يُعيد الاتحاد الأوروبي ودوله الاهتمام الكبير بالقارة الإفريقية من أجل ضمان شراكة مستدامة في خِضَم التقلبات الدولية الجارية، وتبدأ بوادر هذا الاهتمام الملحوظ في العام الجاري في قمة إيطاليا-إفريقيا التي ستُعْقَد في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وتسعى روما من خلالها لحَشْد مواقف إفريقية وراء خطة “ماتي” التي تم إطلاقها قبل عامين تقريبًا. مع ترقُّب لقمة فرنسية مماثلة تُعقَد أيضًا في دولة إفريقية (كينيا).
تناول المقال الأول تصوُّر الاتحاد الأوروبي للفكاك من دبلوماسية القمم المجردة (إفريقيا+1)، إلى تبني خطط عملية ممكنة لاستدامة التعاون مع الدول الإفريقية.
أما المقال الثاني فقد تناول أجندة قمة إيطاليا-إفريقيا المرتقبة وفق التقارير الإيطالية ذات الصلة.
وقدَّم المقال الثالث مثالًا عمليًّا على عزم الاتحاد الأوروبي تبنّي توجهات جديدة نوعًا ما تجاه دول القارة برفع ست دول (نيجيريا، جنوب إفريقيا، مالي، موزمبيق، بوركينا فاسو، وتنزانيا) من قوائم الدول ذات المخاطر المالية المرتفعة (29 يناير 2026م).
من القمم إلى الجوهر: فرصة أوروبا للاتفاق مع إفريقيا بشروطها([1])
بينما تغرق إفريقيا في القمم هذا العام، فإنه إذا كانت أوروبا تسعى لاستعادة حضورها في القارة فعليها أن تنظر لما هو أبعد من التقاط الصور في مثل هذه القمم.
ستعود أوروبا في العام 2026م إلى إفريقيا بعدد وافر من القمم في لحظة تزايد حدة التنافس الجيوسياسي. إذ ستستضيف إيطاليا قمة إفريقيا الخاصة بها في القارة للمرة الأولى؛ كما ستعقد فرنسا قمة إفريقيا فرنسا في نيروبي، للمرة الأولى خارج نطاق إفريقيا الناطقة بالفرنسية. كما أنه من المقرر أن تَعقد كل من روسيا وتركيا تجمعات قارية إفريقية موسعة.
وسيختبر هذا النشاط الدبلوماسي الكبير إن كانت أوروبا ستفيق من سباتها، وإن كان بمقدورها تجاوز الانخراط الرمزي (في إفريقيا) إلى مشاركة فعَّالة ومنتظمة، فيما تواجه القارة الإفريقية عالمًا متعدد الأقطاب بشكل متزايد.
ازدهار القمم وفعالية إفريقيا المتزايدة:
تضاعفت قمم إفريقيا+1 على مدار العقد الفائت. إذ تَعقد الآن كل من الصين والولايات المتحدة وروسيا وتركيا واليابان والهند وكوريا الجنوبية، والعديد من دول الخليج، محافل للتعاون مع إفريقيا. كما لحق بالرَّكْب عدد من اللاعبين الصاعدين في الاتحاد الأوروبي مثل إستونيا ولاتفيا وسلوفينيا. وفي العام 2025م عقدت صربيا مؤتمرها الإفريقي الثاني الذي ركَّز على الدفاع، كما ستقدم قمم الأعمال المقبلة في العام 2026م (لا سيما القمة الأمريكية في موريشيوس، والألمانية في غانا) للمستثمرين وصولًا مباشرًا للأسواق الإفريقية.
ويظهر هذا الانتشار أن الدول الإفريقية لم تعد بحاجة لرعاة patrons حصريين. بل إنها باتت تمارس دبلوماسية “حسب الطلب” “a la carte” diplomacy، وربط الشركاء بالحاجات والأولويات؛ مثل: الطاقة من أحد الشركاء، والبنية الأساسية من آخر، والأمن من ثالث. ولا يوجد إلا عدد قليل جدًّا من الدول الإفريقية التي تسعى لتحالفات ثابتة، وتمثل إريتريا الحالة الأبرز. ولا تزال آلية عقد المؤتمرات أداة نافعة في بيئة متعددة الأطراف.
وتوفر هذه الدبلوماسية للقادة الأفارقة رؤية ورافعة دبلوماسية ووصولًا للتمويل. ويُعدّ الرئيس الكيني وليام روتو مثالًا على ذلك: فقد بات، وهو كان من المحسوبين على أشد منتقدي فكرة تجمعات إفريقيا+1، الآن على وشك استضافة أحد هذه التجمعات في بلده (قمة إفريقيا- فرنسا).
