الأفكار العامة:
-الخطر الجوهري ليس في الركود، بل في ردود الفعل الأزموية التي تُكرّس القيود طويلة الأمد.
-استقطبت الأزمات العاجلة الاهتمام السياسي الإفريقي بداية العام الجديد.
– تباطؤ النمو وضغط الدّين وتحويل المساعدات لصالح الدفاع والأمن.
-الإدارة المتسرعة للأزمات تقوّض التخطيط الإستراتيجي وتفشل السياسات العامة.
-وباء كوفيد-19 أثبت أن التمويل الطارئ يضيق الميزانيات ويفاقم أعباء الدين.
-الأنظمة الهجينة في إفريقيا أكثر هشاشة وعُرْضَة للنزاعات.
-انتقل “أفكفتا” في مراكش من الاتفاقيات إلى التنفيذ الفعلي وإزالة الحواجز.
-تنتقل “مهمة 300” للتنفيذ الميداني لضمان موثوقية الشبكة وتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون شخص بحلول 2030.
-القرارات المصيرية ستركز على تمويل الإعمار، فاعلية التكيف، وآليات التأمين.
بقلم: أليز لورو
ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو
لا يكمن الخطر الرئيسي الذي يُهدّد المستقبل في التخاذل أو عدم التحرك، بل في ردود الفعل إزاء الأزمات التي تَفرض قيودًا طويلة الأمد. لم يكد العام الجديد يبدأ حتى استقطب الاهتمام السياسي الإفريقي مرات عديدة، وسط أزمات عالمية وقارية تتطلب استجابات عاجلة. وفي الوقت نفسه، تشير التوقعات الاقتصادية إلى تباطؤ في النمو التجاري، وضغط مستمر على الديون، وانخفاض في المساعدات الإنمائية؛ إذ تُعيد الجهات المانحة توجيه مواردها نحو قطاعَي الأمن والدفاع.
قد يؤدي نَهْج إدارة الأزمات بردود الفعل (الإدارة الارتجاعية) إلى فشل السياسات العامة. فالاستجابات المتعجّلة للصدمات المتراكمة قد تُقوِّض التخطيط طويل الأمد؛ إذا لم تُصَغ ضمن أُطُر استشرافية تُعزِّز من الصمود.
خاضت العديد من الحكومات الإفريقية هذه التجربة خلال جائحة كوفيد-19. فقد أدّى الاعتماد على القروض قصيرة الأجل وتمويلات الطوارئ لاستقرار الاقتصادات إلى فرض قيود ميزانية، وتصاعد تكاليف خدمة الديون، وتقليص هوامش المناورة المالية. وفي المناطق المتأثرة بالنزاعات، أدَّت الاستجابات القائمة على البُعْد الأمني أيضًا إلى تهميش الاستثمارات في مجالات الحوكمة، وسبل العيش، والقدرات المؤسسية.
خمس قوى هيكلية ستهيمن على المشهد الإفريقي وتصوغ مستقبله القريب:
تتصدر الانتخابات في سُلم القوى الهيكلية الخمس، التي تُعدّ بمثابة اختبار للشرعية. ومن المقرر أن تجري العديد من الدول الإفريقية انتخابات في عام 2026م. وقد طعنت المعارضة بالفعل في نتائج الانتخابات العامة التي أجريت في 15 يناير في أوغندا، مما عزّز المخاوف بشأن تضييق المجال المدني وإدارة المنافسة السياسية.
غير أن العامل الحاسم يكمن في ظروف إجراء الانتخابات. ستنظم الغالبية العظمى منها في سياق يسوده توتر ميزاني، وبطالة مرتفعة بين الشباب، وضعف في الخدمات العامة، وفقدان الثقة في المؤسسات. وستعتمد الشرعية السياسية للدول بقدر كبير على كيفية إدارة الخلافات الانتخابية، كما ستعتمد على الفائز بالانتخابات.
الانتخابات بمثابة “اختبارات مقاومة” لأنظمة الحوكمة:
تتجاوز الانتخابات حدود المكتسبات الديمقراطية لتُشكِّل أداة لاختبار صلابة أنظمة الحوكمة. وتشير توقعات برنامج “أفاريا المستقبل والابتكار” (AFI) التابع لمعهد دراسات الأمن إلى أن التنمية طويلة الأمد رهينة بالترابط بين الاستقرار، وقدرة الدولة، والإدماج، وليست مجرد نتيجة للصناديق الانتخابية.
