روضة علي عبد الغفار
صحفية متخصصة في الشأن الإفريقي
كان من المتوقع أن تذهب تداعيات “طوفان الأقصى” إلى أبعاد ليست في الحسبان، خاصةً مع إسرائيل التي تلقت ضربات متتابعة تُهدّد وجودها وأمنها الإقليمي، وكانت إحدى أهم المناطق المتأثرة بذلك هي القارة الإفريقية؛ كما ذكرنا في تحقيق سابق([1]). لكنّ الاعتراف بأرض الصومال كان مُفاجئًا إلى حدٍّ كبير، والذي تخطو به إسرائيل خطوة خارج محيطها الإقليمي المعقَّد.
فـ”إسرائيل” لم تبذل مجهودًا كبيرًا لترميم صورتها بعد الطوفان، لكنّ الاعتراف الأخير بأرض الصومال أثبت أن إفريقيا أحد أهم الوسائل بالنسبة لإسرائيل لتتمكّن من ترميم صورتها واستعادة نفوذها المتهالك.
في هذا التحقيق تتعرض “قراءات إفريقية” لتداعيات الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال على القرن الإفريقي، وهل تقترب “هرجيسا” حقًّا من حُلمها بالانفصال؟ أم أن وجود إسرائيل سيزيد الوضع تعقيدًا؟
ماذا تريد إسرائيل؟
تكمن أهمية أرض الصومال في موقعها الجيوسياسي، وفي استعدادها للعمل عن كثب مع الدول الغربية، فموقعها عند مدخل خليج عدن -مقابل جنوب اليمن-، الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، يمنحها أهمية جيوسياسية فريدة.
فأرض الصومال يمكن أن تكون قاعدة لمجموعة مُوسَّعة من المهام؛ تشمل: جَمْع المعلومات الاستخباراتية، ومراقبة الحوثيين وحشدهم العسكري؛ وتقديم الدعم اللوجستي للحكومة اليمنية المعترَف بها دوليًّا في حربها ضد الحوثيين؛ والعمليات المباشرة بدءًا من العمليات الهجومية وصولًا إلى اعتراض هجمات الحوثيين في البحر أو بواسطة الطائرات المسيّرة، فهي ركيزة أساسية في جهود إسرائيل للتصدي لتهديد الحوثيين.
إلى جانب الموقع الإستراتيجي لأرض الصومال؛ فإن حكومتها تسعى إلى تعاون مُوسّع مع الدول المُوالية للغرب، ورغم أن إريتريا أقرب من أرض الصومال إلى المناطق التي يمكن منها شنّ عمليات ضد الحوثيين، إلا أن نظامها مُناهِض للغرب، ويحافظ على علاقات ودية مع إيران. بينما جيبوتي تحافظ على حيادها الفعلي في النزاعات الإقليمية، في حين تفتقر إثيوبيا إلى منفذ بحري وتربطها علاقات متضاربة مع الولايات المتحدة.
لذا، تُقدّم أرض الصومال مزيجًا متميزًا من الموقع الجيوسياسي والاستعداد الواضح للتعاون مع الدول المتحالفة مع الغرب، ويؤكد ذلك علاقاتها المتنامية مع الإمارات العربية المتحدة.
في حديثه لـ“قراءات إفريقية” يقول الباحث بمعهد العلاقات الإسرائيلية الإفريقية وجامعة هيوستن، د. آشر لوبوتزكي: إن إسرائيل تسعى إلى حلفاء مُقرّبين في منطقة البحر الأحمر، مدركةً أنها أهملتْ هذه المنطقة الحيوية لفترة طويلة، وهي منفتحة على جميع أنواع التعاون من الاقتصادي إلى الأمني، وترغب في تعزيز الدول الوسيطة القادرة على مواجهة إيران وتركيا.
وأضاف: “إن أرض الصومال عرضت الصداقة، ونأمل أن تتيح أيضًا الوصول إلى موقعها الإستراتيجي الذي يُعدّ بالغ الأهمية للجبهة الجنوبية لإسرائيل”.
وأشار “لوبوتزكي” إلى أن تداعيات الاعتراف بأرض الصومال تتمثل في تعزيز أهميتها للمصالح الغربية، فعلى سبيل المثال؛ تُعدّ أرض الصومال منفذ الإمارات الأكثر موثوقية إلى البحر المحيط بالمنطقة، وهذا يُظهر أن أرض الصومال حليف موثوق به وثابت.