على أي حال، فإن الكثير من قمم إفريقيا +1 تعاني في سبيل ترجمة إعلاناتها إلى حقائق ملموسة. فالالتزامات طموحة لكنها تعاني من ضعف مؤسساتي على نحوٍ يُثير الشك بين الشركاء الأفارقة. وغالبًا ما يتم وصف المبادرات الأوروبية على أنها رَدّ فِعْل، وإنها جهود لمواجهة النفوذ الصيني أو الروسي أو التركي. وتميل الحكومات الإفريقية لأن تكون برغماتية، وأن تحكم على العروض بالمخرجات الملموسة وليس بالتحالف الجيوسياسي.
كما يمكن لدبلوماسية القمم أن تحجم قِيَم الوحدة الإفريقية. وعلى سبيل المثال فإن مشاركة الحكومات الإفريقية التي علق الاتحاد الإفريقي عضويتها في مثل هذه القمم أظهر كيف يمكن للحسابات الثنائية أن تُلْحِق الضرر بالمبادئ القارية. ويمكن لشراكة أوروبا المؤسساتية بشكل واضح منذ عقود مع الاتحاد الإفريقي أن تُعزّز مثل هذا التماسك (لكن في حالة واحدة في حال ارتباطها بالالتزام السياسي). وستُتيح علاقة الاتحاد الأوروبي بالاتحاد الإفريقي لأوروبا نقطة رفع قوية مقارنة بمنافسيها. وبدون ذلك، فإن أوروبا تُجازف بأن تصبح مجرد مضيف آخر لقمة إفريقية، لا تختلف في شيء عن أنقرة أو موسكو.
من دبلوماسية القمم إلى الوجود المستدام:
إن إفريقيا تثيب الاستمرارية. فالحوار السياسي المنتظم، والوجود الدبلوماسي والقدرة على التطبيق تُمثّل أمورًا فارقة بشكل أكبر من الأحداث التي تتصدر العناوين. وفي الوقت نفسه فإن الأفارقة لا يزالون يقدرون الصلات التاريخية مع الشركاء التقليديين بما فيهم الاتحاد الأوروبي والكثير من دوله الأعضاء. وفي ضوء عدم القدرة على التنبؤ بسياسات (الرئيس الأمريكي دونالد) ترامب، فإن ذلك قد يُمثّل فرصة لزيادة الانخراط الأوروبي في إفريقيا وانتظامه.
ومع سعي كل من إفريقيا وأوروبا لتنويع حافظة شركائهما، فإن على الحكومات الأوروبية أن تُركّز على التعاون المستهدف في مجالات الاهتمام المشترك، من الانتقال الطاقوي والبنية الأساسية إلى تيسير التجارة والربط الرقمي. كما يقدم التعاون الثلاثي triangular cooperation متنفسًا ممكنًا: إن المبادرات المشتركة التي تجمع الدول الإفريقية مع فاعلين أطراف ثالثة مثل دول الخليج أو الهند يمكن أن تخفض ديناميات المجموع الصفري. ويعكس قرار فرنسا شمول الهند في التخطيط لقمة نيروبي المقبلة هذا المنطق الآخذ في الصعود.
وستكون قمة إيطاليا-إفريقيا 2026م على وجه الخصوص اختبارًا لقدرة المقاربة الأوروبية في إفريقيا على تجاوز الأداء الحالي أم لا. إذ سيضع المؤتمر خطة ماتي Mattei Plan تحت المجهر فيما تسعى روما لإعادة التموضع كشريك أوروبي محوري بالنسبة لإفريقيا، ولا سيما في قطاعي الطاقة والتنمية. وسيتمثل التحدي في إظهار امتداد المبادرة خلف مسألة إدارة الهجرة وتقديم مخرجات اقتصادية ملموسة وذات نفع متبادل.
كما ستعكس قمة نيروبي الفرنسية محاولة لإعادة ضبط العلاقات بعد سنوات من التوتر السياسي في أرجاء غرب إفريقيا ووسطها. ويُؤشِّر عقد الاجتماع في كينيا إلى اعتراف بأن على فرنسا أن تنخرط في إفريقيا فيما يتجاوز شبكاتها التقليدية وجغرافياتها الكولونيالية.