تُعدّ الأنظمة الهجينة (المزيج بين الحكم الاستبدادي والديمقراطي) أكثر عُرضة للنزاعات مقارنةً بالديمقراطيات الراسخة، وهو النموذج السائد في غالبية الدول الإفريقية. وفي سيناريو الحوكمة الذي وضعه برنامج “أفاريا المستقبل والابتكار”، والقائم على افتراض تحسُّن تدريجي في القدرات المؤسسية والإدماج السياسي والاستقرار، يمكن للاقتصاد الإفريقي أن يُحقّق قفزة قاربت التريليون دولار بحلول عام 2043م. كما قد ينجو 46 مليون شخص من براثن الفقر المدقع، ويتفوق نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 8% عن توقعات السيناريو الحالي.
فإذا نجحت انتخابات عام 2026م في تعزيز الشرعية والمصداقية المؤسسية، فإنها ستفتح آفاقًا أوسع للخيارات المستقبلية لهذه الدول.
ضعف التكامل الإقليمي:
أما القوة الهيكلية الثانية، فتتمثل في ضعف التكامل الإقليمي. فالتجزئة السياسية والالتزام المتفاوت بالقواعد يُضْعِف من قوة التفاوض الجماعي للدول الإفريقية، في حين يُعدّ “الحجم” عاملًا حاسمًا في المعادلة الاقتصادية.
وقد شهد منتدى الأعمال التابع لمنطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (AfCFTA) في مراكش خلال شهر يناير الماضي تحولًا من مرحلة الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مصحوبًا بتجدد الاهتمام بإزالة الحواجز التجارية، وتحديث المنظومات الجمركية، وتطوير البنى التحتية الرقمية. وسوف تحدد المفاوضات الجارية حول بروتوكولات المنطقة، لا سيما فيما يتعلق بالتجارة الرقمية وسياسات المنافسة، ما إذا كان التنسيق التنظيمي سينعكس فعليًّا على تدفقات التجارة.
وكشفت نماذج “أفاريا المستقبل والابتكار” أن التطبيق الكامل لمنطقة التجارة الحرة القارية يمكن أن يضيف نحو 650 مليار دولار للاقتصاد الإفريقي بحلول عام 2043، ويُخرج 32 مليون شخص من دائرة الفقر المدقع. وفي المقابل، تزيد استمرار التجزئة من انكشاف القارة أمام الصدمات الخارجية وتعمق الفوارق في النمو. ففي ظل اقتصاد عالمي قائم على المعاملات، لم يعد التكامل مجرد أيديولوجيا، بل أصبح إستراتيجية محورية لإدارة المخاطر.
معضلة التوسُّع الطاقي في إفريقيا:
تتمثل القوة الثالثة في حلّ معضلة التوسُّع الطاقي في إفريقيا. ستواصل الطاقة هيمنتها على إعلانات الاستثمار خلال عام 2026م. بات المشهد الطاقي العالمي أكثر تفتتًا منذ انسحاب الولايات المتحدة مجددًا من الحوكمة المناخية العالمية. وتواجه الحكومات الإفريقية بيئة تمويل مناخي أكثر انتقائية وتسييسًا، تُعلي من شأن الخيارات السياسية الوطنية.
من المفترض أن تنتقل “مهمة 300″(Mission 300) التي أطلقها البنك الدولي والبنك الإفريقي للتنمية -والهادفة لتوصيل الكهرباء إلى 300 مليون شخص بحلول 2030- من مرحلة الوعد إلى التنفيذ الفعلي، للتحقق من مدى توافق عمليات الكهربة مع موثوقية الشبكة، والقدرة على تحمُّل التكاليف، والاستخدام الإنتاجي.
ومع ذلك، فإن تحديد أولويات إصلاحات قطاعات الغاز والطاقة المتجددة والكهرباء، بالتزامن مع الاستثمارات في قطاع النقل، وإصلاح الأسعار، وتعزيز التجمعات الإقليمية للطاقة، هو ما سيُحدّد مآلات المستقبل. وفي ضوء توقعات برنامج “أفاريا المستقبل والابتكار”(AFI)، يكمن التحول الحقيقي في “الأنظمة”، وليس في “المشاريع” فحسب. فالتنفيذ غير المنظّم يحمل مخاطر حبس الدول في قيود كربونية وميزانية ضخمة دون تحقيق مكاسب تنموية تُذْكَر.