حلم الانفصال:
أزمة إقليم أرض الصومال ليست حدثًا طارئًا أو خلافًا سياسيًّا عابرًا، بل هي نتيجة مسار تاريخي طويل تشكَّل عبر عقود من التراكمات السياسية والاجتماعية والاستعمارية، ويعود أصل الأزمة إلى الحقبة الاستعمارية حين خضع شمال الصومال للاستعمار البريطاني، بينما خضع الجنوب للاستعمار الإيطالي، ولم يكن هذا الانقسام إداريًّا فقط، بل شمل أنماط الحكم والتعليم والبنية السياسية.
وعندما نال الإقليمان استقلالهما عام 1960م، تم إعلان الوحدة بدافع قومي وعاطفي، إلا أنه منذ السنوات الأولى شعر كثير من أبناء الشمال بأن السلطة والثروة تتركز في الجنوب، وأن دورهم في الدولة الجديدة محدود؛ ما زرع إحساسًا مبكرًا بالتهميش.
وتعاظم هذا الشعور خلال حكم الرئيس محمد سياد بري عندما اتسم النظام بالاستبداد والمركزية الشديدة، وبلغ الأمر ذروته بقصف مدن مثل هرجيسا وبُرعو، وهو ما ترك جرحًا عميقًا في الذاكرة الجماعية لسكان الإقليم.
وبعد سقوط نظام سياد بري عام 1991م وتفكك الدولة المركزية، وجد قادة الشمال أن إعلان الانفصال هو السبيل الوحيد لحماية مناطقهم ومنع تكرار المآسي السابقة، وقدّم قادة الإقليم خطوة الانفصال بوصفها استعادة للسيادة التي تخلّوا عنها سابقًا عند قيام الدولة الصومالية الموحدة؛ إلا أن الإقليم عانى من غياب الاعتراف الدولي، وهو ما وظفته إسرائيل للإقدام على تطبيع العلاقات والاعتراف باستقلال إقليم أرض الصومال.
يقول رئيس نقابة الصحفيين في صوماليلاند، زكريا أحمد: “إن الاعتراف هو غايتنا الرئيسية كشعب أرض الصومال؛ لأننا كنا معزولين سياسيًّا ودبلوماسيًّا عن الدول الأخرى طوال السنوات الأربع والثلاثين الماضية، إلى أن كانت إسرائيل أول دولة تُعلن عن أملنا الذي طال انتظاره”.
وأردف في حديثه لـ“قراءات إفريقية”: إنه من المنطقي أن تجذب أرض الصومال العديد من الجهات الفاعلة لتأمين مصالحها في خليج عدن ومنطقة البحر الأحمر؛ وذلك نظرًا لموقعها الإستراتيجي بالغ الأهمية قرب خليج عدن الذي يشهد حركة تجارية واسعة، كما أنها تقع في منطقة نزاعات، لا سيما في الصومال حيث يوجد القراصنة وحركة الشباب، مما يجعلها وجهة جذابة من الناحية الأمنية.
خطوة تحرر أم قيد جديد؟
منذ إعلان استقلالها الفعلي، تباينت أرض الصومال بشكلٍ حادّ مع الصومال في جميع الجوانب تقريبًا: وضعها الأمني هادئ، وسياستها الداخلية مستقرة، ولا يوجد بها وجود يُذْكَر للجماعات المسلحة، ورغم وجود نزاعات حدودية في المناطق النائية التي تسكنها قبائل أخرى، إلا أن هذه النزاعات تظل محدودة النطاق.
ومنذ مطلع الألفية الثانية، حافظت أرض الصومال على نظام ديمقراطي متعدّد الأحزاب مستقر وفعّال مع إجراء انتخابات دورية، وشهدت الانتخابات الأخيرة، التي جرت عام 2024م، انتقالًا سلميًّا ومُنظَّمًا للسلطة، كما أن جميع القوى السياسية الرئيسية في أرض الصومال مُوالية للغرب وحَذِرة من الصين وروسيا، ورغم اختلافها في كيفية تحقيق ذلك إلا أنها تشترك جميعًا في الهدف الأسمى المتمثل في الحصول على اعتراف دولي.
في هذا الصدد يشير الباحث والناشط السياسي من صوماليلاند، عبد الله الفاتح، إلى أنه ثمة اعتقاد واسع داخل الأوساط السياسية والمجتمعية في صوماليلاند أن الاعتراف الإسرائيلي يمثّل اختراقًا سياسيًّا طال انتظاره، بل يُنظَر إليه بوصفه لحظة إجماع وطني نادرة بعد سنوات من الخلافات الداخلية والتجاذبات السياسية، وأنه طوق نجاة سياسي أسهم في توحيد الصف الداخلي، ومنح النخبة الحاكمة دفعة معنوية قوية.