إن تجمُّع كثير من القمم في إفريقيا في العام 2026م لن يُشكِّل السياسة العالمية في حد ذاته. لكنه سيظهر إذا كانت أوروبا مُستعدة لتغيير مقاربتها في قارة باتت تُحدّد بنفسها أجندتها على نحو متزايد أم لا. إن إفريقيا ليست بحاجة إلى مزيد من القمم؛ بل إنها تحتاج لشركاء يعتمد عليهم ونتائج ملموسة. ومن أجل ألا تتخلف أوروبا عن هذا الركب، فإنه عليها دعم الكلمات بالموارد، وأن تظل حاضرة بعد التقاط الصور.
إيطاليا تستضف قمة إفريقية في 13 فبراير المقبل([2]):
ستستضيف إيطاليا قمة إيطاليا-إفريقيا الثانية في 13 فبراير المقبل في أديس أبابا بالتزامن مع قمة الاتحاد الإفريقي وعملًا على تحقيق تقدم في خطة “ماتي”. وسيراجع الاجتماع المرتقب التقدم ويضع أولويات جديدة لشراكة إيطاليا الإستراتيجية مع إفريقيا. ووفق التقارير الواردة من روما فإن الأخيرة ستضاعف التعويل على إفريقيا بوصفها شريكًا إستراتيجيًّا، واستخدام خطة ماتي لوضع مقاربة سياسية واقتصادية بعيدة الأجل مع إفريقيا.
وستستضيف إيطاليا قمة إيطاليا إفريقيا الثانية على مستوى رؤساء الدول والحكومات في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا. وقد أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية “جيورجيا ميلوني” موعد القمة خلال مؤتمرها الصحفي في مستهل عام ولايتها الجديد. ويلاحظ أن القمة ستعقد في إفريقيا للمرة الأولى وستتزامن مع قمة الاتحاد الإفريقي، عشية مجلس الاتحاد الإفريقي لرؤساء الدول والحكومات. ويمثل الاجتماع المرتقب خطوة أخرى في تطبيق خطة “ماتي” من أجل إفريقيا، والتي سبق أن أُطلقت في روما في يناير 2024م، وبهدف بناء شراكة وثيقة مع الدول الإفريقية. وتشمل مجالات أولويات الخطة التنمية المستدامة، والبنية التحتية، والطاقة، والتعليم والتدريب، والرعاية الصحية، والزراعة.
كما ستراجع القمة التقدم الذي تَحقَّق حتى الآن في خطة “ماتي”، ووضع أولويات عملها في السنوات المقبلة بما في ذلك إطلاق مشروعات مشتركة جديدة، والحوار السياسي، و”بعثات نظام” system missions منسقة في أرجاء القارة.
قرار للاتحاد الأوروبي يكلف 6 اقتصادات إفريقيا خسائر بقيمة 40 بليون دولار([3]) :
رفع الاتحاد الأوروبي تصنيفه لست دول إفريقية كاقتصاديات عالية المخاطر بعد سنوات من الإدراج الذي أعاد تشكيل دخول رأس المال وخروجه من تلك الدول. وكان الاتحاد الأوروبي قد وضع (في العامين 2022- 2023) كلًّا من نيجيريا وجنوب إفريقيا وبوركينا فاسو ومالي وموزمبيق وتنزانيا على لائحته الخاصة بالمخاطر المالية المرتفعة، مؤكدًا وجود نقاط ضعف خطيرة في أُطُر مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في هذه الدول. ورغم إضافتها في أعوام مختلفة، فإن هذه الدول الستة كانت تعمل، بحلول العام 2023م، في ظل نفس التدقيق المكثف من المنظمين والبنوك الأوروبية.
وكان تحذير المفوضية الأوروبية من أن أوجه القصور تلك قد هددت النظام المالي للاتحاد الأوروبي، ما أثَّر بقوة على سلوك السوق العالمية. أما بالنسبة للدول الإفريقية التي تعاني بالفعل من تدفقات رأسمالية تصل إليها في حالة هشَّة فإن الإدراج على قائمة الاتحاد الأوروبي قد ترجم الأحكام التنظيمية إلى قيود اقتصادية حقيقية.