المعادن من مرحلة الإنتاج إلى اتفاقيات التجارة:
أما العامل الهيكلي الرابع الحاسم، فيدور حول المعادن، من مرحلة الإنتاج إلى اتفاقيات التجارة. سيتصاعد التنافس على المعادن الحرجة هذا العام، مع إعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية استجابةً لتحولات الطاقة ومساعي التحوط الجيوسياسي. وتقع إفريقيا في قلب هذه المنافسة؛ حيث ستحدد بنية هذه الاتفاقات الطاقية معالم التطور المستقبلي.
وسيكون عام 2026م عام المفاوضات وإعادة التفاوض على العقود: تراخيص التعدين، واتفاقيات التجهيز(Processing)، وصفقات “الموارد مقابل البنية التحتية”، والشراكات الإستراتيجية. تظل الصين راسخة بعمق في القطاعات التعدينية والإنشائية الإفريقية، بينما يقوم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بإحاطة تدخلهما بشكل متزايد باستراتيجيات “أمن الإمدادات”. وهو ما ينتج عنه بيئة تجارية أكثر تنافسية، لكنها في الوقت ذاته أكثر تشرذمًا.
تشير تحليلات “أفاريا المستقبل والابتكار” إلى أن مسارًا يُركّز على التصنيع من شأنه أن يُضيف أكثر من 168 مليار دولار لمكاسب الإنتاج، ويخلق 35 مليون وظيفة إضافية، ويُخرج 19.1 مليون شخص من براثن الفقر بحلول عام 2043م. غير أن هذه النتائج رهن بتحقيق القيمة المضافة، ونقل المهارات، وبناء سلاسل القيمة على المستوى الإقليمي، وليس مجرد زيادة صادرات المواد الخام. والعقود التي تفضّل السرعة على الإستراتيجية تخاطر بتقييد الدول في مسارات ذات قيمة مضافة منخفضة يصعب التراجع عنها.
الصدمات المناخية عوامل مضاعفة للمخاطر:
أخيرًا، تمثل الصدمات المناخية عوامل مضاعفة للمخاطر، من المتوقع ارتفاع وتيرة وشدة التداعيات المرتبطة بالمناخ خلال عام 2026م. فالفيضانات والجفاف والضغط الحراري تنعكس بالفعل على الأنظمة الغذائية، والبنية التحتية الحضرية، والقدرة المالية للدول.
ستتمحور القرارات الجوهرية حول الجانب الميزاني والمؤسسي: كيفية تمويل إعادة الإعمار عقب الكوارث، وما إذا كان تمويل التكيف يُعزّز فعلًا من الصمود، وكيفية تفعيل آليات التأمين وتقاسم المخاطر. وتكشف أبحاث برنامج تظهر أعمال المعهد الإفريقي للمستقبل (AFI) حول المستقبل المناخي أن التكرار المتعدد للتدخلات الإنسانية يُعزّز الهشاشة، بينما الاستثمارات في إدارة الماء وأنظمة الإنذار المبكر والبنية التحتية المقاومة تحمي مكاسب التنمية.
وفي ضوء هذه القوى الهيكلية الخمس، فإن الرسالة لعام 2026م جلية: لن يُرسم مستقبل إفريقيا بموجب أزمة منفردة، بل عبر التأثير التراكمي للخيارات المتخذة تحت وطأة الضغط؛ إذ لا يكمن الخطر الأكبر في الجمود، بل في الاستجابات الآنية التي تسهم، دون قصد، في تكريس القيود بعيدة المدى.
وتُبرز نماذج المحاكاة الخاصة بـ(AFI) هذه الصورة بوضوح؛ فالدول التي تُعزّز الحوكمة والتكامل، وتُوائم أنظمة الطاقة مع الإنتاجية، وتستخلص قيمة أكبر من المعادن، وتستثمر مبكرًا في التكيُّف مع تغيُّر المناخ، تُعدّ مستقبلًا أكثر إشراقًا مقارنةً بتلك التي تعتمد على ردود الفعل إزاء الأزمات والسياسات المجزأة.
إن القرارات الأكثر صعوبة في عام 2026م لن تكون تلك التي تتصدر عناوين الصحف، بل القرارات الأكثر هدوءًا التي سترسم ملامح المصداقية المؤسسية على مدى العقود القادمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رابط المقال:
https://issafrica.org/iss-today/decision-making-under-pressure-africa-s-test-in-2026











































