه في المقابل يعرّض البلاد لمخاطر التبعية ويجعلها ساحة تصفية حسابات غير مباشرة، ويظل هذا السيناريو مرهونًا بقدرة الحكومة على إدارة علاقاتها الخارجية دون تحويل الدعم إلى عبء سياسي وأمني يعمّق هشاشة الدولة بدل معالجتها.
ختامًا، وفي ضوء ما سبق، يتضح أن هجوم مطار نيامي لم يكن مجرد حادث أمني عابر، بل لحظة مفصلية كشفت هشاشة بنية الأمن في العاصمة، وعرّت تداخل الإرهاب مع صراع النفوذ الدولي ومعركة الموارد، وعلى رأسها اليورانيوم، فالنيجر تقف اليوم أمام اختبار مزدوج: حماية مركزها السياسي ومنشآتها الاستراتيجية في بيئة تهديدات متحولة، وفي الوقت نفسه إدارة ملف سيادي شديد الحساسية دون تحويله إلى نقطة جذبٍ للصراع أو ذريعة لتآكل الشرعية الداخلية. وبين سيناريوهات التشدد الأمني أو التصعيد المسلح أو إعادة ضبط المقاربة أو تدويل الأزمة، يبقى العامل الحاسم هو قدرة الدولة على بناء معادلة توازن بين الردع والشفافية، وبين الأمن والتنمية، وبين الاستقلالية وإدارة التحالفات بواقعية. وفي منطقة تتبدل فيها خطوط الجبهات سريعًا، يصبح الاستقرار مشروعًا طويل النفس لا ينجح بالقبضة وحدها، ولا يُحمى دون معالجة جذور الهشاشة التي جعلت من الساحل مسرحًا مفتوحًا للعنف.
………………………………..
[1] Eromo Egbejule, Heavy security deployed at airport in Niger capital after overnight explosions, the guardian. https://www.theguardian.com/world/2026/jan/29/gunfire-blasts-heard-airport-niamey-niger-planes-hit-reports
[2] 20 killed in attack targeting airport in Niger. https://ilkha.com/english/world/20-killed-in-attack-targeting-airport-in-niger-508314
[3] صراع النفوذ في قلب إفريقيا الغربية.. لماذا استُهدف مطار نيامي؟، إرم نيوز. https://www.eremnews.com/news/world/guwfdnc
[4] Sustained gunfire, loud blasts heard in Niger’s capital. Reuters. https://www.reuters.com/world/africa/sustained-gunfire-loud-blasts-heard-nigers-capital-2026-01-29/
[5] الشيخ محمد، النيجر: إطلاق نار في مطار يخزن فيه يورانيوم بقيمة 300 مليون يورو، الشرق الأوسط. https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A3%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A%D8%A7/5235107-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8A%D8%AC%D8%B1-%D8%A5%D8%B7%D9%84%D8%A7%D9%82-%D9%86%D8%A7%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D9%8A%D8%AE%D8%B2%D9%86-%D9%81%D9%8A%D9%87-%D9%8A%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D9%88%D9%85-%D8%A8%D9%82%D9%8A%D9%85%D8%A9-300-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D9%8A%D9%88%D8%B1%D9%88
[6] Niger: probable attaque jihadiste contre l’aéroport, les autorités silencieuses. courrier international. https://www.courrierinternational.com/depeche/niger-probable-attaque-jihadiste-contre-l-aeroport-les-autorites-silencieuses.afp.com.20260129.doc.94dk8g3.xml
[7] النيجر: إطلاق نار في مطار يخزن فيه يورانيوم بقيمة 300 مليون يورو، المرجع السابق.
[8] Avec agences, Que révèlent les tirs autour de l’aéroport de Niamey ?. https://www.dw.com/fr/niger-aeroport-niamey-echanges-tirs-uranium-aes/a-75709887
[9] Wetin we know about gunfire and loud blast for Niger capital Niamey. BBC. https://www.bbc.com/pidgin/articles/cn0yvg9xl59o
[10] تفاصيل حصرية عن هجوم مطار نيامي و”شحنة موسكو”، سكاي نيوز عربية. https://www.skynewsarabia.com/world/1849480-%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B5%D9%8A%D9%84-%D8%AD%D8%B5%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D9%85%D8%B7%D8%A7%D8%B1-%D9%86%D9%8A%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%B4%D8%AD%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88
[11] Chinedu Okafor,Russia helps ward off an attack on Niger close to French-linked nuclear materials, africa.businessinsider. https://africa.businessinsider.com/local/lifestyle/russia-helps-ward-off-an-attack-on-niger-close-to-french-linked-nuclear-materials/zs2p5xk
[12] Russia helps ward off an attack on Niger close to French-linked nuclear materials, ibid.
[13] Communiqué de presse de l’Ambassade de Russie relatif à l’attaque terroriste au Niger contre le camp militaire Chinagoder, Ambassade de la Fédération de Russie en République du Mali. https://rusembmali.mid.ru/fr/ambassade/news/communiqu_de_presse_de_l_ambassade_de_russie_relatif_l_attaque_terroriste_au_niger_contre_le_camp_mi/
[14] تفاصيل حصرية عن هجوم مطار نيامي و”شحنة موسكو”، سكاي نيوز عربية، مرجع سابق.
[15] Communiqué de presse sur l’attaque terroriste meurtrière contre des civils dans la région de Tillabéri en République du Niger. https://achpr.au.int/en/news/press-releases/2026-01-22/communique-de-presse-sur-lattaque-terroriste-meurtriere-contre-des
[16] الساحل الإفريقي.. ساحة “دولية” لصراع النفوذ ومكافحة الإرهاب، سكاي نيوز. https://www.skynewsarabia.com/world/1848912-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82%D9%8A-%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%A9-%D8%AF%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D9%88%D8%B0-%D9%88%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8
[17] فاروق حسين أبو ضيف، مقارنة في مسارات الانتقال السياسي بدول الساحل: النيجر دراسة حالة، قراءات إفريقية.











