وعلى سبيل المثال كان وضع نيجيريا في القائمة (في المرتبة الثالثة من جهة ارتفاع المخاطر) دافعًا لشمولها في القائمة الرمادية “لقوة التحرك المالي” Financial Action Task Force (FATF) التابعة للاتحاد الأوروبي في فبراير 2023م. ورصدت القوة “حالة ضعف دائم في نظام نيجيريا لمكافحة غسيل الأموال وتمويل مواجهة الإرهاب” anti-money-laundering and counter-terrorism financing (AML/CFT) بما في ذلك ضعف فعالية الرقابة، والافتقار للشفافية، وضعف التنسيق بين الهيئات الحكومية، وانخفاض تطبيق المخرجات على الجرائم المالية الخطيرة.
كما تضررت سمعة نيجيريا المالية جراء خطوة الاتحاد الأوروبي؛ وكانت العواقب الاقتصادية للأخيرة سريعة وبعيدة المدى. فقد أعاد المستثمرون الدوليون، مثل صناديق الثروة السيادية، وشركات الأسهم الخاصة، ومدراء محافظ الأعمال، تقييم ملف نيجيريا من جهة الإجراءات والحوكمة بشكل عام. وتراجع الاستثمار المباشر الأجنبي بحدة ليصل إلى 29.8 مليون دولار فقط في الربع الثاني من العام 2024م، وهو تراجع بنسبة 75% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وفي الربع الأول من العام 2025م ظل الاستثمار المباشر الأجنبي عند مستوى 70% أدنى من الربع السابق. ولاحقًا قدّر بنك نيجيريا المركزي أن إدراج نيجيريا في القائمة المادية المذكورة وتداعياتها قد أسهم في خسائر تتجاوز 30 بليون دولار في التدفقات الاستثمارت المحتملة. كما تأثرت العمليات المالية بنفس القدر.
كما شهدت جنوب إفريقيا تجربة مشابهة للتجربة النيجيرية؛ ففي فبراير 2023م تم إدراج الأولى في القائمة الرمادية، مما دفع الاتحاد الأوروبي لتصنيفها كثالث دولة من جهة المخاطر المرتفعة في أغسطس. وأكد التصنيف على ضرورة التزام المؤسسات المالية في الاتحاد الأوروبي بتطبيق عناية لازمة على المعاملات المالية الجنوب إفريقية بما فيها مزيد من التوثيق، والمراقبة المستمرة، وقبول إداري رفيع المستوى.
وواجهت كلّ من مالي وتنزانيا وموزمبيق تحديات كبيرة وفق القائمة الرمادية وتصنيفات الاتحاد الأوروبي للدول ذات المخاطر المرتفعة. وقد أدرجت مالي بسبب قصور في الرقابة المالية، وشفافية الملكية، وإشراف القطاعات غير المالية، وفعالية التنفيذ، بينما أدرجت كلّ من تنزانيا وموزمبيق بسبب ضعف الإشراف ومحدودية قدرة التحقق المالي، وفجوات التطبيق، وكذلك عدم كفاءة التحقيق ومعاقبة مرتكبي الجرائم المالية في تنزانيا. وباستخدام مؤشرات لصندوق النقد الدولي فإنه يمكن تقدير خسارة مالي نحو 1.59 بليون دولار، وموزمبيق 1.57 بليون دولار بسبب الإدراج في القائمة الرمادية للاتحاد الأوروبي.
ومع شطب الاتحاد الأوروبي لكلٍّ من تنزانيا وجنوب إفريقيا وبوركينا فاسو ومالي وموزمبيق ونيجيريا من القائمة الخاصة بالدول التي تعاني مخاطر في الفئة الثالثة (وهو قرار تقرر أن يتم سريانه في 29 يناير 2026م)، والذي سبقه شَطْب الدول نفسها من القائمة الرمادية كاجراء ضروري يستبق الخطوة الأخيرة، فإن البيئة الاقتصادية في هذه الدول باتت مُنفتحة على تحسُّن كبير للغاية في الفترة المقبلة.
…………………………….
[1] Lena Krause, From summits to substance: Europe’s chance to meet Africa on its terms, European Council on Foreign Relations, January 27, 2026 https://ecfr.eu/article/from-summits-to-substance-europes-chance-to-meet-africa-on-its-terms/
[2] Italy to host second Italy–Africa Summit in Ethiopia on Feb. 13, Decode39, January 27, 2026 https://decode39.com/13265/italy-to-host-second-italy-africa-summit-in-ethiopia-on-feb-13/
[3] Majesty Kingsley, This EU decision blocked over $40 billion in capital across six African economies, Finance in Africa, January 27, 2026 https://financeinafrica.com/insights/eu-risk-six-african-economies/











