وعن الثمن الذي قدّمته أرض الصومال للاعتراف بها؛ يقول “الفاتح” لـ”قراءات إفريقية”: إنه وفق تقديرات سياسية يُرجّح أن صوماليلاند قدَّمت حزمة من التسهيلات ذات الطابع الإستراتيجي، تتصل بإتاحة استخدام مواقع جغرافية حساسة سواء لأغراض لوجستية أو أمنية، ويُعزّز هذا الطرح الأهمية الجيوسياسية لموقع صوماليلاند المشرف على خليج عدن وبالقرب من البحر الأحمر، ما يجعلها ذات قيمة عالية في حسابات إسرائيل الأمنية والإقليمية.
وأردف أنه كان من المتوقع أن يُشكِّل الاعتراف الإسرائيلي عامل تشجيع لدول أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة؛ إلا أن المعطيات الراهنة تشير إلى أن بعض الدول أعادت حساباتها في ظل ضغوط سياسية ودبلوماسية مارستها قوى دولية وإقليمية مؤثرة.
وعليه بحسب “الفاتح” فإن الاعتراف الإسرائيلي بدلًا من أن يكون نقطة انطلاق لسلسلة اعترافات، فإنه قد يتحوّل إلى عامل تعقيد إضافي في البيئة الدبلوماسية المحيطة بصوماليلاند.
ويعتقد “الفاتح” أن الحضور الإسرائيلي في صوماليلاند لن يُحدث تحوّلًا جذريًّا في موازين القوى الإقليمية؛ إذ إن إسرائيل حاضرة أصلًا في القرن الإفريقي عبر قنوات دبلوماسية وأمنية متعدّدة، لا سيما في إثيوبيا وكينيا، فضلًا عن حضورها الأمني والاستخباراتي في إريتريا وعلى امتداد البحر الأحمر.
لكنّ الجديد في حالة صوماليلاند يتمثل في الطابع العلني والمباشر لهذا الوجود، وهو ما قد يثير حساسيات سياسية وأمنية لدى دول الجوار، ويزيد من تعقيد التوازنات الهشة أصلًا في الإقليم، كما أشار “الفاتح”.
على صفيح ساخن!
أثار الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال ردود فعل دولية وإقليمية أغلبها رافض لهذا الاعتراف، وفضلًا عن المصالح المتضاربة لهذه القوى الإقليمية والدولية فإن هذا الاعتراف؛ الذي يُعطي لإسرائيل موطئ قدم جديد وحيوي في القرن الإفريقي، يزيد من حدة الصراعات في المنطقة المشتعلة أصلًا.
وكانت قد وجهت إثيوبيا الحبيسة أنظارها إلى أرض الصومال؛ إذ أعلنت في 2024م عن مذكرة تفاهم لتأجير منطقة حول ميناء بربرة مقابل اعتراف أديس أبابا باستقلال الإقليم، وتسبب هذا الاتفاق في إثارة حفيظة الصومال، وقرّب حكومة مقديشو من مصر التي لديها خلاف مع إثيوبيا منذ سنوات بسبب سد النهضة، وقرّبها أيضًا من إريتريا، وهي خصم آخر لإثيوبيا منذ فترة طويلة.
ورغم أن إثيوبيا وافقت على العمل مع الصومال لحل النزاع في ديسمبر 2024م، لكن يشاع الآن أن أديس أبابا تستعد للاعتراف بأرض الصومال، وقد يشجّعها على ذلك الاعتراف الإسرائيلي.
أيضًا الولايات المتحدة ليست ببعيدة؛ حيث قال السيناتور الأمريكي تيد كروز -في منشور على منصة إكس-: إن الاعتراف بأرض الصومال يتماشى مع المصالح الأمنية الأميركية، واصفًا إياها بأنها “حليف يشاركنا قيمنا في منطقة حيوية للتجارة العالمية ومكافحة الإرهاب”.
أيضًا يرى بعض المحللين أن على الهند الاعتراف باستقلال إقليم أرض الصومال؛ لمواجهة النفوذ الاقتصادي الصيني في القرن الإفريقي، لا سيما في جيبوتي وكينيا وتنزانيا.
إلا أن بيان جامعة الدول العربية جاء رفضًا لأيّ إجراءات تترتب على الاعتراف الإسرائيلي بانفصال إقليم أرض الصومال، كما شدد البيان على رفض أيّ ربط بين هذا الاعتراف ومخططات تهجير الفلسطينيين خارج أرضهم.
يقول الباحث في الدراسات الأمنية، أحمد مولانا، في حديثه لـ”قراءات إفريقية”: “إن توقيت الخطوة الإسرائيلية يرتبط بحراك دبلوماسي نشط تقوده قيادة “أرض الصومال” لتوسيع شبكة علاقاتها الخارجية، ولا سيما مع إثيوبيا التي وقعت معها اتفاقًا في يناير 2024م، إلى جانب السعي الحثيث لاستقطاب اعتراف أمريكي بالاستقلال في ظل إدارة ترامب.
لكنّ الموقف الأمريكي ما زال يتسم بالتردد بحسب “مولانا”؛ إذ تنظر أطراف في واشنطن للتداعيات الواسعة لمثل هذه الخطوة على تقويض الشراكة الأمنية مع الصومال، خاصةً الحملة على حركة الشباب، وتوتير العلاقات مع حلفاء آخرين مثل مصر وتركيا والسعودية، كما أردف أن الميزة التي يطرحها الداعون في واشنطن للاعتراف -وهي الحصول على موطئ قدم جديد في باب المندب لموازنة الحضور الصيني المهيمن في جيبوتي-، يمكن الحصول عليها من مقديشو نفسها التي لا تمانع من استضافة وجود عسكري أمريكي دائم.
وفي سياق الرفض الإقليمي لهذه الخطوة، من رفض الاتحاد الإفريقي ودول عربية وإسلامية وإفريقية في مقدمتها مصر والسعودية وتركيا وباكستان وإيران والجزائر وجيبوتي وقطر ونيجيريا، بالإضافة إلى الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، يعتقد “مولانا” أن هذا الرفض الإقليمي الواسع يجعل الاعتراف الإسرائيلي خطوة عالية الحساسية، ما قد يُعقِّد مسارات إقليمية أخرى من بينها توسيع اتفاقيات “أبراهام” نفسها.
وأضاف أن هذا يدفع نحو مزيد من التقارب بين مصر وتركيا والسعودية في مقابل محور إسرائيلي إماراتي إثيوبي آخِذ في التشكل، ويضع “هرجيسا” في مواجهة مباشرة مع مقديشو وحلفائها، ما قد يُفْضِي إلى مزيد من الأزمات لإسرائيل بدلاً من توسيع هامش الحركة.
في ضوء ذلك يشير “مولانا” إلى السيناريوهات المحتملة: أولها: أن يبقى الاعتراف رمزيًا دون أن يُغيِّر عمليًّا من وضع أرض الصومال، وذلك في مواجهة رفض إقليمي شامل وخيار دولي بالحفاظ على الوضع الراهن.
ثانيها: أن تلحق الولايات المتحدة بالخطوة الإسرائيلية –وهو رهان نتنياهو– مما يخلق واقعًا جديدًا وآليات تعاون أمنية وعسكرية واقتصادية، سيكون من المتوقع ترسيخه بمرور الوقت.
ويأتي السيناريو الثالث بحسب “مولانا”: أن ينتج عن خطوة الاعتراف ومحاولة فرض الأمر الواقع تداعيات أمنية، تشمل توجيه حركة الشباب عملياتها لاستهداف أيّ وجود “إسرائيلي”، وتدخلات أمنية وعسكرية مصرية وتركية لمنع الكيان الانفصالي من ممارسة سيادته، خاصة البحرية.
وختامًا… إن وضع إقليم أرض الصومال يُعدّ شديد الحساسية والتعقيد، ففضلًا أنه إقليم إفريقي فهو أيضًا عربي مسلم، ويأتي التطبيع مع إسرائيل خطوة تمدّها بالحياة بعد حربها على غزة، فهل حقًّا تحصل أرض الصومال على اعترافات أخرى بعد الاعتراف الإسرائيلي؟ أم يزداد الأمر تعقيدًا؟
…………………………..
[1]https://qiraatafrican.com/15930/%d8%aa%d8%af%d8%a7%d8%b9%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b7%d9%88%d9%81%d8%a7%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%82%d8%b5%d9%89-%d9%83%d9%8a%d9%81-%d8%b3%d8%aa%d8%aa%d8%a3%d8%ab%d8%b1-%d8%b5%d9%88%d8%b1%d8%a9-%d8%a5/










































